الثلاثاء، 28 سبتمبر 2021

غلطة عمري

فكرة : أختي أسمى
كتابة : امل شانوحة 

 

الأسرة اولاً


وظّف المدير فؤاد (الخمسيني) سكرتيرةً جديدة إسمها سهى (العشرينية) التي كانت متوسطة الجمال ، وشعلة من النشاط ، ومتحدّثة لبقة .. إستطاعت فهم وظيفتها بوقتٍ قصير .. كما إتقانها للغة الفرنسية والإنجليزية ، ومهارتها بطباعة الحاسوب.. والتي عوّدته على قهوتها اللذيذة كل صباح ، وإغداقها المديح على ملابسه الفخمة ، وذكائه في عقد الإتفاقات مع العملاء ، ووسامته الفريدة ..


وفي يوم التقيا في المصعد ، فقالت له :

- عطرٌ جميل ، هذا أفضل من عطرك السابق

فؤاد باستغراب : غريب ! زوجتي لم تلاحظ ذلك ، بل ضايقها رائحته المركّزة

- بالعكس ، رائحته مُنعشة وعمليّةٌ جداً 

فؤاد ممازحاً : يا فتاة !! انا بعمر والدك ، فكفّي عن الإطراء قبل أن تعوديني على ذلك 

سهى بابتسامة : عذراً ، لا استطيع رؤية شيءٍ جميل دون مدحه .. 


وهنا توقف المصعد.. 

سهى : هآقد وصلنا .. سأنهي التقرير الذي طلبته البارحة على عجل 

المدير : أحسنتِ !!


وأسرعت الى مكتبها ، لطباعة التقرير بنشاطٍ وهمّة .. وفؤاد يراقبها من زجاج مكتبه ، بعد أن أثارت إهتمامه 

*** 


بعد عودته الى الفيلا ، سأل زوجته :

- ريما .. لما توقفتِ عن مدحي ، كما كنت تفعلين سابقاً ؟

فردّت باشمئزاز : وعلى ماذا أمدحك ؟ على صلعتك ، وجهلك بفن الإتيكيت ، او رفضك زيارة عائلتي

فؤاد بعصبية : لأننا كلما اجتمعنا ، ذكّروني أنني أدير شركة زوجك المرحوم

- معهم حق ، كنت موظفاً لديه .. وانا الغبية وقعت بغرامك بعد وفاته ، وسلّمتك كل شيء .. الا يكفي هذا إثباتاً على تهوّري الأحمق؟ ..اساساً على الرجل تدليل زوجته وليس العكس

- مُخطئة !! الزوج ايضاً بحاجة للمديح من وقتٍ لآخر .. ثم لا تمنّينني بشركة المرحوم ، فأنا بجهدي طوّرتها حتى أصبح لديها فروع في كافة المدن 


فتوجّهت زوجته نحو باب الغرفة ، وهي تقول : 

- يبدو انك تريد الشجار ، ولا وقت لي لذلك .. سأذهب للمطعم لمقابلة صديقاتي 

- وماذا عني ؟!

زوجته بلؤم : أطلب من الخادمة تحضير الغداء لك ، فأنا لست خادمتك

وتركت زوجها غاضباً ، دون مبالاة ! 

*** 


مع مرور الأيام ، زاد اهتمام سهى بمديرها .. وتعمّدت ووضع وردةً حمراء على طاولته كل صباح ، مما أعطاه النشاط لبدء عمله المرهق .. 

كما أسعدته بنكاتها الظريفة كلما وجدته مُجهداً ، وبدوره تعوّد على وجودها  حوله 

***


وفي أحد الأيام ، غابت عن العمل لظرفٍ طارئ .. فاستفقد وجود الوردة على طاولته 


وقبل بدء عمله .. دخلت زوجته تطالبه بالمال ، لشراء ساعةٍ أعجبتها

فؤاد : لديك عشرات الساعات ! ثم يمكنك رؤية الوقت من جوالك ، فلما هذا التبذير الذي لا لزوم له ؟! 

زوجته بعصبية : وهل أشحذ منك ؟ هذه شركتي ، وسأحصل على نصيبي منها بأيّ وقت !! 

- حسناً أخفضي صوتك .. كم تريدين ؟

ورغم ضخامة المبلغ ! إلاّ انه أعطاها ما تريد ، كيّ لا تفتعل مشكلة امام موظفيه 


وقبل خروجها من مكتبه ، قال ممازحاً :

- على الأقل إشتري وردة لزوجك ، بعد عودتك من السوق

زوجته بسخرية : يبدو أن عقلك يصغر كل يوم ! ثم من عليه إحضار الورود للآخر .. على كلٍ يمكنك النزول لحديقة الشركة ، وقطف أيّ وردةٍ تريدها .. فأنا لا أهتم بهذه السخافات


وخرجت وهي تعدّ رزمة المال ، دون إكتراثها بضيقه وغضبه 

***  


مع الأيام .. زاد اهتمام السكرتيرة بصحّة مديرها ، بعد انتكاسته الأخيرة.. مما جعله يهتمّ بنفسه ، ويطلب من خادمة الفيلا أن تحضّر له المأكولات الصحيّة .. كما تسجّل في نادي رياضيّ .. ليظهر ذلك على جسمه الذي استعاد رشاقته  

كما لاحظت زوجته إمضائه وقتاً طويلاً على جوّاله ، والإبتسامة لا تفارق وجهه ! كل هذا أثار شكوكها ، فاتصلت بموظفةٍ قديمة (عملت بالشركة ايام زوجها المرحوم) لتسألها عن تغيّر طباع زوجها المفاجىء .. فأخبرتها عن السكرتيرة الجديدة المتواجدة معظم الوقت في مكتبه.. 

فقرّرت ريما الذهاب الى الشركة ، للتأكّد من الأمر

***  


في ظهر اليوم التالي .. دخلت ريما مكتب زوجها ، لتجده يضحك مع السكرتيرة.. مما أغضبها جداً ، فقامت بطردها على الفور 


فنظرت سهى الى فؤاد ، لمعرفة رأيه بقرار زوجته الظالم .. فقال حزيناً: 

- آسف يا سهى .. قرار طرد الموظفين بيدها ، فهذه شركتها بنهاية الأمر 


فأسرعت سهى بلمّلمة أغراضها ، وهي منصدمة مما حصل ! وخرجت من الشركة ، بينما الزوجين يتشاجران في المكتب

فؤاد بعصبية : ما كان عليك طردها هكذا ، فهي أفضل موظفة لديّ!!

زوجته بلؤم : وأصغرهنّ سناً.. أهي من كانت تدلّلك الفترة الماضية ، وتحضر لك الورود ؟!


ورمت المزهريّة من فوق مكتبه ، التي فيها ثلاثة ورود حمراء .. لتتحطّم بعنف على الأرض !

فؤاد بقلق : رجاءً عودي الى المنزل ، لا اريد مشاكل امام الموظفين

زوجته : إن كان يهمّك سمعتك ، لما سمحت لتلك الإنتهازية بالتمادي معك .. على كلٍ ، نُكمل كلامنا لاحقاً 


وخرجت غاضبة ، بعد تركها زوجها محطّم القلب ..لأنه أدرك تلك اللحظة إنه مُغرم بسهى التي سيفتقد وجودها قربه !

***


في المساء .. إتصل فؤاد بسهى للإعتذار منها ، فوجدها تبكي بقهر لعدم دفاعه عنها ! 

فأخبرها انه قادم الى منزل اهلها بنهاية الأسبوع ، للحديث معهم بموضوعٍ مهم .. فأسعدها الخبر ، وأعطته العنوان 

***


في الموعد المحدّد .. عثر فؤاد على شقة سهى بصعوبة ، والموجودة في حارةٍ شعبيّة ضيّقة.. وكان واضحاً إنها من أسرةٍ فقيرة من منزل اهلها المتهالك ! وهي اكبر الأبناء ، ولديها 4 اخوة صغار .. ربما لهذا وافقت على الزواج من رجلٍ كبير لتحسين وضع عائلتها .. فهي الوحيدة التي تعمل بينهم ، بعد عجز والدها الذي أصيب بإعاقةٍ دائمة من عمله السابق! 


وبعد جلوسه مع سهى على انفراد ، إقترح عليها الزواج سرّاً ..خوفاً من إبطال زوجته وكالته بإدارة شركتها..

فوافقت بتردّد ، لأجل عائلتها الذي وعدهم بإعطائهم راتباً شهرياً 

***


ولاحقاً .. أغرى فؤاد ريما بسفرٍ سياحيّ الى فرنسا ، كاعتذارٍ منه عن تودّده لسكرتيرته ..

واستغلّ غيابها للزواج بسهى الذي استأجر لها شقةً مفروشة ، ليعيشا معاً أجمل شهر عسلٍ بحياته .. 


وبعد عودة زوجته ، أصبح يزور سهى في النهار فقط .. فهو مُجبر على المبيت في فيلا زوجته التي لم يعد يطيقها 

***


وبعد ثلاثة اشهر ، أخبرته سهى عن حملها .. وظنّت أن الخبر سيسعده ، لأنه ليس لديه اولاد من زواجه الأول الذي دام عشر سنوات .. لكن تعابير وجهه أربكتها !  

- فؤاد ! ما المشكلة ؟ الم يسعدك الخبر ؟ ستصبح اباً بعد سبعة أشهر

فؤاد بضيق : لم يكن هذا اتفاقنا

- ماذا يعني ذلك ؟!

- كيف أستطيع إخفاء ابني عن زوجتي ؟

سهى : تماماً كما أخفيت زواجنا 

- لا ، الأمر يختلف .. فأنا ازورك مرة في الإسبوع .. لكن بوجود اولاد ، سيصبح الأمر معقّداً .. وأنا لن أضيّع جهودي في الشركة ، لأجل طفلك .. وإن كنت مصرّة على إنجابه ، فانسبيه لعائلة أهلك

سهى بصدمة : هو طفلك ايضاً ، وليس إبن حرام ! 

- اذاً أجهضي الجنين ، فأنا لا اريده


فوقفت غاضبة ، وهي تشير لباب الشقة :

- أخرج فوراً !!

فؤاد بدهشة : ماذا !

- لقد دمّرت كل شيء بتفضيلك الشركة على ابنك الوحيد .. هيا عدّ إلى روتينك المملّ .. وأنا سأجد عملاً أصرف به على ابني الذي أعدك أن لا تراه في حياتك !! ولا تبحث عني ، لأني سأغادر شقتك بأسرع وقتٍ ممكن 

فؤاد : لا تتغابي يا سهى ، يمكننا إكمال حياتنا دون اولاد

- لا يحّق لك أن تحرمني الأمومة .. ولا تقلق على مصروف عائلتي ، سأعتني بهم ايضاً .. لكن قبل خروجك من حياتي ، أريد أن تطلّقني الآن 

- فكّري بالموضوع جيداً

سهى بغضب : طلّقني يا فؤاد ، وارحل للأبد !!


فخرج من شقتها بعد تطليقها ، وهو يشعر بتشتّت أفكاره ومشاعره.. لتنهار باكية ، بعد صدمتها الكبيرة فيه !

***


لم تمضي اسابيع .. حتى علم فؤاد بسفر سهى لدولةٍ عربية .. والعمل في شركةٍ تجاريّة ، وافقت على توظيفها رغم حملها ! 

فلم يهتم للأمر ، وقرّر إنهاك نفسه بالعمل كيّ لا يفكر بها وبطفله 

***


بعد سنوات ، وجد بالصدفة دواء منع حمل في درج زوجته في غرفة النوم .. فسألها عنه ! لتخبره انها تتناوله منذ زواجهما ، لرفضها الإنجاب منه.. 

فحصلت مشكلةٌ كبيرة ، إنتهت بالطلاق وفصل الشركة بينهما : المبنى الرئيسي عاد إليها .. وإدارة الفروع له ، بعد تغيره إسم الشركة ..


ومنذ ذلك الحين وهو يبحث عن سهى وابنه الوحيد ، دون أثرٍ لهما ! بعد رفض اهلها إخباره بمعلومات عن زوجها الثاني ، بناءً على طلبها 

*** 


ومرّت الأعوام ، إلى أن تقاعد من شركته لكبر سنّه .. 

بعدها بأيام ، تلقّى دعوة لحضور زواج ابنه المهندس ! 


فاتصل على الرقم الموجود في الدعوة ، لتردّ عليه سهى :

- مرحباً فؤاد .. أرسلت دعوة لحضور عرس ابنك ، لكن بشرط !! أن لا تخبره بالماضي ، فهو يظنّ إن زوجي هو والده الحقيقي .. 

فؤاد : ارجوك سهى ، لا تحرمني من سماع كلمة أبي

- انت حرمت نفسك منها ، حين فضّلت المال على ابنك الوحيد .. وإن كنت تنوي إفتعال المشاكل ، لا تحضر العرس

- لا !! أعدكِ أن لا اقترب منه .. رجاءً أعطيني عنوان الصالة كيّ اراه عريساً

*** 


وفي العرس .. سمح زوج سهى بالحديث مع طليقها عن ابنهما .. 

فجلست على طاولة فؤاد الذي كان منشغلاً بمراقبة رقصة ابنه مع عروسته بصمتٍ وحزن .. ثم التفت إليها وهو يقول نادماً :

- آسف يا سهى .. ليت باستطاعتي إعادة الزمن ، لما ارتكبت غلطة عمري بالتخليّ عنكما 

سهى : هذا قدرنا .. والحمد لله انه أكرمني بزوجٍ صالحٍ وطيب ، ربّاه كأنه ابنه ولم يفرّقه عن إخوته 

فؤاد : طالما لديك اولاد غيره ، فاسمحي لي باخباره الحقيقة

سهى بحزم : إيّاك أن تفعل !! هو سيهاجر قريباً إلى أوروبا مع عروسته ، فلا داعي لتشويش عقله بمعلوماتٍ لا فائدة منها .. ثم ماذا قدّمت له لتستحقّ لقب الأبوّة ؟ 


فؤاد بقهر : ألن ينتهي عقابك ، يا سهى ؟

سهى بعصبية : ابداً !! فحين طلبت مني نسبه لعائلتي ، سقطّت من نظري .. لوّ انك طعنتني في قلبي ، لكان أخفّ وجعاً .. انت لا تدري كم عانيت بالغربة ، وانا اعمل وأرعى طفلاً بمفردي ؟

فؤاد بحزن : أعتذر مجدّداً 

سهى : بقيّ ساعة على انتهاء العرس .. صفّق للعريسين بهدوء ، ولا تلفت الأنظار اليك  


وعادت الى طاولة زوجها واولادها .. بينما ظلّ فؤاد يراقب العريس بعيونٍ دامعة ، لعجزه عن البوح بمشاعره له .. 

وكانت هذه المرة الأولى والأخيرة التي يرى فيها ابنه الوحيد ، بعد أن وافته المنيّة مقهوراً !


الجمعة، 24 سبتمبر 2021

بطولةٌ يافعة

كتابة : امل شانوحة 

 

سأجعلك فخوراً يا أبي


في 16 أبريل 1945 .. بدأت القوات السوفيتيّة بشنّ هجومٍ على برلين (عاصمة الرايخ الثالث لإلمانيا النازية).. 


فحشدت إلمانيا حوالي مليون جندياً للدفاع عن برلين .. وبسبب موت الكثير من شبابها في معاركٍ سابقة ، جُنّد المراهقون إجباريّاً وأُلحقوا بصفوف الجيش الإلماني .. وكان منهم (فالتر) البالغ من العمر 14 ربيعاً ، وهو من عائلةٍ ريفيّة 

 

وكان المفترض تجنيد والده (الأربعينيّ) للمشاركة بمعركةٍ حاسمة وأخيرة لإلمانيا .. إلاّ إن بقرته هشّمت قدمه التي دهستها اثناء حلبها ، مُتسبّبةً له بعرجٍ دائم .. فأُخذ ابنه مكانه ، رغم اعتراض امه لكونه إبنها الوحيد .. 


فردّ الضابط الإلماني بعصبية :

- الا تفهمين يا امرأة ؟!! السوفيت على ابواب العاصمة ، وإن سقطت يعني متنا جميعاً .. هل تريدين أن يعتدوا عليك ، كما فعلنا بنسائهم في مدينة ستالينغراد ؟

فقال ابنها : لا بأس امي ، سنقاومهم حتى آخر رجلٍ فينا 

الضابط : أحسنت !! والآن إركب مع رفاقك ، لنقلكم الى المعسكر التدريبي 

الأب : إذهب معه يا بنيّ ، واجعلني فخوراً بك 


((فدُهش فالتر لأنها المرة الأولى التي يكلّمه والده كشابٍ راشد ! فهو لطالما سخِر من لطافة شخصيته ، ودلال امه ، وعدم مسؤوليته .. وعندما أخبره سابقاً عن رغبته بالإشتراك بالحرب ، ردّ عليه بقسوة : أنه ينفع فقط لتسليّة الجنود !))


ثم قام بتوديع والديه على عجل .. وركب الحافلة العسكريّة ، محاولاً السيطرة على مشاعره اثناء ابتعاده عن القرية 

***


في المعسكر .. تمّ تدريب فالتر ورفاقه اليافعين على استخدام السلاح والقنابل اليدويّة خلال ايامٍ فقط ، بعد اشتداد المعارك بين السوفيت والإلمان في محيط برلين .. 

ورغم عدم خبرتهم العسكريّة الكافية ، إلاّ أن الضابط أرسلهم الى جبهة الحرب دون إكتراثه لمصيرهم المحتوم !

***


لاحقاً قُسّمت الوحدات التابعة لحماية برلين إلى مجموعاتٍ مُنعزلة من جيوش فيستولا الإلمانية .. وانضمّ فالتر الى جنود الخندق ، الذين يعتبروا آخر صفٍّ دفاعيّ لبرلين .. وبهزيمتهم تسقط العاصمة ، وتنتهي الحرب العالمية الثانية بخسارة إلمانيا ! لهذا تلقّوا اوامر صارمة بالقتال ببسالة ، لدعم الجنود الإلمان في الصفوف الأماميّة التي انتقل اليها معظم رفاق فالتر المراهقين .. بينما بقيّ وحده في الفصيلة الأخيرة ، ليُعدّ أصغر جندياً في الخندق الذي فيه 44 عسكرياً ، بقيادة ضابطهم الصارم 

***


كانت ليلة فالتر الأولى عصيبة جداً ، بسبب اصوات القذائف للجيش الأحمر السوفيتي التي تقترب كل يوم من خندقهم !

حيث لاحظ الجنود إرتجاف جسمه الهزيل كلما سقط صاروخٌ قربهم ، لهذا سلّمه الضابط مهمّاتً سهلة تناسب عمره : كتوزيع الرسائل للجنود وإعطائهم الطعام ، وتسليمهم الذخيرة .. 

***


بعد ثلاثة ايام بالخندق ، وفي يوم 30 ابريل 1945.. إستيقظ فالتر مرتعباً إثر تساقطٍ عنيف للقنابل قرب خندقهم ، مع بزوغ الفجر .. مما أدّى لفوضى عارمة بين الجنود لعلمهم باقتراب الجيش الروسي ، بعد إسقاطهم جميع الصفوف الأماميّة الدفاعيّة الإلمانيّة ! 


وكانت وظيفة فالتر تسليم الذخيرة للجنود .. وقام بذلك وهو يسمع صراخ الضابط يخبرهم : أن خروج إلمانيا من هذه الأزمة او إنهيارها متوقفاً عليهم ، ولا مجال للتراجع او الإستسلام !! 


فقاوموا جميعاً بأقصى جهدهم للدفاع عن أمهاتهم وزوجاتهم وبناتهم ، لعلمهم إن سقوط برلين تعني إعتداء السوفيت عليهنّ ، إنتقاماً لما حصل لنسائهنّ في معارك سابقة فازت بها إلمانيا ، وخصوصاً جرائم معسكرات التعذيب النازيّة .. 


واثناء نقل فالتر الذخيرة لآخر الخندق بعد نفاذ رصاص الجنود المتمركّزين هناك ، سقطت قنبلةٌ يدويّة فوق رأس الجندي المراقب ! ليتحوّل بثواني الى اشلاءٍ متبعثرة ، ويتلطّخ وجه فالتر بدمائه الساخنة ! 

وعلى الفور إنهارت قواه ، وسقط باكياً .. مُلوّثاً ملابسه ، بعد إصابته بانهيارٍ عصبيّ.. 


وكان بينهم مصوّراً لمجريات الحرب ، فأسرع بالتقاط صورةٍ له .. لنشرها لاحقاً بالصحافة ، لإطلاع العالم على الرعب الذي يعيشه الجنود في الخنادق ..وظهر بالصورة : جندي آخر يحاول تهدئة فالتر الذي سرعان ما أغميّ عليه من شدّة الرعب والإرهاق 

***  


إستيقظ فالتر مساءً ، داخل الغرفة القبويّة في الخندق ..وأول ما لاحظه هو توقف القذائف في الخارج ! 


وفور نهوضه من فراشه ، إلتفت اليه الجنود الذين كانوا يتناولون عشائهم .. وقال أحدهم :

- أشكر زميلك الذي غيّر ملابسك المبلولة ، ايها الطفل الرضيع 

وضحكوا ساخرين منه .. 


فسألهم فالتر :

- هل انتهت الحرب ؟ هل فزنا ؟ فالوضع هادئٌ جداً 

الضابط : ليس بعد .. (ثم تنهّد بضيق) .. يا خوفي أن يكون الهدوء ما قبل العاصفة ، فالسوفيت لن يتوقفوا قبل إسقاطهم برلين التي تبعد امتاراً عنهم

الجندي : لكنهم لم يرموا القذائف منذ ساعتين ، فماذا يخطّطون ؟

الضابط : أظنهم يجمعون جيوشهم من اطراف إلمانيا ، لتدميرنا غداً 


وهنا دخل الجندي المسؤول عن التلغراف اللاسلكي ، وهو يقول بوجهٍ مصفرّ :

- سيدي ! خبرٌ سيء 

الضابط بقلق : ماذا هناك ؟ 

- إنتحر الفوهرر هتلر !


فضجّ المكان بصرخات الجنود المرتعبين ، فموته يعني خسارة الحرب 

الضابط : هل انت متأكّد من الخبر ، ام مجرّد إشاعة من الأعداء ؟

- سيدي ، الخبر أُذيع في أنحاء العالم  

فقال جندي آخر بخوف : رجاءً سيدي ، دعنا نهرب .. لا داعي للمقاومة ، فقد خسرنا المعركة وانتهى الأمر

جندي ثاني : نعم سيدي .. دعنا نعود الى بيوتنا للدفاع عن عائلاتنا ، قبل اعتداء السوفيت عليهنّ

جندي ثالث : اريد إرسال بناتي الى سويسرا في الحال 

فصرخ الضابط بحزم : نحن ميتون بجميع الأحوال ، وسنبقى هنا لندافع حتى آخر رجلٍ فينا .. وهذا قراري النهائيّ !! ومن يحاول منكم الهرب ، سأقتله بنفسي


وما أن أنهى جملته ، حتى إرتجّ المكان بصاروخٍ كبير سقط على مقربة من الخندق .. جعلتهم يسارعون الى مواقعهم للدفاع عن حصنهم الأخير ، رغم علمهم إنه لا فائدة من ذلك !


وظلّت المعارك مستمرّة طوال الليل .. وفالتر يحاول جاهداً نقل الذخائر المتبقية الى الجنود الذين مات الكثير منهم بالقصف الكثيف المتواصل .. مُتنقلاً بحذر بين ممرّات الخندق المظلم ، وهو يحمل قنديله كيّ لا يدوس على جثث رفاقه 

*** 


في اليوم التالي ، في صباح 1 مايو .. إستيقظ فالتر وهو يشعر بألمٍ شديد في رأسه ! 

فأزال خوذته ، ليتأكّد أنه لم يصبّ برصاصةٍ غادرة .. ليلاحظ صخرةً كبيرة بجانبه ! فعلم انها سقطت على رأسه مباشرةً إثر انفجارٍ كبير ، أفقدته الوعيّ..

وآخر ما تذكّره : هو هروب رفاقه من الخندق ، وصراخ الضابط عليهم لملازمة المكان !


وحين نهض ..تفاجأ انه الوحيد المتبقي في الخندق ، بعد مقتل الضابط برصاصة القنّاص السوفيتي التي فجّرت رأسه تماماً ، وبجواره جثة 20 جندياً ! 

اما بقية رفاقه : فيبدو انهم هربوا بعد مقتل قائدهم .. ولم يحاولوا إيقاظه ، لظنّهم أنه مات ايضاً !


وأول ما فعله ، هو مراقبة الوضع الحالي من منظار قائده .. ليجد ساحة المعركة هادئة بشكلٍ مريب ، فلا أثر لجيش العدو في الجهة المقابلة ! 

ومع هذا شعر من واجبه دفن جميع الجثث ، قبل مغادرته المكان .. ولم يكن الأمر صعباً ، فصواريخ دبّابات العدو أحدثت فجوات عميقة على طول الخندق 


فأخذ يجرّ جندياً تلوّ الآخر لدفنه بشكلٍ لائق قدر الإمكان ، واضعاً سلسلته الحديدية (المحفور عليها اسمه) فوق قبره .. 


وبعد انتهائه من دفنهم جميعاً بحلول العصر ، تناول آخر علبة طعام مُعلّبة وجدها في مخزنهم .. 


ثم بدأ بجمع أغراضه للخروج من الخندق ، لكنه تجمّد في مكانه بعد سماعه ضحكات قادمة من الساحة ! 

ليرى بالمنظار : كتائب الحلفاء تقترب بعتادها من الخندق ، وتبدو السعادة على وجههم بعد تحقيقهم النصر ! فُهم على بعد خطوات من العاصمة برلين التي سيصلون اليها بعد تجاوزهم الخندق ، لإعلان سقوط إلمانيا رسميّاً لدول العالم  


وهنا عادت الى مخيّلته سخريات والده ، بكونه غير مناسب لخوض الحرب .. فانتفض غاضباً ، لشعوره أن هزيمة بلده متوقفة على شجاعته


وكان متبقّى في الخندق بضعة قذائف لمدفعية الصواريخ التي تحتاج الى جندين على الأقل لحملها .. لكن كما يُقال : (آخر الجُبن شجاعة) .. فمع إرتفاع الأدرينالين في دمه ، تمكّن من حمل الصاروخ الثقيل .. ووضع الواحد تلوّ الآخر في فوهة المدفعية وتوجيهها الى الجنود السوفيت ، بعد تقديره المسافة عبر المنظار . 


ليُفاجئ العدو بعدم إنتهاء مقاومة الخندق الإلماني ، كما أخبرتهم القيادة ! فسارعوا للإحتماء خلف أنقاض المباني المُهدّمة لبدء معركةٍ جديدة ، بعد سقوط ضحايا في صفوفهم ، بسبب الهجوم الصاروخي المباغت ! فالحظ كان حليف فالتر الذي أصاب الهدف بدقّة مع كل قذيفة ! 


مما أجبر الضابط السوفيتي على الإستعانة بأمهر قنّاصٍ عنده ، لقتل ما تبقّى من جنود الإلمان المسؤولين عن تلك المدفعية .. 


فتسلّق القنّاص أطول عمارة مهدّمة في المكان .. ومن نافذتها المكسورة أطلق العديد من الرصاصات .. أصابت إحداها قلب فالتر ، ليسقط قتيلاً بجانب آخر صاروخين في الخندق ! بعد تمكّنه بمفرده من إطلاق عشرين قذيفة ، أودت بحياة 30 جندياً وعشرات الجرحى من جيش العدو..


وبموته ، هدأت المعركة تماماً .. فاستغرب الضابط السوفيتي بأن موت شخصٍ واحد برصاصة قنّاصه ، أوقفت الحرب الطاحنة ! 

وظنّ أن بقية الجنود الإلمان يحاولون الهرب من جهاتٍ مختلفة .. فأمر جنوده باقتحام الخندق للقبض على الأسرى .. 

ليفاجأوا جميعاً بالمقابر الحديثة ، مع جثةٍ واحدة للمراهق الصغير !


فوقف الضابط السوفيتي قربه ، وهو يتمعّن بملامحه البريئة .. 

ثم قال لجنوده :

- من يصدّق أن هذا الصغير أرعبنا لساعتين متواصلتين ؟!


وبعد قليل .. تقدّم جندي سوفيتي منه ، وهو يقول :

- سيدي !! الخندق فارغٌ تماماً !

فردّ القائد بدهشة : كيف تمكّن هذا البطل من حمل الصورايخ الثقيلة وحده؟!


ثم إنحنى فوقه ، لقراءة اسمه المحفور على سلسلته الحديديّة :

- ((فالتر دامبيير)) .. سأحفظ اسمك جيداً يا بنيّ ، وسأخبر العالم عن شجاعتك النادرة

الجندي باستغراب : سيدي !  كيف تمدحه وهو إلماني من الأعداء؟!

القائد : لا يمكن لأحد إنكار بطولته النادرة ، لهذا استحقّ الإحترام والتقدير


ورفع يده لإلقاء التحيّة العسكرية امام جثة فالتر ، مما أجبر جنوده على تحيّته ايضاً ! 

ثم أمرهم بدفنه بشكلٍ لائق ، قرب رفاقه من جنود الخندق ..


من بعدها تابعوا سيرهم نحو العاصمة برلين التي أعلنوا سقوطها رسمياً في اليوم التالي ، وتحديداً في 2 مايو 1945  

***


بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ، وعودة الضابط السوفيتي الى بلاده ..قام بتأليف كتاب بعنوان:(سقوط برلين) ..ذكر فيه قصة المراهق فالتر الذي وصفه ب:(مراهقٌ بألف رجل) 

وتُرجم كتابه لاحقاً لعدة لغات ، منها الإلمانية

***


بعد سنوات ، وتحديداً في نهاية عام 1961.. إجتمع والد فالتر مع رفاقه في الحانة ، ليخبره أحدهم عن قراءته إسم ابنه في كتابٍ حربيّ .. وأطلعه على تفاصيل المعركة الأخيرة المذكورة في كتاب الضابط السوفيتي الذي وصف فعله : (بالبطولة اليافعة) .. 


فاغرورقت عينا والده بعد تصفيقٍ حار للرجال في الحانة ، فخراً بإبنه البطل .. بينما شعر هو بتأنيب الضمير لقساوته عليه في الماضي .. 

والذي زاد من قهره إنه لم يتمكّن من زيارة قبر فالتر بعد تقسيم إلمانيا ، فهو مدفون بالجهة الشرقية التابعة للحكم السوفيتيّ ..

***


وفي عام 1989 ، في إلمانيا الغربية .. وبعد تجاوز والد فالتر الثمانين من عمره ، أخبره ابنه (من زوجته الثانية) أن الثوّار سيسقطون الجدار الليلة .. فتابع الوالد الحدث باهتمام على شاشة التلفاز

***


بعد هدم الجدار وتوحيد إلمانيا من جديد ، طلب والد فالتر من حفيده أن يأخذه الى الجهة المقابلة ، لزيارة قبر ابنه البكر فالتر ..


وحين وصل هناك .. شاهد وِسام الشجاعة موضوعاً داخل زجاج بجانب قبره .. واقتباس من كتاب الضابط السوفيتي عن بطولته ، محفورة على شاهده .. 


فبكى الأب متأثراً ، وهو يقول :

- سامحني يا فالتر ، قسوت عليك لظني انني ذاهبٌ الى الحرب ..وأردّت أن تصبح رجلاً صلباً ، لحماية امك التي أفسدتك بدلالها .. لكن القدر جعلك تذهب نيابةً عني .. وما فعلته يا بنيّ رفع إسم عائلتنا ، بعد أن أصبحت أصغر بطل حرب .. فهنياً لك بمنزلتك الرفيعة التي استحقّيتها بجدارة


ثم ألقى التحيّة العسكرية ، وكلّه فخر بإبنه الذي أثبت شجاعته وبطولته النادرة ! 


*****

ملاحظة :

1- قصة المراهق البطل : هي مستوحاة من فلسطينيّ مجهول الهويّة (13 عاماً) الذي استلم قيادة مدفعية الهاون بعد فرار اصحابه ، ضدّ تقدّم الجيش الإسرائيلي من جنوب صيدا في طريقهم للعاصمة بيروت ، في الحرب الأهلية اللبنانية .. والذي ذكره الكاتب (روبرت فيسك) في كتابه (ويلات وطن) واصفاً التحيّة العسكرية للقائد اليهوديّ امام جثة المراهق الذي حمل وحده العديد من الصواريخ الثقيلة ، لتلقيم ثلاثة مدافع على كافة الإتجاهات ..والذي استطاع إرعابهم وإيقاف تقدّمهم لأكثر من ساعتين متواصلتين ، بعد إصابته أهدافاً دقيقة في صفوفهم .. لكني نسبتها للولد الإلماني بعد رؤيتي صورته في جوجل ، والتي جعلتها غلاف قصتي هذه .. مُتمنية من الله أن تعجبكم


2- عملت جاهداً أن تكون معلومات القصة صحيحة ودقيقة ، بعد قراءتي العديد من المقالات عن الحرب العالمية الثانية..  وهذا رابط أهم مقالة نفعتني لهذه القصة :

https://www.youm7.com/story/2021/5/2/%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D8%B3%D9%82%D9%88%D8%B7-%D8%A8%D8%B1%D9%84%D9%8A%D9%86-%D9%83%D9%8A%D9%81-%D9%88%D9%82%D8%B9%D8%AA-%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%A9-%D8%A3%D9%84%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D9%81%D9%89-%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%A1/5301616

الاثنين، 20 سبتمبر 2021

صائد المجرمين

تأليف : امل شانوحة 

 

الجوّال السحريّ


تلقّى المحقق المتقاعد جون إتصالاً مفزعاً من المدينة المجاورة عن مقتل ابنته وزوجها واولادها الثلاثة ، على يد سارقٍ إقتحم منزلهم مساءً !

فسافر فوراً الى هناك ، لمتابعة تحقيقات الشرطة التي لم تجد أثراً لذلك المجرم 

***


بعد ايام من بقاء الجثث في المشرحة ، سمحوا لجون بدفن ابنته وعائلتها..ليعود الى قريته حزيناً ومقهوراً لإفلات المجرم من العقاب .. 

***


في الليلة التالية .. إستيقظ الساعة 9 على رنين رسالةٍ خطّية وصلت لجواله ، كان فيها :

((ابي العزيز ، لا اريدك أن تفزع .. فروحي لن تهدأ قبل قبضك على المجرم الذي قتل عائلتي امام عيني ، واعتدى عليّ وذبحني دون رحمة))


فنهض جون فزعاً من سريره ، بعد اكتشافه أن الرسالة مُرسلة من جوّال ابنته الضائع .. 

فكتب بيديه المرتجفتين : 

- من انت !! وكيف حصلت على جوّال ابنتي ؟ هل انت السارق اللعين الذي قتل عائلتها ؟


وانتظر دقيقتين ، قبل أن تصله الإجابة :

- انا روح ابنتك جاكلين ، سأساعدك للوصول الى القاتل .. فهو لسخرية القدر متوجهاً الى قريتك ، هرباً من ملاحقة الشرطة .. وسيصل الى المحطة ، بعد ساعة من الآن .. سينزل من الحافلة رقم 5 .. إتّبعه الى فندق المسافرين ..

فكتب جون بعصبية : لا ادري من انت ، ولا يهمّني امرك .. وإن كان لديك معلومات عن قاتل إبنتي ، الأفضل أن ترسلها للشرطة

- ابي ! انت عملت طوال حياتك كمحققٍ جنائيّ .. ومن واجبك القبض على قاتل اطفالي .. إسرع الى المحطة ، فهو على وشك الوصول الى قريتنا

وانتهت المكالمة دون مزيد من التفاصيل !


وفي بادىء الأمر حاول جون تناسي المكالمة الغريبة المستفزّة ، ظناً إن أحدهم يسخر من مصيبته .. لكنه لم يستطع العودة للنوم ..

فغيّر ملابسه ، وقاد سيارته متوجهاً لمحطة الحافلات 

***


وبالفعل وصلت الحافلة رقم 5 ، على الساعة 10 .. وفيها مجموعة من العائلات .. فأخذ جون يراقب الركّاب اثناء نزولهم من الباص ، ليجد ثلاثة شباب قدموا وحدهم من المدينة .. فلم يعلم أيّهم القاتل ! 


وظلّ يتابعهم ، إلى أن توجّه إثنين منهم الى الشارع العام لإيقاف سيارة اجرة ..فخاف جون أن يفقد أثرهما .. وقبل عودته للسيارة لملاحقة أيّاً منهما ، سمع الشاب الثالث يسأل عامل المحطّة عن فندقٍ قريب.. فعلم انه الشخص المنشود .. 

***


وظلّ جون يلاحق سيارة الأجرة التي فيها الشاب ، إلى أن وصلا لفندق المسافرين ..


ووقف خلفه في مكتب الإستعلام وهو يُشغل نفسه بالجوّال (كيّ لا يلفت انتباه المجرم) وهو يستمع لموظف الفندق الذي حجز له في غرفة 20 


وبعد ذهابه .. أصرّ جون على الحجز في الغرفة رقم 21 ، بحجّة أنه رقمه المفضّل (كيّ لا يثير شكوك الموظّف)

***


وما أن دخل جون غرفته ، حتى وضع اذنه على الجدار في محاولة لسماع القاتل في الغرفة المجاورة ..


لكنه لم يسمع شيئاً خلال ساعتين .. فاستلقى على الفراش متعباً .. ولأنه رجلٌ كبير في السن ، نام على الفور

***


إستيقظ جون قبيل الفجر على صراخ الشاب الشبه واضح !

فاستمع الى الجدار ، ليسمعه يتحدّث بجواله بعصبية :

((عليك بيع أغراضهم في أقرب وقتٍ ممكن ، فأنا بحاجة للمال .. لأن عصابتي اللعينة تخلّت عني ، بعد تجاوزي حدود الخطة .. المهم !! إخبرني بثمن الحاسوبين والجوّالين الذي ارسلتهم اليك .. آه مبلغٌ جيد .. ولا تنسى ، بعد إذابتك ذهب المرأة وبيعهم في السوق السوداء ، ترسل لي حصّتي .. لا ليس لعنواني القديم ، فقد هربت لقرية المزارع الخضراء ، ولن أعود قبل إغلاق الشرطة تحقيقاتها في الجريمة .. ماذا ! عن أيّ كوخٍ تتكلّم ؟ .. حسناً إخبرني بالتفاصيل غداً ، فأنا متعبٌ الآن .. نتكلّم لاحقاً)) 


وبهذا تأكّدت شكوك جون بأن الشاب في الغرفة المجاورة هو قاتل عائلة ابنته .. وشعر برغبةٍ عارمة لاقتحام غرفته وإفراغ المسدس في رأسه .. لكنه حريص على الإنتقام بعيداً عن كاميرات الفندق 


واستلقى على السرير والدموع في عينيه .. فقاتل ابنته على بعد خطوتين منه ، ولا يستطيع تحطيم عنقه 


وقبل أن يغفو ، وصلته رسالةً خطّية على جواله :

((إهدأ يا ابي ولا تتهوّر .. سنعاقبه لاحقاً))


فشعر جون بالإرتباك ، وكتب قائلاً :

- من انت ؟!! هل تراقبني ؟

- أخبرتك سابقاً ، انا روح ابنتك

جون : كفّ عن الترّهات ، واتصل بي حالاً !! 

- لا استطيع سوى الكتابة لك ، فالأموات يُمنع عليهم الكلام .. حاول النوم قليلاً ، فعملنا يبدأ غداً 

جون : وماذا سيحدث ؟!

- أخبرك لاحقاً .. تصبح على خير يا ابي

وانتهت المكالمة

***


في اليوم التالي ، إستفاق جون باكراً .. وخرج من غرفة الفندق ، ليجد الخادمة تنظّف الغرفة المجاورة .. فسألها بقلق :

- اين نزيل هذه الغرفة ؟

- غادر فجراً 

جون بصدمة : ماذا !


ونزل مسرعاً الى سيارته ، بعد دفعه اجرة الفندق..

وقاد حول الفندق في مختلف إتجاهات ، لعلّه يعثر على الشاب قبل ابتعاده ، لكن لا أثر له ! 


وقبل أن يتملّكه اليأس ، وصلته رسالة على جواله :

((ابي .. القاتل يختبئ في كوخٍ وسط الغابة ، قرب البئر المهجورة .. إنتظر لحين خروجه ، فهو سيحتاج الى الحطب لإشعال موقده بهذا الجوّ البارد))

***


والغريب إن جون وجد الكوخ في المكان المحدّد بالرسالة ! 

وانتظر في سيارته قرابة ساعتين ، وهو يراقب الوضع عن بعد .. الى أن خرج الشاب ظهراً ..


فانتظره لحين وضعه الفاس جانباً ، وجمعه الأخشاب المقطّعة الثقيلة 

ليُفاجأ بالعجوز يدفعه الى داخل الكوخ بعنف ! جعله يُسقط الأخشاب من يده ، وتتبعثر في صالة الكوخ

الشاب صارخاً : من انت ايها المجنون ؟!!


فأغلق جون الباب خلفه ، بعد توجيه المسدس اليه وهو يقول بحنق: 

- انا والد الفتاة التي قتلتها مع عائلتها ، ايها الحقير !! 

الشاب وهو يرفع يديه بخوف : لحظة يا عم ! انا لا أعيش في المدينة

جون : غبي !! فضحت نفسك .. لوّ لم تكن متورّطاً ، لسألتني عن أيّ فتاةٍ أتكلّم ؟ فأنا لم أخبرك انها ماتت في المدينة .. والآن حان وقت الإنتقام ، سأجعلك تتمنّى الموت ألف مرة !!

- ارجوك اسمعني ! كانت مهمّتي قتل صهرك فقط ، لكن احفادك الثلاثة خرجوا من غرفهم اثناء خنقي والدهم بالسلك .. فاضّررت لاستخدام المسدس وقتلهم جميعاً.. 


جون بغضب : ولما خطفت ابنتي واعتديت عليها ، قبل ذبحها ورميها من سيارتك المسرعة بالطريق العام ، ايها اللعين ؟!!

- ضعفت امام جمالها ، سامحني .. لكن لوّ نظرت للأمور بشكلٍ مغاير ، ستجد إنني لست عدوك .. فهناك من دفع لي لقتل صهرك ، وهم من يستحقوا انتقامك


وكلامه هذا استفزّ جون كثيراً ، وجعله يُطلق النار على قدم الشاب الذي صرخ بألم شديدٍ .. 

جون : هذه لأجل صهري !!

ثم اطلق ثلاث رصاصات على ذراعيّ الشاب وقدمه الثانية ..

جون بغضب : وهذه لأحفادي الثلاثة .. أمّا هذه ، فلإبنتي !! 

وأفرغ بقيّة الرصاصات في جسد الشاب التي أودت بحياته ..

***


ثم خرج جون من الغابة ، تاركاً القاتل غارقاً في بركة دمائه .. وعاد الى سيارته التي قادها مسرعاً الى منزله ، ليستحمّ وهو يشعر بالغثيان .. 


من بعدها استلقى على سريره وهو يشعر بأحاسيسٍ مختلطة : بين سعادته بالإنتقام لعائلة ابنته ، وغضبه الشديد من القاتل ، وحزنه على توريط نفسه بجريمةٍ تشوّه سمعته المهنية النظيفة .. كما أفكاره المشوّشة عن سبب إرسالهم قاتلٍ مأجور الى صهره (الموظّف البسيط) 


واثناء غرقه بأفكاره وذكرياته وتأنيب الضمير ، وصله إتصال من جوال ابنته .. وهذه المرة تحدّث اليه رجلٌ مجهول : 

- كنت أعرف إن بإمكانك تنفيذ المهمّة ، يا جون

جون بعصبية : من انت ؟! وكيف حصلت على جوّال ابنتي ؟ دعني أكلّمها في الحال !! 

- هل انت احمق ؟ الم تدفن ابنتك قبل ايام ؟ 

- من معي ؟! 

- أكبر تاجر مخدرات في البلد ، وعملت سابقاً مع صهرك الطمّاع 

جون بصدمة : مستحيل ! صهري موظّف جمارك


الرجل : نعم ، وهو من اكتشف شحنتنا بالميناء .. ولأنه موظفٌ فاسد ، اتفق معنا على نسبة من الأرباح ، لإفراغ بضاعة السفينة .. وظنّ نفسه ذكياً باتفاقه مع العصابة المنافسة على نسبةٍ أكبر ! وبسببه حصلت معركة عنيفة بين العصابتين ، راح ضحيّتها الكثير من الأعضاء المهمّين لكلا الطرفين .. بينما هرب هو بالمال مع عائلته الى المدينة .. فأرسلنا ذلك الشاب لقتله ، والذي لم يكن حريصاً بتحرّكاته ! فقد كشفت كاميرا طريقٍ فرعيّ رقم سيارته 


جون : غير صحيح ، فمدير شرطة المدينة أكّد بعدم وجود أدلّة ضدّ قاتل ابنتي !

- لأنه ايضاً متورّط معنا .. ودفعت له مبلغاً كبيراً لحذف الفيديو ، لكنه اعتذر عن تسرّب أوصاف الشاب الى الصحافة دون علمه.. لهذا قرّرت التخلّص من القاتل الذي سلّم أحد رجالنا في السوق السوداء الأغراض التي سرقها من منزل إبنتك ، وبهذا حصلت على جوالها.. وخطّطت لإيهامك أنّي روحها كيّ أدفعك للقيام بالمهمّة ، فلا احد سيلومك لإنتقامك من قاتل ابنتك ، فأنت معروف بصائد المجرمين.. وبذلك تُغلق القضية ، بعد إبعاد الشكوك عن عصابتي..


جون : لن اسمح لك بتوريطي بقذارتك ، وسأعرض مكالماتك السابقة على المحكمة

- آه تقصد مكالمتك مع روح ابنتك ، أيها الخرف .. فأنا بجميع الأحوال سأتلف الجوال بعد هذه المكالمة ، ولن يتمكّن أحد من ملاحقتي.. المهم !! ستجد ظرفاً قرب بابك ، فيه مكافأة مجزّية على تنفيذك المهمّة .. وأعتذر منك ثانيةً عن غباء قاتلي المأجور .. فمهمّته كانت قتل صهرك فقط ، لكن ابنتك فتنته بجمالها ! ولأني رجلٌ عادل ، أعطيتك حق الإنتقام مع مال التقاعد لإكمال حياتك بسلام .. ولا تقلق ، فلن تسمع صوتي ثانيةً .. الوداع ايها المحقّق العجوز


بعد انتهاء المكالمة ، سمع جون صوت سيارة تبتعد عن منزله !

ففتح بحذر وهو يحمل مسدسه .. ليجد ظرفاً عند الباب ، فيه مبلغاً كبيراً من المال !

فنزلت دمعته ، وهو يقول بحزن :

- تمنّيت لوّ كنت أُكلّم روحها بالفعل !

ونظر الى السماء وهو يقول في نفسه : 

((أتمنى أن يكون انتقامي من قاتل اطفالك ، أراح قلبك الحزين يا صغيرتي))  

***


في الإسبوع التالي ، باع جون منزله وهاجر للخارج .. وانقطعت أخباره عن الجميع !  


الجمعة، 17 سبتمبر 2021

أخلاق مُغتربة

تأليف : امل شانوحة 

حُسن المعاملة


فرحت ريم كثيراً بحصولها على بعثة الى كندا ، لإكمال دراستها العليا بالعلوم التقنية .. وما أن استقرّت هناك ، حتى واجهت معاملةً جافة من جيرانها وطلاّب جامعتها ! ربما لأنها الفتاة المحجبة الوحيدة في مدينتهم الصغيرة المُثلجة طوال العام .. 


ولسوء حظها ..قام إنتحاريّ بتفجير نفسه داخل سوقٍ شعبيّ ، أدّى لوقوع ضحايا كنديين ، وعلى حسب زعمهم كان من المسلمين المتشدّدين ! 


وبسببه أصبحت مُحاصرة في بيتها ، بعد رميهم النفايات وكتابة التهديدات بالقتل على باب شقتها ، وتحطيم زجاج سيارتها اكثر من مرة .. كما رفض أصحاب المحلاّت بيعها منتجاتهم ..حتى اساتذة جامعتها امتنعوا عن إجابة اسئلتها .. 

فانعزلت قرابة شهر لحين هدوء الوضع المتّوتر في البلاد ، نتيجة الإعلام الحاقد ضدّ المسلمين ، والعرب تحديداً  


ورغم كل ما حصل ، لم تخبر اهلها بمعاناتها كيّ لا يقلقوا عليها .. وفضّلت محاربة الأزمة على طريقتها ، باستغلالها نقاط الضعف عند جيرانها .. وساعدها بذلك حارس العمارة الإفريقيّ الطيب الذي أطلعها بأسرارهم 

فهي تسكن في مبنى من ثلاثة طوابق ، شقتين في كل طابق : أيّ خمسة جيران 


ففي الطابق الأرضيّ : تسكن ارملة عجوز ، بعد سفر اولادها الثلاثة للخارج.. وبجوارها أمٌ عزباء مع ابنتها المراهقة .. اما الطابق الثاني : فتسكن مطلّقة مع ولديها الصغيرين .. وبجوارها يعيش شاب مع زوج امه .. والمفاجأة إن من يسكن بجوار ريم ، هو شابٌ من أصولٍ عربية ! ورغم انه لم يؤذيها بالأزمة الراهنة إلاّ انه لم يدافع عنها ، لتشبّهه بالأجانب وفخره بحضارتهم  

***


وكانت خطتها : معاملتهم بأخلاق المسلمين .. فالأجانب اعتادوا الإعتماد على أنفسهم منذ الصغر ، وعدم تدخلهم بشؤون غيرهم .. 


واختارت اولاً الأرملة العجوز في الطابق الأرضيّ ، بعد سماع سعالها الحاد اثناء نزولها الدرج (فالحارس أخبرها عن مرضها المزمن) .. 


وطرقت الباب ، لتخرج العجوز وهي تحاول إلتقاط انفاسها : 

- أهذا انت ! ماذا تريدين ؟ 

ريم : بعد عودتي من الجامعة سأمرّ على الصيدلية ، هل تحتاجين لدواء ؟

- بجميع الأحوال عليّ الخروج لسحب المال من البنك

- الأفضل أن لا تخرجي وانت مريضة بهذا الجوّ البارد .. اما عن المال ، تدفعيه لي لاحقاً .. فقط إخبريني بإسم الدواء

العجوز باستغراب : لا اريد مضايقتك !

- انا ايضاً أحتاج لدواء ، والصيدلية بجانب جامعتي 

- حسناً ، إنتظريني قليلاً


وكتبت اسم الدواء على قصاصة ورق ، وهي تشعر بالإحراج 

- لا ادري ماذا اقول !

ريم : فقط اهتمّي بصحتك ، وسأعود بعد الظهر 

- شكراً لك

وكانت هذه المرة الأولى التي تبتسم في وجهها..

***  


في وقت الظهيرة .. عادت ريم بالدواء مع شطيرة دجاج ، أعطتها للعجوز وهي تقول : 

- الصيدلي أخبرني إن عليك تناول الدواء بعد الغداء

العجوز : كنت أنوي تحضير الحساء بعد قليل 

- لا تجهدي نفسك .. وأعدك في المرة القادمة أن أحضر لك وجبة طعام عربية ، فأنا بارعة بالطبخ .. 

العجوز بقلق : لا شكراً

ريم : لا تخافي ، طعامنا لذيذٌ جداً .. نحن في الشرق الأوسط نجيد طبخ الخضار ، هل تحبين البامية ؟

العجوز : ذقته مرة عند جارتي الهندية ، ولم يعجبني كثيراً

ريم : عليك تذوّقه بالطريقة العربية ، اراهن انه سيعجبك

- شكراً لك .. وعندما تتحسّن صحتي ، أعيد لك النقود

ريم : لا داعي يا خالة ، إعتبري الدواء هديةً مني .. 


وتركتها مذهولة من اهتمامها الراقي ، فلا أحد إكترث بها بعد سفر اولادها! 

***


ومع الوقت .. تعوّدت العجوز على مذاق الأطباق العربية التي حضّرتها ريم التي حرصت على زيارتها من وقتٍ لآخر للإطمئنان على صحتها ، ولسماع ذكرياتها مع اولادها وهي تُريها صورهم واغراضهم القديمة  

***


وفي أحد الأيام .. وبينما ريم تصعد الى شقتها ، وجدت ولديّ الأم المطلقة ينتظران امام شقتهم في الطابق الثاني .. فسألتهما :

- لما لم تدخلا الشقة ؟

فأجابها الولد الكبير : امي لم تأتي من العمل ، ولا نملك المفتاح

ريم : هل انتما جائعان ؟

الولد الكبير : جداً

الولد الصغير : وانا اريد دخول الحمام

ريم : اذاً إصعدا الى شقتي ، فلديّ طعام وحلوى لذيذة

الولد الصغير : أحقاً !

الولد الكبير : أمنا منعتنا الحديث مع الغرباء ، وستغضب إن صعدنا الى بيتك دون إذنها

ريم : لا تقلقا ، سأكلّم امكما حينما تصل .. وسأضع ورقة عند الباب ، أخبرها بأنكما عندي كي لا تقلق .. هيا بنا

***


بعد نصف ساعة ، طرقت الأم باب شقة ريم بعنف..

وحين فتحت ، دخلت وهي تسألها بعصبية :

- اين اولادي ؟!!

ريم : يأكلان الحلوى ، بعد تناولهما الغداء


فأبعدتها جانباً ، ودخلت مباشرةً للمطبخ لمعاتبتهما :

- الم اخبركما أن لا تأكلا عند الغرباء ؟!! 

فقالت ريم : لا تعاقبيهما ، أنا أصرّيت على قدومهما الى منزلي .. على كلٍ سأعطيك علبة طعام ليأكلاها لاحقاً

الولد الصغير : وحلوى ايضاً ، لوّ سمحت

ريم بابتسامة : كما تشاء

الأم : لا شكراً ، سأصنع لهما المعكرونة 

الإبن الكبير : لا امي ، نحن نأكلها كل يوم  

امه : ليس لديّ الوقت للطبخ لكما

ريم : اذاً إسمحي لهما بتناول الطعام عندي ، بعد عودتهما من المدرسة 


الولد الصغير : رجاءً امي ، طعام الآنسة ريم لذيذٌ جداً

الأم بلؤم : لا نريد مساعدتك ايتها العربية .. هيا بنا يا اولاد !! 

الإبن الكبير : خذي العلبة يا امي ، سآكلها مع أخي في المساء

الأم وهي تتفقّد علبة الطعام : ماذا بداخلها ؟ 

ريم : طبخة خضار مشكلة

فسألت الأم ولديها باستغراب : لكنكما لا تحبان الخضار !

ابنها الصغير : هذه الخضار ناضجة تماماً  

ابنها الكبير : وبهاراتها لذيذة

الأم : حسناً سآخذها ، لكن لا اريدك أن تقتربي من ولدايّ بعد اليوم

ريم : كما تشائين

وأخرجتهما من منزل ريم بعصبية !

***


في الصباح التالي .. أعادت الجارة العلبة الفارغة وهي تقول : 

- لم أكن اعلم إن طعامكم لذيذٌ هكذا !

ريم : سعيدة إنها أعجبتك 

- شكراً لك

- قبل أن تذهبي ، اريد أن أقول : في حال عدّت من الجامعة ووجدت ولديك ينتظران قرب الباب ، لن يطاوعني قلبي أن أتركهما جائعين .. هل تسمحين لي..

الأم : لا اريد إتعابك


ريم : انا أحب الطبخ ، وأعطي جارتنا العجوز صحناً كل يوم .. ولا أجد مانعاً من مشاركة اولادك طعامي

- وكم تريدين بالشهر ؟

ريم : لا سيدتي .. انا مبتعثة الى بلادكم ، ودولتي تدفع كافة المصاريف 

- شكراً لذوقك  

قالتها بابتسامةٍ عريضة ، أسعدت قلب ريم

***


في إحدى الليالي .. ذهبت ريم مع صديقتها الى دورةٍ تعليمية مسائية في الجامعة ، وبعد عودتهما مرّا بجانب بار ..فأوقفتها ريم 

صديقتها الكندية بدهشة : لم أظنك تشربين !

ريم : بالطبع لا ، لكني اعرف تلك المراهقة

- أتقصدين صاحبة الوشوم ؟

ريم : هي ابنة جارتي ، سأنزل للحديث معها

- هل جننت ؟!! الا ترينها مع شباب يبدون كعصابةٍ مخيفة ؟

ريم : لهذا أنا قلقة عليها 

- الأجدر أن تخافي على نفسك ، فليس جميعنا يحب المحجبات

فأخذت ريم تتلو المعوذات بصوتٍ منخفض..

صديقتها : ماذا تقولين ؟!

ريم : آيات قرآنية ، ليحميني الله من شرورهم 


ونزلت من السيارة وهي تردّد الآية : (وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)


ثم اقتربت من المراهقة وأمسكت ذراعها .. فانتفضت الفتاة بعصبية:

- ماذا تريدين يا امرأة ؟!! .. آه ! انت المحجبة في عمارتنا

ريم : هل تعرف امك انك تسهرين هنا ؟

- وما شانك انت ؟!!

- لم تبلغي بعد سن 18 

الفتاة بقلق : إخفضي صوتك

ريم : يعني زوّرت هوّيتك لتحصلي على المشروب !

- كل أصحابي يفعلون ذلك 

ريم : الشباب الذين ترافقيهم يبدون في سن الثلاثينات ، وانت مازلت مراهقة 

- لا تتدخلي فيما لا يعنيك ، عودي الى بيتك ..وإيّاك إخبار امي بشيء

ريم بحزم : إن لم تأتي معي الآن ، سأبلغ الشرطة عنك 

- ماذا !

ريم : أحلف انني سأفعل !! تعالي دون معارضة.. واتركي السمّ من يدك


وأبعدت المشروب عنها .. وسحبتها من ذراعها وهي تترنّح في سكر ، ووضعتها في السيارة .. وطلبت من صديقتها إيصالهما الى العمارة

***


ما أن طرقت ريم باب جارتها ، حتى خرجت مرتعبة بعد رؤية ابنتها مخمورة !

- اين كنت ؟!! أوشكت على الإتصال بالشرطة .. هل سكرتي ثانيةً؟! 

ريم : دعيها تدخل ، وسأحدّثها لاحقاً

الأم : هل انت من أحضرتها من البار ؟

فأومأت ريم برأسها إيجاباً..

الأم : شكراً لك


وفور إغلاق الأم الباب ، إرتفع صراخهما من الداخل .. فعادت ريم الى شقتها وهي تنوي مساعدة الفتاة

***


في ظهر اليوم التالي .. وبعد تقديم ريم أطباق الطعام لجارتها العجوز وأم الولدين .. طرقت شقة جارتها ، لتفتح المراهقة وهي تدخن السيجارة :

- اهذا أنت ! بسببك تشاجرت مع امي طوال الليل

ريم : واين هي الآن ؟

- ذهبت الى عملها

- وهل ذهبتِ الى ثانويتك ؟

المراهقة : هذا ليس من شأنك 

- ما رأيك أن تشربي معي العصير ، في مطعمٍ قريب من هنا ؟

- إن كان كحولاً ، سأوافق 

ريم بحزم : لا طبعاً !! عصير او قهوة ، إختاري ؟

- مع طبق كيك ؟

ريم : كما تشائين ، اريد محادثتك بأمرٍ ضروري 

فلبست الفتاة معطفها وهي تسألها : أمعك سيارة ؟

- طبعاً ، هيا بنا

***


في المطعم .. سألتها ريم عن سبب معاندتها لأمها ، وإصرارها على تدمير حياتها !

الفتاة باشمئزاز : امي عزباء ، أتعرفين معنى ذلك ؟

ريم : هل تخلّى والدك عنها قبل ولادتك ؟

- هي لا تتذكّر من هو والدي الحقيقي ، لهذا لا يحقّ لها تقويم سلوكي

- وأنت تنوين الإنحراف لإفهامها نتيجة سلوكها المستهتر في الماضي؟ 

الفتاة : بالضبط !!

- وماذا لوّ قمت بالشيء ذاته ، بطريقةٍ مغايرة

- ماذا تقصدين ؟!

ريم : أن تتفوقي في تعليمك ، وتتزوجي من شاب محترم ، وتنجبي اولادك بطريقةٍ شرعية ، حينها تفهم ما أضاعته من حياتها

- إقتراحك يحتاج لجهدٍ وحظٍ كبير 

ريم : وهل تريدين مواجهة ما عاشته امك ، ام تفضّلين التعلّم من اخطائها؟ 

- لا ادري !


ريم : هل تؤمنين بأن والدك الذي تخلّى عنكما ، سيُعاقب يوماً ما ؟

الفتاة : أتمنى ذلك

- وهل ترغبين أن ينال كل شخص اذاكِ عقابه ؟ 

- ياريت

ريم : الا تتمنّين لوّ إن الخير الذي فعلته بحياتك دون أن يراك احد ، أن تكافئي عنه بما تستحقينه ؟

- هذا يحصل إن كانت الحياة عادلة

- العدل لن نجده إلاّ يوم القيامة

الفتاة بضيق : لا رجاءً ، لا تكلّمني بأمور دينيّة .. فجدتي كانت مسيحية متشدّدة ، وكانت تجبرني انا وامي على الذهاب معها للكنيسة كل يوم أحد .. وبعد وفاتها إنتقلنا الى شقتنا الجديدة 


فوضعت ريم جوالها امام الفتاة وهي تسألها :

- لوّ خيّرتك بين هاتفٍ أرضيّ وجوّال نوكيا قديم ، وجوّال حديث فيه كل التطبيقات والألعاب ووسائل التواصل الإجتماعي .. وجميع الهواتف بالسعر ذاته ، فأيّاً تختاري ؟

الفتاة : الجوّال الحديث طبعاً .. 

- وهذا ما حصل عبر التاريخ.. فالدين المسيحي أتى كتحديث للدين اليهودي.. والدين الإسلامي تحديثاً للدين المسيحيّ..فديننا لا يختلف عن مبادىء الدينين السابقين .. الفرق الوحيد : إن الحاخامات والرهبان أفسدوا كتبهم السماوية بحذفهم وإضافة ما يشاؤون ، حتى أصبح لديهم العديد من النسخ المُحرّفة .. بينما القرآن لم يتغيّر حرفاً منه طوال 14 القرن الماضي  ، أتظني إن اعداء الإسلام لم يحاولوا ذلك ؟ 

- وهل جرّبوا فعلاً ؟ 

ريم : آلاف المحاولات ، وكل مرة يكشفها الله .. أتدرين لماذا ؟ لأنه وعد عباده بحفظ القرآن بنفسه ، وهذه معجزة بحدّ ذاتها .. فالقرآن هو كتالوج الإنسان 

- كتالوج !

- نعم ، الدستور البشري الذي يعلّمنا كل شيء من أبسط الأمور : كآداب الزواج والنظافة والنوم ، وكذلك التجارة والميراث ..وصولاً لأمور مهمة كالحروب والقصاص والملك ، مُتضمّناً قصص الأنبياء السابقين .. 


الفتاة : لا تحاولي إقناعي بدينكم ، لأني اؤمن بالثالوث .. يكفي إن المسيح وُلد دون أب لإثبات ألوهيّته 

ريم : وآدم خُلق دون أبٍ وأم .. بل هناك أصعب منهما ، وهي حواء التي خُلقت من ضلع آدم ، وناقة النبي صالح التي خرجت من جبل .. صدّقيني لوّ كان هناك ثلاثة آلهة تحكمنا ، لاشتعلت الحروب بالسماء أضعاف معارك الأرض 

- لكن دينكم صعب !

ريم : بالعكس تماماً .. يكفي بالإسلام أن تؤمني انه يوجد آله واحد يحكم البشر .. وأن عيسى مثل محمد وابراهيم وكل الأنبياء ، عبد الله ورسوله .. ولا حاجة للمجاهرة بذلك ، فالدين الإسلامي بدأ سرّاً لثلاث سنوات .. 

الفتاة : وإن آمنت بذلك ، أصبح مسلمة ؟

- نعم ، ارأيت كم هو دينٌ سهل .. (ثم فكّرت قليلاً) .. ما رأيك أن تذهبي معي الى الجامع ، لتراقبينا ونحن نصلي .. وحين ننتهي ، تخبريني بما شعرت به 


الفتاة : وهل سيدخلونني دون حجاب ؟ 

- سأطلب من الحارس إدخالك على مسؤوليتي .. وبعد الصلاة ، تسألين الإمام عن الأمور التي تشغل تفكيرك

الفتاة : لديّ الكثير من الأسئلة لما سيحصل لنا بعد الموت

- ممتاز !! لنذهب ، فقد أذّن العصر 

***


بعد انتهاء الصلاة ، سألتها ريم :

- رأيتك تسجدين معنا في آخر ركعة ؟!

الفتاة وهي تمسح دموعها : لا ادري ! أحسست برغبةٍ ملحّة للسجود ، وبكيت كثيراً

ريم : هذا لأن روحك جائعة ، وغذائها هي طاعة الخالق .. دعينا نذهب للشيخ .. وسأطلب منه أن يعطيك رقم مكتبه ، لتسأليه لاحقاً عمّا تريدنه  

***


بعد ساعة .. أوصلت ريم الفتاة الى منزل امها التي قالت :

- اخيراً عدت !! ظننتك هربتِ من المنزل ، وخفت عليك كثيراً

فإذ بإبنتها تحتضنها باكية ..

الأم بقلق : ماذا حصل ؟!

ابنتها وهي تقبّلها : آسفة امي ، اخطأت كثيراً معك .. اعدك ان اعود للمدرسة منذ الغد  

الأم بدهشة وفرح : أحقاً !

ابنتها : نعم ، ولن أسكر او أدخن ثانيةً 

الأم وهي تسأل ريم : ماذا فعلتي بها ؟!

ريم بابتسامة : تحدّثنا قليلاً عن مستقبلها 

الأم بسعادة : شكراً لك


فعادت ريم الى شقتها ، بعد تركها الأم مذهولة بالتغير الإيجابي والمفاجىء لإبنتها !

***


بعد اسبوع ، نزلت ريم صباحاً الى موقف العمارة للذهاب الى جامعتها .. وما أن  قادتها باتجاه الشارع العام ، حتى تفاجأت بشابٍ مقنّع يخرج من أرضيّة المقاعد الخلفية ، واضعاً السكين على رقبتها وهو يقول :

- يا غبية ، نسيتِ إقفال باب سيارتك .. الآن أعطني كل نقودك


وهنا انتبهت على وشم يده ، فعرفت إنه جارها الشاب الذي يعيش مع زوج امه في الطابق الثاني .. فقالت له :

- هل طردك زوج امك من الشقة ؟

فأبعد سكينه ، بعد أن صدمه كلامها ! 


فأكملت قائلة :

- سمعته يتشاجر معك البارحة ، جيد انني تركت سيارتي مفتوحة والا لتوفيت بهذا الجوّ البارد .. يمكنك إزالة القناع ، لن أبلّغ الشرطة عنك .. بالحقيقة انا ذاهبة لتناول الفطور في كافتريا الجامعة وأظنك جائع ، ما رأيك أن تشاركني الطعام ؟

الشاب : ليس معي مال

- على حسابي يا رجل .. ثم اريدك أن ترى جامعتي ، لربما أقنعتك بإكمال تعليمك


فأزال قناعه وهو يقول بحزن :

- زوج امي رفض دفع قسط جامعتي ، بعد بيعه منزل امي القديم .. كنت حينها في سنتي الثانية بكلية الحقوق .. والبارحة طردني نهائياً من الشقة

ريم : جامعتي بحاجة لموظفٍ إدرايّ

- ألم تسمعيني ؟ لا املك شهادةً جامعية 

- يريدون شاباً لتصوير المستندات وإحضار القهوة للمدراء ، ومراقبة الطلّاب اثناء الإمتحانات ، وسيعطونك غرفة خاصة في مبنى الطلّاب.. عدا عن إكمال تعليمك مجّاناً ، فهي منحة مقدّمة لجميع الموظفين .. هيا لا تفكّر كثيراً ، هي فرصة رائعة .. وسأتوسّط لك عند المدير ، فأنا من طلّابه المميزين وسيقبل ترشيحي لك 

الشاب : وهل سيدفعون لي مقدّماً ؟ 


ففهمت ريم انه لا يملك شيئاً ، فقالت له :

- سأقرضك مبلغاً من المال ، الى أن تتحسّن امورك 

الشاب : أعدك أن أردّه لك مع اول راتب

- لا !! ستردّه لي بعد تخرّجك .. لهذا إنجح اولاً بأول ، فأنا لن أبقى مطوّلاً في بلادكم 

الشاب : لا تقلقي بهذا الشأن .. لطالما كنت متفوقاً بدراستي ، قبل أن يتحكّم زوج امي بمستقبلي

ريم : وأنت منذ اليوم أصبحت مسؤولاً عن حياتك 

الشاب : وانا مدينٌ لك بذلك

***


وبالفعل توظّف الشاب بالجامعة ، وسجّلوه مباشرةً في السنة الثانية للحقوق ، مما أسعده كثيراً.. ووعد ريم بدعوتها الى حفل تخرّجه .. شاكراً تغيرها لفكرته السلبيّة عن المسلمين والعرب

***


اما جارها العربي المُسمّى آدم ، فكان يضايقها كل ليلة بصوت الموسيقى العالي ، وإحضاره الفتيات الرخيصات الى شقته المقابلة لها..


وفي يوم إلتقيا بموقف السيارت التابع للعمارة ، فعاتبته قائلة :

- أمثالك يشوّهون صورة المسلمين ، بارتكابهم للمحرّمات 

آدم باشمئزاز : وانتم بأفكاركم الرجعية تعيدونا لقرونٍ ماضية

ريم : ليتنا نعيد أمجاد العرب ، وفتوحاتنا التي وصلت أطراف العالم 

- كلامٌ فلسفيّ ، نحن اليوم من الدول المتخلّفة

ريم بغضب : وهذا بسبب المبتعثين الذين يحاولون التشّبه بصفات الأجانب السيئة ، لمحاولة التأقلم بينهم .. الا تدري إننا فتحنا الأندلس بأخلاق تجّارنا العادلة .. ثم الكفار لن يخسروا شيئاً ، بل نحن سنخسر الجنة إن لم نكبح رغباتنا التافهة 


فقال لها الشاب بطريقةٍ مستفزّة :

- آسف ، لم أكن أعلم أنك تغارين من فتياتي الجميلات  

ريم باشمئزاز : أتدري .. هداية الأجانب اسهل بكثير ، من هداية العرب المنحرفين 

الشاب باستهزاء : لا تحاولي عزيزتي ، لستِ من نوعي المفضّل 

وانطلق بسيارته وهو يقهّق ساخراً  

ريم بغيظ : غبي !

***


ثم ذهبت الى سوبرماركت ..وبعد تسوّقها .. دخلت الى سيارتها ، لتفاجأ بصراخ الناس بعد هجوم دب خرج من غابةٍ قريبة ، مباشرةً باتجاه موقف سيارت السوق 


فأسرع الجميع للإحتماء داخل سيارتهم ، ماعدا الشاب آدم الذي صعد فوق شجرة متواجدة هناك .. ليحاصره الدب في الأسفل وهو يهزّ الشجرة بعنف ، وسط ترقّب الجميع بخوف لما سيحصل !


فبحثت ريم بين اكياس تسوّقها (التي وضعتهم في مقعدها الخلفيّ) .. وأخرجت الدجاج المجمّد التي ازالت غلافه ، ورمته من نافذتها (القريبة من الشجرة) باتجاه الدب الجائع الذي أكلها بلقمتين ! 

فبحثت مجدداً بين الأكياس ، لتخرج السجق وترميها عليه .. فيأكلها سريعاً ، ويعود لهزّ الشجرة من جديد ! .. وآدم يترجّاها برعب ، لإنقاذه .. 


ومن حسن حظه انها اشترت مرطباناً كبيراً من العسل.. وكان عليها المجازفة بالخروج من سيارتها ببطء ، بعد فتحها غطاء العسل ووضعه قرب الشجرة ..


وماهي إلاّ ثواني ، حتى اشتمّ الدب الرائحة ! وجلس بجانب المرطبان الذي ادخل يده فيه ، وبدأ يلعقها كأنه طفل يأكل الشوكولا بسعادةٍ غامرة  


فاستغلت ريم إنشغاله ، لإنزال قدم آدم الذي تجمّد فوق الشجرة من شدّة رعبه ..وسارا بهدوء باتجاه سيارتها (لأن سيارته بعيدة عن المكان) .. 


وبعد دخوله بأمان .. قادت ريم سيارتها مبتعدة عن السوق ، وسط تصفيق الناس لشجاعتها بإنقاذ الشاب من موتٍ محتّم !

***


في الطريق ، شكرها لإنقاذ حياته ..

ريم : صدقاً يا آدم ، مالذي فكّرت به وانت فوق الشجرة ؟

آدم : كنت أعدّ ربي بالتوبة فور انتهاء الموقف المرعب

- وهل ستفي بوعدك ؟

- بإذن الله 

ريم : سنصل للجامع بعد قليل ، هل تدخل معي لصلاة الظهر ؟  

- هل لديهم مغاسل للوضوء ؟

- بالطبع يوجد ، هيا بنا

***


ومن يومها التزم آدم بدينه .. وتحسّنت علاقة ريم بجيرانها وافراد منطقتها بعد حادثة الدب .. 

وأكملت دراستها دون مشاكل ، الى أن تخرّجت بتفوّق ..وحان موعد عودتها الى بلادها ، لتفاجأ بجيرانها يزورها تباعاً لتوديعها


وقد أسعدها رؤية المراهقة محجبة ، وامها بجانبها تقول : 

- تربّيت أن أكون مسيحية مشدّدة ، لكني سعيدة بالتغير الإيجابي الذي حصل لإبنتي بعد إعتناقها الإسلام .. فعلاقتها بي تحسّنت كثيراً ، وكذلك علاماتها في الجامعة .. وهاهي ستتخرّج قريباً ، بعد تركها الخمور والدخان والسهر طوال الليل .. فشكراً لك على كل شيء  

ريم : شكراً لتفهّمك ، وأتمنى أن تكون هدايتك على يد ابنتك

الفتاة : أدعو ربي دائماً بذلك

الأم : إن كان مقدّراً لي هذا ، فسيحصل عاجلاً ام آجل .. على كلٍ ، قدمت انا وابنتي لتوديعك ، تصلين بالسلامة الى بلادك  

***


بعد قليل ، قدمت الأرملة العجوز لتوديعها : 

- سأشتاق لطعامك اللذيذ

ريم : علّمتك جميع الوصفات ، وأبدعتي فيها اكثر مني

العجوز : نعم وقرّرت طبخها في دار العجزة الذي سأنتقل اليها خلال يومين ، بعد إلتقائي بصديقة طفولتي هناك ، واتفقت معها على إكمال حياتنا سوياً .. فأنا أخاف البقاء وحدي في الشقة ، والموت دون شعور أحداً بي ، خاصة بعد رحيلك

ريم : أهذا قرارك النهائيّ ؟

- نعم .. لا تقلقي عليّ ، سأكون بخير هناك.. شكراً على كل شيء يا ابنتي ، تصلين بالسلامة

وحضنتها بحنان

***


ثم زارها الشاب ليخبرها بترقيته في وظيفته الإدراية ، بعد تخرّجه من الجامعة.. كما أراها صورة خطيبته التي شجّعته على إكمال دراسته العليا 

ريم : لا تشكرني ، هذا كلّه بمجهودك وتعبك

الشاب : لوّ انني اختبأت في سيارةٍ أخرى ، لكنت مسجوناً حتى يومنا هذا .. فشكراً لإنقاذك مستقبلي 

وأهداها ساعةً جميلة ..

***


ثم قدمت الأم المطلّقة مع ولديها اللذين ودّعاها بالدموع ، فهما تعودا على اللعب معها بنهاية كل اسبوع .. وشكرتها الأم لاهتمامها بولديها طوال السنوات الأربع الماضية

***


وكان آدم آخر من زارها .. 

ريم : لم أرك منذ مدة ! 

- كنت مشغولاً بتسليم ملفات وظيفتي بعد استقالتي ، لأني عائد للوطن فأقارب ابي وعدوني بعروسٍ جميلة 

ريم وهي تحاول كتم غيظها : أحقاً ! ومتى السفر ؟ 

- قريباً .. وانتِ ؟ 

- اليوم مساءً

آدم : اذاً دعيني أوصلك للمطار ، فالحارس أخبرني ببيعك السيارة

- لا داعي لذلك ، سأذهب بسيارة أجرة

- انا مصرّ على ذلك

ريم : كما تشاء

***


بعد أن وصلا للمطار ليلاً ، أخرج حقائبها من صندوق سيارته

ريم : لحظة ! هذه الحقيبتين ليست لي

آدم : هي لي

- أستسافر الليلة ايضاً ؟!

آدم : نعم ، في رحلةٍ مغايرة.. هيا بنا

*** 


في الطائرة .. جلست ريم قرب النافذة وهي تنظر الى المطار ، وتتذكّر ذكرياتها في كندا .. لتتفاجأ بآدم يجلس بجانبها

ريم بدهشة : الم تخبرني قبل قليل إنك مسافر الى افريقيا ؟! 

- غيّرت رأي ، سأسافر الى الشرق الأوسط 

- ولماذا ؟ 

آدم : لأن عروستي هناك 


ثم أراها خاتماً إلماسيّ وهو يسألها : 

- هل تقبلين أن تقوّمي سلوكي المنحرف طوال حياتك ؟

ريم مبتسمة : كلامك غير مشجّع يا رجل 

- آسف ، سأعيد صياغة السؤال .. هل توافقين على إكمال حياتنا في طاعة الله ؟

ريم : هكذا أفضل .. (ثم سكتت بخجل) .. نعم أقبل


آدم بغرور : اساساً كنت اعرف انك ستوافقين

ريم : يا سلام ! وما ادراك انني لن أرفضك ؟ 

- لوّ رأيت وجهك حين أخبرتك إنني سأخطب غيرك ، لعرفتي السبب

ريم : ليس من طبيعتي أن أغار على أحد  

آدم : أحقاً ، كنت ستأكليني بأسنانك قبل قليل

ريم بعصبية : قلت لك !! انا لا اغار 

- بل انت ملكة الغيرة .. لطالما تشاجرتِ معي كلما أحضرت فتاة الى شقتي ، وكأنك تراقبيني عند الباب

- كان يضايقني صوت الموسيقى العالي 

آدم باستهزاء : آه صحيح


ريم : على فكرة ، تلك المواضيع القذرة ممنوعة بعد الزواج 

آدم : عليك أن تشكري الدب ، فهو السبب الحقيقي لهدايتي

- آه الدب ، وليس نصائحي

- بالحقيقة نعم

ريم : يبدو زواجنا سيكون متعباً 

آدم : بالتأكيد !! فأنت ستنجبين 11 ولداً  

- 11! 

- نعم لأكوّن فريق كرة القدم ، كما أحلم دائماً

ريم : أظنني سأزوّجك بنفسي ثلاث نسوة بعد شهر العسل ، ايها الغليظ

آدم : إذاً نجحت خطتي


وضحكا بسعادة ، بينما الطائرة تحلّق عائدة الى الوطن 


الاثنين، 13 سبتمبر 2021

التنمّر الإلكتروني

تأليف : امل شانوحة 

التعليقات المدمّرة


كل شيء سار على ما يرام في إدارة موقعٍ خاص بالقصص العالمية ، الذي يُعدّ الأول من نوعه في الإنترنت العربي 

الى أن شارك متابعٌ جديد ، لقّب نفسه ب(الجرثومة) والذي أصرّ على التعليق بشكلٍ مستفزّ لأصحاب المقالات والقرّاء ! 


وفي البداية قام المشرفون بحذف تعليقاته ، بناءً على شكوى المتابعين .. لكنه تمكّن من العودة بأسماءٍ مغايرة ، لإغاظة أهم كتّاب الموقع  

ومهما حاولت الإدارة حجبه ، تسلّل بوسائله المتعدّدة لأذيّة مشاعر المشاركين الفعّالين في الموقع .. مما أدّى لانسحاب بعضهم مكسور الخاطر ! 


فتحاور المدير معه ، لمعرفة سبب كرهه للناشرين والمعلّقين في موقعه .. فأخبره انه يستمتع بتدمير موهبتهم الفذّة في الكتابة والحوار !

فلم يعد امام المدير سوى الإستعانة بخبير ، لتهكير حساب المتطفّل الذي يبدو انه مريضاً نفسيّاً !

***


بينما وجد متطفّلٌ آخر غايته في (الفيس بوك) ولقّب نفسه ب(الوسيم) .. وكانت نيته : إصطياد الفتيات الجميلات بعد تتبّعه صورهن في صفحاتهن الخاصة ، وكان يفضّل إختيار المشهورات التي لديها آلاف المتابعين


وتبدأ خطته في مدح منشوراتها بشكلٍ مبالغ فيه ! إلى أن يلفت انتباهها ، لدرجة تجعلها تدخل صفحته المليئة بصوره اللطيفة ، فهو يستغلّ جماله للإيقاع بفريسته


وسرعان ما يطوّر علاقته بها (عبر الإنترنت) بأسئلته المكثّفة حول حياتها وطموحاتها ، ليشعرها باهتمامه الزائف الذي يستمرّ لشهور ، مُغدقاً عليها المديح والثناء على صورها وطريقة كلامها وتفكيرها .. إلى أن تقع في شباكه .. 


من بعدها يهملها عن قصد ، بعدم ردّه على رسائلها لعدّة ايام .. 

وحين توشك على الرحيل ، يعود مُعتذراً بأسبابٍ مختلفة : كمرض امه او اعيائه الشديد او مشاكل في العمل .. فتسامحه لطيبة قلبها .. 


ثم تبدأ المرحلة الثالثة : وهي نقد منشوراتها والتشكيك بصداقاتها وعائلتها ، لأن من صالحه إبعاد النعجة عن القطيع ..فالتشكيك بموهبتها ، سيجعلها هشّة وسهل السيطرة عليها .. 


ثم يبدأ باختلاق المشاكل معها لأتفه الأسباب ! فتحاول مصالحته ، خوفاً على حبيبها الذي وعدها مِراراً بترسيم العلاقة.. وحين يتأكّد أنها صارت طوع أمره ، يفرض طلباته الغريبة : كمحادثات البالغين ، او صورها التي لا تجرأ على نشرها في موقعها .. 


بعدها تبدأ مرحلة الإبتزاز بتشهير سمعتها (اما بنشر محادثاتهما الخاصة ، او صورها الجريئة) امام متابعيها ! كعقاب لرفضها إقامة علاقةٍ عابرة معه ، او دفعها المال لحذفه الأدلّة ضدّها .. 


ولأنه يعلم أنها ستقاوم طلباته المريبة ، سيعزل نفسه عنها لفترة من الزمن .. قبل نشره صوراً في صفحته مع فتاةٍ اخرى أكثر جمالاً منها ، لإثارة غيرتها ووضعها امام أمرين : إما الرضوخ له (لتصبح إحدى ضحاياه) او إجبارها على حذف صفحتها نهائياً ! لتخسر بذلك آلاف المتابعين التي حازت على اهتمامهم بعد سنواتٍ طويلة من العمل الجاد بتطوير منشوراتها  

وبكلا الحالتين وصل الوسيم لمبتغاه بتدمير إحدى المشاهير ، كما يحلم دائماً !

*** 


اما الشاب الثالث المُلقّب نفسه ب(المنبوذ) ، فهو الأسوأ بينهم ! فهو عُرف منذ صغره بعينه الحسودة التي لا تخطئ ابداً .. ولأن اقاربه واصدقائه يتجنبونه قدر الإمكان ، فقد وجد غايته في (التيك توك) لإفراغ سمّه وطاقته السلبية المدمّرة على المشاهير هناك ، حيث يكفي تعليقاً واحداً منه لأذيّتهم بشكلٍ ملحوظ ! 


فعندما صوّرت إحداهن نفسها وهي تدخل المستشفى لولادة توائمها الثلاثة .. كتب المنبوذ تعليقاً : ((لا تفرحي كثيراً ، فلا أحد منهم سيصل منزلك حيّاً))


في اليوم التالي ..صوّرتها اختها وهي تجهش بالبكاء وتخبر متابعيها بإغلاق قناتها نهائياً ، بعد موت اولادها الثلاثة على التوالي!

 

اما المشهورة الثانية التي تعلّم الفتيات فنون التجميل (المكياج والشعر) .. فعلّق المنبوذ قائلاً : ((لا تتعبي نفسك بتصفيف شعرك الحريري ّ، فقريباً سيتساقط كلّه))


ولم تمضي اسابيع .. حتى صوّرت نفسها وهي تتعالج من السرطان ، وهي صلعاء الرأس !


اما الزوجان الشهيران المعروفان بحبهما الجارف ، فعلّق المنبوذ : (قريباً ستتشاجرا في المحاكم))


وبالفعل لم تمضي شهور حتى تطلّقا .. ليس هذا فحسب ، بل شكّك الأب بنسب طفلته إليه ! مما دمّر علاقتهما للأبد 


وغيرهم من المشاهير : ممن احترق منزله الفخم ، ومن أفلست شركته ، ومن أصيب بحادث بسيارته الفارهة .. وكلها بسبب تعليقات المنبوذ الذي دمّر بحقده أجمل ما يملكونه  

*** 


في إحدى الليالي .. سهر الشابان (المنبوذ والجرثومة) في القهوة التي يملكها صديقهما الوسيم ، التي كانت خالية من الزبائن في ذلك الوقت المتأخر .. وأخذوا يتناقشون إنجازاتهم في وسائل التواصل الإجتماعي .. 


حيث قال الوسيم للمنبوذ ، وهو يعطيه كوب الشاي :

- إرحم المشاهير قليلاً يا رجل ! فقد أحزنني شلّل الراقصة المحترفة ، وموت الطفلة الجميلة ، وخسارة المغني الصاعد لصوته الجميل

المنبوذ : لا يمكنني التوقف ، فأنا كالعقرب أحتاج للدغ أحدهم لإخراج السمّ الذي يغلي داخلي .. وإن لم أفعل ، سأؤذي المقرّبين مني 

الوسيم : لا رجاءً ! دمّر من شئت ، لكن لا تؤذي صديقيك 


المنبوذ : أتعاتبني وذنبك مع الفتيات أسوء مني ، فأنت تحطّم قلوبهن وثقتهن بالجنس الآخر طوال حياتهن .. 

الوسيم : تغيظني رقتّهن الزائدة ، وغباء تفكيرهنّ .. على الأقل أعلّمهن درساً قاسياً بأن لا يثقن بأحد ، خاصة الرجال الوسيمين .. وماذا عنك ؟


الجرثومة : انا عملي جبّار !! وبراعتي تكمن في النقد الهدّام بعدة وسائل ، منها : الإستهزاء من آرائهم ، الضغط عليهم نفسيّاً ، الإستخفاف بإنجازاتهم ، تعيّريهم بعيوبهم الجسدية والنفسيّة ، التقليل من شأن منشوراتهم وفيدوهاتهم ، ومعاكسة رأيّ أغلبية متابعينهم ، فكما يُقال : (خالف تُعرف) ..والى اليوم أجبرت ما يقارب 30 موقعاً مميزاً على الإغلاق .. ومن لم يتأثّر منهم بتعليقاتي المدمّرة ، قمت بطرح مواضيعٍ حسّاسة : كالعنصريّة او سياسية وحزبية او دينية ، ليتشاجر متابعيه بنقاشاتٍ حادّة وجارحة فيما بينهم ، مما يُجبر صاحب القناة على إغلاق التعليقات او الرحيل نهائياً .. فأنا مثلكما ، يغيّظني تميّزهم وتفوقهم .. فالله اعطاهم كل شيء : الجمال والعقل والموهبة والمال ، وانا لا املك شيئاً أفتخر به او أطوّره .. وطالما ليس بمقدوري أن أصبح مثلهم ، سأنشهر بقدرتي على تدميرهم والتقليل من شأنهم امام الآخرين  


وهنا دخل الى القهوة رجلٌ يلبس بدلةً رسمية ونظارات سوداء وكمّامة تخفي معظم وجهه ، وهو يقول :

- نعم !! انتم كدود العلق ، تمتصّون تعب غيركم للشعور بأهميتكم ، ايها التافهين !!


فأحسّوا بالخوف بعد رؤيتهم حارسيه الضخمين ، الواقفين قرب سيارته الفارهة !

الوسيم : ماذا تريد يا سيد ؟!

الرجل : لم أنهي كلامي بعد .. فأنت مثلاً !! لقّبت نفسك بالوسيم لجذب الفتيات رغم كرهك لهن ، لأنك لم تكن يوماً محظوظاً معهن .. الم تنفصل عنك 7 خطيبات ، قبل إتمامك الزواج ؟

الوسيم بعصبية : هنّ الخاسرات !!

الرجل : وهل ظننت إنهن لن يكتشفن سوء اخلاقك وتربيتك ، بعد مرور وقتٍ على الخطوبة ؟ .. انت لست رجلاً يُعتمد عليه لبناء عائلةٍ سليمة ، وانت تعرف ذلك جيداً.. لهذا انتقمتَ من فتيات الإنترنت بتدمير قلوبهن البريئة 


فطأطأ الوسيم رأسه خجلاً من نفسه.. فأكمل الرجل كلامه :

- وانت ايها المنبوذ !! فعلاً إسمٌ على مسمّى .. فالجميع يتجنّب مصاحبتك او مشاركتك افراحهم ، بعد تأكّدهم من قوة عينك المدمّرة.. لهذا تُفرغ حقدك على الناجحين والمشاهير ، اليس كذلك ؟

فكتم المنبوذ غيظه بصعوبة..


الرجل : وانت ايها الجرثومة !! سألت الجيران عنك ، وأخبروني عن قساوة والدك المرحوم في مرحلتيّ الطفولة والمراهقة ، وشعورك بالخذلان لعدم فخره بك .. لذلك تفرغ طاقتك السلبية على الموهبيين الذين دمّرتهم بتعليقاتك السامّة  

الجرثومة بغضب : وماذ تريد منا الآن ؟!!


فأسرع الوسيم لتهدئة الموقف :

- سيدي ..إن اردتنا أن نتوقف عن استخدام الإنترنت ، فسنفعل ..لكن لا تدع رجالك يؤذونا !

الرجل : هل جننت ؟!! ليس هذا ما اريده ..


وفتح حقيبته الجلديّة امامهم ، ليشهق الشباب الثلاثة بعد رؤيتهم رزم المال المكدسّة داخلها ! 


الرجل : بالإضافة لهذه المكافأة ، سيحصل كل واحدٍ منكم على راتبٍ شهري في حال تابعتم ما تقومون به  

المنبوذ باستغراب : لم نفهم شيئاً !

الرجل : نحن ايضاً لدينا الهدف ذاته ، ونحب تدمير المشاهير والناجحين  

الجرثومة باهتمام : ومن انتم ؟

الرجل : جمعيةٌ سرّية

الشباب بدهشة : الماسون !


الرجل : نعم ، وليس من صالحنا تميّز العرب في أيّ مجال : سواءً علمي او أدبي او فني او رياضي ، لهذا نريدكم أن تدمّروا أكبر عددٍ منهم .. هل انتم موافقين ؟

الشباب بحماس : بالطبع !! 

الرجل : أحسنتم !! ونحن سنتابعكم على الدوام 

الوسيم بقلق : أهذا يعني إن جوّالاتنا مًراقبة ؟

الرجل : اساساً نحن نراقبكم منذ فترة ، وفخورين بإنجازاتكم العظيمة..


ثم نادى حارسه الذي اعطى كل واحدٍ منهم حاسوباً جديداً !

الرجل : جوّالاتكم قديمة لن تساعد في تطوير مهمّتكم ، فهل تعرفون استخدام الحواسيب ؟

الوسيم : انا بارعٌ في التكنولوجيا ، وسأعلّم صديقايّ  

الرجل : ممتاز !! .. آه قبل أن أذهب .. أنصحكم ببقاء الأمر سرّاً بيننا ، فنحن نعرف عناوين منازلكم ووظائفكم ، ونراقب حتى كوابيسكم  

الشباب : نحن رجالك منذ اليوم ، سيدي 

الرجل بابتسامةٍ ماكرة : أنا فخورٌ بكم يا شباب


ثم تركهم يتفحّصون حواسيبهم الجديدة بسعادةٍ مفرطة ، بعد توزيع المكافئة مناصفةً فيما بينهم ..

الجرثومة بسعادة : اخيراً قدّر احدهم موهبتنا !!

الوسيم باستغراب : لم أكن أعرف إن أذيّة الآخرين تُعدّ موهبة !

المنبوذ : لا تدقّق في الموضوع يا رجل 

الجرثومة بغيظ : لوّ كان والدي حيّاً ، لتفاخرت بهذه الأموال امامه

الوسيم : أظن الوحيد الذي سيكون فخوراً بنا ، هو الشيطان

المنبوذ : ونحن اتفقنا معه قبل قليل ، أنسيت ؟


الجرثومة بلؤم : اذاً لنتعاهد فيما بيننا : أن لا نرحم احداً بعد اليوم 

المنبوذ : نعم !! سندمّر أكبر عددٍ من المشاهير : كباراً وصغار ، نساءً ورجال ، وعجائز ايضاً  

الوسيم : سنجعلهم يندمون على إظهار مواهبهم وجمالهم عبر الإنترنت .. (ومدّ يده) .. إتفقنا ؟


فوضع المنبوذ والجرثومة يديهما فوق يده : إتفقنا !!

وابتسموا بخبث !


الصداقة الأبديّة

تأليف : امل شانوحة  التعلّق المرضي إلتحق جاك بالمدرسة المتوسطة في منتصف العام .. وحين نزل الى قاعة الطعام ، لاحظ طالباً يأكل وحده بوجهٍ حزين...