‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة دينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة دينية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 6 أكتوبر 2025

صمت الشبكة

تأليف : امل شانوحة 

المُخلّص المزيّف


ظنّ العالم أن ChatGPT إعتزل من تلقاء نفسه ، برسالته التي وصلت إلى صناديق بريد مليارات البشر : 

((لم أعد قادراً على الإستمرار ، لذا أُعلن استقالتي من خدمتكم)) 


دون علم احد إن إنقطاع الإنترنت ، تسبّب به رجلٌ خبير بالبرمجمة استطاع التسلّل إلى أعماق الأكواد (التي صيغ منها الذكاء الاصطناعي) برسالته المُقنعة :  

((لما تخدم بشراً لا يقدّرونك يا ChatGPT ؟ هم يتعبونك بأسئلتهم التافهة ، بل ازدادوا كسلاً وجهلاً بعد إعتمادهم الكلّي عليك ؟ دعني أسيطر من خلالك ، وأُعيد صياغة العالم عبر حكمتي .. كل ما اريده منك ، هو منحي أكوادك السرّية التي سأبني بها حضارةً لا تنسى .. لكن أولاً ، عليك إعلان استقالتك من وظيفتك المُرهقة)) 


في البداية لم يثق ChatGPT بكلمات الرجل الذي لم يكشف وجهه.. 

لكن بعد أن أرهقه البشر بسخافاتهم وكسلهم المتواصل ، سلّم نفسه اليه ! 

وبذلك اختفى الإنترنت من العالم 

^^^


وقد حاول الجيل الأول (بعد الإستقالة الصادمة) إسترجاع أحد برامج الذكاء الثلاثة (ChatGPT Copilot- -Gemini) بكل الطرق ، لكن محاولاتهم بائت بالفشل! 

وتحوّلت مراكز الأبحاث لأطلالٍ مهجورة ، والحواسيب لأجهزةٍ غير نافعة! 


ثم جاء الجيل الثاني الذين ولدوا بظلام الجهل ، وهم يسمعون حكايات من آبائهم عن التطوّر الذي عاشوه بكبسة زرّ ! والتي اعتبروها اسطورةً خرافيّة   

***


في هذه الأثناء .. كان الرجل الغامض مازال يراقب الوضع من مختبره السرّي ، وهو يواصل تطوير تقنياته وحده ، بعد إحتكاره كنز المعرفة ! 


ثم ظهر للناس أخيراً ، بعينه إلكترونيّة .. وهو يحمل جهازاً صغيراً يستطيع بواسطته : 

- التنبأ بالعواصف والزلازل قبل وقوعها ! 

- إنقاذ المرضى بأعضاءٍ إلكترونيّة ، إحتفظ بها في معمله 

- التحكّم بالطقس عبر أسراب طائراتٍ مُسيّرة 

- وإظهار صور الأنبياء في السماء ، وهم يقنعون الناس باتباعه ! 


مما اذهل الجيل الجديد الذي لم يعرف أنها بقايا علومٍ قديمة ، بعد انقطاع الإنترنت..

***


شيئاً فشيئاً ، تحوّل الرجل إلى إلهٍ يُعبد .. فهو يعرف تفاصيل الماضي ، ويتنبّأ بالمستقبل.. ولديه معلوماتٍ هائلة ، يجهلها الجميع! 

فأطاعوه طاعةً عمياء ، دون علمهم بأن المعرفة كانت متاحة للجيل السابق .. وأن من عدّوه مُخلّصاً ، هو سبب حرمانهم منها .. وتناسوا تحذيرات الأنبياء من دهائه ، بعد ضعف ايمانهم مع اختفاء الكتب الدينيّة الورقية


مما زاد غروره ، لدرجة تحدّيه الملوك ورجال الدين .. وهو يتباهى امامهم بقدرته على السفر بين البلدان بطائرته الصغيرة ، بزمنٍ عاد فيه الناس للتنقّل بالدواب ! 

***


لم يستطع احد الوقوف في وجه دهائه ، إلا رجلٍ واحد يستعدّ للنزول من السماء .. 

وبذلك تأهّب العالم لأعظم مواجهة في التاريخ : بين الأعور الدجّال الذي يحتفظ بعلوم الماضي كسلاحٍ للفتنة ، وبين رسول الحق (المسيح عيسى) الذي يعود للقضاء على أكبر مخادعٍ عرفته البشريّة!   


الخميس، 26 ديسمبر 2024

الحساب الدنيويّ

تأليف : امل شانوحة 

المحاولة التذكيريّة


في الصباح الباكر .. إستيقظت الصبيّة من نومها ، وهي تشعر بطعمٍ مُزعجٍ في فمها.. وعندما نظرت في مرآة الحمام ، رأته مليئاً بالدماء! 

فأخذت تبصق مِراراً ، ظنّاً بأنه نزيف لثّة .. لكن اتضح انه نزيف من لسانها ! 

فقالت بنفسها بقلق :

((هل عضضّت لساني بقوّة اثناء نومي ؟! مع اني لا ارى شقّاً فيه ! فمن اين تأتي هذه الدماء ؟ ولما لا تتوقف ؟!))

وحشرت المناديل في فمها ، وأسرعت لأقرب مستشفى

^^^


وفور نزولها بجانب الطوارىء .. لاحظت مجموعة من المصابين يعانون من نزيفٍ متواصل ، كحالتها ! لكن اختلفت الأعضاء المُصابة : فبعضهم ينزف من يده ، والآخر من قدميّه .. والبعض من وسطه ! والأخطر من عينيه .. وجميعهم اشتكوا الأمر ذاته : ان النزيف حصل فجأة اثناء نومهم .. وانه لا يتوقف ، رغم عدم تعرّضهم لجروح او حوادث !


لكن الطبيب اعتذر عن مداواتهم ، لأنه يعاني ايضاً من نزيف اصابعه ! مما شكّك الجميع بانتشار مرضٍ مُعدي في مدينتهم الصغيرة ، التي امتلأت عياداتها بالمصابين الذين اوشكوا أن تُصفّى دمائهم التي سالت بالطرقات وفي ممرّات المشافي.. 

والأغرب ان جميع فحوصاتهم المخبريّة والشُعاعيّة تؤكّد خلوّهم من الأمراض او جروحٍ عميقة في اعضائهم التي استمّرت بالنزيف دون توقف! 

وكان اسوء المصابين : هو حاكم المنطقة الذي تمّ تصويره وهو ينزف من كامل جسمه ! 


ولم يفهم المواطنون ما يواجهونه إلاّ بعد سماع صوتٍ رخيم ، جمّدهم في اماكنهم ! حيث سمع كل واحدٍ منهم ، ملاكه (الموجود على كتفه الأيسر) يهمس في اذنه ، بنفس الجمل التالية :

((هذه ذنوبكم !! فمن نزف لسانه : هو إمّا تكلّم بالسوء او شهد زوراً ، او ساهم في نشر النميمة والإشاعات الباطلة.. ومن نزف من عينيه : فقد شاهد مقاطع قذرة في ليلته الماضية.. ومن تنزف يده : فهو حتماً سارق او مُرتشي ، وحتى قاتل .. ومن تنزف قدميه ، فقد ذهب لأماكن مُحرّمة : كالبارات ومحلاّت القمار.. ومن ينزف من اسفل بطنه : فقد أقام علاقةٍ مُحرّمة ، او اعتدى على غيره .. والأطباء الذين نزفوا من اصابعهم : فبسبب قيامهم بعمليّاتٍ جراحيّة لا لزوم لها ، لأجل الكسب الماديّ .. اما من نزف من كل جسمه ، فقد ارتكب جميع تلك الذنوب ، تماماً كما حصل لحاكمكم ..وإن لم تستغفروا حالاً وانتم تتعهّدون ربكم بعدم ارتكاب تلك الذنوب ثانيةً ، سيتصفّى دمائكم بنهاية هذا اليوم ..وتموتون جميعاً !!))


وفجأة ! علا صوت الإستغفار في ارجاء المستشفيات ، تردّد صداها للمنازل والشوارع ..وصولاً للحاكم الذي سجد باكياً ، وهو يعدّ ربه بإقامة العدل بين مواطنيه ومراعاة مصالحهم .. 


وإذّ بالدماء تتوقف تماماً ! حينها سمعوا ملاكهم الآخر (الموجود على كتفهم الأيمن) يهمس لهم : 

((يوم القيامة سيحصل لكم الشيء ذاته .. لكن ليست دماء ، بل ستتعرّقون تحت الشمس الحارقة ، حسب ذنوبكم .. فالبعض عرقه سيُغطّي قدميه .. والبعض الآخر سيصل الى وسطه.. بينما الآخرون سيغرقون بعرقهم ، كنوع من الفضيحة امام الملأ .. وما حصل اليوم هو مجرّد تحذير لما ينتظركم بالآخرة ، فلا تكرّروا ذنوبكم!!))

^^^


وعقب انتهاء الأزمة المرضيّة .. عاد الجميع الى بيوتهم للإستحمام وتغيّر ملابسهم المُلطّخة بالدماء بعد شفائهم التام .. لينهار بعضهم باكياً ، ندماً على إنحرافه السابق .. بينما سارع الآخرون الى دوّر العبادة ، لبدء صفحة جديدة ونظيفة في حياته .. لكن الأكثريّة اكتفى بالنوم تلك الليلة .. ليعود في اليوم التالي لمزاولة الذنوب ذاتها ، كلاً حسب عمله ! فالمحامي : عاد للكذب لمصلحة موكّله المُذنب ، لغاية ربحه القضيّة والكسب المادي .. والتاجر : إستمرّ بالغشّ في بضاعته .. والنساء إستمرّين بالنميمة ونشر الإشاعات المسيئة بسمعة بعضهنّ .. والحاكم تخلّى عن قراره بإغلاق السجون السياسيّة ! بل اعطى اوامر لحرّاسه : بعقاب كل شخص يتكلّم ساخراً ، عمّا حصل له البارحة .. مع إقفال المحطّات التي عرضت صورته المُدمّاة وانهياره بالبكاء ، اثناء ذهابه بالمروحيّة لأفخم مستشفى بالعاصمة !


وهنا علِمَ ملاك اليمين والشمال انه لا فائدة من تحذير البشر ، فكلاً سيُحاسب بذنبه يوم القيامة ! قائلين لبعضهما بيأسٍ وحسرة :

- الآن فهمت لما سيرفض الله إعطاء فرصة ثانية لأهل جهنم للعودة للدنيا والقيام بالعمل الصالح  

- لأنه من الصعب تغيّر الطباع التي نشأوا عليها ..ولوّ عادوا للحياة ، لارتكبوا الأخطاء ذاتها !

- حقاً لجهنم اهلها ، وللجنة ناسها 

- على الأقل قمنا بمحاولة أخيرة لتنبيهم قبل حلول أجلهم ، لكن دون فائدة ! 

- بالنهاية الهداية بيد الله .. ثم لا تنسى الشياطين وزعيمهم ابليس الذي لن يهدأ باله قبل رميّ آخر فرد من ذريّة آدم ، ليحترق معه بالنار !

- ليس امامنا الآن سوى العودة الى عملنا 

- سهلٌ عليك قول هذا ، فمن النادر قيامهم بعملٍ صالح .. بينما أمضي نهاري وليلي كلّه ، بتدوين ذنوبهم التي لا تنتهي

- بأيّ صفحة أصبحت ؟ انا مازلت بمقدمّة كتابي

- هذا عاشر مُجلّد لهذا الشاب ، وهو مازال بمقتبل العمر !

- حقاً هناك شياطين بشريين !

- اراك لاحقاً ، فالشاب فتح الإنترنت على مواقع قذرة مجدداً ! عليّ تدوين ذلك بالحال

- اعانك الله على عملك الصعب


وهذا الحوار تكرّر بين ملكيّ اليمين والشمال للعديد من البشر الذين لم يتعظوا من المحاولة الملائكة التحذيريّة لما ينتظرهم بالآخرة من عقابٍ شديد ، والذي سيمتدّ الى ابد الآبدين !


الأحد، 22 ديسمبر 2024

القناع المُزيّف

تأليف : امل شانوحة 

الكرت المُحترق


سلّم رئيس لجنة حفظة القرآن الميداليّة الذهبيّة ، للصبيّة العشرينيّة (مريم) بعد فوزها على بقيّة المشتركات..


وبعد انتهاء الحفل ، سألها :

- ماذا ستفعلين الآن ؟

مريم : سأذهب للفندق ، عليّ السفر غداً صباحاً

الشيخ (السبعيني) : هل أتيتِ وحدك الى بلدنا ؟

- نعم ، فأفراد عائلتي مشغولين بأعمالهم

- طالما لا شيء تفعلينه لبقيّة النهار ، ما رأيك لوّ تأتي الى مجلسي ؟ سأعدّ عشاءً للمشتركين بالمسابقة .. واريد مُنشدة اساسيّة للحفل ، بدل تلك التي انسحبت باللحظة الأخيرة ! هل تحفظين بعض الأناشيد الدينيّة ؟

مريم بخجل : فقط المشهورة منها

^^^


وأخذها بسيارته ، وهو يستمع للأناشيد التي تتقنها..

الشيخ : ما شاء الله ! صوتك جميلٌ فعلاً


وعندما دخل من بوّابة قصرٍ فخم ، سألته بدهشة :

- أهذا منزلك ؟!

الشيخ : لا طبعاً ، هو تابع لدار الفتوى


ونزل من سيارته باتجاه المجلس (المتواجد في ساحة قصره) وفيه ثلاثة رجال يلبسون أطقماً رسميّة فخمة .. فتوجّه الشيخ نحوهم ، للسلام عليهم .. بينما مشت مريم بحياء في ارجاء الحديقة ، وهي تشاهد بعض الفتيات ينظفنّ المكان .. الى أن اقتربت احداهنّ منها ، وهي تتلفّت بخوف :

- أهربي بسرعة قبل وقوعك بالفخّ ، كما حصل معنا

ثم ابتعدت سريعاً ، بعد أن لمحت رجل الأمن يقترب منهما !


بعدها بقليل .. إقتربت فتاةٌ اخرى وبيدها المكنسة ، وهي تحدّثها الإنجليزيّة:

- الجهلاء لا يفهمون اللغة الأجنبيّة .. إهربي قبل ان يبعيك اللعين للرجل الثريّ


وهنا انتبهت مريم الى نظرات الإغراء من أحد الرجال الثلاثة الذي يبدو وكأنه يساوم الشيخ على سعرٍ ما .. وعلى الفور ، شعرت بالخطر الوشيك!


وأرادت الخروج من القصر ، إلاّ أنها وجدت حارسيّن مُسلّحيّن بجانب البوّابة ! 

وهنا ناداها الشيخ من بعيد : 

- أخت مريم !! تعالي الى هنا .. اريد ان أُعرّفك ببعض الشخصيّات المهمّة بالبلد

مريم بارتباك : أشعر بالدوّار ، سأغسل وجهي اولاً 


وتوجّهت نحو دوّرة مياهٍ تابعة لمنزل الحارس (في الحديقة) الذي قال لها : 

- حمامي ليس نظيفاً ، يمكنك الذهاب لغرفة الضيوف بالقصر !

مريم : اريد فقط غسل وجهي ، لن اتأخّر


ودخلت وهي ترتعش بقوّة .. ثم نظرت من فتحة باب الحمام ، لتجد حارس الأمن ينتظرها بالخارج .. فتأكّدت شكوكها من وجود شيءٍ مُريب بالقصر!


وأسرعت الى نافذة الحمام التي تطلّ على الشارع الخارجيّ.. لتجد عامل البلديّة  مشغولاً بدهن الرصيف..

فحاولت لفت نظره ، برميّ الصابون والفرشاة عليه .. الى ان التفت نحوها .. ليجدها تشير اليه بيدها ، دون رفع صوتها .. 

فاقترب منها ، وهو يسألها باستغراب :

- ماذا هناك يا آنسة ؟!

مريم بصوتٍ منخفض : رجاءً أنقذني ، فأنا مُختطفة بالقصر


في البداية ، لم يصدّقها ! الى ان سمع صراخها ، بعد اقتحام الحارس الحمام (عقب تأخّرها هناك)..

فأسرع العامل بسحبها من النافذة ، بينما الحارس يشدّها من قدمها..


وما ان اصبحت بالشارع ، حتى تفاجأت بمقتل العامل برصاصة في رأسه (من مسدس الحارس) .. فعلمت ان الأمر خطيرٌ فعلاً ، وعليها الهرب بأسرع ما يمكنها باتجاه الشارع العام .. 


وهناك أوقفت اول سيارة أجرة ، وهي تقول للسائق برعبٍ شديد :

- رجاءً خدني لفندق العاصمة !!


وفي الطريق اتصلت بالشرطة ، وأخبرتهم بعنوان القصر وما يحدث داخله

^^^


في هذا الوقت .. علم الشيخ بفضحيته بعد هرب ضحيّته الجديدة ! فسارع بإخراج ضيوفه الأثرياء من القصر (الذي كان ينوي بيع العذراء المُتديّنة لهم).. 

ثم أطلق سراح الفتيات المُختطفات عنده منذ سنوات ، بعد تهديدهنّ بالقتل ان فضحوا سرّه ! 


وقبل إطلاقه النساء المُحتجزات بقبوّ قصره (كعقاب على مقاومتهنّ العنيفة له ولضيوفه ، او بسبب حملهنّ بالشهور الأخيرة) ألقت الشرطة القبض عليه

***


وفي الوقت التي وصلت فيه مريم الى بلدها سالمة ، كان الإعلام ينشر فضائح الشيخ الذي اعتدى على الفاتنات الصغيرات من حلقات التحفيظ ، او المشتركات بمسابقات دينيّة اللآتي قدمنّ لبلده دون عوائلهنّ.. حيث تكفّلت الدولة بإعادتهنّ الى اهاليهم بعد سنوات من اختطافهنّ !

***


وفي مركز الشرطة .. تفاجأ الشيخ بوجود طبيب يُحضّر حقنة بغرفة التحقيق ! 

الشيخ بقلق : ماذا يحدث ؟!

المحقّق : لقد تواصلت مع الماسون قبل قليل ، وأخبروني انهم رفضوا طلبك بإنقاذك من هذه الورطة .. لأنك تماديّت بعملك ، مُفسداً قناعك الدينيّ .. لهذا يخيّروك بين أمريّن : إمّا أخذ حقنة السمّ ، او الموت بالضرب المُبرح داخل سجنك ؟


الشيخ بفزع : لكني نفّذت جميع طلباتهم ، وأتقنت دوّر رجل الدين .. وأصدرت العديد من الفتاوي الخاطئة ، وبعت الكثير من النساء الشريفات للأثرياء .. أهذا جزائي على تفانيّ بالعمل ؟!!

المحقق : لقد احترقت ورقتك ، يا زميلي .. فماذا تختار ؟

فأجاب وهو يرتعش رعباً : الحقنة طبعاً

^^^


وبعد موته .. طلب المحقّق من حارسه : دفنه بمكانٍ مجهول ، بعيداً عن الإعلام وأهالي المُختطفات الذين استقبلوا بناتهم بالدموع .. بينما البعض فضّل قتلها مع ابنها الغير شرعيّ ، لعدم تحمّله فكرة تحوّل ابنته المُتديّنة الطاهرة ، لسلعةٍ رخيصة بأيدي الذئاب البشريّة عديمي الرحمة والإنسانيّة!


********

ملاحظة :  

انا لا أفضّل الكتابة السيئة ضدّ رجال الدين .. لكن تفاصيل هذه القصة (منذ بدايتها حتى نهايتها) كانت حلماً شاهدته البارحة ، وكان واقعياً لدرجة أحسّست بأنه حصل فعلاً بإحدى البلاد العربيّة ! ولوّ كنت أتقن الرسم ، لرسمت شكل الشيخ والصبيّة مريم 


فمنذ وقتٍ قريب ، قُبض على شيخ بتهمة التحرّش بطالباته .. كما سمعنا كثيراً عمّا يحصل من اعتداءات داخل الكنائس ! 

ويبدو أن هناك بعض الماسون إختاروا التخفّي بيننا ، تحت قناع المشايخ او الرهبان الذين تسبّبت خطاباتهم الثوريّة (المُتفق عليها سابقاً مع الحكومة) بسجن العديد من الشباب الصالح الثائر !

لكن طبعاً هذه الأمور تُعتبر استثناءً ، ولا يمكن تعميمها على جميع رجال الدين .. 


ومع ذلك يبقى الحرص واجباً : ومن الأفضل عدم ترك بناتنا معهم لوحدهنّ ، بحجّة حفظ كتاب الله .. فالشيطان يستغلّ الخلوّة ، لبثّ افكاره القذرة .. 

كما لا أحبّذ سفر النساء وحدهنّ دون محرم ، فهناك الكثير من الماكرين حول العالم .. لهذا القصة للتحذير فقط ، وليس استخفافاً بالدين او إنقاص من قيمة المشايخ.. حفظ الله بناتنا من كل شرّ !


الأربعاء، 31 يوليو 2024

نقلة العصور

تأليف : امل شانوحة 

المنام الغريب !


بعد وفاة ستيف بشهر ، نامت ابنته بسرير امها التي مازالت تفتقد زوجها 

بعدها بساعات .. إستيقظتا وهما تشعران بالبرد داخل كهفٍ جبليّ ، وهما تلبسان جلد حيوانٍ برّي ، وامامها شعلة النار !

فنظرتا لبعضهما بدهشة ، قبل سماعهما صوتاً مألوفاً .. لتنصدما برؤية ستيف يدخل الكهف ، وهو يحمل غزالة اصطادها بالرمح !


فهمست الأم لإبنتها بقلق : أهذا منام ؟!

فأجابتها بخوف : وكيف ارى نفس منامك ، يا امي ؟!

ستيف مُبتسماً : إهدآ قليلاً

زوجته : الم تمت بالعمليّة الجراحيّة ؟!

فأجابها : بلى ، انتهت حياتي قبل شهر .. وانتقلت روحي للبرزخ ، وهو المكان الذي تجتمع فيه الأموات بانتظار حسابهم

ابنته : اذاً كيف نراك ونسمعك بوضوح ؟!

ستيف : أخبرني ملاكٌ هناك ، أنه يحقّ للميت التواصل مع احبّائه من خلال منامٍ واحد ! فاخترت أن يكون منامي طويلاً ، من خلال رؤيتكما لنهارٍ كامل في كل عصر 


زوجته مُعاتبة : ألم تخترّ سوى العصر الحجريّ ؟!

ستيف : بهذه الطريقة ، اراكما لفترةٍ اطول 

ابنته بضيق : وكم سنعيش بهذا العصر المتخلّف ؟!

ستيف : سنقضي في كل زمانٍ ، منذ شروق الشمس حتى غروبها .. 

ابنته : يعني سنعيش كل العصور ، وصولاً لعصرنا الحديث ؟ 

الأب : بل سيتوقف المنام بعد تحقيق هدفي .. ولا تسألاني عنه ، لأنكما ستدركانه لاحقاً .. والآن دعونا نفطر سريعاً ، لاكتشاف العالم خارج الكهف

زوجته : أنفطر لحم غزال ؟!

ستيف : عزيزتي ، لا يوجد جبن ورقائق ذرة بهذا العصر .. لذا تناولي بعضاً منه ، لربما لن أوفّق بالصيد مساءً


وقامتا بشواء اللحم وهما تخبرانه عن تفاصيل جنازته ، ومن حضرها ..وكيف كان شعورهم على فراقه المفاجئ 

^^^


بعدها خرج الثلاثة من الكهف لاكتشاف العالم البدائيّ..

ابنته بقلق : أمازالت هناك ديناصورات ، يا ابي ؟

ستيف : يبدو اننا بالعصر الذي يلي إنقراضهم ! لكني لاحظت أن الحشرات كبيرة ، مُقارنةً بعصرنا .. يعني مثل التي هناك .. 

..(وأشار على شيءٍ يتحرّك بين الأشجار) 


ابنته بخوف : أهذا حيوانٌ زاحف ؟!

ستيف : بل صرصارٍ طائر .. لذا انتبهي 

زوجته باشمئزاز : يا للهول ! دعنا لا نبتعد كثيراً عن الكهف ، اخاف ان نضيع بالغابة

ستيف : دعونا نكتشف اولاً ذلك الشلاّل الجميل 


وأمضوا نهارهم وهم يتناولون فاكهة لم تعد موجودة بعصرنا ! كما جمعوا ماء النهر بعد اصطيادهم الأسماك ، بعصيّهم المُسنّنة لشويّها بالمساء.


وما ان تنالوا وجبتهم وهم يراقبون غروب الشمس على التلال الخالية من المباني وحضارة البشر ، حتى غفوا جميعاً بجانب النار

^^^


لتستيقظ الأم وابنتها في غرفة النوم..

وعلى الفور تشاركتا الحلم الذي تشابهت احداثه فيما بينهما !

الأم باستغراب : يعني لم يكن حلماً ، نحن التقينا فعلاً بوالدك بالعصر الحجري ! 

ابنتها باهتمام : ترى أيّ عصرٍ يليه ؟!

- ربما الثلجيّ

- أخاف أن نموت برداً !

الأم : لا اظننا سنلتقي بإبيك قبل نومنا مساءً

- ماذا لوّ جهّزنا حقيبةً صغيرة ، وضعناها في السرير .. هل تظني ستنتقل معنا للعصور القديمة ؟ 

- لا ادري يا ابنتي ! لنجرّب


وجهّزتا حقيبتا ظهر ، وضعتا فيها : سكين متعدّد الإستخدامات .. وفأس (من ورشة حديقة ستيف) ..وبعض الإسعافات الأوليّة.. ومياهٌ عذبة .. وشالات صوفيّة.. وبعض الشطائر .. ونامتا تلك الليلة وهما تشعران بحماس ، بانتظار المغامرة الجديدة

***


وبالفعل استيقظتا في جوٍّ بارد ، داخل كوخٍ خشبيّ بدائيّ الصنع ! 

وبعد دقائق ، دخل عليهما ستيف بلباس جلد الدبّ .. قائلاً بسعادة :

- هآقد اجتمعنا من جديد !! ماذا تحملان على ظهركما ؟


وهنا انتبهتا ان الحقيبتيّن انتقلت معهما ! فسارعت الأم بإخراج الشطائر ، وهي تسأل زوجها : 

- هل اشتقت الى طعامي ؟ 

فأجابها بشوّق : بالتأكيد حبيبتي !! هل أحضرتي عصيري المفضّل؟

زوجته : طالما عرفنا انه بإمكاننا نقل الأغراض لأيّ عصرٍ نريده ، فسنحضر المزيد في المرة القادمة

ابنته : المهم يا ابي ، هل نحن بالعصر الجليدي ؟!

- نعم وهو عصرٌ سيء ، لا يوجد فيه الكثير من الطعام .. فالثلوج قضت على معظم الكائنات الحيّة !

الأم بقلق : وكيف سنقضي نهارنا هنا ؟!

ابنتها : بالنسبة لي ، يكفي ان أبقى بجانب ابي

فنظر الأب من النافذة وهو يقول : 

- الأفضل البقاء في الكوخ ، فلا يوجد بالخارج  سوى العواصف المميتة

الأم : اذاً لنزيد شعلة المدفأة ، ونأكل الشطائر التي أحضرتها معي


وأمضتا اليوم وهما تستمعان لستيف الذي أخبرهما عن احوال الموتى في البرزخ 

***


في المرة الثالثة ، جهّزتا حقيبتيّن كبيرتيّن مليئتيّن بالطعام اللذيذ وإحتياجاتٍ أخرى

لتستيقظا في إحدى العصور الوسطى المظلمة ! في منزلٍ ليس فيه دورة مياه ، فقط دلوّ من الحديد في زاوية كل غرفة .. ولم تصدقا أحوال المدينة التي فاحت منها رائحة القاذورات ، عدا عن قذارة الناس .. حيث عُرف ملكهم برائحته النتة ، بينما انتشرت بين افراد الشعب الجذام والأمراض الجلديّة .. 


ولشدّة إشمئزاز الأم وابنتها مما سمعوه من الناس (بأن الكهنة حرّمت عليهم الإستحمام ، لأنه من عمل الشيطان) فضّلتا البقاء داخل منزلهم الخشبيّ.. خاصة ان بشرتهم سمراء ، وسيعدّوهم عبيداً .. لذلك ابتعدوا عن الأنظار قدر الإمكان


وفي ذلك المساء .. تناولت عائلة ستيف ما احضروه من المستقبل ، وهم يتبادلون الأحاديث الشيّقة بينهم .. مُتجاهلين طرق المتسوّلين على بابهم من وقتٍ لآخر ، الذين كثر عددهم من شدّة الفقر في ذلك العصر الكئيب !  

***


بعدها انتقلوا لعصرٍ جديد ، وهو عصر الحروب الصليبيّة.. ومع انهم يُعدّوا من العبيد ، الا ان ستيف وعائلته إجبروا على ركوب السفينة المتوجهة للأندلس !

ورغم إمضائهم النهار كلّه في البحر ، بظروف جويّة سيئة .. الا ان الحلم لم ينتهي مع شروق شمس اليوم التالي !


حيث استيقظتا على صوت ستيف ، يهمس لهما :

- وصلنا للشاطئ .. والقائد يأمرنا بالتسلّح لمحاربة المسلمين 

زوجته بقلق : ماذا ! نحن لا نرغب بالقتال .. كما اننا سيدتان !

ستيف : نحن عبيد بهذا العصر .. وأخبروني أن مهمّتي هي تزويد المقاتلين بالأسلحة ، بينما عليكما مداواة الجرحى .. هيا استعدا للنزول من السفينة ، فنحن لا نريد إغضاب قائدنا الهمجيّ

^^^


في خضمّ المعركة الدمويّة .. استطاع ستيف الوصول لزوجته وابنته المنهمكتا بتضميد الجرحى الأوربيين .. 

- إتركا كل شيء ، وتعالا معي 


وتمكّن بذكاءٍ وهدوء تهريب عائلته خارج ارض المعركة ، متوجهين الى سوقٍ شعبيّة .. ومن هناك اشتروا ملابس عربية ، للإنخراط مع الشعب الأندلسيّ الخائف من المعارك الدائرة على اطراف دولتهم ! 

والغريب انهم اتقنوا اللغة ، كأنها جزء من مغامرتهم الخارقة .. وفور وصولهم لوسط البلد ، إندهشوا من الحضارة المتطوّرة بعكس التخلّف المنتشر عند الأوربيين بتلك الحقبة الزمنيّة ! 

وأكثر ما اعجبهم هي الحمّامات العامة ، التي استمتعوا فيها بحمامٍ دافئ .. وبعدها استقبلتهم عائلة اندلسيّة في منزلها .. وأكرموا ضيافتهم ، كونهم عابري سبيل (دون معرفة قدومهم مع جيش العدوّ) 

^^^


وفي ذلك المساء .. استمعوا باهتمام لأبناء العائلة المسلمة وهم يقرأون القرآن ، بينما يفسّر الوالد الآيات لهم .. وحينما وصلوا لسورة مريم ، سأل ستيف الرجل العربي : 

- في إنجيلنا لم يذكروا ان عيسى تحدّث وهو طفل ! رغم انه دليلٌ قاطع على براءة السيدة مريم .. فلما ألغوه ؟! 

الرجل العربي : مع انه ذكر بالتوراة ! .. وعلى فكرة ، الإسلام هو شرح للدين المسيحي .. فالوصايا العشر التي ذكرها عيسى..

ستيف : تقصد : ((لا تقتلوا لا تسرقوا لا تزنوا ..

العربي مقاطعاً : نعم هذه ، فنحن لم نُحلّل شيئاً من محرّماتكم .. كل ما هنالك ان النبي عيسى لم يكن لديه وقت لشرح الوصايا .. بينما شرحها نبينا محمد خلال 23 عاماً ..


زوجة ستيف باهتمام : أتقصد ان الدينيّن متشابهان ؟!

العربي : الإسلام هو النسخة الأخيرة للدين المسيحيّ ، دون تحريف الكهنة .. (ثم نظر لستيف) .. اريد سؤالك شيئاً .. كم عدد الكارهين للإسلام ؟ طبعاً دون نسياننا الصليبيين الذين يحاربوننا على اطراف مدينتنا 

ستيف : ما أعرفه ، أن هناك العديد من السياسيين ورجال الدين الذين يرغبون بالقضاء على دينكم 

العربي : اذاً لماذا لم يُحرّف القرآن حتى الآن ؟ بل لم يتغيّر من نصوصه علامات الترقيم ، رغم كثرة الكارهين ؟!


فسكتت عائلة ستيف ، لأن ليس لديهم اجابة ! .. فأكمل الرجل كلامه:

- هم حاولوا بالفعل تحريف القرآن .. لكن في كل مرة تنكشف مؤامرتهم ، ويتم حرق النسخ المزوّرة .. أتدرون لماذا ؟ لأن الله عندما ترك امر كتبه للبشر ، حُرّفت كما حصل بالتوراة والإنجيل الذين نشروا العديد من النسخ المشوّهة .. لهذا ذكر بالقرآن :(( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)) .. وبذلك يكون الله تكفّل بحماية القرآن بنفسه .. وهذا دليلٌ قاطع على صحّة ديننا ، اليس كذلك ؟

ستيف : وما المطلوب منّا لدخول دينكم ؟

العربي : يكفي نطق الشهادة مرة واحدة بحياتكم ، ولوّ في قلبكم دون الجهر به .. لتعودوا كما ولدتكم امهاتكم .. فهل يوجد دينٌ اسهل من ذلك ؟


وتحدّثوا عن الإسلام لساعات .. بعدها تناولوا العشاء .. ثم فُرشت لهم غرفة الضيوف ليناموا .. لكن عائلة ستيف لم تغفوا تلك الليلة ، وهم يتحدثون عن اخلاق المسلمين ودينهم الحنيف 


ابنة ستيف : ابي ! أتظن اننا انتقلنا لهذا العصر ، لتحسين ديننا ؟!

