تأليف : امل شانوحة
مدوّنة الأحلام
- أين أنا ؟!
تساءلت بقلق وهي تتلفّت حولها في فضاءٍ واسع ، تتحرّك فيه ظلالٌ أثيريّة بهدوءٍ مريب !
لتسمع صوتاً انثوياً تجيبها من الخلف :
- انتِ في عالم الأرواح.
فالتفتت اليها .. لتجدها امرأة بثوبٍ مهترئ ، وملامح بائسة !
- هل يعني هذا انني متّ ؟!
المرأة : لا ، هنا تجتمع الأرواح أثناء نومها
- تبدو لهجتك غريبة ! من ايّ بلدٍ قدمت ؟!
- من الهند.. لكن في هذا المكان ، نتحدث جميعنا اللغة العربية.
ثم سألتها :
- انتِ كاتبة ، أليس كذلك؟
فأجابت الفتاة :
- نعم ، لما تسألين؟
الهندية : لأن حلمي ان تعرف الناس قصتي الحزينة .. لكني أميّة ، ومنبوذة في مجتمعي الذي يرفض سماع تجربتي القاسية .. ولهذا اريدك ان ترويها عني
- حسناً.. لكن أسرعي بإخباري أهم الأحداث التي حصلت معك ، قبل استيقاظي
فابتسمت الهندية : لا حاجة للكلام ، فقط امسكي يدي
وما ان فعلت الكاتبة .. حتى وجدت نفسها مُحاصرةً داخل جسد الهندية ، وهي تعيش تفاصيل حياتها القاسية : من فقرٍ ونبذٍ وإهانة وخوف ، وعملٍ شاق ووحدةٍ مؤلمة ..
فشعرت الكاتبة بألمها ودموعها ومخاوفها وشعورها بالظلم ، والقهر الذي عاشته معظم حياتها المريرة !
^^^
وفي لحظةٍ واحدة ، انتهى كل شيء !
لتستيقظ الكاتبة مذعورة في سريرها ..
وعلى الفور !! دوّنت ما رأته في دفترها ، خوفاً من نسيان تفاصيل منامها الغريب
***
وبعد أيام ، نشرت التجربة على مدوّنتها..
فانهالت تعليقات القرّاء بعد تأثّرهم بحكاية المرأة الهندية التي تعاطفوا معها ، متساءلين عن مصيرها (بعد ان ذُكر بنهاية القصة : أنها وقائع حقيقية)
فاكتفت الكاتبة بالإجابة : كان مجرّد حلمٌ غريب !
***
الى ان جاء المنام الثاني ، الذي اعادها للمكان ذاته !
ومن بين الأرواح النائمة ، رأت من بعيد المرأة الهندية تلوّح لها بسعادة ..
فحلّقت الكاتبة بجسدها الأثيري اليها ..
لتتفاجأ بالهندية تحضنها بامتنان ، وهي تشكرها على صدق روايتها
ثم نادت لأرواحٍ اخرى ، يبدو الإرهاق والحزن واضحاً على ملامحهم
- تعالوا الى هنا !! هذه الكاتبة ستروي قصصكم للناس.
فتدافعت الأرواح التي اصطفّت في طابورٍ طويل ، لم تستطع الكاتبة رؤية نهايته !
فقال أحدهم:
- نعتذر منك.. سنثقل عليك بتجاربنا المريرة.
ابتسمت الكاتبة :
- بل العكس .. كنت مهمومة قبل اسبوع ، لعدم عثوري على افكارٍ جديدة لمدوّنتي.. والآن صار لديّ ما يكفي من القصص ، لكتابتها طوال حياتي.. ما يقلقني هو انتقاد القرّاء في حال أخبرتهم بسماعها من أصحابها الحقيقيين الذين يعيشون في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية ، فيظنوا بفقدان عقلي!
فرد احدهم :
- ليس ضرورياً أن تخبريهم الحقيقة كاملة.. يكفينا أن تُخلّدي حكاياتٍ نخشى أن تُنسى بعد مماتنا.
وقالت احداهن :
- دعي الناس تستفيد من أخطائنا.
وأضافت الفتاة الهندية:
- الله أعطاك موهبة الخيال الواسع ، وعليك استخدامها لإفادة المجتمع.
الكاتبة بضيق :
- ليتك تعرفين كم كان مشوار كتابتي طويلاً ومرهقاً
فردّت الهندية بهدوء :
- الله يعطي أصعب المهام لأقوى جنوده.. لا تقلقي ، فهو لا يضيّع جهد عباده، وسيكافئك على صبرك ولوّ بعد حين.
ابتسمت الكاتبة :
- ونِعم بالله.
ثم التفتت إلى الطابور ، فوقع نظرها على عجوزٍ أنهكه التعب .. فنادته :
- تعال يا عم !! اخبرني تجربتك قبل أن أستيقظ.
فتوقف أمامها ، وهو يقول بجدّية :
- اذا أردتِ كتابة قصتي ، فعليك حفظ كل كلمة أقولها ..لأنك ستسمعين أغرب حكاية... وربما هي التي ستُشهر مدوّنتك
فدعت الكاتبة في نفسها ، بقلق :
((يارب لا تجعلني أنسى كلامه بعد استيقاظي))
العجوز : هيا إمسكي يدي ، سآخذك الى عالمٍ ليس له مثيل
وما ان امسكت يده ، حتى بدأ الفضاء من حولهما يتلاشى تدريجياً !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق