تأليف : امل شانوحة
الجوامع الأربعة
إضّطر الشيخ لأخذ زوجته وابنه (٩سنوات) لزيارة عائلته في المدينة المجاورة بعد غروب الشمس ، لحضور جنازة قريبه الذي سيُدفن صباح اليوم التالي
وفي الطريق .. أخذ منعطفاً لم يسلكه من قبل ، للوصول سريعاً الى وجهته.. لكن يبدو ان الطريق اوصله الى قريةٍ جبليّة لم يرها من قبل!
بهذه الأثناء ، ألحّ ابنه على دخول الحمام .. كما رغبت زوجته التزوّد بالطعام والماء ، لعدم توقعهم السير كل هذه المسافة..
بينما أراد الشيخ الصلاة بعد سماعه اذان العشاء.. فأوقف سيارته امام جامعٍ مدهون باللون الأزرق.. وذهبت زوجته وابنه للطرق على احد المنازل القريبة من الجامع ، لطلب المساعدة
ففتحت امرأة عجوز باب بيتها ، وهي تسألها :
- ماذا تريدين ؟
زوجة الشيخ : هل يمكنك السماح لإبني بدخول الحمام ، فالجامع ليس فيه مكان للوضوء !
- تبدوان تائهان .. هيا ادخلا
ثم طلبت العجوز من حفيدها ، أخذ الصبي الى دورة المياه .. بينما ذهبت مع الأم للمطبخ لتزويدها بالطعام ، بعد معرفتها بأنهم عابري سبيل
وهناك سألتها زوجة الشيخ :
- لما اراك مهمومة يا خالة ؟!
العجوز بضيق : ماذا افعل بكنّتي التي تخلّت عن ابنها بعد وفاة ولدي ؟ فأنا كبيرة بالسن ، ولا يمكنني الإهتمام بالصغير
- ولما تركت ابنها ؟
- للزواج ثانيةً
زوجة الشيخ : اذاً إفسدي عرسها بإخبار خطيبها عن تخلّيها عن ابنها ، وقصصاً أخرى عن سوء معاملتها لإبنك المرحوم .. حينها يخاف منها ويتركها.. وبذلك تُجبرينها على الإهتمام بحفيدك
العجوز بدهشة : أحقاً يمكنني فعل ذلك ؟!
- نعم ، فمن حقك العيش مرتاحة في منزلك
- عرسها آخر الإسبوع ، وأظني سأنفّذ اقتراحك .. فنحن بالعادة نثق بكم
ورغم غرابة كلامها ! إلاّ ان زوجة الشيخ تجاهلته ، وأخذت ما يلزمها من طعام لنهاية رحلتهم
^^^
في هذه الأثناء .. تكلّم حفيد العجوز مع الولد جانباً :
- اريد سؤالك عن طريقة يمكنني العيش بها مع أمي.. فجدتي عجوزٌ جداً ، ولا يمكنها الإهتمام بي
ابن الشيخ : اذاً شاغب قدر الإمكان ، ولا تنفّذ اوامرها.. وبذلك تُجبرها على إعادتك لأمك ..
الحفيد بدهشة : أحقاً يمكنني فعل ذلك ؟!
- طبعاً !! فالحياة مُملّة مع العجائز
- شكراً لك ، فنحن تعوّدنا على التعلّم منكم
ثم رجع الصبي لأمه ، للعودة لسيارة والده
^^^
بهذه الأثناء .. أنهى الشيخ صلاته خلف صفّين من المصلّين.. ليجد رجلاً بجانبه يقول :
- تبدو غريباً عن منطقتنا
الشيخ : انا وعائلتي عابري سبيل
- اذاً رجاءً تحدّث مع شيخنا الهرِم لترك الإمامة ، فهو يصلي ببطءٍ شديد
- ولما لا تخبرونه بذلك ؟
الرجل : هو عنيدٌ جداً.. وبما انك شيخ ، فربما يستمع اليك ويدع المهمّة لغيره
- حسناً سأكلّمه
واقترب من الإمام ، لإخباره بشكوى قريته..
الإمام العجوز باستغراب : أتريديني ترك مهمّتي التي عملت فيها لسنواتٍ طويلة ؟!