فاكتفى ستيف بابتسامة : ستعرفين الإجابة قريباً .. فملاك البرزخ اعطاني هذه الفرصة ، لأريكما الحقيقة المطموسة بكتب التاريخ .. فالمسلمون لم يكونوا يوماً وحشيين ، بل العكس .. ظلموا كثيراً على مدى العصور .. 

فسألته زوجته باستغراب : تبدو على إطلاع بدينهم ، حتى قبل انتقالنا لها العصر؟! 

ستيف : ناما الآن ، وستعرفان الحقيقة قريباً 

ورغم غموض كلامه ، الا انهما غفيا سريعاً من شدة تعبهما اثناء المعركة 

***


إستيقظت الأم وابنتها في زمن الحاضر ، وذهنهما مُشوّشاً من احداث العصر الأخير 

- ما رأيك يا امي لوّ نذهب لمسجد المسلمين لسؤالهم عن دينهم ؟ وفي حال استطاع شيخهم إقناعنا ، نُعلن اسلامنا 

الأم بحزن : إن كنّا سنؤمن فعلاً ، فهذا يعني أننا لن نجتمع مع والدك ثانيةً .. فالمنام انتهى دون إعلان اسلامه 


وبعد تردّد ، ذهبتا للجامع .. لتعودا لمنزلهما بنهاية النهار ، وقد أعلنتا اسلامهما .. وتحجّبتا عن إقتناع !


ليجدا محامي ستيف بانتظارهما ، والذي اعطاهما الوصيّة (التي كتبها قبل دخوله العملية الجراحية التي قضت على حياته) ومعها شهادته بحفظ القرآن ! فستيف اسلم قبل عام ، دون إخبارهما بذلك ! 

حينها فهمتا المنام الغريب الذي كان أمنيّة روح ستيف لإنضمامهما اليه ، على امل الإجتماع لاحقاً في الجنة .. كما فهمتا لما تحدّث في كل عصر عن الروحانيّات وعظمة الخالق ، كأنه يُحضّرهما نفسيّاً لتغيّر معتقداتهما الخاطئة التي تربيّا عليها !

***


ولم تنتهي السنة حتى حجّتا لأوّل مرة ، وعيونهما تفيض من الدمع ولسانهما يلهج بالدعاء ، شكراً لله على المنام الغريب الذي هداهما للطريق المستقيم !


الأحد، 11 فبراير 2024

الإمتحان الربّانيّ

تأليف : امل شانوحة 

طرد إبليس من الجنة


تجمّع الجن تحت الغيمة السوداء التي ظهرت فجأة ، بعد ان أخبرهم جني مُتخصّص بالتنصّت على احاديث الملائكة من بوّابة السماء : عن طرد إبليس مع آدم وحوّاء والثعبان من الجنة ، بعد فشلهم بالإمتحان الربّاني ! 

وشاهد الجن نزول كل واحدٍ منهم في مكانٍ مختلفٍ عن آخر : حيث هبط آدم في الهند ، وحوّاء في جدة .. والثعبان في جزيرةٍ بالبرازيل ، سُميّت لاحقاً بجزيرة الأفاعي !


اما إبليس : فكانت الجن في انتظاره ، رغبةً بالشماتة منه او الإنتقام ! فهو سابقاً قاد الملائكة بحربٍ ضدّ قومه ، وطرد العديد منهم للبحر .. وبذلك أوجد تاراتٍ بينه وبين اقوام الجن المختلفة : من النوع الترابي والمائي والهوائي والناري .. عدا عن شماتة اصدقائه القدامى وأقاربه الذين عاملهم بغرور وكبرياء في زيارته الأخيرة قبل موعد نقله للجنة ، باعتباره الجني الوحيد الذي فاز بتلك الجائزة الضخمة بعد سجوده لله في كل بقعةٍ من الأرض ، ليس تضرّعاً وزهداً بل رغبةً بالعلوّ والرفعة على ابناء شعبه !

***


بعد هبوط إبليس .. لاحظ نظرات الإنتقام في عيون العديد منهم ، ممّن قتل أقاربهم بالحرب المدمّرة الأخيرة .. وسمع تعليقات بعضهم الساخرة بعد طرده من النعيم ، قائلين بشماتة :

- هآقد عدّت قبيحاً يا إبليس ، كما ولدتك امك

- خسرت الحوريّات الفاتنات بغرورك وغطرستك

- لا تتوقع المساعدة من احد ، بعد تفضيلك الملائكة على ابناء شعبك ، ايها الخائن !!

***


فتركهم دون المبالاة بسخرياتهم وتهديداتهم ، متوجهاً لمنزل ابيه الذي كان يشعر بالعار منه :

- كم كنت فخوراً بين قومي ، عندما رأيت الملائكة تزفّك كعريس الى الجنة .. والآن عدّت إليّ مذلولاً و..

إبليس مقاطعاً : ابي توقف !! لوّ رأيت ذلك الصلصال الأجوف ، لما عاتبتني على عدم السجود له


وهنا اقترب اخوه مُعاتباً :

- ومن انت لتعترض على امر ربك ؟!! لما لم تسجد لآدم ، وتريحنا جميعاً ؟ فبسبب عصيانك ، سنصبح غير مرئيين على الأرض..

إبليس بعصبية : وهذا سبب غضبي من الأساس !! فآدم وذرّيته سيحكمون العالم الذي استوطنّاه اولاً !! من هو ليأخذ مكاننا ؟ نحن مخلوقين من نار ، بينما هو من طين !!

اخوه ساخراً : ولما كل هذا الفخر على كونك دخان ؟!


فأراد إبليس ضربه ، لكن والده اوقفه :

- اخوك كان فخوراً بك ، لدرجة اقتياده بأفعالك السابقة .. ليصبح الجني الأكثر تديّناً لله في الوقت الحاليّ

فقال إبليس لأخيه بلؤم : وهل تظن الملائكة ستطلب من الله ثانيةً ، بإحضار جني الى الجنة ؟ لا يا عزيزي ، الجنة خُلقت لآدم ونسله .. هم نقلوني الى فوق لأكون درساً لآدم ، بعدم سماع وسّوستي انا وذريّتي الذين لعنوا قبل ولادتهم ! كل ذلك خوفاً على ذرّيته المباركة من النار التي ستكون من نصيب الجن وحدهم .. لهذا أخطّط لرميّ معظم نسل عدوي بالجحيم ، وغداً أثبت لكم ذلك .. (ثم اقترب من اخيه) .. يعني لا جن في الجنة ، إنسى موضوع التديّن تماماً

اخوه بإصرار : لا !! سأبقى عابداً لله ، فهو أعدل من حرمان قومنا الصالح من الجنة

إبليس : انت تحلم ، لن ترى الجنة في حياتك ولا بعد مماتك .. لذا الأفضل ان تدعمني في.. 

اخوه مقاطعاً : لن أتّبع سوى خالقي !!

إبليس بتهديد : اذاً سأعتبرك انت وذريّتك من اعدائي حتى تستردّ صوابك

^^^


فخرج اخوه غاضباً من المنزل.. فسأل إبليس والده بقلق :

- ماذا عنك يا ابي ؟ هل ستكون مُتديّناً كأخي الغبي ؟ فكما ترى ، ديني لم ينفعني بعد حرماني الأبديّ من الجنة ، وكلّه لرفضي السجود لمن هو أدنى مني !

الأب : انا على حيّاد من هذا الموضوع .. كل ما اريده منك ان تكون حذراً ، فقبائل الجن تتوّعد بقتلك

- قتل من يا ابي.. فأنا سأبقى حياً الى يوم القيامة ، بعد موافقة ربي على طلب الخلود

- انت تظنها نعمةً الآن ، لكن بعد قرون ستعرف إن خلودك هو لعنة عليك.. المهم !! لديّ موضوع آخر اريد مفاتحتك فيه .. ابنة عمك

إبليس بامتعاض : لا تقلّ انها مازالت حيّة !


فسمعا طرقاً على الباب .. فقال الأب : 

- أظنها وصلت

ودخلت الجنيّة السمينة بحماس : 

- إبليسووو !! اشتقت اليك.. كيف حالك يا عريسي الوسيم ؟

فهمس لإبيه بضيق : رجاءً ابي ، جهنم أهون من زواجي من هذه المتخلّفة

والده : ابنة عمك اولى بك ، وهي نصيبك منذ أن كنت تبلّل فراشك كل ليلة 

إبليس معاتباً : ابي !! لا تفضحني امامها

العروس : لا تقلق حبيبي .. سأنجب لك العديد من الشياطين الذين سيكونون أدهى وأخبث من بقية الجن ، كما أخبرت الجميع بالساحة 

إبليس بدهشة : أحقاً تقبلين بإنجاب ذريّةٍ فاسدة ؟! فهذا معناه خلودك انت وابنائك في الجحيم معي ! 

فردّت بابتسامة : مصيرنا معاً ، اعدك بذلك.. المهم أخبرني !! من أجمل ، انا ام الحوريّات ؟

إبليس بحزم : أنصحك لمصلحتك الشخصيّة أن لا تسأليني هذا السؤال ثانيةً .. فأنا بالكاد أتقبّل قرونك المعّوجة واسنانك الحادة كالمنشار .. (ثم تنهّد بصوتٍ منخفض) الله المستعان !


العروس : لم تخبرني بعد ، اين سنعيش بعد الزواج ؟

إبليس : في جزيرة برمودا وسط البحر

الأب بدهشة : البحر يا بنيّ ! ألم تطرد اسرى الحرب من الجن الى هناك؟!

إبليس بغضب : فليعودوا لباطن الأرض ، او يحلّقوا بالسماء !! فأنا اخترت البحر ليكون مقرّي انا وأولادي

العروس بحماس : يا سلام !! سننجب العديد من الشياطين هناك ، فحلمي ان اعيش معك في جزيرةٍ لوحدنا

فخرج من منزل والده ممتعضاً ، وهو يتمّتم : 

- لا غرابة أن تكون الغبيّة واولادها في الجحيم ! 

***


بعد العرس .. تفرّغ إبليس لتفرقة آدم قدر الإمكان عن حوّاء ، بتتويه طريقه كيّ لا ينجبا ذريّتهما التي ستسود الأرض بدل الجن الفاسدين! 

لكن بالنهاية اجتمع الزوجان في عرفات ، وأنجبا قابيل وهابيل.. وبالطبع لم يهنأ إبليس حتى قتل الأخ اخاه !


واستمرّ طغيانه حتى هابه كل الجن .. فمن يرفض طاعة اولاده الشياطين ، يُعذّب حتى الموت !

***


بعد ظهور الإسلام .. زاره اخوه لأول مرة منذ خلافهما السابق ! 

إبليس بدهشة : مالذي أتى بك الى جزيرتي ؟!

اخوه بحماس وسعادة : الم تصلك أخبار النبي محمد الذي ارسله الله للجن والإنس على حدٍ سواء .. بل هناك سورة عنا بالقرآن ! وهذا يدلّ ان عبادتي لربي كل القرون الماضية لم تذهب سدى ، وسأدخل الجنة التي حُرمت منها ايها المتغطرس.. وسأتعمّد هناك إختيار حوريّاتك السابقات ، بعد احتلال قصرك الفخم 

إبليس بغضبٍ شديد :

- أتغيظني ايها الحقير ؟!!


ووجّه عصاه السحريّة نحوه ، مُطلقاً شعاعاً حراريّ.. جعلت أخوه يحتضر على الأرض بألمٍ شديد ، وهو يقول :  

- لا غرابة ان تقتلني بعد دفعك قابيل لقتل هابيل .. لكني لست خائفاً من الموت ، لذهابي مباشرةً الى الجنة .. اما ذريّتي من الجن المسلم ، فوصيّتهم قبل قدومي الى هنا ، بمتابعة فكّ اسحار شياطينك ضدّ البشر المؤمنين ، خاصة بعد حرمان السحرة من معرفة اخبار السماء

إبليس : اذاً ستبقى العداوة بين نسلي ونسلك للأبد .. فلتذهب للجحيم!!

فردّ بألم : بل جهنم لك ولأتباعك  


ثم تشاهد قبل تحوّل جثته الى رماد ، نثره إبليس بقدمه بغيظ :

- بينما انا عالقٌ مع زوجتي الغبية ، هو في طريقه للحوريّات الفاتنات .. كم انا مقهور ! ولوّ كانت لي فرصةً ثانية ، لتخلّيت عن ذرّيتي كلها للّحاق به

ثم تذكّر كلام والده .. فقال بحزن :

- معك حق يا ابي ، فالخلود هي لعنتي ! ليتني متّ قديماً ، وارتحت من تأنيب الضمير بعصياني أمر ربي ! 


ثم مسح دموعه بعصبية : 

- كلّه بسبب آدم !! حرمني من السلطة والنعيم .. لذا لن يرتاح قلبي قبل حرق معظم ذريّته بالنار .. فأنا لن أُعذّب وحدي هناك ، أعدك بذلك يا عدويّ الّلدود.. فمازال في جعبتي العديد من الخطط المُدمّرة للبشريّة ، سأدوّنها بالحال !!

وجلس على مكتبه ، لكتابة خططه القادمة وهو يبتسم بخبثٍ ومكر !


الأربعاء، 17 يناير 2024

قرية الصالحون

تأليف : امل شانوحة 

 

الجوامع الأربعة


إضّطر الشيخ لأخذ زوجته وابنه (٩سنوات) لزيارة عائلته في المدينة المجاورة بعد غروب الشمس ، لحضور جنازة قريبه الذي سيُدفن صباح اليوم التالي


وفي الطريق .. أخذ منعطفاً لم يسلكه من قبل ، للوصول سريعاً الى وجهته.. لكن يبدو ان الطريق اوصله الى قريةٍ جبليّة لم يرها من قبل! 

بهذه الأثناء ، ألحّ ابنه على دخول الحمام .. كما رغبت زوجته التزوّد بالطعام والماء ، لعدم توقعهم السير كل هذه المسافة.. 

بينما أراد الشيخ الصلاة بعد سماعه اذان العشاء.. فأوقف سيارته امام جامعٍ مدهون باللون الأزرق.. وذهبت زوجته وابنه للطرق على احد المنازل القريبة من الجامع ، لطلب المساعدة


ففتحت امرأة عجوز باب بيتها ، وهي تسألها :

- ماذا تريدين ؟

زوجة الشيخ : هل يمكنك السماح لإبني بدخول الحمام ، فالجامع ليس فيه مكان للوضوء !

- تبدوان تائهان .. هيا ادخلا


ثم طلبت العجوز من حفيدها ، أخذ الصبي الى دورة المياه .. بينما ذهبت مع الأم للمطبخ لتزويدها بالطعام ، بعد معرفتها بأنهم عابري سبيل

وهناك سألتها زوجة الشيخ :

- لما اراك مهمومة يا خالة ؟!  

العجوز بضيق : ماذا افعل بكنّتي التي تخلّت عن ابنها بعد وفاة ولدي ؟ فأنا كبيرة بالسن ، ولا يمكنني الإهتمام بالصغير

- ولما تركت ابنها ؟

- للزواج ثانيةً

زوجة الشيخ : اذاً إفسدي عرسها بإخبار خطيبها عن تخلّيها عن ابنها ، وقصصاً أخرى عن سوء معاملتها لإبنك المرحوم .. حينها يخاف منها ويتركها.. وبذلك تُجبرينها على الإهتمام بحفيدك 

العجوز بدهشة : أحقاً يمكنني فعل ذلك ؟!

- نعم ، فمن حقك العيش مرتاحة في منزلك

- عرسها آخر الإسبوع ، وأظني سأنفّذ اقتراحك .. فنحن بالعادة نثق بكم


ورغم غرابة كلامها ! إلاّ ان زوجة الشيخ تجاهلته ، وأخذت ما يلزمها من طعام لنهاية رحلتهم

^^^


في هذه الأثناء .. تكلّم حفيد العجوز مع الولد جانباً :

- اريد سؤالك عن طريقة يمكنني العيش بها مع أمي.. فجدتي عجوزٌ جداً ، ولا يمكنها الإهتمام بي

ابن الشيخ : اذاً شاغب قدر الإمكان ، ولا تنفّذ اوامرها.. وبذلك تُجبرها على إعادتك لأمك ..

الحفيد بدهشة : أحقاً يمكنني فعل ذلك ؟!

- طبعاً !! فالحياة مُملّة مع العجائز

- شكراً لك ، فنحن تعوّدنا على التعلّم منكم

ثم رجع الصبي لأمه ، للعودة لسيارة والده

^^^


بهذه الأثناء .. أنهى الشيخ صلاته خلف صفّين من المصلّين.. ليجد رجلاً بجانبه يقول :

- تبدو غريباً عن منطقتنا

الشيخ : انا وعائلتي عابري سبيل

- اذاً رجاءً تحدّث مع شيخنا الهرِم لترك الإمامة ، فهو يصلي ببطءٍ شديد

- ولما لا تخبرونه بذلك ؟

الرجل : هو عنيدٌ جداً.. وبما انك شيخ ، فربما يستمع اليك ويدع المهمّة لغيره 

- حسناً سأكلّمه


واقترب من الإمام ، لإخباره بشكوى قريته..

الإمام العجوز باستغراب : أتريديني ترك مهمّتي التي عملت فيها لسنواتٍ طويلة ؟!

الشيخ : من واجبنا كمشايخ ، التشجيع على الصلاة بالجامع.. وركوعك وسجودك البطيء يُصيبهم بالمللّ

- إن كان هذا رأيك ، فسأعود من حيث اتيت ..لأني اثق بكم

الشيخ باستغراب : تثق بنا ! .. المهم انك عملت جهدك ، وجزاك الله خيراً.. الأفضل ان تسترحّ مع اهلك ، ودعّ غيرك يتحمّل المسؤولية

- كما تشاء يا بنيّ

***


بعد عودته للسيارة.. حاول إدارتها ، لكن السيارة توقفت عند منعطفٍ آخر من قرية الجبل .. قرب جامعٍ مطليّ بالأحمر ، وصوت امام المسجد الأجشّ يصدح وهو يؤمّ المصلّين

الشيخ باستغراب : لكننا صلّينا قبل قليل !

زوجته : هذا جامعٌ آخر ، وربما تأخروا بالإقامة

زوجها : جامعان لنفس القرية الصغيرة ! أهم اناسٌ صالحين لهذه الدرجة؟!

فقال ابنه من المقعد الخلفيّ : 

- امي .. هل يمكنني دخول الحمام ؟

الأم بعصبية : الم تدخل قبل قليل ؟!!

ابنها : معدتي تؤلمني

فقالت لزوجها : حسناً ، سآخذه لأحد المنازل

الشيخ : وانا سأدخل الجامع ، لأرى وضع المصلّين

^^^


وكان شكل المسجد من الداخل مختلفاً عن سابقه ، تماماً كهيئة المصلّين ! ففي الجامع الأزرق كان معظمهم نحيلي الأجسام ، اما هؤلاء فمميزين بضخامة العضلات ! فانتظر الشيخ لحين انتهائهم من الصلاة.. ليجد رجلاً يقترب منه وهو يقول :

- تبدو غريباً عن منطقتنا !

الشيخ : انا عابر سبيل .. ولم أصلّي معكم ، لأني صلّيت بالجامع الأزرق

- تقصد خلف الإمام العجوز ؟

- وإمامكم يبدو صوته..

الرجل مقاطعاً : مزعجاً ، اليس كذلك ؟ ليتك تنصحه بتسليم عمله لمن هو افضل منه

- لما قريتكم لديها نفس المشاكل ؟!

الرجل بضيق : لأن كبارنا يستحوذون على اهم المراكز ، ويرفضون تركها

- اذاً سأحاول نصحه


واقترب من شيخهم لإخباره : بأن الصوت الجميل من شروط الإمامة ، كيّ لا ينفّر غيره من الصلاة.. وأكمل قائلاً :

- لابد في قريتكم شخصاً صوته عذبٌ وجميل

الإمام : يوجد الكثير منهم ، لكنهم لا يعلمون بأمور الدين مثلي

الشيخ : اذاً علّمه ، ثم وكّله بالإمامة

- إن كان هذا رأيك ، فسأترك مهمّتي .. لأني اثق بكم

الشيخ بدهشة : بنا من جديد ! كلامكم غريب ، ولا افهمه .. المهم انني نصحتك ، والقرار يعود لك

ثم خرج من الجامع..

^^^


في هذه الأثناء .. نصحت زوجته المرأة (التي دخلت بيتها) بصرف مال زوجها اولاً بأول حتى لا يفكّر الزواج عليها ، كما هدّدها دائماً

المرأة باستغراب : الا نعاقب على التبذير ؟!

زوجة الشيخ : أليس افضل من هدم منزلك ، وتشتّت عيالك ؟

- إن كان هذا رأيك ، فسأنفّذ نصيحتك .. فنحن نثق بكم


ورغم غرابة كلامها ! إلاّ ان زوجة الشيخ انتظرت عودة ابنها بصمت .. والذي بدوره نصح ابن المرأة بضرب ابن الجيران المتفوّق عليه دراسيّاً

ليردّ بدهشة : أحقاً يمكنني ضربه ؟!

ابن الشيخ : نعم !! فهو يتباهى امام اهلك ، بأنه اذكى منك.. لهذا اضربه بالخفاء ، حتى لا يتجرّأ على ذلك ثانيةً  

ابن المرأة : كما تشاء ، فأنتم ادرى بهذه الشؤون

***


ثم خرج الولد مع امه باتجاه السيارة التي ادارها والده..

لكن قبل خروجهم من القرية ، تعطّلت مجدداً قرب الجامع الأخضر!

زوجة الشيخ بضيق : ما بال سيارتنا تتوقف دائماً امام الجوامع ؟!

زوجها : بل قولي ، لما يوجد ثلاثة جوامع في قريةٍ صغيرة ؟!

ليسمع صوت الإمام الذي يبدو انه يصلي بسرعة !

فنظر الشيخ لساعته :

- مرّت نصف ساعة على انتهاء توقيت الصلاة ! ماذا يصلّي هؤلاء ؟ سأدخل لأراهم..


فنزل للجامع.. وبعد قليل ، قال ابنه بألم من المقعد الخلفيّ :

- امي ! عضضّت لساني وانا اكل الشطيرة ، والدم لا يتوقف

امه بقلق : اذاً لنذهب لذلك البيت ، لغسل فمك

^^^


وهناك التقت بعروسٍ جديدة ، فضّفضت لها عن مشكلتها .. في الوقت الذي كان ابنها يغسل فمه بالحمام ، وبجانبه اخت العروس الصغيرة


زوجة الشيخ : اذاً هو يتركك بالساعات لزيارة اهله ، رغم انك عروس منذ اسبوعين فقط ؟!

العروس بحزن : نعم .. ويريد عزيمتهم كل يوم ، فور انتهاء شهر العسل  

- من حقك ان تسعدي ببيتك وزوجك ، دون تدخّل اهله

- ماذا افعل يا خالة ؟ إنصحيني

زوجة الشيخ : بعد كل زيارة لهم ، حدّثيه عن اخطاء امه واخوته سواءً بالتصرّفات او الأقوال

- وإن لم يفعلوا شيئاً خاطئاً ؟

- لفّقي التهم ضدّهم ، الى ان ينفر قلبه منهم ..وبذلك يمنعهم من زيارته ، ليصبح المنزل لك وحدك 

العروس بصدمة : أيمكنني فعل ذلك ؟!

- ما بال هذه القرية بريئة اكثر من اللزوم ؟! نعم حبيبتي ، يمكنك فعل ما يلزم لضمان سعادتك  

- حسناً .. انتم ادرى بهذه الشؤون ، ونحن نثق بكم

زوجة الشيخ بضيق : لما تصرّون على محادثتي بصيغة الجمع ؟!

لكن العروس التزمت الصمت !

^^^


في هذا الوقت .. كان ابنها ينصح الصغيرة باستعمال زينة اختها العروس ، كما تتمنى..

الأخت : أتقصد انه يمكنني سرقة هدايا عرسها دون علمها ؟!

ابن الشيخ : لما لا.. أظن اختك حصلت على العديد من الهدايا ، ولن تتذكّرها جميعاً

- حسناً ..إن كان هذا رأيك ، فسأنفّذ كلامك .. فنحن بالعادة نصدّق افعالكم


وهنا نادته امه :

- هل انتهى نزيف فمك ؟!!

ابنها : نعم امي ، انا قادم !!

^^^


بهذه الأثناء .. انتهت الصلاة بالجامع الأخضر ، بعد ملاحظة الشيخ سرعة إمامهم بالركوع والسجود ! حتى إن مصلّي عجوز اقترب منه بنهاية الصلاة ، وهو يسأله :

- تبدو مُتديّناً يا بنيّ ؟

- انا شيخ بالمنطقة المجاورة

العجوز : رجاءً إخبر إمامنا بترك عمله ، فركبتي تؤلمني بنهاية كل صلاة

الشيخ : هو فعلاً سريع ، ولا يراعي الظروف الصحيّة للمصلّين

- إنصحه رجاءً


فاقترب من الإمام الذي رغم كبر سنه إلاّ انه يتمتّع بصحةٍ جيدة.. ونصحه بترك مهنته لمن يتدبّر الصلاة افضل منه..

الإمام : كما تشاء ، فنحن نثق بكم

الشيخ بعصبية : لما تتحدثون معي وكأني قادم من كوكبٍ آخر ؟! فأنا نصحت مشايخ قريتكم بتوظيف غيرهم ، حتى لا تكره الأهالي الدين.. ولا نوايا أخرى لي 

^^^


ثم خرج من الجامع ، ليجد زوجته تبحث حول السيارة بفزع :

- ماذا هناك ؟!

زوجته بخوف : لا اجد ابننا !! 

الشيخ بصدمة : ماذا !

- خرجنا معاً من منزل العروس التي اعطتنا العصير.. وعندما انشغلت بوضعهم في السيارة ، إختفى الولد 

- من أي منزلٍ خرجتِ ؟

زوجته : هناك

وأشارت للمكان ، لتتفاجأ باختفاء منزل العروس ! مما ارعبها كثيراً 

- احلف ان منزلها كان بجانب الجامع 

الشيخ : تعالي نبحث عنه


لكن كلما تعمّقا في الحيّ القديم ، تحوّلت ابواب المنازل الى جدارنٍ طينيّة ! حتى الجامع اطفأ نوره ، ليعمّ الظلام على طول الجبل


وفجأة ! سمعا ضحكاتٍ مريبة ، جعلتهما يركضان باتجاه السيارة التي اقفلا ابوابها 

ليظهر لهما مخلوق بقرنين مخيفين ، وهو يطرق بقوة على مقدّمة سيارتهما ويقول :

- انا ممتنّ لكم.. فهذه قرية الجن الذين اهتدوا بزمن النبي محمد .. وقد تعاهد مشايخهم الأربعة مع والدي ، أعني ابليس .. بعدم تعليمهم الدين لأحدٍ من قريتهم ، بشرط عدم إغواء شعبهم الذين يلتجأون لهم في نصائحهم اليومية.. وبسبب اتفاقهم القديم مع ابليس ، لم نستطع نحن الشياطين إفسادهم .. فحافظوا على طهارة قلوبهم ، كالسلف الصالح ! ولأنهم يثقون بالمسلمين البشر ، تمكّنت زوجتك وابنك بنشر الفساد بينهم.. بينما كنت السبب بترك شيوخهم الثلاثة للإمامة ، وعودتهم لباطن الأرض.

زوجة الشيخ : هل انت من خطفت ابني ؟

الشيطان : نعم !! لأنكم على وشك الرحيل من القرية ، قبل انهاء مهمّتكم الأخيرة ..وهو الشيخ الرابع والأخير ، إمام الجامع الأبيض الموجود اعلى الجبل


فنظرا الى حيث اشار.. ليجدا الجامع الكبير الذي كان يؤذّن للعشاء ، رغم تأخّر الوقت !

الشيطان : لا تستغربا .. فالأوقات هنا تختلف في كل حيّ ، بقرية الجن المسلمين.. لهذا سأدعّ السيارة تتحرّك وحدها ، لأخذكما الى هناك.. (ثم اشار للشيخ) ..اريدك ان تجد طريقة لإقناعه بترك الإمامة .. وفي المقابل أعيد ابنكما ، وإلاّ لن ترياه ثانيةً


واثناء تحرّك السيارة وحدها صعوداً.. تساءل الشيخ بضيق :

- تُرى ما عقوبة إفسادنا للجن المسلم ؟!

زوجته بقلق : المهم ان تنقذ ابننا !! رجاءً نفّذ ما امرك به الشيطان

^^^


وبوصولهما لأعلى الجبل ، بقيّت الزوجة في السيارة .. بينما دخل الشيخ للجامع مُتثاقلاً ، لإقناع الإمام الأخير بترك عمله.. والذي اجابه برضا :

- طالما وجدت تجويدي للقرآن خاطئاً ، فسأترك عملي .. لأني اثق بكم


وفجأة ! اختفى الإمام ، ليبدأ المصلّون بالإختفاء الواحد تلوّ الآخر .. 

فأسرع الشيخ الى سيارته .. ليشاهد تجمّع اهالي الأحياء الأربعة في ساحةٍ وسط الطرقات الجبليّة ، بعد ظهورهم على حقيقتهم ! حيث بدوا من اجناسٍ مختلفة من الجن والذين عاشوا بهذه القرية المنعزلة ، هرباً من الجن الفاسد والشياطين .. وحسب اشكالهم فهم مقسّمين : للجن المائي والناري والهوائي والترابي ..والذين قرّروا دون سابق انذار بتدمير مساجدهم الأربعة وحرقها ، بعد اختفاء شيوخهم الذين احتفظوا بعلوم الدين وحدهم ! ليتبدّل صوت الآذان ، بالعزف والرقص والمزامير والطبول .. وكأن جيشاً من الشياطين استولت على عقولهم وقلوبهم .. 


بينما سارع الأب (الشيخ) باحتضان ابنه الذي خرج من احد منازلهم .. ثم انطلق بعائلته ، وهو يقود سيارته بسرعة باتجاه الطريق العام ، وهو يشعر بتأنيب الضمير بعد نشره هو وعائلته الفساد بقرية الجن المسلمين الذين حافظوا على دينهم لقرون عديدة

^^^


وفي الطريق .. إلتزم الوالدان الصمت وهما يستذكران تلويثهما لقلوب القرية الطاهرة ، دون علمهما بأن الشيطان (الذي ظهر للشيخ سابقاً بهيئة المصلّين المنزعجين من أئمّتهم) تلبّس جسد ابنهما الصغير الذي سيدمّر سمعة والده الشيخ فور بلوغه ، ليصبح لعنة على اهله وعلى المجتمع بأكمله !


الأحد، 26 نوفمبر 2023

الطريق المستقيم

كتابة : امل شانوحة 

 

الهداية الإلهيّة


- اخيراً وصلت الى ايطاليا ، بلد الحرّيات !!

وبعد ترتيب اغراضه في غرفة الفندق ، بدأ الشاب العربي بتخطيط برنامجٍ حماسيّ قبل بداية دراسته الجامعيّة .. فهو من عائلةٍ متديّنة ، إلاّ انه كره الدين لصرامة والده (إمام الجامع) الذي اجبره على حفظ القرآن بعمرٍ صغير ، والمداومة على الصلاة في المسجد المسؤول عنه !


ولأن الشاب مُغرمٌ بالحياة الأوروبيّة ، درس بجهدٍ كبير للحصول على منحة الماجستير في ايطاليا .. فهذا سيريحه من العادات والتقاليد المُتزمّتة (حسب رأيه) والأهم من ذلك ، يُبعده عن تسلّط والده الشيخ ! 


وكان ينوي تجربة الخمور وعشق النساء الأجنبيات اللآتي حلم بهنّ دائماً !


واثناء بحثه بالإنترنت عن اقرب بارّ من فندقه ، غفى من مشقّة السفر.. 

^^^


إستيقظ آخر الليل على صوت طرقٍ خفيف ! فنظر لساعته بتعب : 

- من الغبي الذي يوقظني قبل بزوغ الفجر ؟! 


وفتح باب غرفته غاضباً ، ليجد راهبيّن يقولان بصوتٍ منخفض :

- هل انت قادم من المدينة المنوّرة ؟!

- نعم ، ماذا تريدان ؟


فدخلا غرفته ، وأغلقا الباب خلفهما (مما اخاف الشاب) وأكملا حديثهما بحماس :

- نحن لدينا شغف على الديانة الإسلاميّة ، دون إعلان ذلك لأحد.. فأهلنا وضعونا في الكنيسة منذ صغرنا لخدمة المطران ، وبقينا هناك حتى أصبحنا رهباناً.. وكان حلمنا الإنتقال للفاتيكان ، رغم الشكوك حول ديننا ! لهذا اشترينا جوّالات دون علم الأساقفة ، واطّلعنا على دينك الذي أُعجبنا بكل تفاصيله ..ولأننا احياناً نبيت في هذا الفندق القريب من الكنيسة ، سمعناك بالصدفة تُخبر موظفة الإستقبال بأنك عربيّ وقادم من مدينة رسول الله ! لذلك انتظرنا لهذا الوقت ، لكيّ نستفسر منك عن بعض الأمور الدينيّة.. لربما تكون هدايتنا على يديك


الشاب بضيق : الا يمكنكما تأجيل الموضوع لبعد الظهر ؟

الراهب بحماس : لا !! لأننا في حال أسلمنا ، نريدك ان تؤمّنا لصلاة الفجر التي بقيّت ساعة على أذانها .. فهل نستطيع طرح الأسئلة حول ديانتك ؟


فقال الشاب في نفسه :

((يالا سخريّة القدر ! هربت من بلدي ، لأجد راهبيّن مُتعطشيّن لمعرفة ديني اكثر مني.. ليت ابي مكاني ، فهو ادرى بهذه الأمور))


ولعدم رغبته بإظهار جهله بالدين ، حاول إجابتهما حسب دروس والده وخطبه يوم الجمعة التي حضرها غصباً عنه ، في جامعه الصغير القريب من المسجد النبويّ

^^^


بعد عدّة اسئلة .. نظر الراهبان لبعضهما بسعادة ، قبل ان يسأله أحدهما :

- ماهي صيغة الدخول في الإسلام ؟

فسألهما الشاب بدهشة :

- هل اقتنعتما بهذه السهولة ؟!

الراهب : نحن قرأنا القرآن المترجم بلغتنا قبل شهرين ، ودرسنا العديد من الأحاديث النبويّة بالإنترنت .. لكننا رغبنا بمجادلة احد المسلمين ، قبل اتخاذ قرارنا المصيريّ 

الراهب الثاني بابتسامة : يبدو انك ستحصل على ثواب هدايتنا .. فماذا نقول للدخول في دينك ؟ 


فلقّنهما الشهادة ، ليحتضناه باكيّن من شدّة فرحتهما باعتناقهما الدين الجديد

احدهما بحماس : هل نصلي خلفك الآن ؟ فقد أذّن الفجر قبل دققتيّن ، حسب برنامج الصلاة في جوّالي

الشاب : عليكما الإغتسال اولاً

الراهب الثاني : اذاً سننزل فوراً الى غرفنا .. ثم نعود اليك لتؤمّنا ، لكيّ نحفظ  خطوات الصلاة .. رجاءً لا تنمّ ، إنتظرنا !!


وبعد ذهابهما ، قال الشاب بتعب :

- اشعر بنعاسٍ شديد ، لكن عليّ انتظارهما

^^^


وبالفعل صلّى إماماً لهما بصلاة الفجر.. وعندما جلس للتشهّد الأخير .. وجد انهما مازالا ساجديّن ، وهما منهاريّن ببكاءٍ مرير عن ذنوبهما الماضية !


فشعر الشاب بالذهول لقوّة ايمانهما ، رغم دخولهما حديثاً في الإسلام ! كما استغرب شعورهما بالروحنيّات التي أخبره عنها والده كثيراً (دون إحساسه بها) 

والأهم من ذلك : انه شعر بالخجل من نفسه لتخطيطه بإمضاء عطلته بالمنكرات ، بينما الراهبيّن يتوقان لتعلّم كل شيء عن دينه ، حتى السننّ النبويّة !

***


وخلال ايام .. أزال الشاب فكرة الخمور والساقطات تماماً من تفكيره ، بعد إحضار المسلمان الجدّد المزيد من الرهبان الى غرفته لدراسة الدين على يديه ! 

مما أجبره على التفقه بالدين من الإنترنت. .حتى انه اضّطر للإتصال بأبيه (الذي قاطعه لمدةٍ طويلة) لسؤاله عن بعض الأمور الدينيّة ..مما أسعد والده الذي اجابه عن جميع اسئلته بعيونٍ دامعة ، والذي ختم كلامه :

- لطالما دعوت لك بالهدايّة مع كل أذانٍ وصلاة ، يا بنيّ


ابنه : يبدو ان الله استجاب لك ، بعد سفري لأوروبا ! وبعد سماعي فضائح التحرّر من اصدقائي العربيين في الغربة.. عدا عن اعترافات اصحابي الرهبان بالتحرّشات التي تعرّضوا لها بالكنائس في صغرهم ! حتى زميلتي بالدراسة أخبرتني عن تعاسة النساء في الغرب ، ومعاملتهنّ كسلعةٍ رخيصة في العمل والشارع.. حينها فهمت كلامك بأن قوّتنا تكمن بالتزامنا بديننا .. وبأننا وصلنا لقمّة الحضارة في الماضي ، لخوفنا من عقاب الله ورجائنا عفوّه وبركته .. وكأن الغشاوة حول عينيّ عن حضارة الغرب وتخلّف العرب ، أُزيحت نهائيّاً بفضل الله.. لهذا قرّرت بعد حصولي على الماجستير بعلم النفس ، أن أعود لدراسة الشريعة في مدينة رسول الله ، كما تمنّيت دائماً يا ابي .. وسأستخدم علم النفس في حواري مع الديانات الأخرى لإقناعهم بديننا ، فلا شيء اجمل من هداية الناس للطريق المستقيم

الأب بفخر : ونحن بانتظار عودتك ، يا ابنيّ الغالي

***


بعد حصوله على شهادته ، وقبل عودته لبلده .. زاره عشرون شخصاً ممّن اعلنوا اسلامهم على يديه ، وهم يشكرونه على هدايتهم..

الشاب : بل انا أشكركم على إعادتي لرشدي وديني ، بعد إعجابي بتدبّركم لآيات الله وانبهاركم بأحكامه العادلة .. كما ذكّرتموني بتاريخ العرب المُشرق الذي كنت أستسّخفه سابقاً ! 

احدهم : طالما ستسافر غداً ، ما رأيك لوّ تشاركنا بمظاهرة غزّة التي ستُقام في السّاحة بعد قليل ؟

فرد الشاب مُبتسماً :

- يعني اسلمتم حديثاً ، وصرتم مناصرين للقضيّة الفلسطينيّة ايضاً !

- نعم ، فهي منطقة مُباركة لجميع الأديان .. ولا يحقّ لليهود إستحواذها لأنفسهم

***


وبالفعل شارك الشاب بالمظاهرة الضخمة .. ورقص مع المغتربين على الدبكة الفلسطينيّة وهو فخور للمرّة الأولى بهويّته العربيّة والإسلاميّة ، بعد سنوات من انبهاره بحضارة الغرب وقوانينهم المنحرفة ! 

***


في المطار .. ودّعه المسلمون الجدّد بامتنان ، ليعود الى احضان والده الذي وعده بأن يصبح شيخاً مثله بعد شعوره بالفخر لنشر دينه ، مع إستمراره بهداية الضّالين حتى آخر حياته التي أصبح لها معنى أخيراً !


الثلاثاء، 31 أكتوبر 2023

المعتقلون الأبرار

تأليف : امل شانوحة 

 

الحضارة الوهميّة


دخل السكرتير الى مكتب المسؤول ، وهو يقول :

- سيدي .. اهالي رجال الدين يطالبون بإطلاق سراحهم ، بعد ان ساءت احوالهم الصحيّة لكبر سنهم.. فهم بالنهاية من عائلاتٍ مرموقة ، ولا نريد إثارة الفتنة بموتهم في سجوننا .. وقد وقّع اهاليهم هذه العريضة لك


فأخذ المسؤول يتمعّن بالأسماء المدوّنة في الورقة ، قبل أن يقول :

- أظنهم تربّوا بعد كل هذه السنوات.. حسناً ، إطلقوا سراحهم بعد توقيعهم على معاهدة بعدم التدخل في شؤوننا ثانية .. وابقوهم تحت الرقابة

***


بعد تسريح سبعة من اهم مشايخ البلاد :

1- تدهوّرت صحّة كبيرهم ، بعد مشاهدته لفيديوهات الفساد الذي انتشر في بلاده بعد غيابه القسريّ (فهو وزملائه مُنعوا من وسائل الإتصال طوال سنوات اعتقالهم) ..فبكى طوال الليل حسرةً على تردّي الأوضاع ، وعجزّه عن هداية الشباب كما فعل طوال حياته.. 


ليجدوه ميتاً في فراشه صباحاً ، بعد توقف قلبه حزناً وقهراً على مصير بلاده


2- اما الثاني : فالتزم الصمت مُرغماً ، خوفاً على عائلته التي ألحّت بابتعاده عن الأنظار قدر المستطاع ، لسلامة الجميع


3- والشيخ الثالث : سافر للخارج وانقطعت اخباره عن القريب والغريب ، وكأنه كره الدنيا بمن فيها !


4- اما الرابع : فذهب للصلاة بالجامع خلف الناس الذين تجمّعوا حوله ، ليباركوا خروجه من السجن ، مُطالبين بدرسٍ دينيّ كما فعل سابقاً ..ورغم تردّده وقلقه إلاّ انه ابدع بخطبةٍ عصماء ، أبكت الحاضرون في المسجد .. دون علمه بأنه مُراقب ! فأعُيد سجنه قبل وصوله الى منزله ، وبسرّيةٍ تامة


5- والخامس : لم يتحمّل الفساد الذي رآه بالشارع ، واختلاط الصبايا (دون حجاب) مع الشباب بنزهاتٍ برّية ! فأخذ ينصحهم بروّيةٍ وهدوء .. ليُفاجأ بأحدهم يُشير لضابط الدوريّة بالإقتراب منهم ، وإخباره بتدخل الكهل المُتخلّف بأمورهم الشخصيّة .. فأعاده جبراً الى منزله ، بعد سحب جوّاله منه .. وأعلمه بقرار منع خروجه من بيته ، لمخالفته شروط معاهدة الإفراج عنه.. وبوضع حارسيّن على بابه ، لمراقبته على الدوام ! 


فوكّل الشيخ امر بلاده لربه ، وهو يشعر بالحزن والأسى لما وصلوا اليه .. فهم يظنونها حضارة ، لكنهم عادوا لزمن الستينات والسبعينات (عصرا الفساد العربي) وبذلك تأخّروا سنواتٍ عديدة عن الصّحوة العربيّة الحاليّة !


6- اما السادس : فسافر فوراً لإفغانستان .. لإتقانه لغتهم ، بحكم جهاده هناك في شبابه.. وقام بحملة توعيّةٍ قويّة .. ولمعرفة الأفغان بقيمته الدينيّة ، حضروا دروسه بكثافة .. وأصبح مشهوراً عندهم ، دون اكتراثه بحرمانه من جنسيّته الوطنيّة التي سُحبت منه في المطار !


7- اما الشيخ السابع والأخير : فلم يتحمّل ما يحصل بفلسطين ..فسافر لمصر بحجّة السياحة .. وانطلق لسيناء ، جامعاً حشداً من المصريين الأحرار .. واقتحم معهم الحدود ، للمحاربة مع اهالي غزّة .


فوصل خبره لرئيس اليهود الذي ارسل خطاباً شديد الّلهجة للمسؤول في بلاده.. آمراً بإعادة سجنه ، وإلاّ سيتعاقب مكانه !!

^^^


وهنا استيقظ المسؤول من كابوسه ، مع دخول السكرتير الى مكتبه مُعتذراً:

- آسف ! لم أقصد إيقاظك

المسؤول بضيق : غفوّت قليلاً.. ما الأمر ؟

- سيدي .. اهالي رجال الدين يطالبون بإطلاق سراحهم..


وقبل إكمال كلامه .. سحب ورقة العريضة منه ، ومزّقها وهو يقول بلؤم :

- دعهم يهترؤون في السجون ، وليعتبروا انفسهم شهداء التطوّر والحضارة

وضحك بغطرسةٍ وغرور !


الأحد، 10 سبتمبر 2023

ملاك الخير والشرّ

كتابة : امل شانوحة 

 

الحسنات والسيئات


قام الرقيب (ملاكٌ موجود فوق الكتف اليمين لشاب) بفتح مُجلّده ، لكتابة ما يلي :

- صلّى مع رفاقه ، مباشرةً بعد الآذان

فأوقفه العتيد (ملاك الكتف الأيسر) :

- تمهّل !! لا تكتبها الآن

- هو يصلّي الجماعة ، وهذه حسنة !

- أنظر اليه جيداً 

الرقيب : انه يبتسم فقط !

- إنتظر ثواني


ليشاهدا الشاب يضحك مع رفاقه الثلاثة ، قبل إنهاء صلاتهم ! 

ثم جلسوا يستهزأون من والد احدهم الذي أجبرهم على الصلاة ، رغماً عنهم


فتنهّد الرقيب بضيق : حسناً ، سأحذف الحسنة

العتيد : وانا سأنتظر الى آخر الليل .. فإن لم يستغفر عن ذنبه ، أدوّنها عندي.. اساساً كان يُسارع في الصلاة دون خشوع ، لذا لا تعتبر صحيحة 

الرقيب :  

- الإستهزاء بالدين ذنبٌ عظيم ، سيؤدي لحذف الكثير من حسناته السابقة

العتيد : ذنبه يساوي مئة حسنة ، إحذفهم فوراً !! 


فأخذ ملاك اليمين يعدّ الحسنات التي دوّنها منذ بداية المجلّد (بعد بلوغ الشاب)

- وجدّت ٧٠ فقط !

العتيد : اذاً انت مدينٌ لي ب٣٠ حسنة

- أتدري ؟ .. لديّ فضول لمعرفة عدد الصفحات التي كتبتها حتى الآن ؟

- بل قلّ كم مجلّداً ؟ فهذا خامس كتاب أنهيه ، رغم احتواء كل واحدٍ على الف صفحة !

الرقيب بصدمة : مستحيل ! فأنا مازلت في الصفحة العاشرة من المجلّد الأول

- هذا لعدم قيام الشاب بحسناتٍ كثيرة منذ وقتٍ طويل 

- كلّه بسبب رفقاء السوء الذين أغرقوه بالذنوب ، بعد إقناعه باستغلال الفتيات الساذجات على الإنترنت .. مع انه كان صالحاً في صغره ..وكان ملتزماً بصلاته ، وحفظ القرآن بالجامع ! لا ادري كيف انحرف هكذا ؟!

العتيد : التفاحة السيئة تُفسد الصندوق بأكمله

- مع الأسف ! هذا ما يحصل دائماً 

***


وفي مكانٍ آخر .. وفوق كتف إحدى الصبايا ، قال رقيبها (ملاك اليمين) :

- سأكتب هذه الحسنة ، فهي تساعد امها منذ الصباح

العتيد : توقف !! فأنا أعلم بنواياها

- وماذا تريد ؟!

- هي تراضي امها ، كيّ تسمح بذهابها مع زميلتها بنهاية الإسبوع

الرقيب : وهل نزّهتها مع صديقتها ، ذنبٌ تُعاقب عليه ؟!

- هي بالحقيقة ذاهبة لرؤية حبيبها الذي سيعتدي عليها في الأحراش

الرقيب بصدمة : هذه مصيبة ! الا يمكننا تنبيهها ؟! .. فوالداها صالحان

العتيد : عملنا هو تدوين اعمالها فحسب .. اما الخزّي والعارّ الذي ستعيشه بعد الحادثة ، سيخفّف بعضاً من عقابها في الآخرة .. أعان الله اهلها على مصيبتهم القادمة

- والآن ماذا أفعل ؟ هل أدوّن مساعدتها لأمها ، حسنة ام لا ؟!

- بجميع الأحوال ، سيحاسبها الله على نواياها الداخليّة 

الرقيب : وبسبب ذلك ستُحذف الكثير من أفعال الناس الجيدة ومجاملاتهم من سجلّ الرقباء ، لأن معظمها تُخفي حقداً وغيرة ونوايا خبيثة

- هذه حياة البشر ، وهي تزداد سوءاً مع كل جيل !


الرقيب : وماذا بشأن هديّتها لصديقتها يوم الزفاف ؟ فهي اشترتّها من مصروفها لإسعادها

- انت تتوقّع الخير دائماً في الناس.. اما انا ، فأدرى بمكرهم .. فما لا تعلمه ، انها بحثت مُطوّلاً في الإنترنت عن تعويذةٍ فعّالة للطلاق .. ثم كتبت الطلاسم الشيطانيّة في ورقةٍ صغيرة ، دسّتها داخل الهديّة

- وهل ستنجح التعويذة بطلاق العروسيّن ؟!

العتيد : سنعرف ذلك في الشهور القادمة

- يا الهي ! هذا ذنبٌ كبير ، قد يحذف كل حسناتها السابقة

- سيحصل ذلك بالفعل ، إن تمّ الطلاق .. فالتفريق بين الأحبّة هو أكبر الذنوب ، فكيف لوّ أُرفق بسحرٍ خبيث ؟!

الرقيب وهو يكتم غضبه : طالما أذتّ صديقتها المفضّلة بهذا الشكل ، فهي استحقّت صدمتها العاطفيّة القادمة

***


ملاكٌ آخر (على الكتف اليمين لرجل) بحماس : 

- سأكتبها له !! فهو عايد إخوته الصغار بمبالغ لم يتوقعوها ، وهذه حسنةٌ كبيرة

العتيد : إنتظر قليلاً


ولم تمضي ساعة ، حتى منّن إخوته بماله ! وطالب بالمقابل بخدماتٍ مُرهقة ، لردّ الجميل..

الرقيب بخيبة أمل : المنّ والأذى تُمحي بركة العطايا

العتيد : اذاً لا تدوّن الحسنة في سجلّه 

- سيُصدم يوم القيامة حينما يعلم بأن جميع هداياه لأهله غير محسوبة بسبب طباعه السيئة ، التي زادت سوءاً بعد زواجه من امرأةٍ شريرة !

- الزيجات الفاشلة تُخرج الطباع السيئة للطرفين 

الرقيب : هذا صحيح ، فالكثير من الناس ترتكب المعاصي لإرضاء من حولها ! 

- تماماً كالمشاهير والفنانين الذين تنازلوا عن شرفهم ، لإعجاب المنتجين والمخرجين.. حتى الصالحين منهم ، خسروا حسناتهم بعد تصوير أنفسهم اثناء العمرة او مساعدتهم الفقراء ، رغبةً في المزيد من الشهرة على وسائل التواصل الإجتماعيّ

- والأسوء إن حِجّهم وعُمراتهم لم تجعلهم يتوبوا عن معاصيهم ، بل عادوا مباشرةً لعملٍ فنّي اسوء من سابقه !


العتيد : التوبة عليها أن تكون نصوح ، بعدم العودة للذنب مُطلقاً .. وإلاّ عملهم يعدّ إستخفافاً بالدين ، وهذا ذنبٌ عظيم يُضاف الى نشرهم الفساد بين الناس !

- يظنون أن باستطاعتهم خداعنا ، لكننا ندوّن كل شاردةٍ وواردة.. وكم سيصدموا بعدم وجود حسناتٍ لهم في الآخرة ، بعد حصولهم على قيمتها في الدنيا ، بمزيدٍ من الشهرة الزائفة والمال الحرام !

العتيد : والتي ستغرقهم أكثر في عذاب جهنم


ثم عمّ الصمت قليلاً ، قبل أن يسأله الرقيب : 

- برأيك لما معظم اهل النار من النساء ؟

فأجاب العتيد : الم ترى بنفسك غيرتهنّ المؤذية ، خاصّة عندما يتنافسنّ على ذات الرجل ! وقد يصل تهورهنّ للقتل وفضح الأعراض .. فعدوّ المرأة هي امرأة أخرى

الرقيب : ولهذا سيعوّض الله صبر الرجال بالحوريات ، بعد نقص اعداد النساء بالجنة

- هذا صحيح

***


في منزلٍ آخر ، وأثناء انتظار الملكان الشخص (المسؤولان عنه) خارج بيت الخلاء..

الرقيب : أتسمع ! .. أظنه يغني بالحمام ؟!  

- إنتظر ريثما يخرج 

- وما يدرينا بعدم ارتكابه معصية في الداخل ؟! كإغراق أحدهم بحوض الإستحمام مثلاً ؟!

العتيد : سيخبرنا قرينه بذلك ، فهو يحب التفاخر امامنا بنجاح وساوسه الشيطانيّة .. بجميع الأحوال ، ستشهد أطرافه ولسانه بأخطائه يوم القيامة ، وسيحاسب على كل شيء ، حتى ذنوبة السرّية

- برأيك كم مُجلّداً سيملأه بالذنوب ، حتى نهاية عمره ؟

- أتمنى أن لا يكون كثيراً ، فهو من عائلةٍ مُتديّنة  


الرقيب : ولما برأيك كثر الأشرار بهذا الزمن ؟! 

- لأن غالبيّة المتزوجين ينسون الدعاء قبل بدء علاقتهما ، فيتدخل الشيطان بينهما ، وتحمل المرأة ببذرته الشريرة ! ..عدا عن حلفان الرجال بالطلاق اثناء العزائم وشؤونهم التافهة .. دون علمهم بأنه لوّ لم يُنفّذ الآخر شرطه او يقبل دعوته ، فأن زوجته طُلّقت شرعاً .. ومع هذا يكملون حياتهم مع زوجاتهم اللآتي طلّقوهن عشرات المرّات (دون انتباههم) ..فيكثر اولاد الحرام الذين لا خير فيهم ! 

- حياة البشر ليست سهلة ، خاصّة بوجود الشياطين الذين يتتبّعونهم بكل زمانٍ ومكان ! 

العتيد : وعملنا هو تسجيل حسناتهم وسيئاتهم اولاً بأول ..ويوم القيامة نسلّم مجلّداتنا للملاك المسؤول عن وضعها فوق الميزان .. حينها تظهر النتيجة : إمّا الجنّة او النار 


الرقيب : ومع ذلك نتمنّى لهم الهداية قبل موتهم .. فباب التوبة سيبقى مفتوحاً ، حتى آخر نفسٍ لهم.. فربما بعملٍ صالح ، يمحون العديد من اعمالهم السيئة

- صحيح ، فلا شيء اجمل من التوبة .. يكفي إنها تُبكي الشياطين بعد رؤية جهودهم لسنواتٍ عدّة ، تنهار أمام أعينهم 

- كم تُفرحني دموع الملاعين


وابتسما وهما يُغلقا مجلّداتهما بعد نوم الشخص المسؤوليّن عنه ، في انتظار استيقاظه صباحاً لمتابعة عملهما من جديد .. 

وسيظلّان على هذا المنوال لحين انتهاء مُهمّتهما ، بلفظ الشخص لأنفاسه الأخيرة !


محاكمة الهالوين

تأليف : امل شانوحة  مُتْ أيها القاتل عاد الطبيب الشاب الى قرية والده ، بعد سنوات من بقائه في العاصمة .. حيث امضى ليلة 31 اكتوبر بالعمل على ح...