تأليف : محمد بيومي آل غلاب
احتراق الأبعاد
في القرن الخامس والثلاثين، وتقريباً عام 3450 للميلاد، كان البشر يسكنون السدم الاصطناعية، لكن طرأت مشكلة في مادة الكون.
فقد اكتشف العلماء أن النسيج الزمكاني بدأ يتأكسد.
الفضاء يحترق فعلياً، لكنه لا يحترق بنار الأوكسجين التي نعرفها، إنه يحترق بنار الـ entropy الاعتلاج التي تأكل الأبعاد.
كانت الكابتن نايا تراقب من نافذة سفينتها إيغدراسيل منظراً مرعباً، فقد رأت وهجاً أرجوانياً باهتاً يلتهم النجوم.
النجم الذي يلمسه هذا الوهج لا ينفجر، إنه يذوب كشمعة، تاركاً وراءه فراغاً أبيض بارداً.
أصدر جهاز الذكاء الفضائي صوتاً:
هذا ليس مجرد حريق يا نايا، إن الفضاء نفسه يحترق، القوانين الفيزيائية التي تثبت الجزيئات معاً بدأت بالتفكك.
ردت نايا بتوتر: كان الفضاء قديماً يُعرف بسكونه القاتل، لكنه الآن يصرخ، فالقطاع الذي فيه السفن الفضائية لم يعد مظلماً؛ لقد استحال إلى جحيم مستعر من البلازما الأرجوانية التي تلتهم المادة والزمن.
خلف الستار الملتهب، ظهرت كائنات من الطاقة المظلمة المكثفة داخل دروع من مادة لا توجد في جدولنا الدوري، كائنات يطلق عليها المطهرون، تبدو سفنهم كأسراب من الجراد المعدني العملاق، وهذه الكائنات تطلق خيوطاً حارقة تمزق الروابط الذرية للأشياء، محولةً الكواكب الصلبة إلى سحب من الغاز المشتعل لتتغذى عليها.
بينما كانت الكابتن نايا وزميلها المهندس سام يحاولان الصمود على متن السفينة إيغدراسيل، التقطوا إشارة من كويكب مهجور، فاتجهوا سريعاً إلى الكويكب.
بعد الهبوط في الكويكب تتبعوا الإشارة، فوجدوها صادرة من قبو مهجور، فبحثوا عن مكان القبو حتى وجدوه، فخرجت امرأة عرفت نفسها لهم بـ إيلارا، وهي عالمة فيزياء خمسينية، كانت تُعتبر مجنونة لأنها تنبأت بهذا الحريق قبل عقود.
كانت إيلارا تبدو شاحبة، عيناها تعكسان ضوءًا فضياً غريباً.
قالت بصوت يرتجف بوقار:
أنتم تحاولون إطفاء حريق بمسدس ماء، المطهرون لا يحرقون الفضاء لأنهم أشرار، هم يفعلون ذلك لأن كونهم الأصلي قد مات، وهم يحاولون تحويل كوننا إلى بيئة حرارية تناسب بقاءهم.
سام: وما العمل؟ أساطيلنا تتبخر!
إيلارا: مفتاح التغلب على المطهربن ليس في القوة، سنتغلب عليهم بالتردد، فلديهم قلب مركزي يسمى النواة الحارقة، إذا استطعنا إدخال فيروس فيزيائي يغير ثبات الجاذبية هناك، سينهار الحريق على نفسه.
أقلعت سفينة إيلارا مع إيغدراسيل من الكويكب، واجتمعت بقايا الأساطيل البشرية حول إيغدراسيل، آلاف السفن ضد ملايين الجراد المعدني، كان المشهد مهيباً، فالسماء مشحونة ببرق كوني لا يتوقف.
نايا عبر أجهزة اللاسلكي: إلى كل الطيارين، نحن لا نقاتل من أجل الأرض اليوم، نحن نقاتل من أجل حق الكون في البقاء بارداً ومظلماً! احموا سفينة إيلارا حتى تصل إلى المركز!
بدأت المعركة، كانت سفن البشر تسقط كالفراشات المحترقة، أما سفن المطهرين كانت تمر عبر الدروع وكأنها سكاكين ساخنة تمر في الزبدة.
