الأربعاء، 26 ديسمبر 2018

مُرضعة الجنّ

تأليف : امل شانوحة

سيتدفّق حليبك كالبحر !

كان أهالي قرية حنان يشفقون عليها بعد وفاة زوجها قبل شهرٍ واحد من ولادة طفلها أمجد , ويساعدونها قدر المستطاع ..
وبعد الولادة , إنشغلت حنان بطفلها الذي أحبّته كثيراً .. وبعد بلوغ أمجد شهره الثاني , وفي إحدى الليالي .. تفاجأت به يرضع منها بنهمٍ شديد وكأنه جائع منذ أيام ! وتحمّلت الأوجاع حين عضّها مراراً , مع ان اسنانه لم تنبت بعد .. ولم تبعده عنها بعد شعورها بجوعه , رغم انه رضع منذ ساعتين فقط ! 

وبعد ان شبع وغفى , وضعته في مهده .. ليتغير شكله فجأة ! الى وجهٍ شاحب وأنيابٍ صغيرة , وعيونٍ مرعبة .. فتراجعت للخلف بسرعة حتى كادت ان تتعثّر .. وإذّ بأمرأة زرقاء اللون وشعرٍ طويل تطفو اليها بعد خروجها من الجدار , وحملت طفلها وهي تقول :
- شكراً لك سيدة حنان , انا إضطررّت لفعل ذلك بعد ان جفّ حليبي بسبب الخضّاتٍ المتتالية من حروبنا مع الشياطين القائمة منذ سنوات , فخفت ان يموت ابني جوعاً .. لكني اطمأنّيت الآن , لأنه لن يظمأ ابداً بعد رضاعته من بشريّة .. (ثم طفت نحو الجدار وهي تقول) : والآن عليّ العودة الى عالمي , لكن كمكافأة لك : سيتدفّق حليبك كالبحر , وستكون هذه رزقتك 
ثم اخترقت مع رضيعها جدار الغرفة , واختفت ! 

وأوشكت حنان ان يغمى عليها من هول ما رأته , لكنها استعادت وعيها بعد سماع بكاء طفلها من تحت السرير !
وحين أخرجته من هناك , كان واضحاً من وجهه المحمرّ أنه كان يبكي منذ فترةٍ طويلة ! لكن يبدو ان الأم الجنّية كتمت صوته , كيّ تُتابع حنان رضاعة إبنها الجني .. 

فأسرعت الأم لإرضاع طفلها وهي مازالت ترتجف رعباً .. لكنها لاحظت على الفور بأن حليبها يتدفّق بقوة على غير عادته , حتى انه استمرّ بعد شبع ابنها ونومه .. ولم يتوقف طوال تلك الليلة !
***

في اليوم التالي .. طلبت حنان من قابِلة القرية (الولاّدة) القدوم الى بيتها , وأخبرتها بما حصل ..
حنان بقلق : لكن رجاءً لا تخبري أحد بهذا السرّ , كيّ لا يخافوا مني ومن ابني في المستقبل 
المرأة العجوز : لا تقلقي إبنتي لن أفعل , مع ان ما حصل معك كان مخيفاً للغاية ! 
- وماذا بشأن مشكلتي يا خالة ؟ فحليبي لم يتوقف منذ البارحة , وبدأ صدري يؤلمني
ففكّرت العجوز قليلاً , ثم قالت : هناك طفلٌ يتيم تعتني به إحدى جاراتك , سأحضره لك كيّ ترضعيه 
***

وبعد ان قامت حنان بإرضاع الطفل , أرادت المرأة (التي تعتني بالطفل) دفع ثمن الرضاعة .. فقبلته حنان بعد إصرارٍ منها 
ومنذ ذلك اليوم أصبحت الرضاعة هي مصدر رزقها بعد ان انتشر صيتها بين نساء قريتها اللآتي أحضرنّ أطفالهنّ للرضاعة منها بعد ان لاحظوا جودة حليبها .. الغريب ان حليبها لم ينفع الا مع الأولاد , اما الصغيرات فكنّ لا تستسغنّ حليبها ! لذلك لُقبت : بمرضعة الذكور .. فيما عدا القابلة التي تمازحها دائماً بمُرضعة الجنّ , الذي بقيّ سرّاً بينهما 
***

بعد اعوام .. إنتشر مرضٌ غريب أصاب النساء المُنجبات حديثاً في قرية حنان تحديداً , حيث توقف حليبهنّ تماماً ! وأصبح حليب حنان هو الغذاء الوحيد لأطفالهنّ , حيث إصّطففنّ طوابيراً امام منزلها يومياً لإرضاع اطفالهنّ , ممّا جعلها أغنى نساء القرية وأرفعهنّ مكانة ..ولاحقاً استخدمت المال الفائض في تجارة الملابس , للصرف على ابنها الذي بلغ الخامسة من عمره , والذي كان مدلّلاً من نساء قريته 
***

ومرّت السنوات .. أصبح فيها ابن حنان شاباً , بينما أخوته بالرضاعة تفاوتت أعمارهم بين سن الشباب والمراهقة .. 
لكنهم في أحد الأيام , إختفوا جميعهم مرةً واحدة ! وبحثت الأمهات عن اولادها الذين لم يعودوا الى بيوتهم بعد حلول المساء .. 
وبدأنّ يسألنّ عنهم هنا وهناك , الى أن أخبرهم مجنون القرية بأنه رأى ابن حنان يقود الشباب عصراً نحو الشجرة المهترئة فوق التلّ , وهو بدوره لحقهم دون ان يلاحظوه ..

ام حنان بعصبية : هيا إكمل !! الى اين ذهب ابني بإخوانه ؟
وكانت الأمهات مُلتفات حول المجنون الذي أخبرهنّ : 
- دخلوا جميعهم داخل الشجرة , واختفوا !
فصرنّ يشتمنه لأنه يخبرهنّ بأمرٍ مستحيل حدوثه .. 

وعادت كل ام للبحث عن ابنها في الحقول المجاورة.. 
بينما رجعت حنان خائفة الى منزلها وهي تفكّر : أمعقول ان الجنّ أخذوا شبابنا الى عالمهم ؟! ولما اختاروا ابني لقيادة هذه المهمّة المخيفة ؟!
***

ومرّت الأيام دون أثر لشباب القرية ! ممّا أحزن الأمهات اللآتي بحثنّ عنهم حتى في القرى المجاورة .. لكنهم اختفوا تماماً ! 
وذات مساء .. وبينما كانت حنان تبكي وتدعي ربها بعودة الشباب سالمين الى ديارهم , خرج ابنها من جدار الغرفة .. 
ورغم انها لم تصدّق عينيها ! الا ان شوقها جعلها تُسرع باحتضانه ..وحين فعلت , أحسّت ببرودة جسمه .. فسألته بقلق :  
- ابني ! هل انت مريض ؟!
- انا لست أمجد سيدة حنان , بل ابنك الآخر ..

وتحوّل فجأة الى جنّي بجلده الأزرق وعيونه الحمراء .. فسقطت حنان على الأرض وهي ترتجف رعباً , ممّا أربك الجني الذي قال:
- امي لا تخافي , انا الطفل الذي أرضعته قبل سنوات ..وانا من تلبّست في جسد ابنك , لأقتاد شباب قريتك الى عالمنا
حنان بدهشة : ولما فعلت ذلك ؟!
- دعيني أخبرك القصة منذ البداية .. فأمي كان بإمكانها إرضاعي تلك الليلة , لكنها ارادتك ان ترضعيني بدلاً منها

حنان باستغراب : وما غايتها من ذلك ؟!
- لأن مشعوذ قريتنا أخبرهم بأن كتابنا المقدّس يتنبّأ : بأننا لن ننتصر على جيش الشياطين الذين يحاربوننا منذ سنوات , الا بجيشٍ بشريّ تجري في دمائه عروق الجن .. واستطاعت امي بذكائها فكّ لغز ذلك النصّ الغامض .. فبإرضاعك لي , دخل في حليبك عرق الجن .. وبدورك قمتِ بإرضاع بقيّة اطفال قريتك الذكور الذين أصبحوا إخواني بالرضاعة .. وقد انتظرنا سن بلوغهم بفارغ الصبر .. ومن بعدها جاء دوري لاقتيادهم الى عالمنا , وتجهيزهم هناك لمعركتهم الشرسة ضدّ الشياطين 

حنان بقلق : وهل ابني أمجد يحارب معكم ؟!
- نعم وعُيّن قائداً على إخوانه , لأنه شجاعٌ جداً 
- ومتى سيعودون ؟
- نحن الآن في خُضمّ معاركٍ لا ادري متى ستنتهي .. وربما يوماً ما يعود اليكم بعضهم .. فهي بالنهاية حرب , وحتماً ستحصل خسائر روحيّة 
حنان صارخة بفزع : لا !! لا اريد لأبني ان يموت هناك
الجني : آسف امي , هذه قوانين المعارك .. (ثم توجّه نحو الجدار وهو يقول) : عليّ الذهاب الآن , فقائدي بالجيش يناديني ..ولا تنسي ان تدعي لأولادك يا أمي 

ثم اختفى داخل الجدار , تاركاً إيّاها تبكي بحرقة على مصيرهم المجهول .. وهي تلعن نفسها :
- ماذا فعلت بإبني ؟ وماذا فعلت بشباب قريتي ؟..اللعنة عليّ!!
***

بعد شهور .. إستيقظ اهالي القرية فجراً على طرقات ابوابهم بعد عودة ابنائهم من معمعة القتال في العالم الآخر .. 
وفي البداية لم يصدّقوا الخزعبلات التي أخبروهم بها عن عالم الجن , لكن ساورهم الشكّ بعد اتفاق جميع الشباب العائدون على القصة ذاتها ! 

الأصعب ان بعضهم عاد بعد فقدانه لأحد أطرافه او عينيه , حيث تعرّض معظمهم لحروق متفاوتة في جلده .. وهم من أخبروا بقيّة العائلات التي لم يعد اليها ابنائها بأنهم استشهدوا ودفنوا في العالم الآخر , وكان منهم أمجد إبن حنان التي تعرّضت لاحقاً للطرد من قبل نساء قريتها , بعد ان كشفت القابلة عن علاقتها بالجن , وبذلك فضحت سرّها التي أخفته عنهم طوال السنوات الماضية !
***

في ذلك المساء .. وبينما كانت حنان ترتّب أغراضها للرحيل عن قريتها , خرج ابنها الجني من الجدار وهو يقول :
- لا تحزني يا امي , فخروجك من هنا أفضل لك .. لأن سعيد بجميع الأحوال سيقضي عليهم 
- أتقصد سعيد ابن الولاّدة ؟
الجني بغيظ : نعم , فهو خاننا بالحرب واتفق مع الشياطين ضدّنا في مقابل ان يُوهبوه قدراتٍ مُدمّرة تساعده في القضاء على قريته والقرى المجاورة .. وسيتابع مجازره , الى ان يُلقّب لاحقاً بسفّاح المدينة .. لهذا أتمنى ان تأتي معي الى عالمي .. فوالدايّ توفيا بالمعارك , وأعيش وحدي في المنزل 

حنان بتردّد : لكن ..
الجني مقاطعاً : هيا يا امي .. اساساً اين ستذهبين بعد وصول إشاعة إنك مشعوذة الى كل القرى المجاورة , فهم ايضاً سيرفضون عيشك بينهم ..هيا رجاءً لا تعانديني , وسأكون تماماً كإبنك الذي فقدّته .. حتى انظري !!
وحوّل شكله الى شكل ابنها أمجد , ممّا خفّف خوفها اتجاهه !

وفجأة ! سمعت إنفجاراً ضخم , قادماً من الخارج .. فقال لها الجني:
- يبدو ان سعيد اللعين بدأ في تنفيذ خطّته التدميرية منذ الآن ! أعان الله قريتك التي سيُبيدها عن بكرة أبيها .. هيا امي إسرعي !! فهو يُطلق صورايخاً عشوائية , بعد ان علّمته الشياطين صنع البارود

ثم علت صرخات اهالي القرية مع تزايد اصوات الإنفجارات في الخارج !  فأسرعت حنان باتجاه ابنها الجني الذي أمسك بيدها وأدخلها معه الجدار الذي تدمّر في ثوانيٍ بعد انهياره بصاروخ أرسله سعيد خصيصاً لمنزل امه بالرضاعة التي كانت السبب في تحوّل حياته السلبيّ ! 

لكن ما لا يعلمه سعيد بأنه لم يصبها , بل ستعيش منذ اليوم بأمنٍ وسلام الذي ساد أخيراً عالم الجن , بعد توجّه مطامع الشياطين الى عالم البشر وعزمهم على مساندة سعيد في حربه ضدّ بنيّ جنسه , دون ان يدري بأنه فتح على نفسه وعلى بقيّة الناس ابواب الجحيم! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التخاطر الروحيّ

تأليف : امل شانوحة الإتصال عن بعد ! في أواخر القرن 19م .. حاول فريدرك إقناع استاذه بدراسةٍ يُجريها عن إمكانية إنتقال الأفكار ، ومعرف...