الاثنين، 29 أبريل 2024

النهايات الصادمة

تأليف : امل شانوحة 

 

الممثلون الصاعدون


بدأ تصوير المشهد الأخير من فيلم الساحر وهو يحاول فكّ السلّسلة امام جمهور المسرح ، اثناء حبسه داخل حوضٍ مائيّ سميك.. 

وقبل انتهاء الوقت المحدّد ، طرق بكلتا يديه على الزجاج بفزعٍ شديد ! مما اسعد المخرج ، لإتقانه مشهد الغرق في نهاية الفيلم .. دون علمه بأن الأكسجين الخفيّ الممتدّ خلف الذقن المُستعار للممثل ، مُغلقٌ تماماً ! وأن الممثل الموهوب على وشك الغرق..


وبعد توقف حركته ، وتصوير ردّة فعل جمهوره الصادم (كما كُتب بسيناريو الفيلم) أوقف المخرج التصوير ، مُصّفقاً هو وطاقمه للممثل الذي أتقن الدور جيداً.. ليصعقوا جميعاً بإخراجه ميتاً من الحوض ! 


وهزّ نبأ مقتله الصحافة والفنانين ، عقب صعوده السريع نحو النجوميّة ! ولاموا المخرج ومسؤولي السلامة على عدم انتباههم لاحتضار الممثل الصاعد.. 


لاحقاً ، أُغلقت القضيّة بعد تعويضٍ مالي لأهل الفقيد !

***


لم يستفق الجمهور من صدمتهم الأولى ، حتى ماتت ممثلة أخرى برصاصةٍ في قلبها ، أطلقها زميلها في المشهد الأخير من الفيلم ! ويبدو أحدهم استبدل الرصاصة الفارغة برصاصةٍ حقيقية ، أدّت لوفاتها بالحال ! 


فأنكر المخرج (كما فعل المخرج السابق) مسؤوليته عن الحادث ، او رغبته في أذيّته الممثلة الجميلة ! ولم تعرف الشرطة إن كانت الجريمة مُتعمّدة او خطأً فنّياً ! وأُغلقت القضية بتعويضٍ ماديّ لأهلها

***


في السنة التالية .. مات ممثلٌ آخر إختناقاً ، بعد حجزه داخل كوخٍ يحترق في المشهد الأخير من فيلمه المرعب .. حيث يُفترض هروبه من بابٍ سرّي ، والذي وجده مقفلاً ! ولم يسمع المخرج ومساعديه صرخات الإستغاثة ، حتى تفحّم تماماً مع مفروشات الكوخ

***


اما الحادث الأخير : فقد أحدث ضجّةً مدويّة بعد موت مراهقٍ جذّاب ، نجح في الوصول للنجومية بوسامته اللطيفة .. وذلك بعد فشله بفتح مظلّته الهوائية ، مع إحترافه هذه الرياضة رغم صغر سنه  !

ورغم إن هذه هي نهايته المكتوبة في الفيلم ، إلا ان موته الحقيقي جعل طاقم العمل ينهار بكاءً عليه ! 

***


جميع تفاصيل الحوادث الأربعة أُرسلت لمحققٍ متقاعد ، بعد عجزّ الشرطة عن حلّ ألغازها.. 

وبعد بحثه بالدلائل والبراهين ، وجد ان طاقم التصوير مختلف في الأفلام الأربعة  التي تشترك جميعها بموت البطل بنهاية الفيلم ، والذين قضوا نحبهم بأخطاءٍ تقنيّة !


لكن خبرة المحقق الطويلة جعلته يكتشف الرابط بين الحوادث الدمويّة ، فجميعها من إنتاج ثريّ دخل حديثاً للمجال السينمائي ! وهو حديث النعمة ، بعد ورثه اموال عمه المُغترب .. 

***


في قصر الثريّ .. سأله المحقق بضعة اسئلة دقيقة ، جعلته يرتبك وهو يحاول إبعاد الشبهات عنه ، مدّعياً عدم اهتمامه بسيناريو افلامه التي ينتجها ! مُكتفياً بالقول : انه يدفع تلك المبالغ الطائلة ، دعماً للمواهب الشابة 


وبسبب ارتباك الثريّ الواضح ، أكمل المحقق بحثه عن ماضي المنتج .. ليعلم بأنه حاول كثيراً في شبابه الإشتراك بأفلامٍ سينمائيّة.. لكن وسامته لم تساعده في الحصول على البطولة ، بل بعض الأدوار الثانوية بسبب تلعثمه بالكلام .. 


فبحث المحقق اكثر بماضي المنتج ، ليكتشف إدمانه المخدرات بعد فشله بمهنة التمثيل .. فأصبح مشرّداَ بالشوارع لثلاثة أشهر ، قبل ان يجده محامي عمه الذي اشترط علاجه من الإدمان قبل حصوله على الثروة الطائلة ، كونه الوريث الوحيد


وبعد علاجه ، إمتهن انتاج افلام الآكشن والرعب.. خصوصاً التي تنتهي بموت البطل ! وكان هذا الإكتشاف ، كفيلا للمحقق بالعودة لسؤال الثريّ في مكتبه : 

- هل اغتظت من الشباب الموهوبين الذين انشهروا ببداية عملهم الفنّي ، بعكسك .. لهذا خطّطت لقتلهم بنهاية افلامك ؟

فضحك الثريّ بارتباك :

- عليك ان تصبح كاتباً ايها المحقق ، فخيالك واسع

- المخرجون الأربعة أكّدوا إصرارك على رؤية إنجازات الأبطال السابقة ، لتقيّمها قبل انتاجك فيلمهم الأخير .. فهل ضايقك تسليط اضواء الشهرة عليهم باكراً مع دعمٍ كبير من المُعجبين ، دون حصولك على تلك الإمتيازات رغم وسامتك وموهبتك الفنيّة ؟ 

فسكت الثريّ بضيق..


فأكمل المحقق : يعني لولا ثروة عمك لمُتّ مُشرداً ، بعد فشلك بتحقيق النجوميّة

فضرب الثريّ بقوة على مكتبه ، غاضباً :

- هم ليسوا أفضل مني !! فلما اختاروهم ابطالاً دون إعطائي فرصة واحدة لإثبات براعتي بالتمثيل ، قبل ان تُذهب المخدرات وسامتي وصحتي وتفاؤلي بالحياة ؟! 

المحقق بحزم : لك الحقّ في توظيف محامي..

الثري مقاطعاً ، بعد تداركه الموقف : 

- لا ! انا لم اعترف بقتلهم

- لقد فضحت نفسك ، وانتهى الأمر .. وبإمكاني بسهولة معرفة من رشوّته من طواقم العمل ، لقتل الممثلين في مشهدهم الأخير


ونادى حارسه الذي دخل المكتب ، لوضع الأصفاد للثريّ الذي ظلّ يعترض غاضباً:

- كانوا مغرورين ومتغطرسين ، رغم صغر سنهم !! أفسدتهم الشهرة الباكرة .. وكان عليّ تأديبهم ، ليكونوا عبرة لبقيّة الممثلين 

المحقق : إحتفظ بكلامك للقاضي .. فسعيّك المُستميت للشهرة ، قضى على مستقبلك ايها الحقود الناقم

***


بعد تلك القضية .. حرص الممثلون الصاعدون على اختيار افلامهم بدقّة ، خصوصاً إن كانت مدعومة من مُنتجين جدّد في الساحة الفنّية العريقة !


الجمعة، 26 أبريل 2024

العقد الأبدي

كتابة : امل شانوحة 

العاشق المهووس


رغم وسامة إريك إلاّ أن الطلّاب تجنّبوا مصاحبته في مدرسته المتوسطة ، لغرابة طباعه ! فوالداه وأخوه الكبير ماتوا إحتراقاً ، اثناء لعبه بالخارج.. وربّته عمته المجنونة ، ليُصبح منعزلاً ووحيداً لفترةٍ طويلة.. 

وعندما قام الأستاذ بتوبيخه لنسيانه الواجب ، شفقت عليه جاكلين (الطالبة الجديدة) ..ورغم نصح زملائها بعدم الإقتراب منه ، إلاّ انها تؤمن بأحقيّة كل انسان بحياةٍ جيدة وعادلة .. وبدأت تساعده في دروسه ، حتى تحسّنت علاماته المدرسيّة .. وصار أكثر نشاطاً وتفاؤلاً ، بعد ان كئيباً معظم حياته!

***


في عيد الفالنتين.. إقترب منها ومعه ورقة ، مكتوباً عليها :

((هل توافقين على محبّتي للأبد ؟ ..وأسفل منها ، رسم مربعيّن : فيهما علامة صح وخطأ))  

فأشارت على مربع الصح .. ليسارع باحتضانها فرحاً ، امام الطلّاب الذين سخروا منها : 

- الم تجدي غير هذا المتخلّف لتصاحبيه ؟ يالا سوء حظك !

مما أثار قلقها !

***


وبمرور الأيام ، حاولت جاكلين وضع حواجز بينها وبين اريك الذي ازداد تعلّقاً بها! 


وذات يوم .. اراد تقبيل وجنتها في الملعب ، فصفعته غاضبة :

- تأدّب يا اريك !!

فسألها بصدمة : ماذا حصل ؟!

جاكلين : أخبرتك الف مرة اننا زملاء دراسة ، ولسنا حبيبيّن ! 

اريك : لكنك وضعت علامة صح ، في عقد المحبّة الأبديّ ؟!

- عقد ماذا ؟!


فأخرج الورقة من جيبه (التي يحتفظ بها دائماً) .. فأرادت تمزيقها ، لكنه سحبها من يدها بعصبية :

- ماذا تفعلين ؟!!

فردّت غاضبة : ليس هناك شيء اسمه الحب الأبديّ !! حتى العشّاق ينفصلوا بنهاية المطاف

اريك : لا تكوني متشائمة ، بسبب طلاق والديّك

- انا مُتقبلة إنفصالهما .. على الأقل لم أحرق عائلتي وهم نيام !!

اريك بصدمة : ماذا ! هل صدّقتي إشاعة المتنمّرين ؟!

- لا يوجد تفسيرٌ آخر .. فالحريق حصل في منزلك بعد منتصف الليل .. ولا ادري كيف صدّقت الشرطة أنك وقتها تلعب بالشارع ! 

- لأن جارتي شهدت أن من عادتي الهرب من نافذة غرفتي بعد نومهم ، للعب الكرة بالساحة القريبة من منزلها .. فهي لطالما عاتبتني ، ومزّقت العديد من كراتي .. كيف صدّقتهم يا جاكلين ؟! أمعقول أن أقتل أهلي ، لتُربّيني عمتي العصبيّة !!  


جاكلين بقلق : يُقال انها مجنونة !

- هي تتعالج نفسيّاً فقط !! .. (ثم تنهّد بضيق) .. كم أحزنني كلامك ، فأنت صديقتي الوحيدة !

- طالما غضبت مني ، فالأفضل ان ننفصل

اريك بحزم : مستحيل !! ليس بعد توقيعك على عقد المحبّة الأبديّ 

- هل عمرك ٧ سنوات ؟! نحن بالغيّن ، فكفّ عن هذه السخافات وإلاّ سأغيّر المدرسة !!

فتغيّرت نبرة صوته ، وأصبحت أكثر حدِّية :

- لن اسمح لك بالهرب مني ، وسألاحقك لآخر عمرك .. وانا أعني ما اقوله !! 

***


كان هذا آخر لقاء بينهما ، بعد إلحاح جاكلين على والدها بتغيّر مدرستها .. وهو وافق على طلبها بعد لقائه عمة اريك ، ليشكي لها تصرّفات الولد المريبة .. 

فنصحته بإبعاد ابنته عن إبن أخيها الذي اعترف سابقاً بإحراق عائلته ، بسبب تفضيلهم أخاه الأكبر ! وهو من أشاع جنونها بين الناس حتى لا يصدّقوها ، في حال فضحت جريمته الشنيعة


وبالفعل انتقل الأب المُطلّق مع ابنته لمنطقةٍ بعيدة .. في حين بحث اريك في كل المدارس المجاورة عن حبه الضائع ، دون أثرٍ لها ! 

***


بعد سنوات ، وفي عرس جاكلين .. وقبل إجابتها على سؤال القسيس: 

- هل توافقين على الزواج بجاك ؟


حصل إنفجارٌ صغير خارج الكنيسة ، جعلت المعازيم يهربون خائفين للخارج .. ليجدوا سيارة محطّمة بعد تفخيخها ! ولم تقبض الشرطة على الفاعل .. 


وبسبب ما حصل ، تأجّل الزواج لموعدٍ غير محدّد .. وعاد العروسان الى منزل اهاليهما ، وهما حزينان لفشل عرسهما !  

***


في الأيام التالية .. وكلما حاولت جاكلين لقاء خطيبها في مطعمٍ او الشارع ، يحصل شيءٌ يفزعهما : كهجوم مُقنّع عليهما بالسكين ، او تكسير سيارة خطيبها .. واشياء من هذا القبيل جعلت جاك يُلغي زواجه بها ، لتشاؤمه من الحوادث المتكرّرة ! فلازمت جاكلين منزلها ، بعد إصابتها باكتئابٍ شديد 

***


وفي يومٍ ماطر .. وقفت على شرفة منزلها ، وهي تنظر للشارع .. لتجد شاباً وسيماً يرفع لافتة (لورقة قديمة قام بتكبيرها) :

((هل توافقين على محبّتي للأبد ؟ ..وعلامة صح على مربع نعم)) في عقد المحبّة الأبديّ المشؤوم الذي يبدو سيلاحقها لآخر يومٍ في حياتها !


******

ملاحظة :

هذه الأحداث مستوحاة من قصة فتاة امريكية استطاعت سجن صديقها المهووس عدة شهور .. ليعود لملاحقتها من جديد ومنعها من الزواج بغيره ، فقط لأنها الوحيدة التي صاحبته بالمدرسة .. ومازالت تعاني منه حتى اليوم !


الثلاثاء، 23 أبريل 2024

مسابقة الجدارة

تأليف : امل شانوحة

منصبٌ رفيع


إستوفى خمسة شباب شروط الوظيفة في شركةٍ مرموقة .. واجتمعوا في مكتب المدير العام (أغنى تجّار البلد) الذي قال لهم :

- وضعت الإعلان لتوظيف أحدكم ، كمدير عام لشركتي الجديدة في الخارج .. وضمن مئات المتقدّمين للوظيفة والحاصلين على أعلى شهاداتٍ جامعيّة ، فزتم انتم بالإمتحان التحريريّ والشفويّ .. لكن قبل اختياري لمن يستحق المنصب الكبير ، سأضعكم في اختبارٍ أخير لمعرفة من سينوبني في الخارج..


ثم نادى سكرتيرته التي قالت للمتسابقين الخمسة :

- تعالوا معي ، سنذهب لمكان الإمتحان.. وسيتابعكم المدير عبر كاميرات المراقبة

***


فذهب اربعة رجال وسيدة مع السكرتيرة ، في باص العمّال الى منطقةٍ زراعيّة خارج المدينة..


ووصلوا عصراً الى حديقةٍ كبيرة ، وهم يستمعون للسكرتيرة التي أخبرتهم بالتفاصيل :

- كما ترون !! هناك خمسة طائرات درون .. ستحلّق كل واحدة فوق احدكم ، لنقل ما تفعلونه للمدير

فسألتها السيدة : وماذا علينا فعله ؟

فأجابت : هذه متاهة زراعيّة ، هي الأضخم في العالم.. كل ما عليكم فعله هو الوصول لنهاية المتاهة ، وسيكون ..

الشاب مقاطعاً : ومن يصل اولاً يفوز بالمنصب ، اليس كذلك ؟

السكرتيرة : لا يهم الترتيب ، المهم خروجكم من المتاهة الطويلة


فاعترض الشاب الثاني : ما هذه المسابقة الغريبة ؟! فهي لا تمتّ بصلة لمجال المال والأعمال ؟!

الشاب الثالث : معك حق .. توقعت ان يكون الإمتحان حول طريقة إقناعنا لأحد التجّار بشراء منتجات الشركة !

الشاب الرابع : او على الأقل ، معلوماتنا في المحاسبة والّلغة وعلم الحاسوب ! 

السكرتيرة : انا أنفّذ اوامر المدير فحسب

السيدة : كان عليه تأجيلها للغد ، فالشمس على وشك المغيب !

السكرتيرة : وهذه ضمن صعوبات المسابقة ..وعليكم إيجاد نهاية المتاهة دون استخدام جوّالاتكم


السيدة بقلق : وكيف سنمشي في الظلام ؟!

السكرتيرة : سأعطيكم حقائب صغيرة فيها كشّافات وبعض الطعام والشراب ، وعليكم ربح المسابقة قبل حلول الصباح .. والآن رجاءً ، أعطوني جوّالاتكم .. وأنصحكم بعدم إختراق الأشجار ، فهي شائكة للغاية.. (ثم نظرت لساعتها ، بعد اختيار كل واحدٍ منهم مدخلاً مختلفاً للمتاهة) .. والآن !! لتبدأ المسابقة 

***


داخل المتاهة .. إختار بعضهم المشي بحذر ، بينما هرّول الآخرون رغبةً بالفوز بالمنصب الكبير


لكنهم استوعبوا صعوبة المسابقة ، بعد تشابه الإتجاهات في الوسط ! عدا عن ارتفاع الممرّات ، وتشابك أغصانها مما يصعب النظر خلالها .. والأسوء انها تمتدّ لنصف كيلو ، كما اخبرتهم السكرتيرة ! 


وهذا ادّى لإنهيار أحدهم الذي صرخ على طائرة درون التي تلاحقه ، مُحدّثاً مديره:

- هذه سخافة !! نحن خرّيجي اهم جامعات البلد ، وتلاعبنا كالأطفال ! اريد الخروج من هنا ، فقد ضاق صدري بلعبتك السخيفة


لكن الطائرة ظلّت تحلّق فوقه ، وهي تصوّر ردود أفعاله للمدير الذي يراقب الشاشات الخمسة باهتمام ..

^^^


بعد غروب الشمس ، شعر الجميع بالقلق والملّل !

وعلى نور الكشّافات ، تناولوا الحلوى والمياه الموجودة في حقائبهم..

ولأن المتاهة كبيرة ، وضع المسؤولون حمّامات متنقلة في بعض الزوايا !

***


قبيل الفجر ، تغيّرت تصرّفات المتسابقين وإنفعالاتهم النفسيّة ! حيث فضّل احدهم النوم في إحدى الممرّات بعد يأسه من إيجاد المخرج ، على أمل إكمال اللعبة في الصباح دون اكتراثه بخسارة المسابقة ! 


بينما انهارت السيدة بالبكاء ، وهي تصرخ على الطائرة : 

- ضاقت انفاسي !! .. لم اعد اريد الوظيفة اللعينة ، فقط أخرجوني من هنا !!!!


اما المتسابق الثالث : فقد تمكّن من إيجاد مخرج المتاهة ، بعد استخدامه حيلةً ذكية : بوضع حبة شوكولا ملوّنة امام كل مفترق طرق ، كيّ لا يعود اليه مجدّداً ! الى أن وصل للسكرتيرة التي تنتظره قرب بوّابة الخروج ..وطلب منها مُتحمّساً ، إخبار المدير بفوزه .. لكنها فضّلت الإنتظار ، لمعرفة مصير الآخرين


بينما المتسابق الرابع : فتمكّن ايضاً من إيجاد نهاية المتاهة ، بذاكرته القوية ..لكنه رفض إقتراح السكرتيرة بالبقاء مع الفائز الأول.. وفضّل العودة للمتاهة لإنقاذ المتسابقين الثلاثة التائهين ! 

***


بعد عودته للمتاهة .. وجد المتسابق النائم اولاً ، فهزّ كتفه قائلاً :

- هيا استيقظ !! فقد وجدت باب الخروج .. إتبعني بسرعة !!


وفي طريقهما .. سمعا بكاء السيدة ، فأسرعا نحوها .. والتي استندت على الفائز الثاني لشدّة انهيارها ، خلال توجّه الثلاثة للمخرج !


اما المتسابق الأخير : فكان غاضباً ، لدرجة محاولته إسقاط طائرة درون بالحجارة بعد انزعاجه من صوتها .. واستطاع الفائز الثاني منعه بآخر لحظة من حرق الشجيّرات بولاّعته ، بعد أن فقد صوابه ! مُرشداً زملائه الى خط النهاية ، بذاكرته الفولاذيّة

***


خارج المتاهة .. صفّقت لهم السكرتيرة بعد انتهاء المسابقة ، مع بزوغ الفجر.. ورغم إنهاكهم إلاّ انهم فضّلوا لقاء المدير الذي سهر بمتابعتهم ، لمعرفة النتيجة النهائيّة 

^^^


وطوال الطريق .. تفاخر الفائز الأول بنيله الوظيفة ، لسرعة حلّه اللغز .. مُستهزئاً من شجاعة الفائز الثاني الذي أضاع وقته بإنقاذ زملائه ، وهو يقول بثقة :

- انا اول شخص خرج من المتاهة ، وأستحق الفوز بالمنصب ..اما انت !! فدعّ إنسانيتك تنفعك

***


في الشركة ، حلّل المدير ردود افعالهم .. وسأل أحدهم معاتباً :

- كيف فضّلت النوم على متابعة المسابقة ، رغم أهميّة الوظيفة بالنسبة لك ؟! 

فأجابه الشاب بارتباك : أردّت إنتظار الصباح ، فنور الكشّاف كان ضعيفاً

المدير معاتباً : منصب إدارة شركتي بالخارج تحتاج لشخصٍ نشيط ، لا لشخصٍ  يؤجّل عمله للغد .. هذه الوظيفة لا تناسبك ، ايها الكسول..

فطأطأ رأسه خجلاً ، بعد تأكّده من فشله بالمسابقة


ثم اقترب المدير من السيدة : 

- اما انت !! فلم تتحمّلي الضغوط ، وانهرتِ بالبكاء ! والوظيفة تحتاح لقيادة صلبة ، وأعصاب من حديد

السيدة : كنت متأكدة من فشلي


ثم قال للشاب الثالث : وانت !! فقدت اعصابك تماماً ، وحاولت تحطيم الطائرة ! عدا عن الشتائم القذرة .. ومحاولتك حرق أهم متاهة بالعالم ، والتي تعتبر من معالم مدينتنا !

- أعاني رهاب الأماكن الضيّقة..

المدير مقاطعاً : هذا ليس مبرّراً لفقدان السيطرة على افعالك ! فالإدارة تحتاج لضبط النفس !!

- اعلم انني فشلت ، فلا داعي لنقدي .. سيدي

المدير : عليك معالجة غضبك المُفرط ، لمصلحتك الشخصيّة

فاكتفى الشاب بالصمت


ثم اقترب المدير من الفائز الأول : وانت !!

فأكمل بفخر : كنت اول من خرج من المتاهة ، بذكائي وحنكتي

المدير : هذا صحيح ، لكنك اناني ..لم تساعد احداً ، حتى انك مرّرت بزميلتك التي تطلب النجدة ، ولم تكترث لها !

- لأننا في مسابقة تنافسيّة !


ثم وجّه المدير كلامه للجميع : 

- كنت أراقب تصرّفاتكم بدقّة داخل المتاهة ، لأهميّة هذه الوظيفة التي تحتاج لقائدٍ ينظّم عمله مع الموظفين ويرشدهم للنجاح ، كمن يقود السفينة لبرّ الأمان .. تماماً كهذه الصورة .. (وأشار لصورةٍ يضعها فوق مكتبه) 


ثم اقترب من الفائز الثاني : لهذا انت الفائز !!

وصافحه ، مُكملاً كلامه :

- انت عدّت للمتاهة الصعبة ، وقضيت ساعةً اخرى لإخراج زملائك من هناك.. لهذا لديك صفات القائد ، وتستحق الوظيفة لإنسانيتك وتحمّلك المسؤولية .. مبروك يا بطل !!


ثم وضع اوراقاً رسميّة امامه .. بينما صفّق زملائه بابتساماتٍ مُصطنعة وهم يكتمون غيرتهم وغيظهم ، اثناء توقيعه على قرار تعيّنه بوظيفة الأحلام بعد فوزه بجدارةٍ واستحقاق !!


السبت، 20 أبريل 2024

الصورتان الداميتان

تأليف : امل شانوحة 

تشابه الأحداث


- إجلس هنا ايها الشقيّ ، بجانب جثة والديّك واختك الرضيعة ..ودعني أصوّرك للذكرى 


والتقط صورة بكاميرته الفوريّة ، رماها في وجه الصبيّ (سبع سنوات) وهو يبكي بعد أن شهد مشادةً كلاميّة بين ابيه وشريكه (الذي طرده من الشركة بتهمة الرشوة) تطوّرت لقتل عائلة الصغير! 

***


بعد سنوات ، في الجامعة .. إلتقى شاب بفتاةٍ أعجبته من النظرة الأولى .. وهي لم تمانع صداقته ، لوسامته وتفوّقه على بقيّة الطلاّب .. ولم تمضي سنة حتى أصبحا صديقيّن مقربيّن .. 

ومرّت سنوات الجامعة بوفاقٍ تام بين الحبيبّن الّلذين قرّرا الزواج بعد التخرّج..

***


وفي يوم طلبت منه زيارة عائلتها للتعرّف عليهم ، لكثرة ما حدّثتهم عنه


وبالفعل زار عائلتها .. وبعد تلك الزيارة ، إنقطعت اخباره بعد تغيّر رقم جوّاله .. وانتقل من جامعته في سنته الأخيرة ، وكأنه يتعمّد الهروب منها !

لم تفهم الصبيّة ما حدث ! وحاوت سؤال اصدقائه المقرّبين عنه ، لكن اخباره انقطعت عن الجميع !

***


بعد سنة التقت فيه مجدداً ، برفقة خطيبته ! مما قهرها كثيراً ، فهو حبها الأول الذي لطالما أخبرها بحماسه للزواج بها


فتخلّت عنه ، بموافقتها على العريس الثريّ الذي ألحّ والدها عليه

***


وفي ذلك العصر .. تفاجأت بحبيبها السابق ينتظرها في النادي ، ليخبرها عن ندمه بتركها ، وإنهاء علاقته بخطيبته ! 

فصفعته غاضبة :

- الآن تخبرني قبل يوم من خطبتي ، وقد عزمنا الأهل والأصدقاء بحفلٍ ضخم؟!!

الشاب : رجاءً لا تتخلّي عن حبك الأول


وسهرت ليلتها ، وهي تستذكر الماضي معه

***


وفي يوم خطبتها.. فاجأت العائلتيّن برفضها لبس خاتم الخطوبة ، مُكتفية بالقول لخطيبها :

- أعتذر منك ، فقلبي مشغولاً بغيرك


مما أثار بلبلة بالحفلة ! وإحراج شديد لوالدها الذي عتابها بقسّوة بعد ذهاب الضيوف ..لكنها لم تكترث ، رغبةً في العودة لحبيبها السابق الذي تابع لقائها بسرّية ، وكلّه شوق للزواج بها

***


بمرور الأيام ، إستطاعت بصعوبة إقناع اهلها بعريسها الذي لا يناسب طبقتهم الثريّة .. وأنفق والدها مُرغماً آلاف الدولارات على حفل زواج ابنته الوحيدة التي لم يعلم بانهيارها بالبكاء في غرفة الفندق بعد ان أخبرها عريسها الحقيقة .. حيث نظرت بصدمة لصورة طفولته ، بجانب جثث عائلته ! بينما تابع حديثه بعصبية وقهر : 

- أنظري للصورة جيداً !! لقد التقطها ابوك المجرم بعد قتله والدايّ واختي الرضيعة ، دون ان يرحم صغر سني.. ولم يكتفي بهذا ! بل استولى على شركة والدي الذي نسيّ إبطال وكالته العامّة ، فحرمني الميراث !!


العروس : لا اصدق ان ابي قتلهم ، بعد طرد والدك الظالم !

- لم يكن ظلماً !! بل كان يشوّه سمعة الشركة برشاويه السرّية 

- ومن تكفّل بك بعد الحادثة ، يا حبيبي ؟

العريس بغضب : لا تقولي حبيبي ، يا ابنة اللعين !! ..(ثم تنهّد بضيق).. ربّتني عمتي التي انفقت على تعليمي بأرقى الجامعات ، وهناك التقيت بك


معاتبة : ومثلّت دور العاشق ببراعة ؟!! 

- لا ابداً .. لقد أحببتك بصدق ، فأنا لم اكن اعرف اسم القاتل ..لكن بعد زيارتي فلّتكم .. رأيت صورته وهو شاب في الصالة ، حينها تذكّرته ! وخرجت من هناك منصدماً ..وطلبت من عمتي إخباري القصة كاملةً .. فأخبرتني بأن الشرطة حققّت مع والدكِ ، دون أن تمسك دليلاً عليه .. كما لم يأخذوا بوصفي للقاتل ، لصغر سني ..ولأن عمتي قابلت والدك من قبل ، عرفت من كنت أقصده .. وأخفت الحقيقة عني ، خوفاً من انتقامي وضياع مستقبلي 


العروس : وبعد معرفتك الحقيقة ، تخلّيت عني وخطبت فتاةً اخرى؟ 

- حاولت الإبتعاد عنك ونسيان الماضي .. لكن بعد علمي بموعد خطبتك ، جنّ جنوني !!

- هل غرت عليّ ؟!

العريس بعصبية : بل أُشعلت نيران الإنتقام في وجداني !! لذلك عدّت اليكِ ، لكسر قلب والدك .. وقلبك ايضاً ، بعد أن حاربتي العالم لأجلي .. واليوم سأجعلك مُهانة امام الجميع !! 

فسألته بخوف : ماذا ستفعل ؟!

- انت طالق !! يا ابنة القاتل 


ورمى الخاتم في وجهها ..وخرج من الفندق ، بعد سحب صورة طفولته منها

***


وفي اليوم التالي .. صُعق الثريّ وزوجته بخبر انتحار ابنتهما في حوض استحمام الفندق ، بعد قطع شراينها من أثر الصدمة ! ولم تجد الشرطة العريس الذي هاجر للخارج 

***


بعد دفن العروس .. وصلت صورتها وهي ميتة بحوض الإستحمام لوالدها ! بعد عودة العريس لغرفة الفندق قبيل الفجر ، وتصوير انتحارها قبل وصول الشرطة .. ثم ارسل الصورة بالبريد مع صورته القديمة بجانب جثث عائلته ، والتي كتب خلفها:

((اخطأت حين تركتني حياً .. فهآ انا انتقمت لعائلتي اخيراً ، ايها المُرتشي اللعين !!!))


الخميس، 18 أبريل 2024

المحطّة الأخيرة

كتابة : امل شانوحة 

 

المصيّدة الدمويّة


ركبت الصبيّة الحافلة بعد انتهاء عملها الليليّ في إحدى المطاعم ، وهي تشعر بالإنهاك والتعب الشديد.. وما ان تحرّكت الحافلة بضعة دقائق ، حتى غفت من شدّة تعبها.. لتستيقظ على صوت السائق يقول:

- يا آنسة .. عليك النزول ، فهذه المحطّة الأخيرة لهذه الليلة..

فنظرت من النافذة بفزع ، لتجد بعض الأكواخ القديمة بجانب حقل ذرة !

فتمّتمت بضيق : يا الهي ! كان عليّ النزول قبل محطّتين..

ثم ترجّت السائق :

- لوّ سمحت ، أعدني بضعة كيلومترات للوراء

- آسف ، فطريقي مختلف عن طريقك.. إنزلي رجاءً ، واتصلي بسيارة اجرة


فنزلت مُرغمة ، وهي تشعر بالضيق والقشعريرة من المكان الذي يبدو موحشاً للغاية ! وما أن ابتعدت الحافلة ، حتى عمّ الظلام..


فحاولت الإتصال بسيارة أوبر ، لكنه لا توجد شبكة هناك .. فمشت قليلاً ، لتجد كابينة زجاجيّة لهاتفٍ عموميّ.. وكما توقعت ، الهاتف مُعطّل !


فلم يكن امامها إلاّ طرق ابواب الأكواخ ، لعلّ احدهم يسمح لها بالإتصال من هاتف منزله الأرضيّ..

لكن جميع الأكواخ الخمسة مُعتمة بالكامل ، ويبدو من الأعشاب البرّية النامية بجانب ابوابها وأدراجها بأنها مهجورة منذ سنوات !

فنادت بعلوّ صوتها :

- هل يوجد احدٌ هنا ؟!! أحتاج لمساعدة ، رجاءً !! 


فسمعت خطوات شخصٍ يركض من بعيد باتجاهها ! فشعرت بالرعب ، جعلها تُسرع باتجاه كابينة الهاتف التي حبست نفسها داخلها .. لتجد رجلاً يلبس طقماً رسميّاً ، يطرق الباب الزجاجيّ بيديه الداميتيّن :

- أهربي بسرعة قبل ان يجدوك !!

فسألته بفزع : من ؟!

- لا وقت للشرح .. فقط أهربي !!

وركض باتجاه الحقل المُهمل !


فانتظرت قليلاً ، حتى اختفى أثره .. ثم خرجت من الكابينة .. لتلاحظ زوبعة هواء تقترب رويداً رويداً باتجاه الأكواخ ! 

وسرعان ما اشتدّ هبوب الرياح السوداء ، قالعةً إحدى أسقف الأكواخ القرميديّة..

لتتعالى معها اصوات اناسٍ مُختبئة في الحقل ، وهم يصرخون بصوتٍ واحد : 

- أهربي !! ماذا تنتظرين ؟! انهم قادمون نحوك !!


فلم تجد نفسها إلاّ وهي تركض باتجاه الحقل المظلم ! 

وفجأة اختفت الرياح ! فرفعت رأسها ببطء ، لرؤية ما حصل للأكواخ..

فإذّ بيدٍ تُطبق على فمها من الخلف .. لتجد رجلاً عجوزاً بعينٍ مقلوعة حديثاً ، وهو يقول بألم :

- لا تخرجي من هنا ، فهم لا يمكنهم رؤيتنا داخل الحقل

فسألته وهي ترتجف : من هم ؟! والى متى ننتظر ؟

- حتى حلول الصباح ، وعودة الملاعين للجحيم

فسألته بعصبية : لم تخبرني بعد عمّن يلاحقنا ؟!!


وقبل ان يجيبها ، شعر العجوز بوخزٍ حادّ في ظهره ! جعله يرفع رأسه متألماً .. ليقوم طائرٌ ضخم (ظهر من العدم) بحمله من الحقل ، وهو يصرخ مستنجداً الباقين.. الى ان اختفيا في السماء المظلمة !


فإذّ بنفس الشاب بطقمه الرسميّ ، يقول لها وبيده السكين :

- كان عليّ التضحيّة به ، لأن الملاعين لن يتركوننا قبل حصولهم على فريسة لهذه الليلة ، وهو أكبرنا سناً

الصبيّة : من انتم ؟! ومن تقصد بالملاعين ؟! ومن اين ظهر الطائر الضخم؟! 


وهنا اقترب منها ١١ شخصاً من نساءٍ وشبابٍ يافعين

- نحن عالقين هنا منذ شهر

الصبيّة بصدمة : شهر ! ولما لم تهربوا للآن ؟!

- حاولنا كثيراً ، لكن كل الطرق مغلقة ..والحقل لا نهاية له !

الصبيّة : وماذا عن طريق الحافلة ؟

وأشارت للطريق .. فأجابها الشاب :

- بآخر ذلك الشارع يوجد حفرة عميقة مليئة بشظايا الزجاج والقضبان الحديديّة الحادّة الصدئة ، وكأن احدهم تعمّد وضعها هناك!

الصبيّة : مستحيل !! فأنا رأيت الحافلة تذهب من ذلك الإتجاه

- أظن السائق معهم وهو مخلوق من العالم السفليّ ، ومهمّته إحضار الضحايا لتلك الكائنات المرعبة التي تظهر كل مساء


الصبيّة : اذاً لنهرب صباحاً

فردّ بعصبيّة : الم تسمعي ما قلناه ؟!! لا مفرّ من أيّ طريق

الصبيّة بخوف : وماذا يعني هذا ؟!

- يعني يريدون ضحيّة كل يوم ، الى ان نموت جميعاً

فقال شابٌ مراهق بحزن : 

- كنّا حافلة مليئة بطلاّب الجامعة ، ولم يبقى منا سوى انا وصديقي 

الصبيّة : وماذا أكلتم طيلة الشهر ؟!

- ذرة مشويّة ..فبعض هذه النباتات مازالت تثمر ، رغم إهمالها

الصبيّة بقلق : ومن ستكون ضحيّة الغد ؟

الشاب : حتماً ليس واحداً منّا ، بعد تكوين الصداقات بيننا


فبلعت ريقها برعب بعد رؤية ابتساماتهم المستفزّة ، لتتيّقن بأنهم سيقدمونها غداً للوحوش المجهولة لإنقاذ انفسهم.. لكنها ليست بالغباء الذي يظنون ، وستسهر الليلة للتخطيط لمكيدة توقع البغضاء بينهم ، ليضحوّا بأنفسهم قبلها ، لحين إيجادها طريقة للخروج من المأزق المخيف .. فهل ستتمكّن من ذلك ؟!


الثلاثاء، 16 أبريل 2024

الحب السرّي

كتابة : امل شانوحة 

رئيس الخدم والخانم  


شاهدت بالصدفة الخادمة وهي تخرج مُرتبكة من غرفة كبير الخدم بعد تنظيفها.. 

فسألتها حِراء (زوجة مالك القصر) :

- لما ترتجفين ؟!

الخادمة : سأخبرك ، لكن رجاءً لا تخبري السيد نجيب (كبير الخدم) بالأمر ، وإلا سيطردني


وأخرجت صورة من جيبها ، وهي تقول : 

- يبدو ان السيد نجيب يحتفظ بصورة حماتك وهي صبيّة ، خلف إطار لوحةٍ أوقعتها بالغلط ! ولا اعلم كيف سأصلح زجاج اللوحة التي كسرتها

حِراء : اهدأي.. سأتحدث معه

- لا !! سيغضب حتماً

- عليّ معرفة سبب احتفاظه بصورة حماتي !

***


وبالفعل تحدثت حِراء مع نجيب الذي سحب الصورة من يدها بارتباك : 

- اين وجدتها ؟!

حِراء : لا تقلق ، فقط إخبرني .. هل تحفظ بالصورة منذ ان كانت حماتي صبيّة ؟!


فجلس متثاقلاً على كرسيه ، وهو يتنهد بحزن :

- أحببتها منذ اللحظة الأولى التي قدمت فيها للقصر ، لأجل الوظيفة .. كانت مطلّقة حديثاً ، وزوجك وأخته مازالا يافعيّن .. رجاءً لا تخبريها بذلك

حِراء باستغراب : أخفيت حبك عنها لثلاثين سنة !

- بل اربع وثلاثين سنة ، حتى كبرت في السن وقاربت على التقاعد

- الم تلمح لها ..

نجيب مقاطعاً : انت تعرفين حماتك جيداً ..هي امرأة ثريّة ، من عائلةٍ راقية.. وتترأس جمعية أهم نساء البلد ..وتهتم كثيراً لكلام الناس والصحافة .. فكيف ستحب رئيس خدمها ، ولوّ تفانيّت بخدمتها طوال حياتي ؟


حِراء : انا متفاجئة من محبتك وإخلاصك الشديد لها ، فهي امرأة صلبة وجافة المشاعر !

- رجاءً سيدة حِراء ، لا أتحمّل سماع كلامٍ مسيء عليها

- ألهذه الدرجة تحبها ؟!

نجيب : انت لا تعرفينها مثلي ..هي تبدو صلبة من الخارج ، لكنها امرأة رقيقة للغاية .. إنكسر قلبها بعد خيانة زوجها لها .. وهي من حاربت عائلتها للزواج به ، رغم انه لا يناسب مستواهم.. لهذا طردته من حياتها ، وربّت ابنائها وحدها .. فأنا كثيراً ما رأيتها تبكي وهي تنظر لألبوم الصور بعد أن حطّم قلبها تماماً ، ولم تعد تؤمن بالمشاعر ، لكنها مع ذلك تعشق ابنائها .. لهذا قست عليك ، وعلى زوج ابنتها.. فهي لا تراكما مناسبان لعائلتها .. وتخاف على ولديّها أن يعانيا ، كما حصل معها


حِراء : برأيّ عليك إخبارها بمشاعرك

- مستحيل !! ستطردني بالحال .. وانا اعشق اللحظات التي اراها فيها ، ولوّ لدقائق معدودة كل يوم

- لا اصدق ان هناك حبٌ مخلص كحبك !

نجيب : قلب الرجل لا ينبض إلاّ لإمرأةٍ واحدة ، تجعلنا نتغيّر جذرياً لأجلها .. فالرجل مخلصٌ لحبه الحقيقيّ ، اكثر من المرأة التي ربما تفضّل شخصاً آخراً على حبيبها ان كان أحسن منه مادياً واجتماعياً !

- برأيّ ان تخبرها غداً بعد احتفالنا بعيد ميلادها.. أحضر لها هديةً معنويّة ، ثم فاتحها بالموضوع

- أتظنين ذلك ؟!

حِراء : نعم !! لا تعذّب نفسك اكثر من ذلك

وتركته ، وهو غارقٌ بالتفكير والذكريات

***


في اليوم التالي .. وبعد عودة عفيفة خانم لغرفتها (بعد انتهاء حفل ميلادها بصالة قصرها ، حضره الأقارب والأصدقاء المقرّبين).. طرق نجيب باب غرفتها لتسليم هديّتها ..

الخانم بابتسامة : هديةٌ لي ! لم يكن عليك تكليف نفسك ، يا نجيب

- هي هديّةٌ رمزيّة ، سيدة عفيفة.. أتمنى ان تقبليها مني


وعندما فتحتها .. وجدت صورة لهما في شبابها..

نجيب : أتذكرين هذه الصورة ، سيدة عفيفة ؟

- نعم ، كان طليقي الخائن يلحّ بالعودة الى حياتي .. فطلبت صورةً معك ، لإخباره بأنك خطيبي.. بعدها هاجر للخارج ، وتخلّصت من تدخلاته  بأبنائي.. لكن الم ترسل الصورة اليه ، فكيف ظلّت معك ؟! 

نجيب : كنت طلبت نسختيّن من المصوّر .. واحتفظت بإحداها

الخانم بدهشة : ولماذا ؟!

نجيب بتردّد : لأنه كان اجمل يومٍ بحياتي

الخانم بنبرةٍ حازمة : نجيب !! تعقّل

- آسف سيدة عفيفة .. لكنها الحقيقة


ثم أخبرها بمشاعره الصادقة نحوها .. مما أثار استيائها : 

- هل تعي ما تقوله ؟!! أنسيت من تكون ، ومن انا بالنسبة لك؟!!

نجيب بنبرةٍ منكسرة : رجاءً لا تكملي .. اعرف انني خادمك ، لكني فعلاً مخلصاً بحبي.. 

مقاطعة بعصبية : أظنك ستتقاعد مُبكراً !!

فطأطأ رأسه بحزن : كما تشائين سيدة عفيفة

الخانم : سأتصل بسكرتيري ، لإعطائك تعويض نهاية الخدمة


فخرج مقهوراً من غرفتها .. وحزم امتعته ، ورحل مساءً بصمت دون ان يراه احد وهو منكسر الخاطر

***


في الصباح .. إتصلت الخانم بسكرتيرها ، لدفع مستحقات نجيب ..فأخبرها عن رفضه اخذ المال ، وعودته لمنزله القديم ! فطلبت منه وضع اعلان لطلب رئيس خدمٍ جديد ، دون شعورها بالأسى على نجيب الذي أفنى حياته في قصرها ! 

***


بعد اسابيع.. دخلت كنّتها الى غرفتها ، وهي تقول :

- اعرف بأوامرك الصارمة ، بمنع التحدّث عن السيد نجيب ..

الحماة مقاطعة بعصبية : وهذا يشملك ايضاً !!

حِراء : اعرف.. لكنه اتصل البارحة ليخبرني بمواعيد ادويتك ، وطريقة تحضير شايّ الأعشاب الخاص بك.. وأخبرني بقهره لابتعاده عنك..

الخانم بغضب : قلت كفى !!

- قمت بتسجيل كلامه دون علمه ، وأرسلته الى هاتفك

- ايّاك التصرّف على مزاجك !! هذا قصري ، وأوامري وحدها التي تنفّذ .. وانا لا اريد سماع اسمه ثانيةً .. 

حِراء : فهمت ، اردّت فقط إخبارك بما حصل .. سأترك ترتاحين 

وخرجت من الغرفة ، تاركةً حماتها تتخبّط بمشاعرٍ متعارضة !

***


لم تستطع السيدة عفيفة النوم طوال الليل ، الى ان استمعت للتسجيل .. وكان واضحاً من صوت نجيب شدة قهره وحزنه وهو يخبر حِراء بغلطته التي لا تُغتفر ، بعد بوحه بمشاعره التي كان يفضّل كتمانها حتى وفاته .. فخدمته لحبيبته تكفيه ، دون معرفتها بعشقه الشديد لها!


وبدأت الخانم تستذكر مواقفه القديمة ، ومساندتها بجميع قرارتها .. ومساعدتها بتربية ولديّها واهتمامه بهما .. وامضائه سنوات في خدمتها ، دون شكوى او طلب زودة على معاشه.. كما مواساته لأحزانها وفترات مرضها .. 


فأضاءت نور غرفتها ..وفتحت صندوقاً في درجها ، أخرجت منه صورة عرسها .. مُخاطبةً طليقها بقهر :

- حاربت العالم كلّه لأجل رجلٍ خائن ، تخلّى عني وعن ابنائه بسهولة ! بينما ساندني نجيب في السرّاء الضرّاء ، دون شكره يوماً او إشعاره بأهميّته في حياتي ! كيف سمحت لنفسي بطرده ، بعد افناء شبابه بخدمتي؟!

***


وفي اليوم التالي .. إتصلت الخانم بنجيب الذي تفاجأ بمكالمتها ، وهي تطلب منه العودة .. فلم يصدّق ما سمعه ! وسارع بالرجوع للقصر ، بعد شهرٍ من طرده


وأول ما فعله : هو صنع الشايّ الخاص بها .. ثم دخل غرفتها وهو مُطأطئ الرأس:

- اعدك سيدة عفيفة بأن لا أتعدّى حدودي ثانيةً ..وسأكون خادمك المخلص لآخر عمري


فارتشفت القليل من الشايّ :

- إشتقت لشرابك المميز .. لا احد يعرف ذوقي مثلك 

فابتسم بحزن ، وخرج من غرفتها بهدوء

***


بعد شهرين.. اصابه مرضٌ شديد ، جعله طريح الفراش

وفي المساء.. إستيقظ منصدماً بعد رؤية الخانم تضع الضمّادة الباردة على رأسه ! فنهض من مكانه مرتبكاً : 

- رجاءً سيدة عفيفة ، لا تقتربي مني .. اخاف ان أعديك بمرضي

الخانم : اهدأ نجيب ، واستلقي على فراشك .. فلطالما اهتممت بي ، دعني اهتم بك الليلة

- لكن سيدة..

مقاطعة : عندما نكون وحدنا ، نادني عفيفة فقط .. فأنت صديقي ولست خادمي.. 


فنزلت دموعه وهو يراقبها تهتم به طوال الليل ، وتشاركه الذكريات التي أمضياها معاً بالقصر .. وكأنه يحلم مناماً جميلاً ، لا يريد الإستيقاظ منه ابداً !

***


بعد تلك الليلة .. خصّصت الخانم وقتاً لقضائه مع نجيب في نزهاتٍ لوحدهما .. حيث تحدثا كصديقيّن مقرّبين ، تشاركا حياةً طويلة معاً  


وبسب علاقتهما السرّية بعيداً عن أعين سكّان القصر والصحافة ، تحسّنت علاقتها بكنّتها وصهرها ! بعد شعورها بالحب من جديد ، وفهمها لسبب عناد ولديّها بالزواج ممّن يحبان ، رغم انهما من بيئةٍ بسيطة كصديقها نجيب 


ولا احد فهم سبب تغيّرها مع موظفيها إلاّ حِراء التي راقبت علاقتهما من بعيد ، دون إخبار زوجها بالأمر

***


ورغم المعاملة الجافة من الخانم لكنّتها وصهرها لسنواتٍ عديدة ، إلاّ انها قرّرت القيام بحفلٍ بالقصر ، للمباركة للعرسان بزواجهما ! رغم إنجباهما للأحفاد التي صارت تلاعبهم لأول مرة في حياتهم ، بعد ان انكرت مطوّلاً انتمائهم لعائلتها العريقة !


وبنهاية الحفل ، فاجأت الجميع بخبر خطبتها من نجيب ! مما أغضب ابنها التي سارعت حِراء بأخذه للغرفة لتهدئته ، وأن عليه السماح لأمه العيش بسعادة بعد أن أفنت شبابها بتربيته هو وأخته .. كما أخبرته بحب نجيب المخلص لأمه وتقديره الشديد لها ، وانه غير طامعٍ بثروتها .. 


وبسبب موقف حِراء الداعم لحماتها ، تحسّنت علاقتهما بعد سنوات من التوتر داخل القصر الكبير

***


وبعد اعلان زواج الخانم من نجيب على الملأ .. إنهالت المكالمات عليها من اقاربها ومجتمعها الراقي ، بسبب الضجّة الإعلامية من زواجها بخادمها رغم مكانتها الإجتماعية الكبيرة ! 

مما اغضب ابنها من جديد ، بعد الفضيحة المدويّة .. لكن حِراء استطاعت بحنكتها تهدئة الوضع..وإقناع زوجها بأن الحب اهم من كلام الناس التي ستتكلّم بالسوء بجميع الأحوال ، لغيرتهم من مكانتهم المرموقة


وبسبب موقف حِراء ودفاعها المستميت عن حماتها ، أصبحت صديقتها المقرّبة بعد وثوقها بها .. حتى انها أخبرتها ذات يوم :

- الآن فهمت لما حاربني ابني للزواج بك.. انت فعلاً امرأة رائعة ، كما وصفك دائماً

حِراء : وانا سأساند علاقتك بزوجك المخلص .. فلا شيء اهم من الحب الصادق

فحضنتها حماتها لأول مرة !

- شكراً لك ، يا ابنتي 

وقد عنت هذه الكلمة الكثير لحِراء !

***


وفي المساء .. هدّأت حِراء زوجها الذي مازال متضايقاً من فضيحة أمه التي ستؤثّر على عمله التجاريّ ، وأخبرته القصة منذ البداية

زوجها معاتباً : اذاً انت من نصحت نجيب بإعلان مشاعره لأمي ؟!

حِراء : نعم .. فبعد شعورها بالحب ، تفهّمت أخيراً علاقتي بك .. وكما ترى ، قلّت المشاكل بيننا اخيراً  

- يالك من داهية ! أوقعت السيدة عفيفة بشراك الحب ، لتعيشي بسلامٍ معي

- بل لنعيش جميعاً بوئامٍ ومحبّة في قصرنا الجميل


ففكّر مطوّلاً ، قبل أن يقول : 

- بجميع الأحوال .. العم نجيب يعيش معنا منذ سنوات ، وهو بمثابة ابٍ لي 

حِراء بارتياح : اذاً قبلت زواجهما ؟!

- لا اريد حرمان امي من مشاعر المحبّة التي أشعر بها كل يوم وانت بجانبي.

حِراء : الجميع يستحق الحب

- هذا صحيح ، عزيزتي .. شكراً لوجودك بحياتنا

وحضنها بامتنان


السبت، 13 أبريل 2024

الكنز البحريّ

تأليف : امل شانوحة 

 

الصندوق الثمين

 

أطلّت من نافذة المنارة المهجورة وهي تنظر للبحر بحزن ، وتتذكّر خطيبها وهو ينطلق بقارب العجوز الشمطاء بعيداً عن الشاطئ ، بعد ان وعدها بالعودة اليها فور انتهاء مهمّته الشاقة .. 


ومرّت اعوامٌ عديدة ، وهي تنتظره كل صباح عند المنارة دون أثرٍ له ! حيث نصحها الكثيرون بنسيانه والزواج بغيره ، لكنها تأبى إلاّ انتظار حبيبها ، فقلبها يُشعرها أنه مازال تائهاً بين الأمواج ، يعدّ الأيام والليالي للعودة اليها بشوقٍ وشغف


لكن محاولة إنتحار شخصٌ تعرفه من شدّة إكتئابه جعلها تشعر بارتباكٍ شديد ، فموته يعني خسارة أملها الأخير بعودة حبيبها ! لذا كان عليها المجازفة بالإقتراب من احد الغوّاصين المغامرين المتواجدين على الشاطىء ..والتي اتفقت معه على عملٍ مشترك بينهما ، بعد ان أرته أحجاراً كريمة غالية الثمن .. وهي تقول :

- أتدري اين وجدتهم ؟

فسألها باهتمام : اين ؟!

الصبيّة : هل غصت سابقاً قرب الكهف الخطير وسط البحر ؟

- لا طبعاً ، فهي مجازفةٌ خطيرة .. لوجود تياراتٍ خطيرة قربه ، عدا عن اسماك القرش.. فكيف حصلت على هذا الكنز ؟

- ابي كان غوّاصاً مثلك ، ووجد هذه الأحجار في اعمق مكانٍ في الكهف.. لكنه لم يستطع إخراجهم جميعاً ، كيّ لا يثير انتباه بقيّة الغواصين الى كنزه .. فخبّأ معظمها في صندوقٍ تركه هناك.. ووافته المنيّة قبل استخراجه .. ولم يبقى من إرثه ، سوى هذه الأحجار الثلاثة الثمينة


الغوّاص بحماس : وكم ترك داخل الصندوق ؟

- هو صندوق متوسط الحجم ، مليءٌ بالكامل بالأحجار الكريمة النادرة ..

- ولما تخبريني بسرّك الخطير ؟! 

الصبيّة : دعني اولاً أعطيك الخريطة التي رسمها ابي لمكان الكنز.. (ثم قالت بحزم) .. طلبي الوحيد ، أن تفتح الصندوق اسفل البحر

الغوّاص : ولما لا أحضره الى الشاطئ ..

مقاطعة بعصبية :

- قلت !! تفتحه اسفل البحر .. هذا شرطي ، وإلاّ لن اعطيك الخريطة

- حسناً اهدأي .. سأذهب حالاً الى هناك

الصبيّة : ضعّ هذه السمّاعة المضادة للماء ، وهذه الكاميرا ايضاً.. فأبي صوّر المكان جيداً ، إلاّ ان فيلمه احترق مع الأسف .. لكني مازلت احفظ تضاريس الكهف جيداً ، وسأوجّهك بالميكروفون لمكان الكنز.. المهم ان تحذر من ان تسحبك التيّارات للأسفل ، مع الإبتعاد قدر الإمكان عن تجمّعات القرش المفترسة


وفوراً توجّه الى قاربه لتنفيذ المهمّة ، وهو يتساءل :

((ستخسر كنزها الثمين لأجل شرطٍ غبي : بفتحي الصندوق اسفل البحر ! يالها من فتاةٍ غامضة !))

***


وبالفعل وجّهته عبر سمّاعة الأذن ، وهي تراقب غوصه من خلال الكاميرا باتجاه المكان المظلم داخل الكهف الذي اضاءه بكشّافٍ حول رأسه .. محاولاً تجاهل خوفه من عشرات اسماك القرش التي تسبح فوقه ! فكل همّه هو التأكّد من وجود الكنز ، وانه لم يجازف بحياته سدى


وما ان فتح الصندوق ، بعد كسر قفله بالحجر .. حتى خرج شعاعاً ابيضاً ، سبح مُسرعاً نحو سطح البحر ! والذي ارعب اسماك القرش التي ابتعدت فوراً عن الكائن المضيء بهيئته المرعبة .. 


ولم يتبقى في الصندوق سوى قطعة قماش ودبابيس ومادةٍ لزجة وأعقاب دخانٍ قديم ، مما اغضب الغوّاص الذي ارتجف بعد سماعه الفتاة من الميكروفون وهي تقول بحماسٍ وسعادة :

- شكراً لفكّك أسر خطيبي التي قيّدته الساحرة الملعونة داخل الصندوق لسنواتٍ طويلة ، لإفساد حياة رجلٍ بشريّ كاد ينتحر قبل ايام من شدّة يأسه.. ولو نجح بإنهاء حياته ، لمات حبيبي معه.. ولأني جنيّة هلاميّة ، لا يمكنني فتح الصندوق الخشبيّ إلاّ بواسطة بشريّ ، لهذا استعنت بك .. والآن سأقطع اتصالي بك ، فخطيبي يسبح باتجاهي ، وعليّ استقباله بالحال.. سأترك الأحجار الثلاثة الثمينة داخل حقيبة ملابسك بجانب الشاطئ ، فأنا لا أملك غيرها.. وشكراً جزيلاً على جمعي بحبيبي من جديد


وما ان اختفى صوتها ، حتى سارع الغوّاص بالسباحة للأعلى بفزعٍ وارتباك بعد لقائه بجنيّةٍ وخطيبها.. ورغم قيادة قاربه نحو الشاطئ بيدٍ مرتجفة وهو ينهج بخوفٍ شديد ، إلاّ انه شعر بالفخر لمساهمته بفكّ سحرٍ صعب ، كاد ينهي حياة رجلٍ بائس.. وفي الوقت ذاته جمع حبيبيّن فرّقتهما الظروف لفترةٍ طويلة ، وإن كانا من عوالم أخرى !


طبّاخة الأسر

تأليف : امل شانوحة  ماما صوفيا هجمت كتيبةٌ إلمانيّة على منطقةٍ ريفيّة روسيّة اثناء الحرب العالميّة الثانية ، مُستغلين خلوّ القرية من رجالها ...