الشيخ : من واجبنا كمشايخ ، التشجيع على الصلاة بالجامع.. وركوعك وسجودك البطيء يُصيبهم بالمللّ
- إن كان هذا رأيك ، فسأعود من حيث اتيت ..لأني اثق بكم
الشيخ باستغراب : تثق بنا ! .. المهم انك عملت جهدك ، وجزاك الله خيراً.. الأفضل ان تسترحّ مع اهلك ، ودعّ غيرك يتحمّل المسؤولية
- كما تشاء يا بنيّ
***
بعد عودته للسيارة.. حاول إدارتها ، لكن السيارة توقفت عند منعطفٍ آخر من قرية الجبل .. قرب جامعٍ مطليّ بالأحمر ، وصوت امام المسجد الأجشّ يصدح وهو يؤمّ المصلّين
الشيخ باستغراب : لكننا صلّينا قبل قليل !
زوجته : هذا جامعٌ آخر ، وربما تأخروا بالإقامة
زوجها : جامعان لنفس القرية الصغيرة ! أهم اناسٌ صالحين لهذه الدرجة؟!
فقال ابنه من المقعد الخلفيّ :
- امي .. هل يمكنني دخول الحمام ؟
الأم بعصبية : الم تدخل قبل قليل ؟!!
ابنها : معدتي تؤلمني
فقالت لزوجها : حسناً ، سآخذه لأحد المنازل
الشيخ : وانا سأدخل الجامع ، لأرى وضع المصلّين
^^^
وكان شكل المسجد من الداخل مختلفاً عن سابقه ، تماماً كهيئة المصلّين ! ففي الجامع الأزرق كان معظمهم نحيلي الأجسام ، اما هؤلاء فمميزين بضخامة العضلات ! فانتظر الشيخ لحين انتهائهم من الصلاة.. ليجد رجلاً يقترب منه وهو يقول :
- تبدو غريباً عن منطقتنا !
الشيخ : انا عابر سبيل .. ولم أصلّي معكم ، لأني صلّيت بالجامع الأزرق
- تقصد خلف الإمام العجوز ؟
- وإمامكم يبدو صوته..
الرجل مقاطعاً : مزعجاً ، اليس كذلك ؟ ليتك تنصحه بتسليم عمله لمن هو افضل منه
- لما قريتكم لديها نفس المشاكل ؟!
الرجل بضيق : لأن كبارنا يستحوذون على اهم المراكز ، ويرفضون تركها
- اذاً سأحاول نصحه
واقترب من شيخهم لإخباره : بأن الصوت الجميل من شروط الإمامة ، كيّ لا ينفّر غيره من الصلاة.. وأكمل قائلاً :
- لابد في قريتكم شخصاً صوته عذبٌ وجميل
الإمام : يوجد الكثير منهم ، لكنهم لا يعلمون بأمور الدين مثلي
الشيخ : اذاً علّمه ، ثم وكّله بالإمامة
- إن كان هذا رأيك ، فسأترك مهمّتي .. لأني اثق بكم
الشيخ بدهشة : بنا من جديد ! كلامكم غريب ، ولا افهمه .. المهم انني نصحتك ، والقرار يعود لك
ثم خرج من الجامع..
^^^
في هذه الأثناء .. نصحت زوجته المرأة (التي دخلت بيتها) بصرف مال زوجها اولاً بأول حتى لا يفكّر الزواج عليها ، كما هدّدها دائماً
المرأة باستغراب : الا نعاقب على التبذير ؟!
زوجة الشيخ : أليس افضل من هدم منزلك ، وتشتّت عيالك ؟
- إن كان هذا رأيك ، فسأنفّذ نصيحتك .. فنحن نثق بكم
ورغم غرابة كلامها ! إلاّ ان زوجة الشيخ انتظرت عودة ابنها بصمت .. والذي بدوره نصح ابن المرأة بضرب ابن الجيران المتفوّق عليه دراسيّاً
ليردّ بدهشة : أحقاً يمكنني ضربه ؟!
ابن الشيخ : نعم !! فهو يتباهى امام اهلك ، بأنه اذكى منك.. لهذا اضربه بالخفاء ، حتى لا يتجرّأ على ذلك ثانيةً
ابن المرأة : كما تشاء ، فأنتم ادرى بهذه الشؤون
***
ثم خرج الولد مع امه باتجاه السيارة التي ادارها والده..
لكن قبل خروجهم من القرية ، تعطّلت مجدداً قرب الجامع الأخضر!
زوجة الشيخ بضيق : ما بال سيارتنا تتوقف دائماً امام الجوامع ؟!
زوجها : بل قولي ، لما يوجد ثلاثة جوامع في قريةٍ صغيرة ؟!
ليسمع صوت الإمام الذي يبدو انه يصلي بسرعة !
فنظر الشيخ لساعته :
- مرّت نصف ساعة على انتهاء توقيت الصلاة ! ماذا يصلّي هؤلاء ؟ سأدخل لأراهم..
فنزل للجامع.. وبعد قليل ، قال ابنه بألم من المقعد الخلفيّ :
- امي ! عضضّت لساني وانا اكل الشطيرة ، والدم لا يتوقف
امه بقلق : اذاً لنذهب لذلك البيت ، لغسل فمك
^^^
وهناك التقت بعروسٍ جديدة ، فضّفضت لها عن مشكلتها .. في الوقت الذي كان ابنها يغسل فمه بالحمام ، وبجانبه اخت العروس الصغيرة
زوجة الشيخ : اذاً هو يتركك بالساعات لزيارة اهله ، رغم انك عروس منذ اسبوعين فقط ؟!
العروس بحزن : نعم .. ويريد عزيمتهم كل يوم ، فور انتهاء شهر العسل
- من حقك ان تسعدي ببيتك وزوجك ، دون تدخّل اهله
- ماذا افعل يا خالة ؟ إنصحيني
زوجة الشيخ : بعد كل زيارة لهم ، حدّثيه عن اخطاء امه واخوته سواءً بالتصرّفات او الأقوال
- وإن لم يفعلوا شيئاً خاطئاً ؟
- لفّقي التهم ضدّهم ، الى ان ينفر قلبه منهم ..وبذلك يمنعهم من زيارته ، ليصبح المنزل لك وحدك
العروس بصدمة : أيمكنني فعل ذلك ؟!
- ما بال هذه القرية بريئة اكثر من اللزوم ؟! نعم حبيبتي ، يمكنك فعل ما يلزم لضمان سعادتك
- حسناً .. انتم ادرى بهذه الشؤون ، ونحن نثق بكم
زوجة الشيخ بضيق : لما تصرّون على محادثتي بصيغة الجمع ؟!
لكن العروس التزمت الصمت !
^^^
في هذا الوقت .. كان ابنها ينصح الصغيرة باستعمال زينة اختها العروس ، كما تتمنى..
الأخت : أتقصد انه يمكنني سرقة هدايا عرسها دون علمها ؟!
ابن الشيخ : لما لا.. أظن اختك حصلت على العديد من الهدايا ، ولن تتذكّرها جميعاً
- حسناً ..إن كان هذا رأيك ، فسأنفّذ كلامك .. فنحن بالعادة نصدّق افعالكم
وهنا نادته امه :
- هل انتهى نزيف فمك ؟!!
ابنها : نعم امي ، انا قادم !!
^^^
بهذه الأثناء .. انتهت الصلاة بالجامع الأخضر ، بعد ملاحظة الشيخ سرعة إمامهم بالركوع والسجود ! حتى إن مصلّي عجوز اقترب منه بنهاية الصلاة ، وهو يسأله :
- تبدو مُتديّناً يا بنيّ ؟
- انا شيخ بالمنطقة المجاورة
العجوز : رجاءً إخبر إمامنا بترك عمله ، فركبتي تؤلمني بنهاية كل صلاة
الشيخ : هو فعلاً سريع ، ولا يراعي الظروف الصحيّة للمصلّين
- إنصحه رجاءً
فاقترب من الإمام الذي رغم كبر سنه إلاّ انه يتمتّع بصحةٍ جيدة.. ونصحه بترك مهنته لمن يتدبّر الصلاة افضل منه..
الإمام : كما تشاء ، فنحن نثق بكم
الشيخ بعصبية : لما تتحدثون معي وكأني قادم من كوكبٍ آخر ؟! فأنا نصحت مشايخ قريتكم بتوظيف غيرهم ، حتى لا تكره الأهالي الدين.. ولا نوايا أخرى لي
^^^
ثم خرج من الجامع ، ليجد زوجته تبحث حول السيارة بفزع :
- ماذا هناك ؟!
زوجته بخوف : لا اجد ابننا !!
الشيخ بصدمة : ماذا !
- خرجنا معاً من منزل العروس التي اعطتنا العصير.. وعندما انشغلت بوضعهم في السيارة ، إختفى الولد
- من أي منزلٍ خرجتِ ؟
زوجته : هناك
وأشارت للمكان ، لتتفاجأ باختفاء منزل العروس ! مما ارعبها كثيراً
- احلف ان منزلها كان بجانب الجامع
الشيخ : تعالي نبحث عنه
لكن كلما تعمّقا في الحيّ القديم ، تحوّلت ابواب المنازل الى جدارنٍ طينيّة ! حتى الجامع اطفأ نوره ، ليعمّ الظلام على طول الجبل
وفجأة ! سمعا ضحكاتٍ مريبة ، جعلتهما يركضان باتجاه السيارة التي اقفلا ابوابها
ليظهر لهما مخلوق بقرنين مخيفين ، وهو يطرق بقوة على مقدّمة سيارتهما ويقول :
- انا ممتنّ لكم.. فهذه قرية الجن الذين اهتدوا بزمن النبي محمد .. وقد تعاهد مشايخهم الأربعة مع والدي ، أعني ابليس .. بعدم تعليمهم الدين لأحدٍ من قريتهم ، بشرط عدم إغواء شعبهم الذين يلتجأون لهم في نصائحهم اليومية.. وبسبب اتفاقهم القديم مع ابليس ، لم نستطع نحن الشياطين إفسادهم .. فحافظوا على طهارة قلوبهم ، كالسلف الصالح ! ولأنهم يثقون بالمسلمين البشر ، تمكّنت زوجتك وابنك بنشر الفساد بينهم.. بينما كنت السبب بترك شيوخهم الثلاثة للإمامة ، وعودتهم لباطن الأرض.
زوجة الشيخ : هل انت من خطفت ابني ؟
الشيطان : نعم !! لأنكم على وشك الرحيل من القرية ، قبل انهاء مهمّتكم الأخيرة ..وهو الشيخ الرابع والأخير ، إمام الجامع الأبيض الموجود اعلى الجبل
فنظرا الى حيث اشار.. ليجدا الجامع الكبير الذي كان يؤذّن للعشاء ، رغم تأخّر الوقت !
الشيطان : لا تستغربا .. فالأوقات هنا تختلف في كل حيّ ، بقرية الجن المسلمين.. لهذا سأدعّ السيارة تتحرّك وحدها ، لأخذكما الى هناك.. (ثم اشار للشيخ) ..اريدك ان تجد طريقة لإقناعه بترك الإمامة .. وفي المقابل أعيد ابنكما ، وإلاّ لن ترياه ثانيةً
واثناء تحرّك السيارة وحدها صعوداً.. تساءل الشيخ بضيق :
- تُرى ما عقوبة إفسادنا للجن المسلم ؟!
زوجته بقلق : المهم ان تنقذ ابننا !! رجاءً نفّذ ما امرك به الشيطان
^^^
وبوصولهما لأعلى الجبل ، بقيّت الزوجة في السيارة .. بينما دخل الشيخ للجامع مُتثاقلاً ، لإقناع الإمام الأخير بترك عمله.. والذي اجابه برضا :
- طالما وجدت تجويدي للقرآن خاطئاً ، فسأترك عملي .. لأني اثق بكم
وفجأة ! اختفى الإمام ، ليبدأ المصلّون بالإختفاء الواحد تلوّ الآخر ..
فأسرع الشيخ الى سيارته .. ليشاهد تجمّع اهالي الأحياء الأربعة في ساحةٍ وسط الطرقات الجبليّة ، بعد ظهورهم على حقيقتهم ! حيث بدوا من اجناسٍ مختلفة من الجن والذين عاشوا بهذه القرية المنعزلة ، هرباً من الجن الفاسد والشياطين .. وحسب اشكالهم فهم مقسّمين : للجن المائي والناري والهوائي والترابي ..والذين قرّروا دون سابق انذار بتدمير مساجدهم الأربعة وحرقها ، بعد اختفاء شيوخهم الذين احتفظوا بعلوم الدين وحدهم ! ليتبدّل صوت الآذان ، بالعزف والرقص والمزامير والطبول .. وكأن جيشاً من الشياطين استولت على عقولهم وقلوبهم ..
بينما سارع الأب (الشيخ) باحتضان ابنه الذي خرج من احد منازلهم .. ثم انطلق بعائلته ، وهو يقود سيارته بسرعة باتجاه الطريق العام ، وهو يشعر بتأنيب الضمير بعد نشره هو وعائلته الفساد بقرية الجن المسلمين الذين حافظوا على دينهم لقرون عديدة
^^^
وفي الطريق .. إلتزم الوالدان الصمت وهما يستذكران تلويثهما لقلوب القرية الطاهرة ، دون علمهما بأن الشيطان (الذي ظهر للشيخ سابقاً بهيئة المصلّين المنزعجين من أئمّتهم) تلبّس جسد ابنهما الصغير الذي سيدمّر سمعة والده الشيخ فور بلوغه ، ليصبح لعنة على اهله وعلى المجتمع بأكمله !