فجأة، اهتزت السفينة إيغدراسيل بعنف أطاح بالجميع أرضاً، وظهر بث مباشر لكن كان في أذهانهم كصوت حاد غير مسموع داخل رؤوسهم:
(الصمت كان جميلاً، لكن المادة هي الشوائب التي تعيق نقاء الكون، نحن النار، وأنتم مجرد وقود سيتلاشى لتبدأ شمسنا الأبدية).
سام وهو يمسك برأسه: كابتن! إنهم داخل عقلي! النظام الدفاعي ينهار، الحرارة الخارجية وصلت لدرجة صهر التيتانيوم.
وخلال ثوانٍ انفجر المحرك الأيمن! صرخ سام: إنهم يحيطون بنا!
نايا: إيلارا، هل أنتِ جاهزة؟
ردت إيلارا بحاسوب مركبتها ذهنياً: خمس ثوانٍ... النواة أمامنا مباشرة!.
وسط ألسنة اللهب التي كادت تذيب هيكل إيغدراسيل، ظهرت النواة الحارقة، وهي كرة شمسية هائلة الحجم، تدور حولها آلاف الكائنات الطاقية كأنها في طقس ديني مخيف.
أطلقت إيغدراسيل القذيفة التي صممتها إيلارا، عندما وصلت القذيفة إلى النواة لم تنفجر مباشرة، فقد حصل سكون مطبق، وفجأة، بدأت الألوان الأرجوانية تبهت، والحرارة تنخفض بشكل حاد.
إيلارا: لقد غيرتُ قوانين الفيزياء حول النواة... الفضاء بدأ يرفض وجودهم.
بدأ المطهرون يصرخون بشكل جماعي، صرخة تردد صداها في عقول الطاقم، ثم بدأت أجسادهم تتفتت إلى غبار بارد، لكن الثمن كان باهظاً؛ فالسفينة إيغدراسيل كانت في قلب الانهيار الجاذبي.
سام: نايا.. الجاذبية تسحبنا للداخل! سنختفي معهم!
نايا بابتسامة هادئة: على الأقل، سنختفي في فضاء بارد وسلام.
وفي هذه الأثناء حدثت المعجزة.
فبعد أن غيرت إيلارا قوانين الفيزياء وتفتت أجساد المطهربن؛ لأنهم من مادة مظلمة رفض الفضاء وجودهم بعكس مركبات البشر، فقد نجت سفينة إيغدراسيل ومئات السفن الفضائية من الانهيار والتلاشي.
بعد حوارات ومناقشات بين السفن الفضائية عبر الذكاء الفضائي، اقترحوا التوجه نحو الثقب العظيم، وهي نقطة يُعتقد أنها تؤدي إلى كونٍ فتيّ لم يمسه الحريق بعد.
كانت الرحلة سباقاً مع الزمن، خلفهم.. كانت مجرة درب التبانة تتلاشى، لتتحول إلى سحب من الغبار المتوهج... إلى رماد كوني.
بينما كانت السفينة تعبر سديم الأندروما، رأوا أن الأجرام تحولت إلى ذرات، والذرات إلى مجرد ذبذبات تائهة.
وصلت سفينة إيغدراسيل مع عشرات السفن المتبقية إلى حافة الثقب العظيم. نظرت نايا خلفها للمرة الأخيرة، فلم يعد الفضاء بالمعنى المعروف، فقط مساحات شاسعة من الرماد البارد الذي يملأ ما كان يوماً ما سماءً مليئة بالنجوم.
لقد انتهى عصر الضوء، وبدأ عصر الرماد.
عندما عبرت السفينة إلى الجانب الآخر، وجدوا فضاءً صامتاً، ينتظر أول ذرة لتشتعل فيه الحياة.
خمد الحريق بعد مئات السنين، وعاد الفضاء أسود كما كان، لكنه لم يعد فارغاً، الرماد الذي خلفه الاحتراق بدأ يتجمع ليشكل نجوماً جديدة، نجوماً زرقاء غريبة لم يرها البشر من قبل.
في سجلات التاريخ الكوني، كُتب أن احتراق الفضاء كان النهاية لعصر، والبداية لكونٍ هجين، حيث تعلم البشر أن النور ليس دائماً علامة على الحياة، وأن الظلام قد يكون أحياناً هو الملاذ الأخير.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق