الثلاثاء، 23 أبريل 2024

مسابقة الجدارة

تأليف : امل شانوحة

منصبٌ رفيع


إستوفى خمسة شباب شروط الوظيفة في شركةٍ مرموقة .. واجتمعوا في مكتب المدير العام (أغنى تجّار البلد) الذي قال لهم :

- وضعت الإعلان لتوظيف أحدكم ، كمدير عام لشركتي الجديدة في الخارج .. وضمن مئات المتقدّمين للوظيفة والحاصلين على أعلى شهاداتٍ جامعيّة ، فزتم انتم بالإمتحان التحريريّ والشفويّ .. لكن قبل اختياري لمن يستحق المنصب الكبير ، سأضعكم في اختبارٍ أخير لمعرفة من سينوبني في الخارج..


ثم نادى سكرتيرته التي قالت للمتسابقين الخمسة :

- تعالوا معي ، سنذهب لمكان الإمتحان.. وسيتابعكم المدير عبر كاميرات المراقبة

***


فذهب اربعة رجال وسيدة مع السكرتيرة ، في باص العمّال الى منطقةٍ زراعيّة خارج المدينة..


ووصلوا عصراً الى حديقةٍ كبيرة ، وهم يستمعون للسكرتيرة التي أخبرتهم بالتفاصيل :

- كما ترون !! هناك خمسة طائرات درون .. ستحلّق كل واحدة فوق احدكم ، لنقل ما تفعلونه للمدير

فسألتها السيدة : وماذا علينا فعله ؟

فأجابت : هذه متاهة زراعيّة ، هي الأضخم في العالم.. كل ما عليكم فعله هو الوصول لنهاية المتاهة ، وسيكون ..

الشاب مقاطعاً : ومن يصل اولاً يفوز بالمنصب ، اليس كذلك ؟

السكرتيرة : لا يهم الترتيب ، المهم خروجكم من المتاهة الطويلة


فاعترض الشاب الثاني : ما هذه المسابقة الغريبة ؟! فهي لا تمتّ بصلة لمجال المال والأعمال ؟!

الشاب الثالث : معك حق .. توقعت ان يكون الإمتحان حول طريقة إقناعنا لأحد التجّار بشراء منتجات الشركة !

الشاب الرابع : او على الأقل ، معلوماتنا في المحاسبة والّلغة وعلم الحاسوب ! 

السكرتيرة : انا أنفّذ اوامر المدير فحسب

السيدة : كان عليه تأجيلها للغد ، فالشمس على وشك المغيب !

السكرتيرة : وهذه ضمن صعوبات المسابقة ..وعليكم إيجاد نهاية المتاهة دون استخدام جوّالاتكم


السيدة بقلق : وكيف سنمشي في الظلام ؟!

السكرتيرة : سأعطيكم حقائب صغيرة فيها كشّافات وبعض الطعام والشراب ، وعليكم ربح المسابقة قبل حلول الصباح .. والآن رجاءً ، أعطوني جوّالاتكم .. وأنصحكم بعدم إختراق الأشجار ، فهي شائكة للغاية.. (ثم نظرت لساعتها ، بعد اختيار كل واحدٍ منهم مدخلاً مختلفاً للمتاهة) .. والآن !! لتبدأ المسابقة 

***


داخل المتاهة .. إختار بعضهم المشي بحذر ، بينما هرّول الآخرون رغبةً بالفوز بالمنصب الكبير


لكنهم استوعبوا صعوبة المسابقة ، بعد تشابه الإتجاهات في الوسط ! عدا عن ارتفاع الممرّات ، وتشابك أغصانها مما يصعب النظر خلالها .. والأسوء انها تمتدّ لنصف كيلو ، كما اخبرتهم السكرتيرة ! 


وهذا ادّى لإنهيار أحدهم الذي صرخ على طائرة درون التي تلاحقه ، مُحدّثاً مديره:

- هذه سخافة !! نحن خرّيجي اهم جامعات البلد ، وتلاعبنا كالأطفال ! اريد الخروج من هنا ، فقد ضاق صدري بلعبتك السخيفة


لكن الطائرة ظلّت تحلّق فوقه ، وهي تصوّر ردود أفعاله للمدير الذي يراقب الشاشات الخمسة باهتمام ..

^^^


بعد غروب الشمس ، شعر الجميع بالقلق والملّل !

وعلى نور الكشّافات ، تناولوا الحلوى والمياه الموجودة في حقائبهم..

ولأن المتاهة كبيرة ، وضع المسؤولون حمّامات متنقلة في بعض الزوايا !

***


قبيل الفجر ، تغيّرت تصرّفات المتسابقين وإنفعالاتهم النفسيّة ! حيث فضّل احدهم النوم في إحدى الممرّات بعد يأسه من إيجاد المخرج ، على أمل إكمال اللعبة في الصباح دون اكتراثه بخسارة المسابقة ! 


بينما انهارت السيدة بالبكاء ، وهي تصرخ على الطائرة : 

- ضاقت انفاسي !! .. لم اعد اريد الوظيفة اللعينة ، فقط أخرجوني من هنا !!!!


اما المتسابق الثالث : فقد تمكّن من إيجاد مخرج المتاهة ، بعد استخدامه حيلةً ذكية : بوضع حبة شوكولا ملوّنة امام كل مفترق طرق ، كيّ لا يعود اليه مجدّداً ! الى أن وصل للسكرتيرة التي تنتظره قرب بوّابة الخروج ..وطلب منها مُتحمّساً ، إخبار المدير بفوزه .. لكنها فضّلت الإنتظار ، لمعرفة مصير الآخرين


بينما المتسابق الرابع : فتمكّن ايضاً من إيجاد نهاية المتاهة ، بذاكرته القوية ..لكنه رفض إقتراح السكرتيرة بالبقاء مع الفائز الأول.. وفضّل العودة للمتاهة لإنقاذ المتسابقين الثلاثة التائهين ! 

***


بعد عودته للمتاهة .. وجد المتسابق النائم اولاً ، فهزّ كتفه قائلاً :

- هيا استيقظ !! فقد وجدت باب الخروج .. إتبعني بسرعة !!


وفي طريقهما .. سمعا بكاء السيدة ، فأسرعا نحوها .. والتي استندت على الفائز الثاني لشدّة انهيارها ، خلال توجّه الثلاثة للمخرج !


اما المتسابق الأخير : فكان غاضباً ، لدرجة محاولته إسقاط طائرة درون بالحجارة بعد انزعاجه من صوتها .. واستطاع الفائز الثاني منعه بآخر لحظة من حرق الشجيّرات بولاّعته ، بعد أن فقد صوابه ! مُرشداً زملائه الى خط النهاية ، بذاكرته الفولاذيّة

***


خارج المتاهة .. صفّقت لهم السكرتيرة بعد انتهاء المسابقة ، مع بزوغ الفجر.. ورغم إنهاكهم إلاّ انهم فضّلوا لقاء المدير الذي سهر بمتابعتهم ، لمعرفة النتيجة النهائيّة 

^^^


وطوال الطريق .. تفاخر الفائز الأول بنيله الوظيفة ، لسرعة حلّه اللغز .. مُستهزئاً من شجاعة الفائز الثاني الذي أضاع وقته بإنقاذ زملائه ، وهو يقول بثقة :

- انا اول شخص خرج من المتاهة ، وأستحق الفوز بالمنصب ..اما انت !! فدعّ إنسانيتك تنفعك

***


في الشركة ، حلّل المدير ردود افعالهم .. وسأل أحدهم معاتباً :

- كيف فضّلت النوم على متابعة المسابقة ، رغم أهميّة الوظيفة بالنسبة لك ؟! 

فأجابه الشاب بارتباك : أردّت إنتظار الصباح ، فنور الكشّاف كان ضعيفاً

المدير معاتباً : منصب إدارة شركتي بالخارج تحتاج لشخصٍ نشيط ، لا لشخصٍ  يؤجّل عمله للغد .. هذه الوظيفة لا تناسبك ، ايها الكسول..

فطأطأ رأسه خجلاً ، بعد تأكّده من فشله بالمسابقة


ثم اقترب المدير من السيدة : 

- اما انت !! فلم تتحمّلي الضغوط ، وانهرتِ بالبكاء ! والوظيفة تحتاح لقيادة صلبة ، وأعصاب من حديد

السيدة : كنت متأكدة من فشلي


ثم قال للشاب الثالث : وانت !! فقدت اعصابك تماماً ، وحاولت تحطيم الطائرة ! عدا عن الشتائم القذرة .. ومحاولتك حرق أهم متاهة بالعالم ، والتي تعتبر من معالم مدينتنا !

- أعاني رهاب الأماكن الضيّقة..

المدير مقاطعاً : هذا ليس مبرّراً لفقدان السيطرة على افعالك ! فالإدارة تحتاج لضبط النفس !!

- اعلم انني فشلت ، فلا داعي لنقدي .. سيدي

المدير : عليك معالجة غضبك المُفرط ، لمصلحتك الشخصيّة

فاكتفى الشاب بالصمت


ثم اقترب المدير من الفائز الأول : وانت !!

فأكمل بفخر : كنت اول من خرج من المتاهة ، بذكائي وحنكتي

المدير : هذا صحيح ، لكنك اناني ..لم تساعد احداً ، حتى انك مرّرت بزميلتك التي تطلب النجدة ، ولم تكترث لها !

- لأننا في مسابقة تنافسيّة !


ثم وجّه المدير كلامه للجميع : 

- كنت أراقب تصرّفاتكم بدقّة داخل المتاهة ، لأهميّة هذه الوظيفة التي تحتاج لقائدٍ ينظّم عمله مع الموظفين ويرشدهم للنجاح ، كمن يقود السفينة لبرّ الأمان .. تماماً كهذه الصورة .. (وأشار لصورةٍ يضعها فوق مكتبه) 


ثم اقترب من الفائز الثاني : لهذا انت الفائز !!

وصافحه ، مُكملاً كلامه :

- انت عدّت للمتاهة الصعبة ، وقضيت ساعةً اخرى لإخراج زملائك من هناك.. لهذا لديك صفات القائد ، وتستحق الوظيفة لإنسانيتك وتحمّلك المسؤولية .. مبروك يا بطل !!


ثم وضع اوراقاً رسميّة امامه .. بينما صفّق زملائه بابتساماتٍ مُصطنعة وهم يكتمون غيرتهم وغيظهم ، اثناء توقيعه على قرار تعيّنه بوظيفة الأحلام بعد فوزه بجدارةٍ واستحقاق !!


هناك 13 تعليقًا:

  1. اتمنى ان يعجبكم هذا النوع من المسابقات التحفيزي الهادف

    ردحذف
  2. أكيد أعجبتنا😁
    الحمد لله.. ما فيها دم وتقطيع أعضاء وأشلاء وأفكار أمل الوحشية 😂

    ردحذف
  3. تجنن🥹
    انصدمت لانو المتسابقين ما ماتوا كالعاده🙂

    ردحذف

  4. ✍️ ساهر...
    السلام عليكم، أهلا أخت أمل وأهلاً بالجميع، نقبل الله منا ومنكم وكل عام وانتم بخير ،

    خلق الله جنه ونار ولم يدخلنا مباشرةً لا إلى الأُولىٰ ولا الثانية بل جعل لنا دنيا ليختبرنا فيها ومن ثم الجنة ولها درجات والنار ولها درجات وبعدها كل منا يأخذ منزلته ليستقر فلا بد من الإختبار،

    بالنسبة لحياة الإنسان فهي مراحل من الإختبار تبدأ تدريجياً من بطن الأم، ثم تستقبله الدنيا رضيعاً ثم يهيأ للجلوس وبعدها يحبوا ومن ثم يقف ويسقط ثم يقف إلى أن يتمكن من الوقوف وتبدأ الإنطلاقة الأُولى للحياة عندما بمشي فيبدأ الإختبار عبر المراحل العمرية فيدرس من الصف الأول الإبتدائي فالثاني ثم يهبأ الصلاة والصيام ثم يكون فرض واجب وهكذا إلى أن يشتد عوده يكبر فيعتمد على نفسه فيعمل ويكدّ وهكذا، مرةً يفرح ومرَّةً يعاني إلى أن تستقر حياته بشكل مقبول، فحياتنا كلها إختبار ولا ينتهي هذا الإختبار إلاّ عند حلول الأجل هنا تكون النهاية الحقيقية،
    شكراً جزيلاً أخت أمل وبالتوفيق،
    تحياتي/ ساهر ،،،

    ردحذف
    الردود
    1. وهذا ما قصدته بالقصة .. فالحياة برأيّ متاهة كبيرة .. وحينما تجد المخرج والنجاة من دهاليز الدنيا ، تفوز بالجنة .. لكن انت تقرّر : اما الفوز وحدك ، او هداية الآخرين الى طريق النجاة.. شكراً لك آخ ساهر على توضيح المعنى من القصة

      حذف
  5. اممممممم ...حسنا ...راءع جدا ...ومدهش حقا ...ولكن اين الاشلاء المتناثره ..والبطون المبقوره ..والجلود المسلوخه ..ولكن لا باس من مره حتى لا نعتد النحيب والعويل ..😭
    وانا اضم صوتي لسوطك ..ولم تسقط سهوا ..ولم تك كذا وكذا في المخطوط ..
    وانما جءت اليوم كي اشد عضدكم ..آي ورحمة العمده ..واثمن كل ما قلتموه وما القيتموه وراءكم ظهريا ..فشعاري في هذه المعجنه هو.. نم وارتاح ياتيك النجاح ..او ربما الكساح ..ايهما اسرع لحظك المنيل ..
    وغدا تعلمون جميعا ..فتنصدمون ثم تكتءبون فتنحبطون فتعتزلون الى ان تهلكون او تنتحرون.. ان كنتم شجعانا وفي اواريدكم دماءا تجري او حتى تزحف ..ايها الجبناءاااااااا...
    ايتها المعيزززز السارحه ..
    وان مررت يوما على صحراء جرداء مقفره وفي جيبك بذرة ماريجوانا ..فازرعها وكن ايجابيا ايها الكسول ولا تقل ومن سيمر هنا ؟
    لا لا لا ..اياك والتفكير بهذه الطريقه الانهزاميه ...
    هاكم امل 👋 اي شيء حتى لا اعود لداري خاليا ..فصدقيني لا احل كيسي واخرج هذه الجرعات التحفيزيه الا في هذا المسمط ..
    وكله بثوابه ..حتى لا يفقد النشء البوصله والقدوه ..او البصله والحدوه ..😂

    ردحذف
    الردود
    1. لا بأس من التغيير يا عاصم .. ولا تقلق سنعود للقصص الدموية لاحقاً

      حذف
  6. اموله .. ليش ما تنشرين قصصج بواتباد؟؟
    وسؤال ثاني .. ما سبق وشاركتي بمسابقات للكتابه؟؟ سواء محليه او غيرها..؟

    ردحذف
    الردود
    1. واتباد ! ربما أفكر بالموضوع
      شاركت بمسابقة اماراتية وكويتية وسودانية ، وارسلت لهم اجمل قصصي .. لكن لم انجح .. او ربما لم تصلهم قصصي ، لخطأ بإرسالي الملفات لهم .. لا ادري !

      حذف
  7. قصصك تنفع تكون حلقات بمسلسل كرتوني ، ما تزعلي بس قصصك قدام الاعمال الدراميه والقصص والروايات المشهوره لا توجد بها حبكه قويه

    ردحذف
    الردود
    1. اظنك لم تلاحظ انها قصص قصيرة لا تتعدى 20 صفحة ، هي ليست سيناريو مسلسل ولا رواية ، لذلك يجب ان تكون الفكرة مختصرة .. تحياتي لك

      حذف

طبّاخة الأسر

تأليف : امل شانوحة  ماما صوفيا هجمت كتيبةٌ إلمانيّة على منطقةٍ ريفيّة روسيّة اثناء الحرب العالميّة الثانية ، مُستغلين خلوّ القرية من رجالها ...