تأليف : امل شانوحة
الحجز الصامت
في مشرحة القرية .. سأل المحقق طبيب التشريح عن الجثة المشوّهة (التي وجدوها خارج الغابة) فور انتهائه من معاينتها ..
فأجابه الطبيب بحزم :
- اغلق جميع مخارج القرية فوراً !!
المحقق بقلق : مالذي يحصل ؟!
الطبيب :
- يوجد اسفل الغابة ، مختبرٌ بيولوجيّ سرّي.. كنت أحد الباحثين فيه ، قبل طردهم لي .. بعد رفضي تصنيع سلالة معدّلة وراثياً من البكتيريا القاتلة ، لتحويلها لاحقاً إلى سلاحٍ بيولوجيّ لخدمة بلادنا عسكرياً .. رغم انني حذّرتهم باستحالة السيطرة عليها .. (ثم أشار إلى الجثة) .. أترى وشم كتفه ؟
المحقق : نعم
فأزال الطبيب روبه الأبيض ، كاشفاً قميصه :
- وانا ايضاً لديّ ذات الوشم ، كبقية العلماء العشرة المشاركين بالمختبر السرّي.. (ثم نظر للجثة) .. لا استطيع معرفة من يكون ، بعد تشوّه وجهه بشكلٍ مقزّز .. وأظنه أُصيب بالمرض أثناء التجارب ، فهرب خوفاً من احتجازه .. لكنه انهار قبل ابتعاده عن الغابة
المحقق بقلق : وهل يوجد مرضٌ جلديّ يشوّه الجسد بهذه السرعة ؟!
- هي نسخة معدّلة صُممت لتنتشر بسرعة ، وتقتل بغضون أسابيع قليلة.. لهذا يمنع علينا جميعاً مغادرة القرية الموبوءة
المحقق : لكني غير مصاب بالمرض ؟!
- طالما دخلت المشرحة ، فأنت تحمل المرض .. وكذلك فريق الشرطة الذين أحضروا الجثة الى هنا
فشحب وجه المحقق :
- لكن زوجتي على وشك ولادة طفلنا الأول في المدينة
الطبيب بحزم : إيّاك الذهاب اليها !! إذا خرج المرض من قريتنا ، فلا يستطيع أحد إيقافه.. سأحاول التواصل مع من تبقّى من علماء المختبر ، لإيجاد العلاج قبل فوات الأوان..
***
في تلك الليلة.. استيقظ المحقق على مكالمة زوجته وهي تخبره بفرح عن ولادة ابنه .. ولشدة سعادته ، انطلق بسيارته الى المدينة لرؤية مولوده الجديد الذي ما ان حضنه وقبله ، حتى تذكّر تحذيرات الطبيب
فأعاد الطفل الى زوجته وهو يتصبّب عرقاً ، ويعتذر عن اضطراره العودة للقرية سريعاً دون اخبارها بالمرض المعدي
^^^
وما ان دخل قريته ، حتى طوّقها الجيش من جهاتها الأربعة ..
ولم يكتفوا بإغلاق الطرق ، بل قطعوا الإتصالات .. واضعين السكّان المذعورين تحت الحجر الصحيّ بأوامر سرّية من الحكومة ، بعد تأكيد المختبر عن وقوع تسرّبٍ بيولوجيّ.
***
وبمرور الأيام ، تزايد عدد الوفيّات بالقرية
وبعد أسبوعين.. كان المحقق يحتضر ، والذي همس للطبيب الذي قدم لمعاينته :
- سامحني ، لقد خالفت أوامرك... وذهبت إلى زوجتي ، وحملت طفلي بين ذراعي.. رجاءً إرسل من يطمئن عليهما
^^^
وفي أقل من ساعة ، وصلت فرق الطوارئ إلى المدينة..
ليجدوا الزوجة متوفية ، بينما طفلها سليماً معافى !
حيث أظهرت الفحوصات : أنه يحمل طفرةً جينية نادرة ، جعلت جهازه المناعيّ يقضي على العدوى قبل انتشارها بجسده الصغير ! وبذلك تحوّل دمه إلى الأمل الأخير..
ومن خلاله ، نجح العلماء في إنتاج العلاج ..وإنقاذ من تبقى من سكّان القرية ، بعد موت نصفهم تقريباً !
بعدها أُُحرق المختبر السرّي ، وأُغلقت مشاريعه للأبد.. وظن المسؤولون أن الكارثة انتهت.. لكنهم لم يعلموا بالسرّ الذي حمله المحقق معه إلى قبره..
فهو اثناء خروجه من مستشفى الولادة ، صادف حبيبته السابقة التي جاءت لزيارة إحدى قريباتها.. تبادلا كلماتٍ قليلة ، قبل ان تفاجئه بعناقٍ أخير !
بعدها بأيام ، سافرت برحلةٍ سياحية الى الهند ..
حيث انتشر المرض الجلدي بين السكّان سريعاً ، أطلقوا عليه مصطلحاً طبياً آخراً ! دون ربطه بمرض القرية الذي بقيّ ملفه من اسرار الحكومة .. وكلّه بسبب المحقق الذي لم يتحمّل شوقه ، لرؤية مولوده الجديد
***
ولم يمضي العام.. حتى أصبح ذلك الوباء أعظم كارثة عرفتها البشرية ، بعدما حصد أرواح الملايين .. وانتشر من دولةٍ إلى أخرى ، الى ان غطّى معظم أنحاء العالم !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق