الخميس، 8 أكتوبر 2026

قصص الأرواح

تأليف : امل شانوحة 

 

مدوّنة الأحلام


- أين أنا ؟!

تساءلت بقلق وهي تتلفّت حولها في فضاءٍ واسع ، تتحرّك فيه ظلالٌ أثيريّة بهدوءٍ مريب !

لتسمع صوتاً انثوياً تجيبها من الخلف :

- انتِ في عالم الأرواح.

فالتفتت اليها .. لتجدها امرأة بثوبٍ مهترئ ، وملامح بائسة !

- هل يعني هذا انني متّ ؟!

المرأة : لا ، هنا تجتمع الأرواح أثناء نومها 

- تبدو لهجتك غريبة ! من ايّ بلدٍ قدمت ؟!

- من الهند.. لكن في هذا المكان ، نتحدث جميعنا اللغة العربية.

ثم سألتها :

- انتِ كاتبة ، أليس كذلك؟

فأجابت الفتاة :

- نعم ، لما تسألين؟

الهندية : لأن حلمي ان تعرف الناس قصتي الحزينة .. لكني أميّة ، ومنبوذة في مجتمعي الذي يرفض سماع تجربتي القاسية .. ولهذا اريدك ان ترويها عني 

- حسناً.. لكن أسرعي بإخباري أهم الأحداث التي حصلت معك ، قبل استيقاظي 

فابتسمت الهندية : لا حاجة للكلام ، فقط امسكي يدي 


وما ان فعلت الكاتبة .. حتى وجدت نفسها مُحاصرةً داخل جسد الهندية ، وهي تعيش تفاصيل حياتها القاسية : من فقرٍ ونبذٍ وإهانة وخوف ، وعملٍ شاق ووحدةٍ مؤلمة ..

فشعرت الكاتبة بألمها ودموعها ومخاوفها وشعورها بالظلم ، والقهر الذي عاشته معظم حياتها المريرة !

^^^


وفي لحظةٍ واحدة ، انتهى كل شيء ! 

لتستيقظ الكاتبة مذعورة في سريرها ..

وعلى الفور !! دوّنت ما رأته في دفترها ، خوفاً من نسيان تفاصيل منامها الغريب 

***


وبعد أيام ، نشرت التجربة على مدوّنتها..

فانهالت تعليقات القرّاء بعد تأثّرهم بحكاية المرأة الهندية التي تعاطفوا معها ، متساءلين عن مصيرها (بعد ان ذُكر بنهاية القصة : أنها وقائع حقيقية) 

فاكتفت الكاتبة بالإجابة : كان مجرّد حلمٌ غريب !

***


الى ان جاء المنام الثاني ، الذي اعادها للمكان ذاته !

ومن بين الأرواح النائمة ، رأت من بعيد المرأة الهندية تلوّح لها بسعادة ..


فحلّقت الكاتبة بجسدها الأثيري اليها ..

لتتفاجأ بالهندية تحضنها بامتنان ، وهي تشكرها على صدق روايتها


ثم نادت لأرواحٍ اخرى ، يبدو الإرهاق والحزن واضحاً على ملامحهم 

- تعالوا الى هنا !! هذه الكاتبة ستروي قصصكم للناس.


فتدافعت الأرواح التي اصطفّت في طابورٍ طويل ، لم تستطع الكاتبة رؤية نهايته ! 

فقال أحدهم:

- نعتذر منك.. سنثقل عليك بتجاربنا المريرة.

ابتسمت الكاتبة :

- بل العكس .. كنت مهمومة قبل اسبوع ، لعدم عثوري على افكارٍ جديدة لمدوّنتي.. والآن صار لديّ ما يكفي من القصص ، لكتابتها طوال حياتي.. ما يقلقني هو انتقاد القرّاء في حال أخبرتهم بسماعها من أصحابها الحقيقيين الذين يعيشون في الجهة الأخرى من الكرة الأرضية ، فيظنوا بفقدان عقلي!


فرد احدهم :

- ليس ضرورياً أن تخبريهم الحقيقة كاملة.. يكفينا أن تُخلّدي حكاياتٍ نخشى أن تُنسى بعد مماتنا.

وقالت احداهن :

- دعي الناس تستفيد من أخطائنا.

وأضافت الفتاة الهندية:

- الله أعطاك موهبة الخيال الواسع ، وعليك استخدامها لإفادة المجتمع.

الكاتبة بضيق :

- ليتك تعرفين كم كان مشوار كتابتي طويلاً ومرهقاً 

فردّت الهندية بهدوء :

- الله يعطي أصعب المهام لأقوى جنوده.. لا تقلقي ، فهو لا يضيّع جهد عباده، وسيكافئك على صبرك ولوّ بعد حين.

ابتسمت الكاتبة : 

- ونِعم بالله.


ثم التفتت إلى الطابور ، فوقع نظرها على عجوزٍ أنهكه التعب .. فنادته :

- تعال يا عم !! اخبرني تجربتك قبل أن أستيقظ.


فتوقف أمامها ، وهو يقول بجدّية : 

- اذا أردتِ كتابة قصتي ، فعليك حفظ كل كلمة أقولها ..لأنك ستسمعين أغرب حكاية... وربما هي التي ستُشهر مدوّنتك 

فدعت الكاتبة في نفسها ، بقلق :

((يارب لا تجعلني أنسى كلامه بعد استيقاظي))

العجوز : هيا إمسكي يدي ، سآخذك الى عالمٍ ليس له مثيل


وما ان امسكت يده ، حتى بدأ الفضاء من حولهما يتلاشى تدريجياً ! 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

قصص الأرواح

تأليف : امل شانوحة    مدوّنة الأحلام - أين أنا ؟! تساءلت بقلق وهي تتلفّت حولها في فضاءٍ واسع ، تتحرّك فيه ظلالٌ أثيريّة بهدوءٍ مريب ! لتسم...