السبت، 29 ديسمبر 2018

طعنة الظهر

تأليف : امل شانوحة


غدر الأقارب !

بعد وفاة عائلة مروى (11 سنة) بحادث سيارة , تطوّعت خالتها بتربيتها كتعويض عن خسارتها ابنتها هند التي تكبر مروى بسبع سنوات بعد ان منعها طليقها من رؤيتها , وعاملتها بحنان كما لوّ إنها إبنتها 

الى ان قام طليق الخالة بإعادة هند اليها بعد ان كثرت مشاكلها مع زوجته الجديدة .. ومن ذلك اليوم تغيّرت علاقة الخالة بمروى بعد ان فضّلت هند عليها .. فما كان من مروى الاّ ان تقبّلت حياتها الجديدة كخادمة لخالتها وإبنتها الغيورة التي احتلّت غرفتها , لتُصبح كنبة الصالة هي سرير مروى الجديد , عدا عن قيامها وحدها بكافة أعمال المنزل.. 
***

وبعد سنوات .. أصبحت مروى في المرحلة الثانوية , وهند في آخر سنة لها من الجامعة .. وكما هو متوقع , فجميع العرسان لهند التي كانت تمنع مروى من الظهور امام اهل العريس كيّ لا تسرق نصيبها (على حدّ قولها)  

وذات يوم مساءً.. وبعد ذهاب اهل خطيبها الجديد (وهو صديقها في الجامعة) جلست تبكي بقهر في غرفتها , بينما تحاول امها تهدأتها .. 

وقد سمعت مروى بعضاً من حديثهما اثناء مرورها من امام الغرفة ,  حيث كانت هند تقول بصوتٍ متهدّجٍ حزين :
- امي .. إن لم أتزوج حبيبي مروان , فسأقتل نفسي !! 
- اهدئي يا هند , فربما يتصلون بنا غداً للإتفاق على ترتيبات الزواج
هند بعصبية : لا أظن ذلك .. الم تري نظرات امه العابسة لي ؟ أنا لم أعجبها ! وهذا سادس عريس يا امي !! أخاف ان لا يكون لي نصيب في هذه الدنيا الكئيبة
- أتدرين يا هند .. (وتسكت قليلاً وكأنها تفكّر) .. إلبسي معطفك , سنذهب الى ام جهاد
- أليست هذه جارتنا المشعوذة ؟!
امها : لا هي امرأة ذات بصيرة.. وربما تساعدنا في إنقاذ الوضع قبل ان تخسري هذا العريس ايضاً

وذهبتا سريعاً الى هناك , تاركتان مروى تنظّف الصالة بعد ذهاب الضيوف ..
***

في اليوم التالي .. إستيقظت مروى على رائحة فطورٍ لذيذة أعدّته هند وامها ! مع انها بالعادة هي الموكّلة بأعمال المطبخ .. 
ثم نادتها هند بحنّيةٍ غير مسبوقة :
- مروى !! الطعام جاهزٌ في المطبح حبيبتي , تعالي لنفطر سويّةً 

وطوال ذلك اليوم ..لم يسمحا لها بالقيام بالأعمال المنزلية , بل تركاها تدرس على راحتها ! 
كما لاحظت مروى توقفهما عن الهمس كلما مرّت من امامها , وكأنهما يخطّطان لأمرٍ ما !
*** 

في ظهر اليوم التالي .. تفاجأت مروى بخالتها تنتظرها خارج المدرسة , كما كانت تفعل قديماً قبل عودة ابنتها اليها .. 
- خالتي ! كنت سأركب حافلة المدرسة
- لا داعي لذلك .. هيا إركبي
***

ومرّت ساعة وهما مازالتا في الطريق .. وانتبهت مروى بأنهما تسيران بطريقٍ مغاير عن طريق المنزل الذي لا يبعد كثيراً عن مدرستها 
- خالتي ! الى اين نذهب ؟
- الى مكانٍ جميل
- الن نعود الى المنزل ؟!
الخالة : ليس الآن .. ثم غداً يوم عطلة , فلا بأس ان نتنزّه قليلاً
- وماذا عن هند ؟
- ستتغدّى مع صديقاتها في المطعم , وستتأخّر في العودة الى المنزل 
مروى : والى اين تأخذينني ؟
- ستعرفين لاحقاً 
***

وبعد ساعةٍ أخرى .. أوقفت الخالة سيارتها في مرأب السيارت , ومشت مع ابنة اختها الى مكان تجمّع سيارات الأجرة .. وقالت لأحدهم اسم المكان الذي تريد الوصول اليه .. فرفضوا جميعاً الذهاب الى هناك .. ما عدا واحد قبِلَ لكن بضعف الأجرة ..
وركبتا معه الى تلك الوجهة المجهولة ..

وفي المقاعد الخلفية , همست مروى لخالتها :
- لما ذهبنا بالتاكسي وليس بسيارتك ؟
- لأن ذلك ممنوع 
مروى باستغراب : ممنوع ! 
- لا تكثري الأسئلة يا مروى , ستعرفين كل شيء بعد قليل 

وعمّ الصمت داخل التاكسي .. وقد لاحظت مروى إرتباك السائق كلما اقتربوا من ذلك المكان !
*** 

ثم وصلوا قرب بوابةٍ حديدية صدئة , لمجمّعٍ سكني يبدو وكأنه مهجور ! وهناك توقف السائق قائلاً :
- أعطني يا سيدة أجرتي , فمحال ان أدخل الى هناك 
فأعطته الأجرة ونزلتا , ليُسرع السائق بالإبتعاد وهو يتنفّس الصعداء !

من بعدها.. طرقت الخالة الباب ثلاث طرقات بطريقةٍ مميزة .. ففتحت الباب امرأةٍ عجوز وهي تسألها :
- عملٌ ام إستشارة ؟
الخالة : بل عملٌ مستعجل

فسمحت لهما الدخول .. لتلاحظ مروى على الفور تغير الجوّ في الداخل ! حيث كانت السماء مُصّفرة وغائمة بشكلٍ كئيب .. وأحسّت بزوبعة هواءٍ خفيفة تُثير الأكياس واوراق النفايات المترامية هنا وهناك .. وكان امامهما ساحةٍ كبيرة خالية من السيارات والبشر , بينما تجمّعت ثلاث كلاب ضخمة في إحدى الجنبات .. وقططٌ سوداء في الجهة الأخرى , أسفل إحدى المباني الخمسة الضخمة المهجورة !

وقبل ان تستوعب مروى ما تراه ! إذّ بمجموعة من النساء تخرجنّ من إحدى المباني وهنّ تلبسنّ العباءات السوداء , ببراقعٍ بيضاء تُخفي وجوههنّ .. وكنّ يمشين سويّاً كالبطاريق بشكلٍ متناسق , وترددنّ تراتيلاً بلحنٍ مخيف وبلغةٍ غير مفهومة .. تتقدّمهنّ عجوز تلبس برقعاً ذهبياً وتتوكّأ على عصاها , بيدها بخور يخرج منه دخاناً اسوداً كريه الرائحة ! 

وظلّت مروى تراقبهنّ حتى خرجنّ من البوابة , ثم أقفلت الحارسة العجوز الباب خلفهنّ .. 

وإذا برجلٍ بساقٍ خشبية ينادي على خالتها من إحدى المباني المهجورة , قائلاً :
- الآن جاء دوركما !!

لكن قبل ان تدخل الخالة الى هناك , شدّتها مروى من ملابسها بخوف :
- لا يا خالتي !! لن أدخل معك , قبل ان تخبريني بالموضوع  
- سأخبرك بالداخل
مروى بإصرار : لا !! لن أتحرّك شبراً من مكاني قبل ان أعرف كل شيء  
الخالة : حسناً اهدئي .. (ثم تنهّدت بضيق) .. أخبرتني جارتي ام جهاد انك مسحورة , ولن يُفكّ سحرك الا ابو الدهاليز
- من ؟!
- ساحرٌ عظيم يعيش هنا 

مروى بدهشة وعصبية : ساحر ! معاذ الله يا خالتي .. اولاً مازلتُ صغيرة على الزواج , وثانياً هذا حرام !! حتى لوّ كنت مسحورة كما تدّعين , فأُفضّل الذهاب الى شيخٍ مُتدين 
- لا تعانديني يا مروى , فمصير ابنتي معلّقٌ بك
- وما دخل هند بالموضوع ؟!
وهنا صرخ الرجل المعاق بغضب :
- هيا استعجلا قليلاً !! فسيدي يريد ان يرتاح 

وإذّ بالخالة تمسك بيد مروى بقوّة , وتقول بحزم :
- أدخلي معي دون اعتراض , وإيّاكِ ان تتنفّسي دون أذني ..هل كلامي مفهوم ؟!!

وكانت المرة الأولى التي تتكلّم معها بهذه القسوة ! حتى انها آلمت يدها وهي تشدّها بعنف الى هناك ..
***

وفي الداخل .. كان المكان أشدّ رعباً واسوء رائحة ! فالعفن والرطوبة المختلطة برائحة البخور تملأ المكان .. وبقايا أقمشةٍ ممزّقة علّقت حول غرفة ذلك المشعوذ .. عدا عن التماثيل والجماجم والحيوانات المُحنّطة من ثعابين وعقارب وضفادع .. وقرنيّ تيسٍ ضخم عُلّقت على الحائط خلف المشعوذ العجوز ذو اللحية البيضاء الطويلة الذي كان يرمي البخور داخل نارٍ أُشعلت امامه , لترتفع منها أدخنةً زرقاء ! 

وما ان أشار لهما بالجلوس , حتى امتثلتا لأوامره ..
ثم قالت الخالة له :
- ابنتي يا ابو الدهاليز
فقال العجوز المريب : أتقصدين هند ؟
فهلّلت الخالة بحماس : نعم !! هند , هند .. لقد أخبروني عن قوّتك في معرفة الغيب 
العجوز بغرور : هذا صحيح ..وأعلم ايضاً انها تريد الزواج من حبيبها , لكنها خائفة من خسارته كما حصل مع عرسانها السابقين 
وما ان سمعت الخالة ذلك , حتى سجدت له ! 
فأسرعت مروى برفعها وهي تُؤنّبها :
- هل جنّنتِ يا خالتي ؟!! هذا كفرٌ بالله

وفجأة ! تغيرت عينا العجوز الى لونٍ أحمرٍ قاني , صارخاً في وجه مروى بغضب :
- لا تذكري اسم الله امامي !!
فصمتت مروى وهي ترتجف بخوف , بعد ان اهتزت التماثيل من حوله بشكلٍ هستيري !
وأسرعت الخالة تقول له : أعتذر منك سيدي بالنيابة عن ابنة اختي , فهي جاهلة بالأمور الروحانيّة

ومن بعدها هدأت التماثيل , وعاد سواد عينيّ المشعوذ من جديد ! والذي أخرج عشبةً يابسة من كيسه , قائلاً للخالة : 
- أغليهم لأهل خطيب ابنتك في زيارتهم الثانية , وستتزوج من حبيبها رغماً عن أنوفهم 
فوضعت الخالة حزمة الاعشاب في حقيبتها وهي تشكره , وتسأله:
- وكم تريد ثمن هذه الأعشاب السحريّة ؟
فأجاب وهو ينظر لمروى بنظراتٍ فاحصة مخيفة , أربكتها كثيراً :
- الم تخبرك جارتك ام جهاد بثمنها ؟
الخالة : نعم نعم .. كنت أقصد ..هل جسد مروى يكفيك ؟

وما ان سمعت مروى هذا الكلام , حنى انتفضت رعباً وهي تنظر الى خالتها بدهشةٍ وخوف !
فابتسم العجوز في وجه مروى لتظهر اسنانه الذهبية وهو يقول :
- بل تكفي وتزيد.. إمسكي هذه ايضاً

ورمى للخالة صُرةً قماشية صغيرة فيها بعض الدنانير , التي ما ان رأتهم حتى هلّلت فرحة :
- هذا ذهب !!
المشعوذ : نعم , وبذلك أكون دفعت ثمنها كاملاً .. الآن يمكنك الذهاب

فنهضت الخالة وهي تمسك صرّة الدنانير بكلتا يديها , فصرخت مروى عليها بغضب : 
- ثمني انا ! ..خالتي !! ماذا تفعلين بي ؟!!
فقالت لها وهي تقترب من الباب الخارجي :
- أخبرتني ام جهاد بأن زوجة طليقي اللعينة سحرت ابنتي بأن لا تتزوج ابداً .. ولكيّ تتخلّص هند من زوجها الجني العاشق , عليه ان يتزوّجك بدلاً منها 
مروى بصدمة : ماذا ! أبعتني للشيطان ؟!
خالتها : آسفة عزيزتي , لكني بالتأكيد لن أفضّلك على ابنتي .. (ثم تنهّدت) ..أعانك الله على حياتك الجديدة 

وخرجت من المبنى .. فحاولت مروى اللحاق بها , لكن قدماها التصقتا بالأرض بعد ان ألقى عليهما العجوز إحدى تعويذاته ! 
فصرخت عليه وهي تبكي بفزع :
- أطلق سراحي !! اريد اللحاق بخالتي 
المشعوذ بحزم : خالتك باعتك لنا , وانتهى أمرك
ثم رشّ تراباً أصفراً على وجهها , لتسقط مروى مغشياً عليها !
***

وفي زمنٍ لاحق .. وفي الوقت التي كانت تُزفّ فيه هند الى حبيبها , كانت مروى تُزفّ الى زوجها الجني في العالم السفليّ بحضور الشياطين وابليس الذي قال للجميع وهو يرفع كأس الخمر :
- نخب عروستنا البشريّة التي ستُوهبنا مئات الأطفال البشريين المُشيطنين الذي سنغزو بهم الأرض لنُفسد أهلها  
فصرخت الشياطين : يحيا ملِكنا ابليس !! ولتحيا عروستنا البشريّة!!

ثم علت اصوات الأغاني الصاخبة والدفوف والمزامير والرقص الماجن الذي غطّى على صوت بكاء ونحيب مروى الجالسة على الكوشة بثياب عرسها الحمراء , وهي تلعن خالتها التي رمتها نحو مصيرٍ مُرعبٍ مجهول!  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الموهبة الدفينة

تأليف : امل شانوحة لا تتخلّى عن احلامك اثناء إنشغال فؤاد ببيع الخردة مع عمّاله , سلّمه ساعي البريد دعوة لحضور حفل لمّ شمل طلّاب الثا...