‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة رياضية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة رياضية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 21 يونيو 2025

البطولة المستحيلة

تأليف : امل شانوحة 

الفريق اللبناني


كانت صدمة كبيرة للشعب العربي ، بعد وصول الفريق الوطني اللبناني لأول مرة الى بطولة العالم لكرة القدم !

والأغرب انه كان فريقاً جديداً من شباب لبنان ، بلغ كبيرهم سن 23 وصغيرهم 19 عاماً .. وذلك بعد قيام مدرّب متميّز بمسابقة الموهبة الكرويّة في كل المناطق والشوارع اللبنانيّة ، الى ان أوصل فريقه (بعد تدريبه المكثّف ، وتعليماته الدقيقة الصارمة) الى المباراة النهائية ضدّ الفريق الأقدم في لبنان ، والذي فاز عليه بجدارة .. ليستحق بعدها تمثيل الفريق الوطني اللبناني الذي انتقل الى اميركا لبطولة العالم ، وهي المرة الأولى التي يتأهّل فيها لبنان ضمن الفرق الآسيويّة ! 

وإن كان حصل على اقل ترشيح بالفوز ، لقلّة خبرته بهذا المجال.. رغم كونه محظوظاً بوجوده بأسهل مجموعة : مع هولندا والكاميرون الإفريقي واليابان 

^^^


ومع اول مباراةٍ له مع الكاميرون ، خسر هدفيّن في الشوط الأول.. 

فقال المُعلّق العربي للجمهور : 

- مازالت النتيجة جيدة ، لأن التوقعات العامّة : خسارة الفريق اللبناني بأربعة اهداف على الأقل ، مقابل الفريق الكاميروني الذي لديه 8 مشاركات في بطولة العالم !


وبالفعل دخل هدفٌ آخر مع بداية الشوط الثاني .. مما جعل الكثير من المتابعين اللبنانين وحتى العرب يخرجون من الملعب ، بعد ان حُسمت المباراة بالنسبة لهم


لكن قبل انتهاء المباراة بخمس دقائق .. دخل ((عمر شهاب)) ابن المدرّب الوحيد الذي يلعب لأول مرة مع فريقه ، كونه من لاعبي الإحتياط .. لكن طالما بلغ السن القانونية ١٨ قبل يومين ، فقد سمح الحكم باشتراكه بالمباراة الدوليّة


وفور دخوله الملعب ، أشار لزميله برميّ الكرة له.. 

وما ان وصلت اليه ، حتى ركلها بقوة .. هزّت معها شباك الفريق الآخر .. وسط صدمة رفاقه والجمهور ، لإصابته الهدف من منتصف الملعب !


وبينما كان رفاقه يهلّلون فرحاً ، بهدفهم الأول ببطولة العالم .. كان عمر ينظر بتركيز لساعة الملعب ، وهو يفكّر بقلق :

- مازالت هناك ٤ دقائق فقط ! عليّ تسجيل ثلاثة اهداف اخرى ، للفوز بالمباراة


وما ان قام قائد فريق الكاميرون بوضع الكرة في منتصف الملعب ، حتى ارتبك بانطلاق عمر بكل قوته اتجاهه ! مما سهّل على عمر خطف الكرة ، والركض بها .. متجاوزاً مدافعيّن ، قبل ركلها بقوّة من الناحية الجانبيّة .. ليصيب المرمى من جديد !


وكذلك فعل بالهدف الثالث الذي اختطفه ايضاً من لاعب الوسط الكاميروني ، ليتعادل الفريقيّن قبل دقيقةٍ واحدة من انتهاء المباراة ! 


وهذه النتيجة ، أفقدت المدرّب الأفريقيّ اعصابه الذي لوّح للاعبيه بتكثيف الهجوم ..لأنها ستكون اساءة لفريقه في حال خسر امام فريقٍ عربيّ يلعب لأول مرة ببطولة العالم !


الا ان فريقه بالكامل ارتبك من اللاعب الجديد الذي دخل نشيطاً للملعب ، بينما هم يلهثون تعباً بعد لعبهم ل ٤٥ دقيقة ! 


وقبل نهاية المباراة ، تدحرجت الكرة لخارج الملعب .. فحسبها الحكم ضربةً ركنيّة للفريق اللبناني .. وأصرّ عمر تسديدها بنفسه ! 

وتجمّع كل لاعبي الفريقيّن امام الحارس الكاميروني ، كونها الفرصة الأخيرة للبنان للفوز بمباراته الأولى


ليصدمُهم عمر بإدخال كرته مباشرةً بالمرمى من ضربةٍ ملتويّة من الزاوية ، بعد استغلاله حركة الهواء .. جعلت الجمهور العربي يفقد صوابه وهم يهتفون بعلوّ صوتهم ، ملوّحين بالأعلام اللبنانية والعربية .. بعد إعلان الحكم فوز لبنان ب4 اهداف مقابل 3 .. وهي نسبة لم يتوقعها احد من المحلّلين الرياضيين !

^^^


بعد المباراة .. رغب الصحفيون في إجراء مقابلة مع المراهق الموهوب ، الا ان والده المدرّب أصرّ على الرفض ! مُعللاً ذلك : 

- أخاف ان يصيب ابني الغرور ، وانا احتاج تركيزه لآخر مباراةٍ مع فريقه

***


في مباراة لبنان الثانية مع اليابان.. تفاجأ المشجعون اللبنانيون بجلوس عمر بمقاعد الإحتياط (دكّة البدلاء) جعلهم يشتمون المدرّب لعدم إشراك أفضل لاعبٍ لديه ! 

لكنهم لاحظوا إنشغال عمر بكتابة الملاحظات عن لاعبي الفريق المنافس ، وهو يشاهد المباراة بدقة من شاشةٍ صغيرة وضعت امامه ! حيث ركّز اهتمامه على الحارس الياباني ولاعبي الدفاع


وكما هو متوقع ، دخل هدفان في مرمى الفريق اللبناني ! 

وبقيّت ٥ دقائق على انتهاء الشوط الثاني .. لتعلو الشتائم من المدرّجات ضدّ المدرّب ، لعدم إدخال عمر


لكن ما ان سمح له بالدخول ، حتى هتف الجماهير بإسمه بحماسٍ شديد :

- عُمر !! عمر !! عمر !!!!


وبدوّره لم يخيّب آمالهم ، رغم محاصرته الخانقة من فريق الدفاع الياباني الذي يبدو انه شاهد مهارته بالمباراة السابقة ! 

ومع ذلك تمكّن من إدخال هدفيّن سريعيّن ! 


اما الثالث : فكان من ضربة فاول ، بعد إسقاطه عمداً من المدافع الذي حصل على الكرت الأحمر ! 

وكان هدف عمر قويّاً ، لدرجة انه عُدّ من اجمل اهداف الدوّر 32

^^^


اما بمباراته ضدّ هولندا ، فقد نفّذ المدرّب الخطة ذاتها : وهي إدخال ابنه بنهاية المباراة ! والتي انتهت بالتعادل بين الفريقيّن .. وبسبب نقاط الفرق الثلاثة الأخرى بنفس المجموعة ، تأهّل لبنان للدوّر 16

 

حينها فهم الجمهور العربي رغبة المدرّب بإحتفاظ عمر بقوته ، بالوقت الذي يكون فيه الفريق المنافس متعباً .. لهذا لم يعودوا يعترضون على غيابه طوال المباراة التي يمضيها عمر بمراقبة اللاعبين ، وأخذ ملاحظاتٍ دقيقة عن مهارات الفريق الآخر ، التي جعلته يستغلّ نقاط ضعفهم لتسديد الكرة من زوايا صحيحة ، تمنع حارسهم من صدّها !

***


واستمرّت النجاحات ، الى ان وصلوا للنصف النهائي بإعجوبة ! مع حصولهم على إعجاب ودعم العرب ، كونهم ثاني فريقٍ عربيّ يصل لهذه المرحلة ، بعد المغرب الذي حصل على المركز الرابع بمونديال قطر .. 

حتى ان المعلّق الخليجي قال : 

- سنكون فخورين جداً بالفريق اللبناني إن حصل على المركز الثالث لهذه البطولة  


وكانت مباراةً صعبة ضدّ الأرجنتين (المرشّح الثاني للفوز بالبطولة)  

وفور دخول عمر بالدقائق الخمسة الأخيرة ، تمكّن من تحقيق التعادل لفريقه التي جاءت قبل ثواني من نهاية الشوط الثاني .. مما سيجبره على متابعة اللعب في الشوطيّن الإضافيّن ! 


وقد التقطت الكاميرات قلق والده المدرّب الذي رغب بإخراج عمر من الملعب بهذه المباراة المهمّة.. دون فهم احد سبب خوفه الشديد على ابنه ، من خلال تعابيره المرتبكة .. لكن يبدو ان عمر تعهّد لوالده بعدم إجهاد نفسه ! 


وهذا ما حصل بالفعل طوال الشوطيّن الإضافيين ، حيث تسمّر وسط الملعب ! مكتفياً بتوجيهٍ دقيق للكرات لرفيقيّه المهاجميّن .. مما أحبط المشجعون العرب المستائين من كسله ! 


وانتهى الشوط الإضافي الثاني باستمرار تعادلهم ! مما يعني ركلات الترجيح ..والأسوء ان الحارس اللبناني تعرّض بالهجمة الأخيرة لنزيفٍ حادّ بالأنف بعد ارتطام الكرة في وجهه.. ولأن المدرّب قام بتغيريّن (احدهما : إدخال ابنه عمر بنهاية الشوط الثاني) فهذا يعني أن على احد اللاعبين اخذ مكان الحارس بركلات الجزاء ! 

ليفاجئ عمر الجمهور من جديد ، بأخذ قفازيّ الحارس قبل خروجه مصاباً من الملعب.. مما أقلق المشاهدين العرب ، ظناً بعدم خبرته بمجال الحراسة


وبعد تصفيقٍ حادّ من الجمهور لعمر بعد إدخاله الهدف الأول بركلات الترجيح ، صمتوا بقلق بعد وقوفه لحراسة المرمى ! 


ليضجّ الملعب بالهتاف ، عقب صدّه الكرة باحترافيّة ! ويبدو ان مهارته لا تتوقف عند الهجوم فحسب ، فطول قامته تساعده بهذه المهمّة الصعبة


وبالوقت الذي كان يصدّ فيها ضربات الترجيح بمهارة ، كان فريقه يخفق بتسديد الأهداف ! مما جعله بمنافسةٍ اخيرة مع كابتن المنتخب الأرجنتيني .. فإن تمكّن من إدخال الكرة ، سيلعب لبنان على المراكز الثالثة والرابعة  

اما ان صدّها عمر ، فسيتأهّل لبنان للمباراة الأخيرة .. وهو شيء لم يحصل بكل الفرق العربية والآسيويّة بشكلٍ عام.. مما جعل الجمهور العربي يلهج بالدعاء امام الشاشات لحصول معجزةٍ كرويّة .. 


وهذا ما حصل بالفعل ! فعمر لم يكتفي بصدّ الكرة ، بل أمسكها بكلتا يديه ..ثم رفعها للسماء ، كعلامة نصر ! 


ليصرخ المشجّعون العرب بهستيريا من شدّة الفرح ، ويهجموا جميعاً على الملعب .. مجتمعين حول عمر الذين قذفوه في الهواء ، وهم فخورين بوصول اول فريقٍ عربيّ للمباراة النهائيّة لكأس العالم !

^^^


ورغم كل ما حصل ، أصرّ المدرّب على موقفه : برفض طلب الصحفيين التحدّث مع ابنه حتى نهاية المونديال !

***


وفي المباراة الحاسمة بين لبنان والبرازيل .. وصلت المراهنات ذروّتها ، حيث راهن اكثر الشخصيّات البارزة في العالم على فوز البرازيل (الأكثر خبرة بهذا المجال) بينما اثرياء العرب انفقوا الكثير من ثروتهم على مراهنتهم بفوز اول فريقٍ عربيّ !

بينما علّق المدرّب البرازيلي ساخراً (قبل بداية المباراة) :

- سيكون اسهل فوز بتاريخ البرازيل


ولم يمضي الشوط الأول ، حتى شعر العرب بالقلق بعد هدفيّن سريعيّن للبرازيل

وفي الشوط الثاني ، أدخلوا هدفاً آخر ! 


وبسبب الضغط على المدرّب الذي وصلته إتصالاتٍ غاضبة من اثرياء العرب ، وصولاً لحكّامها بالسماح لعمر باللعب.. إنجبر على إدخاله باكراً ، قبل ربع ساعة من انتهاء المباراة


وبالفعل تعادل مع الفريق البرازيلي الذين تصادموا معه بعنف ، جعله يُصاب اكثر من مرة .. وقد حاول والده إخراجه من المباراة ، خوفاً عليه .. لكن ابنه أصرّ على متابعة اللعب ، رغم جرح رأسه الغزير ورضوض قدميّه !


وفي الدقيقة الأخيرة ، هجم الفريق البرازيلي بكل قوته على الحارس اللبناني ! ليتفاجأ الجميع بعمر يركض الى هناك ، ويستميت بالدفاع مع المدافعين الثلاثة لإبعاد الكرة التي كادت تخترق المرمى اكثر من مرة ..


قبل ان يعلو هتاف المدرّج بأكمله بعد حصول عمر على الكرة ، والإنطلاق بها كالصاروخ للأمام .. بينما يجري جميع لاعبي الفريقيّن خلفه .. الى ان صار بمواجهة الحارس البرازيلي الذي اقترب للأمام لإيقافه .. 

فاستغلّ عمر بُعده عن المرمى ، لرميّ الكرة من فوقه .. وتسجيله هدفاً حاسماً مع إنطلاق صافرة الحكم ، مُعلناً فوز لبنان ببطولة العالم لأول مرة! 

حيث لم يحصل بتاريخ كرة قدم ان سُمعت هتافات هائجة كهذه من المدرّجات التي امتلأت بكل الجنسيّات العربية الذين سكنوا اميركا ، او القادمين من الخارج لتشجيع الفريق اللبناني


كلهم كانوا سعداء ، ماعدا المدرّب الذي ركض مرتعباً باتجاه ابنه الذي أسند ظهره بهدوء على عارضة مرمى الفريق المنافس ! 


وبثواني ! عمّ الصمت الملعب بعد رؤية المدرّب (الذي عُرض وجهه الخائف على الشاشة العملاقة) وهو يشير بفزع للفريق الطبّي لعلاج ابنه الذي كان يجلس هناك دون حراك !


لينصدم العالم برؤية الطبيب يضغط بقوّة على صدر عمر ، مطالباً بجهاز الصعق الكهربائي !


وخلال الدقائق الأربعة للصعق المتواصل ، كان المشجعون بالإضافة للمشاهدين خلف الشاشات يدعون جميعاً لشفاء البطل اليافع الذي توقف قلبه بعد مجهوده الجبّار!


وإذّ بأحد الصحفيين يتسلّل بين المسعفين ، لوضع الميكروفون بجانب الطبيب الذي أعلن للمدرّب بأسى :

- اعتذر منك .. لقد توفيّ ابنك


ليضجّ الملعب بصراخٍ وبكاءٍ هستيريّ ، اثناء نقل اللحظة الصادمة لكل محبّي الكرة حول العالم ! والذين لم يهتمّوا بكون عمر عربيّاً ، او خسارتهم البطولة بسببه .. بل حزن الجميع على فقدان موهبته العظيمة التي أبهرت العالم بمهاراته الإستثنائيّة ، وسرعته وتكتيكاته الجديدة التي يجب ان تُدرّس بجميع الأنديّة !

***


وتمّ تأجيل التتويج لليوم التالي .. حيث استبدل الجمهور ملابسهم الملونة بالزيّ الأسود الحزين وهم يتابعون بصمت ، تكريم الفريق اللبناني بالميداليات الذهبيّة .. 

لترتفع بعدها اصوات البكاء بعد وضع الكأس فوق نعش اللاعب عمر ، بينما اثنين من فريقه يساندان والده المنهار بعد فقد إبنه الوحيد  


وفي المقابل .. نقل الصحفيّون العرب والأجانب الحدث بأصواتهم المُتهدّجة ، وهم ينعون البطل الشاب اثناء عرض (على الشاشة العملاقة) اهدافه الرائعة في البطولة ، تذكيراً بمهارته النادرة !

***


وبنهاية الإسبوع.. إكتظّ وسط البلد (بالعاصمة بيروت) بالمشجّعين (من جميع الطوائف) الذين قدموا ، لا للإحتفال بكأس العالم .. بل لتشييع جثمان عمر الذين عدّوه بطلاً ، ورمزاً من رموز البلد بعد صنع تمثالٍ له وهو يرفع كأس العالم عالياً  

***


وبعدها بأيام .. وافق والده (الذي استرد بعض قوته ، بعد انتهاء العزاء الجماهريّ) على المؤتمر الصحفيّ الذي تُرجم للغات العالم ، قائلاً بحسرة :

- لم أنجب سوى عمر الذي ربّيته بعد وفاة امه .. وكان حلمي جعله افضل لاعبٍ بالعالم.. لكن بعمر ١٣ وقع في الملعب ، اثناء تدريبي له ! ليخبرني الطبيب بأن لديه عيبٌ خلقيّ في القلب ، كثقبٍ صغير يمكنه ان يصبح نزيفاً داخلياً في حال أجهد نفسه ! فطلبت منه ترك التدريب نهائياً.. لكن لعلم ابني بأنه حلم حياتي ، صار يتدرّب دون علمي على تسديد الأهداف البعيدة ، دون إجهاد نفسه بالركض.. وعندما أصرّ على إدخاله فريقي ، وافق طبيبه على لعبه لمدة خمس دقائقٍ فقط.. لهذا استغلّ الوقت المتبقي بدراسة الحرّاس والدفاع ، لمعرفة نقاط ضعفهم.. بينما كانت الصحافة تنتقدني على عدم إدخاله باكراً .. وتشتمه على حرصه على الكرة ، وعدم مشاركتها اصحابه ! دون علم احد بمجهوده الجبّار ، لتخطّي آلام قلبه ..وفي المباراة الأخيرة ، إضّطررت لإدخاله باكراً بعد ضغط كبار العرب ، وتهديدهم بتعيّن مدربٍ آخر مكاني .. واتهامهم بتدليل ابني ، وخوفي الزائد عليه ! فدخل الملعب ، بعد ان وعدني بعدم إتعاب نفسه.. لكن يبدو ان رغبته بتحقيق حلمي ، جعله يركض بقوّة من اول الملعب لآخره .. وبذلك خسرت ابني الذي نجح بتحقيق حلم الجميع ، ببطولة العرب لكرة القدم .. وطالما انا وابني حققنا الهدف المنتظر ، أُعلن امامكم : إعتزالي النهائي بتدريب كرة القدم 


وخرج من القاعة مع تصفيقٍ حار من كل صحفيّ العالم بعد تحقيقه بطولةً مستحيلة ، دفع ثمنها ابنه الوحيد الذي لقّب لاحقاً : بالمعجزة الكرويّة النادرة ! 


الاثنين، 7 أبريل 2025

فريق الخالة العربية

تأليف : امل شانوحة 

ابطال السلّة


في بلدٍ اوروبيّ ، عاشت امرأة عربيّة وحدها في مجمّعٍ سكنيّ بمنطقةٍ فقيرة .. حيث عملت في مصنعٍ للأغذية ، لمساعدة اهلها في الوطن .. ولم تكن حياتها في الغربة سهلة ، لتجنّب السكّان المحلّيين التعامل معها كونها محجّبة ! 

^^^


وذات يوم ، بعد عودتها من العمل .. شاهدت ستة اولاد (في مرحلة المتوسطة) يحاولون رميّ كرةً قديمة داخل السلّة (عبارة عن حلقة حديديّة صدئة دون شبكة) 


فتوجّهت لمحل الألعاب الوحيد في المنطقة ، لشراء كرةً أصليّة مع شبكتيّن جديدتيّن.. 

ثم اقتربت من الأولاد وهي تنادي :

- من منكم قائد الفريق ؟!! 


فرفع احدهم يده.. فرمت له الكرة :

- تدرّبوا جيداً يا ابطال !! وسأرسل حارس عمارتي ، لتركيب شباك السلّتيّن


وتركتهم يهلّلون فرحاً ، وهم يتنافسون ضمن فريقيّن على رميّ الكرة الجديدة في ملعبهم الرمليّ ، المتواجد وسط المساكن القديمة

***


في اليوم التالي ، مرّت بجانبهم .. فسألتهم عن الفرق التي يشجّعونها بكرة السلّة ؟

فاختار ثلاثة منهم فريقاً دوليّاً ، بينما الثلاثة الآخرين اختاروا فريقاً وطنيّاً.. 

فتركتهم يكملون لعبتهم.. وقطعت الشارع 

^^^


لتعود بعد قليل ومعها كيسٌ كبير ، وهي تقول لاهثة :

- آسفة على التأخير ، لكن المتجر الرياضي بعيداً من هنا

وأخرجت قميصيّن مختلفيّن :

- إشتريت ثلاثة من كل فريق.. هيا إلبسوها ، لتصبحوا فريقيّن متنافسيّن


فتجمّعوا حولها ، وهم ينظرون بصدمة للملابس الرياضيّة ! فمن الصعب على اهاليهم شراء الكماليات ، لعملهم طوال النهار في المزارع المجاورة بأجرةٍ بسيطة  


ثم تركتهم يكملون لعبتهم بحرّية ، طالما انها إجازتهم الصيفيّة.. وأكملت طريقها الى مبناها القريب من ملعبهم القديم

***


بعدها بأيام .. أطلّت من نافذة شقتها ، وهي تناديهم :

- انتم تلعبون منذ ساعتيّن !! الم تجوعوا بعد ؟!

- بلى يا خالة !!


فأنزلت كيساً مربوطاً بحبل من طابقها الثالث :

- اذاً تناولوا هذه الحلوى !! فهي ستشبعكم ، وبنفس الوقت تعطيكم الطاقة لإكمال تمريناتكم


فشكروها بامتنان لشرائها الشوكولا الفاخرة ، بدل النوع الرخيص الذين اعتادوا عليه !

^^^


ولم تكتفي بالحلوى .. بل أدخلتهم من وقتٍ لآخر الى شقتها ، لإطعامهم الأكل العربي الذي أعجبهم مذاقه الفريد من نوعه !

حتى انها استأذنت اهلهم ، لأخذهم لمدينة الملاهي التي كانت حلماً بالنسبة لهم ! 

***


وفي نهاية الشهر ، وبعد عودتها من المصنع .. سمعت الجارة توبّخ احدهم ، وهي تلوّح بالعصا :

- سأبلّغ والدك على كسرك نافذتي بكرتك اللعينة !!

فاقتربت منها وهي تسألها : 

- كم سيكلّفك تصليح النافذة ؟

فردّت الجارة بلؤم : وما دخلك ايتها العربيّة ؟!

- انا اشتريت لهم الكرة ، وانا المسؤولة عن الأضرار

- اذاً هاتي ١٠٠ دولار

فاعترض الصبي :

- لكن نافذتك صغيرة ، ولا تكلّف كل هذا المبلغ !

فردّت العربيّة : لا بأس عزيزي


وأخرجت المبلغ من حقيبتها (التي كانت تنوي ارساله لأهلها) وأعطته للجارة التي عادت الى منزلها ، وهي تتمّتم غاضبة من مشاغبتهم المتتالية !

^^^


فاقترب الصبي من العربية ، وهو يعتذر منها .. فمسّدت شعره بحنان ، وهي تقول له ولأصحابه :

- اريدكم فقط ان تكونوا حذرين اثناء اللعب

فردّ قائدهم : نحاول ذلك.. لكن كما ترين ، ملعبنا قريب من منازل الجيران

العربية : اذاً لما لا تنضمّون للنادي القريب من هنا ؟

- لأنه يكلّف كثيراً

- تعالوا نسأل المدير عن مبلغ التسجيل

***


في النادي الرياضيّ ، نظر المدير اليها باشمئزاز :

- وما دخلك ايتها الغريبة بأولاد منطقتنا ؟!

العربية : انا أعتبرهم ابنائي ، واريد مساعدتهم

- سيكلّفك ٦٠٠ دولار بالشهر.. مئة عن كل ولد

فنظرت الى حاسوب مكتبه :

- هل لديك مشاكل تقنيّة او اعمال اداريّة تريد إنجازها ؟

- لما تسألين ؟!

- لأني خبيرة حاسوب ، وهذا عملي بمصنع الأغذية 

المدير : أظنك تحاولين المساومة بمبلغ الإشتراك ؟

- سأدفع نصف المبلغ ..والنصف الآخر ، أقوم بأعمال برمجيّة مجّاناً .. ما رأيك ؟

- بصراحة ، كنت بحاجة لإنشاء ملفّات خاصّة بلاعبي النادي.. (ثم فكّر قليلاً).. حسناً اتفقنا !! ٣٠٠ دولار بالشهر للأولاد الستة ، بالاضافة لعملك التقنيّ

^^^


وبذلك تمكّنت من تسجيل الأولاد بالنادي ، بعد إشتراطها : عدم إهمال دراستهم مع بدء العام الجديد ..وبدوّرهم وعدوها بذلك

***


ومع مرور الأيام .. قلّ لقائها بهم ، لانشغالهم بالدراسة والنادي .. مع مضاعفة عملها بالمصنع.. 


وذات يوم ، تفاجأت بزيارتهم بعد أن طالت قامتهم..

العربية بدهشة : ما شاء الله ! أصبحتم اطول مني .. متى كانت آخر مرة رأيتكم فيها؟! 

فرد قائدهم : سنتان ، وأصبحنا الآن في الثانوية.. وحصلنا جميعاً على منح لإكمال دراستنا بالعاصمة ، بعد تفوّقنا الرياضيّ ..وكلّه بفضلك


وأراد احتضانها ، لكنها أوقفته بابتسامةٍ حنونة :

- أصبحتم شباباً ، ولا يحقّ لي ذلك

- آه نسينا انك مُحجّبة !

الولد الآخر : أردنا وداعك قبل انتقالنا غداً للعاصمة

الولد الثالث بإحراج : ليته بإمكاننا تسديد ديّنك ، قبل ذهابنا ! 

العربية معاتبة : عن أيّ ديّنٍ تتكلّم ؟! انتم بمثابة اولادي

قائدهم : أتدرين انه بمعاملتك الحسنة ، غيّرتي فكرتنا نحو العرب !

العربية : يكفي ان لا تحقدوا علينا.. فكما ترون ، نحن شعبٌ مُحبّ ومسالم ..اتمنى ان لا تنسوا ذلك

- من المستحيل ان ننساك.. فأنت قدّمتي فرصة لم يمنحها لنا أهالينا 

العربية ممازحة : لأني لاحظت موهبتكم الرياضيّة من اول مباراة بالكرة المُنتفخة التي كادت تنفجر في وجوهكم

فضحك الأولاد :

- بالفعل كنا بائسين من دونك

العربية : معاذ الله ، نجحتم بمهارتكم وموهبتكم الفريدة ..وانا متأكدة انكم ستصبحون نجوماً عالميين .. وقريباً جداً ، ستهتف الجماهير بأسمائكم بحماسٍ وفخر 

- ونحن لن نخذل ثقتك بنا

وودّعوها بالدموع .. ثم رحلوا

***


وهم الآن (بعد عشر سنوات من وداعها) أصبحوا بالفعل نجوماً محترفين وأثرياء.. لكنهم لم يلتقوا بها ثانيةً بعد عودتها الى بلادها .. حتى انهم لا يعرفون اسمها الحقيقيّ ! فهم تعوّدوا على مناداتها : بالخالة العربية التي ستبقى ذكراها في قلوبهم طوال حياتهم  


الأحد، 26 مايو 2024

المدرّب المهووس

تأليف : امل شانوحة 

 الأطفال الموهوبون 


في منطقةٍ شعبيّة برازيليّة .. ذهب الصديقان (بعمر التاسعة) الى ملعبٍ رمليّ بأطراف قريتهما ، للعب مع بقيّة الأطفال الذين استقبلوهما بسعادة ، لبراعتهما بالكرة


وعلى مقاعد الجمهور المتهالكة ، تواجد رجلٌ غامض وهو يراقب لعبة الأطفال باهتمام ! 

وسرعان ما انتبه على الّلاعبيّن المتميزيّن الذي انتظرهما بعد انتهاء المباراة ، ليقدّم لهما الحلوى وهو يقول :

- لقد استحقيتماها بجدارة ، فأنتما افضل من وجدته حتى الآن 

- من انت ؟! شكلك يبدو مألوفاً ! 

- انا مدرّب ، أجمع الموهوبين من كافة المناطق البرازيليّة.. وبانضمامكما لفريقي ، يكتمل العدد اخيراً .. ولم يبقى سوى حصولنا على كأس العالم


وما ان تذوّقا الحلوى ، حتى سقطا مغشيّان عليهما ! ليسارع بوضعهما في سيارته المظلّلة التي قادها خارج الحارة الشعبيّة

***


بعد ساعتين .. إستيقظ الولدان في اكاديميّة غريبة ، تضمّ فريقان من الأطفال الموهوبين الذين عليهم مشاركة النوم في المهجع ، وتناول الطعام الصحيّ في القاعة الكبيرة.. اما الشيء الذي أبهرهم ، فهو الملعب الأخضر الضخم الذي لم يروا مثله إلاّ في التلفاز ، بعد اعتيادهم على الملاعب الرمليّة الرديئة ! 


وبعد تعرّفهم على بعضهم ، وإنهائهم لوجبتهم المُشبعة .. إنضمّ اليهم المدرّب الغامض الذي ارسلهم الى قسم تغير الملابس ، للبس زيّ فريقه الجديد بلونين مختلفين ، للتنافس ضدّ بعضهما بجدولٍ من المباريات حسب توجيهات مدرّبهم الصارم  


فسارعوا بتغير ملابسهم وهم سعداء ، لأن أكثريّتهم لم يملكوا حذاءً رياضيّ في حياتهم !  

وقبل خروجهم للملعب ، أخبرهم المدرّب بأنهم مُجبرين على متابعة تعليمهم في النادي الذي سينضمّ اليه مجموعة من المدرّسين المُتخصّصين في مناهجهم الدراسيّة 

فتأفّف معظمهم ، لرغبتهم بأن يصبحوا نجوماً لكرة القدم دون الحاجة لإكمال دراستهم المملّة !  


لكن مدرّبهم كان حازماً بهذا الشأن ، وأخبرهم عن تجهيزه صفوفاً دراسيّة حسب اعمارهم (فأكبرهم 12 سنة ، وأصغرهم 8 سنوات) وانهم سيبدأون الدراسة غداً صباحاً .. وحين سأله احدهم عن عائلاتهم ، صدمهم قائلاً :

- قبل إحضاركم الى هنا ، إنضمّ اهاليكم لمظاهرة سياسية ضدّ رئيس حكومتنا الذي اعطى اوامره للجيش بإطلاق النار عليهم جميعاً 

فوقع الخبر كالصاعقة على الصغار الذين انهاروا بالبكاء ! فحاول تهدأتهم:

- صحيح ماتوا بفعلهم التهوّري ! لكنكم مدينون لهم ، برفع اسم عائلاتكم بعد وصولكم للعالميّة

- ماذا عن اخوتي ؟


فارتبك المدرّب ، وجهّز كذبةً ثانية لإبقائهم في معسكره التدريبيّ الإجباري:

- للأسف ، أرسلتهم الحكومة لدار الأيتام

فقال كبيرهم : عليّ العودة لمنزلي ، للتأكّد من الأمر.. فأنا لم اسمع عن مظاهرات بالبلد ، وأهلي ليسوا من النوع الذي يهتمون بالنزول للشارع ..

فقاطعه المدرّب غاضباً :

- أتظن رجلاً بعمري سيكذب عليكم ، ايها الصغار التافهين !! أهذا ذنبي لأني حميّتكم من الموت جوعاً ، بعد مقتل اهاليكم ؟!!

فتجمّد الأطفال في مكانهم ! 


المدرّب : عليكم نسيان حياتكم السابقة .. والتركيز على بذل كل طاقتكم ، للحصول على كأس العالم .. هذا واجبكم اتجاه الشعب البرازيلي !!

فمسحوا دموعهم ، وهم منصدمون من خسارة عائلاتهم !

المدرّب بحزم : لا وقت الآن للدموع .. إنطلقوا للملعب ، فالتدريب سينسيكم احزانكم .. هيا بنا ، يا ابطال المستقبل !! 

^^^


لم يكن هناك وقت للذكريات في الملعب بعد ان ارهقهم المدرّب بالتمارين الرياضيّة القاسية ، وإجبارهم على تنفيذ خططه التدريبيّة لكلا الفريقيّن التي استمرّت طوال النهار .. مما جعلهم ينامون اول المساء من شدّة التعب ، فهم بالنهاية لا يستطيعون الخروج من الأكادمية المُقفلة ..والتي يملك المدرّب وحده مفاتيحها ، كأنها مدرسة داخليّة مشدّدة الحراسة !  

***


مع الوقت .. تعوّد الأولاد على قساوة مدرّبهم الذي اصبح بمثابة والدهم ومرشدهم بالحياة ، خصوصاً لمعلوماته الرياضيّة الوفيرة .. حيث استمعوا اليه باهتمام في قاعة السينما ، اثناء تحليله المباريات القديمة بلاعبيها البرازيليين المميزين الذين فازوا بأكثر من كأس لبطولة العالم .. وبسبب تلك الفيديوهات ، أصبح هدف الأولاد الوحيد هو الفوز بالبطولة ! 

***


بعد سنوات ، أصبحوا لاعبين محترفين في العشرينات من عمرهم .. وحان الوقت لبدء اللعب مع الفرق الوطنيّة .. وخرجوا من الأكاديميّة السرّية على هيئة فريقيّن لنفس المدرّب الذي وضع افضل لاعبيه بأحدهما (لحظوظهم الأوفر بالتأهّل لكأس العالم) بينما الأقل مهارة ، وضعهم بالفريق الثاني الذي لم ينجح بالبطولة المحليّة (كما توقع) لذا أعادهم للأكاديميّة التي عيّن فيها مدرّبٌ آخر لمتابعة تدريباتهم المُكثفة .. بينما اكمل مسيرته مع لاعبيه البارعين الذي أصبحوا الفريق الرسمي للبرازيل بعد فوزهم على فرق القارة الأمريكيّة الجنوبيّة .. وبذلك تأهّلوا لبطولة العالم ، كما حلم المدرّب دائماً ! 

***


في بطولة العالم ، نجح الفريق البرازيلي بلاعبيه الجدّد للوصول للدوّر 16!

في ذلك الحين ، تابعت إحدى الأمهات مباراة بلدها .. لتلاحظ الوحمة على وجه احد الّلاعبين .. فصرخت في وجه زوجها ، وهي تشير للتلفاز في منزلها المتواضع بالمنطقة الشعبيّة :

- انه ابننا ! اليس كذلك ؟!!

- كم مرة سنعيد موضوعنا الكئيب ! .. إبننا خُطف من قبل عصابة تجّار الأعضاء ، وهو بالجنة الآن

- لم أصدّق تلك الإشاعة مُطلقاً !.. ابني حيّ !! وهو يلعب امامك ، الا تذكر شكله ؟


ثم انتبهت على المهاجم الثاني :

- وهذا صديقه ! حتى أثر الجرح الذي اصابه بطفولته ، مازال واضحاً في جبينه

- أظنك تتوهمين

فرمت الكأس من يده ، بعصبية :

- اساساً كيف ستتذكّر ابنك الوحيد ، ايها السكّير !! 

وذهبت لمناداة جارتها (التي ايضاً لا تهتم للرياضة ، لهذا لم تتابع البطولة منذ بدايتها بعكس ازواجهما)  

^^^


فقدمت الجارة وزوجها لمنزلها .. والتي انهارت باكية ، فور رؤيتها لإبنها بالتلفاز :  

- يا الهي ! لقد كبر كثيراً .. من اللعين الذي خطفه ، وحرمني منه ؟! 

الأم الثانية بحنق : لابد للمدرّب علاقة بالموضوع ..علينا إبلاغ الشرطة


فحاول الوالدان ايقاف زوجاتهما ، خصوصاً بعد انتصارات الفريق المتواصلة .. وطلبا التمهّل لحين انتهاء البطولة ..لكنهما أصرّتا على إبلاغ الشرطة التي جمعت اهالي الأولاد الذين خطفوا بنفس الشهر من القرى الشعبيّة المجاورة .. ليؤكّد الأهالي بأن اعضاء الفريق الجددّ : هم اولادهم الذين لم يروهم منذ سنوات ! 


وسرعان ما انتشر الخبر بأنحاء البرازيل التي طالب شعبها التحقيق مع المدرّب الذي ظهر للعالم بلقبه ، دون اسمه الحقيقيّ ! 


لكن رئيس الحكومة ضغط على المحقّق لمنع اهالي المخطوفين من إثارة البلّبة او استعمال وسائل التواصل الإجتماعي لحين انتهاء بطولة العالم .. فالفريق الجديد يمثّل الدولة بقوةٍ وبراعة ، بسبب توجيهات وتدريبات مدرّبهم المشبوه !  


فراقب الأهالي المقهورين اولادهم بحزنٍ وشوق وهم ينتصرون المباراة تلوّ الأخرى ، دون إنكار فخرهم بهم .. الى ان كسبوا بطولة العالم ! 

***


بعد اسبوع على نهاية كأس العالم .. إكتظّ المطار البرازيليّ بمشجعيّ الفريق المنتصر ، العائد بالكأس للوطن .. 


وعند وصولهم .. أخذ المحقّق المدرّب الى غرفةٍ خاصة بالمطار ، لإخباره بانكشاف امره.. 

فأراه المدرّب هويّته الحقيقيّة .. ليُصعق المحقّق بأنه الّلاعب الشهير الذي اعتزل الكرة بعد إصابةٍ بليغة بقدمه ، ولم يعرفه أحد بعد زيادة وزنه وتغيّر شكله القديم ! 

المحقّق : لما ضيّعت تاريخك الحافل بالإنتصارات ، باختطافك الأطفال ؟! 

المدرّب : انا لم اؤذيّهم ، بل راعيتهم كوالدٍ لهم ..واهتمّمت بصحّتهم وتعليمهم ، حتى وصلوا للجامعات التي تكفّلت بأقساطها من حسابيّ الخاصّ 

المحقّق : انت خطفت اكثر من عدد فريقك ، فأين الباقين ؟ 

- مازالوا يتدرّبون في الأكاديميّة السرّية بإشراف صديقي ، سأعطيك العنوان لاحقاً 

- انت تعرف جيداً انه سيتم محاكمتك ، بعد رفع الأهالي قضيّةً ضدك

فردّ المدرّب بيأس : اذاً إسمح لي بأخبار اولادي الحقيقة ، ثم افعل بي ما شئت 


وبالفعل تركه يلحق فريقه الفائز في الأكاديميّة بعد اجتماعهم بزملائهم (الفريق الآخر) للإحتفال بالكأس .. 

^^^


بعد تناول العشاء والحلوى ، أخبرهم المدرّب الحقيقة : وأن اهاليهم احياء ، وانه اختطفهم لتجهيز فريقاً لا يُقهر !

فنظر الصديقان لبعضهما :

- كنّا نعرف الحقيقة منذ سنوات ، وأخفينا الأمر على اصدقائنا بعد عثورنا على هويّتك الحقيقيّة بدرج مكتبك ..ومعرفتنا بأنك الّلاعب الشهير الذي نعشقه جميعاً ، فأنت قدوّتنا بكرة القدم

المدرّب باستغراب : الم ترغبا بالعودة لأهلكما ؟! 

- ابي رجلٌ سكّير ، ويضربني كثيراً

صديقه : اما انا ، فأهلي فقراء ولا يملكون ثمن تعليمي .. فقرّرت انا وصديقي الإنتظار ، ريثما نحقّق حلمك بالفوز بالبطولة 


ثم قال احد الّلاعبين : صحيح اننا قضيّنا ليالي بالبكاء شوقاً لأهلنا ، لكنك لم تحرمنا من شيء ، خصوصاً أيام العطل .. مما جعلنا لا نرغب بمغادرة الأكاديميّة بعد إهدائنا الحلويات والألعاب التي لم نحلم بامتلاكها ، لفقر عائلاتنا .. عدا عن اهتمامك بمستوانا التعليميّ ، حيث كنت تحرمنا من اللعب إن تدهوّرت علاماتنا الدراسيّة .. وبذلك تفوّقنا بالعلم وبالموهبة ، ومن واجبنا ردّ الجميل لك 

المدرّب : وقد فعلتم !! وحقّقتم حلم الشعب البرازيلي بالبطولة .. وبعد قليل سيحضر اهاليكم الى هنا ، للإجتماع بكم 

احد الّلاعبين بقلق : وماذا عنك ؟

- الشرطة ستقبض عليّ ، بتهمة الخطف 

- لا سيدي ! انت في مقام والدنا ..لن نقبل بذلك

^^^


تفاجأ الأهل بعد قدومهم مع الشرطة برفض اولادهم الذهاب معهم ، في حال قُبض على مدرّبهم !


ووصل الأمر لرئيس الحكومة الذي اتفق مع المدرّب بإسقاط التهمة عنه ، في مقابل تدريبه للفريق البرازيلي الناشئ بذات الأكاديميّة السريّة ، دون الحاجة لمبيتهم فيها او حرمانهم من اهلهم .. كما تكفّل رئيس الدولة بدفع التعويضات الماديّة لأهالي المخطوفين الذين وافقوا على التنازل عن القضيّة ..


وبذلك أصبح المدرّب الأول في البرازيل ، بعد نجاح فرقه المتتالية بكسب العديد من الجوائز والكؤوس الوطنيّة والعالميّة ، بسبب تدريباته المُكثّفة وخططه التي لا تفشل ابدا !


الخميس، 24 مارس 2022

فريق ايلينا

كتابة : امل شانوحة 

 

الموهوبون الصغار


في حيٍّ شعبيّ في إيطاليا ..عاشت إيلينا الستينيّة وحدها في منزلٍ أرضيّ قريب من ملعب كرة القدم التابع لإحدى الأنديّة الرياضيّة ، التي عملت فيه ببيع الشطائر والمشروبات الباردة والحلوى لفِرق الأولاد المُشاركين بالنادي..

***


ذات صباح ، سمعت شجاراً بين ثمانية اولاد وحارس الملعب الذي رفض إدخالهم النادي ..

فلاعب أحدهم الكرة امامه ، وهو يقول :

- أنظر كيف أتحكّم بالكرة !! انا وأصدقائي لاعبين محترفين ، وعليك إدخالنا لنُري المدرّب براعتنا

فردّ الموظّف بنبرة تهديدٍ واستحقار : انتم فقراء ، ولا تملكون ثمن الإشتراك بالنادي ..لذا ابتعدوا من هنا ، قبل استخدامي العصا !!

فقال أحدهم بيأس : صدّقنا يا رجل .. يوماً ما سنصبح أفضل لاعبي إيطاليا ، فقط أعطنا فرصة واحدة لكيّ..

فقطع كلامه بهجومه عليهم بالعصا ، ليسارعوا بالهرب ! 


فلحقتهم العجوز دون أن يروها ، لتسمع كبيرهم يقول بحزن : 

- يبدو علينا نسيان حلمنا يا اصدقاء 

فردّ صاحبه بعصبية : هل جننت ؟!! أملنا الوحيد في الحياة هو الإحتراف والنجوميّة 

- وكيف سنفعل ذلك ، ونحن لا نملك ثمن كرة جديدة ؟! اساساً اين سنتدرّب بعد طُردنا من شارع المحلاّت التجارية ، لخوفهم على واجهاتهم الزجاجيّة .. كما طُردنا من الحيّ الهادىء ، لأننا نوقظ المرضى والأطفال .. حتى الشارع العام ، وضعوا الحواجز لمشروع النفق السريع .. لا أحد سيقدّر موهبتنا لأننا فقراء ، علينا تقبّل ذلك  


فنادتهم إيلينا وهي تجرّ عربتها بتعب :

- يا اولاد !! إقتربوا مني

- ليس معنا المال لشراء الحلوى يا خالة

إيلينا : اريد إخباركم شيئاً مهماً 


وحين اقتربوا ، قالت لهم :

- سأدعكم تتدرّبون في حديقة منزلي الأرضيّ

الأولاد بدهشة : أحقاً !

إيلينا : صحيح ليس كبيراً لكنه بعيد عن بقيّة المنازل ، بذلك لن تزعجوا الجيران .. (ثم نظرت لكرتهم) .. ذكّروني أن أشتري لكم كرةً جديدة 

- ولما تساعدينا يا خالة ؟!

إيلينا : لأني أعيش وحدي منذ سنواتٍ طويلة ، وسيكون جميلاً سماع أولادٍ يلعبون في حديقة منزلي .. والآن ساعدوني بجرّ العربة ، لأني منذ الغد سأكون مدرّبة فريقكم


الأولاد بدهشة : أتريدين تكوين فريق ؟!

إيلينا : نعم بشرط !! كلما أدخلتم هدفاً ، عليكم الهتاف : ((لافيكيا سنيورا)) أيّ السيدة العجوز 

فردّوا بابتسامة : كما تشائين يا خالة

إيلينا بحزم : لا تظنوا انني سأتساهل معكم لأني كبيرة في السن ، فأنا افهم جيداً بكرة القدم ..فوالدي كان مدرّباً محترفاً للشباب .. كما راقبت لسنواتٍ عديدة تدريبات الفرق بالملعب الكبير .. لهذا سأدرّبكم بقسّوة !! ومن يتقاعس منكم ، يُحرم من طعامي اللذيذ بالإضافة للحلوى المجانيّة

فضحكوا بسعادة ..


فأكملت قائلة : وحين تتقنون جميع التدريبات ، وتصبحون بارعين بتسجيل الأهداف ، حينها أسجّلكم بالنادي الرياضيّ

- لكنهم يحتاجون مالاً كثيراً !

إيلينا : أتركوا الموضوع لي .. وهآ نحن وصلنا المنزل !! اريدكم ان تساعدوني بإزالة بعض الأغراض من الحديقة ، لتوسيع ملعبكم  

***


أمضى الأولاد الثمانية ساعتين في تنظيف حوش منزلها ..

وحين دخلت العجوز الى بيتها ، تهامس الأولاد فيما بينهم :

- أظنها تتلاعب بنا ، لتنظيف حديقتها بالمجّان ! 

فخرجت وهي تقول معاتبة :

- سمعتك يا ولد !!

وكانت تلبس زيّ رياضي قديم ، وهي تضع الصافرة في عنقها ..

فأضحكهم مظهرها .. فقالت مبتسمة :

- أتسخرون مني ؟

- من اين أتيت بهذه الملابس القديمة ؟


إيلينا : كانت لأبي المرحوم الذي حلم دائماً بإنجاب صبيّ وتدريبه ليصل لبطولة العالم .. لكنه لم ينجب غيري ، لهذا اريد تحقيق حلمه .. والآن دعونا نرسم حدود الملعب 

- أهذا طبشور ؟!

إيلينا : بالطبع لن أفسد حديقتي بالدهان .. هيا ابدأوا برسم حدود المرميين  


وبعد إنهائهم من رسم حدود الملعب .. سألها احدهم : 

- متى تبدأ المباراة الأولى ؟

إيلينا : غداً ، اليوم تعبتم بما فيه الكفاية .. وأريدكم الحضور باكراً للقيام اولاً بتمارين الإحماء .. أمّا الآن ، فسندخل المنزل لتناول المعكرونة.. هيا بنا !!


وقد أسعدهم مذاق طعامها اللذيذ ، فمعظمهم من عائلاتٍ فقيرة بالكاد تجد قوت يومها ! 


وبعد الطعام ، أعطتهم الحلوى .. ليعودوا سعداء الى بيوتهم  

***


في الصباح الباكر .. إستقبلتهم بفطورٍ صحيّ ، قبل بدء التمرينات (التي شاهدتها اثناء بيعها في مدرّجات الملعب على مدى سنوات)

ولم تتساهل معهم ! بل راقبتهم بدقّة وهي تحمل صافرتها ..وتأمرهم بتكرار التمرين ، لحين إتقانه تماماً .. 

فقال أحدهم بإرهاق :

- رجاءً خالة إيلينا ، تعبتُ كثيراً

إيلينا بحزم : أتريد الإنضمام للنادي ام لا ؟

- بلى 


إيلينا : اذاً عليك إنهاء تمارين الضغط 50 مرة ، كما يفعل اللاعبون الصغار المحترفون .. هيا إكمل العشرة المتبقية دون تذمّر .. ومن بعدها تركضون جميعاً حول منزلي 40 مرة 

- 40 مرة ! هذا كثير يا خالة 

إيلينا : مدرّب فريق الأولاد يأمرهم بالدوران حول الملعب 20 مرة ، ومنزلي أصغر بكثير من الملعب .. ولا استطيع التساهل معكم اكثر من ذلك 

- ومتى تبدأ المبارة ؟

إيلينا : بعد إنهاء تمارين الإحماء ، كيّ لا تصابوا بشدٍ عضليّ

***


بعد مرور ساعة من التمرينات المرهقة ، أخذت تراقبهم من داخل مطبخها بعد إطلاقها الصافرة لبدء المباراة (عقب تقسيمهم لفريقين) وهي تحمل ساعة التوقيت 


وفي المباراة ، طبّق الأولاد ما اتفقوا عليه سابقاً .. فكل هدفٍ يدخلونه (من كلا الفريقين) عليهم التوقف امام نافذة مطبخها ..ورفع ايديهم نحوها ، وهم يهتفون بصوتٍ عالي : 

- ((لافيكيا سنيورا)) !!

فترفع يدها معهم ، وهي فخورة ببراعتهم في تسديد الكرات !  

لتنتهي المبارة الأولى بالتعادل هدفين لكلٍ منهما ..

***


ومضت الأيام .. والأولاد الثمانية يحضرون في موعدهم الصباحي لبدء تمارين الإحماء التي لم تعدّ تتعبهم ، بل تُحمّسهم لبدء المباراة الوديّة بينهم ، والتي تغيّرت نتيجتها مع كل مباراة .. 

كما اعتادوا بنهاية اليوم على تناول الغداء معها ، والحصول على الحلوى المجانيّة قبل عودتهم بيوتهم

***


وفي أحد الأيام .. لم يأتي احدهم ، وأكملوا اللعب دونه ! 

وبعد رحيلهم ، رأته إيلينا يجلس خلف منزلها حزيناً .. فسألته عن غيابه؟ 

فردّ بقهر : منعتني أمي من زيارتك

إيلينا باستغراب : لماذا ؟!

- لأني أتعبها بغسل ملابسي الرياضيّة كل يوم ، كما أكلّفها ثمن مسحوق الغسيل وصابونة الإستحمام 

إيلينا بحزم : أراك غداً في ملعبي ، مفهوم !! 

- الم تسمعينني يا خالة ؟ نحن فقراء جداً  

إيلينا : غداً بعد ذهاب اصحابك ، تستحمّ عندي .. وانا أغسل ملابسك ..فقط إحضر غياراً معك كل يوم 

- لا اريد إتعابك !


إيلينا : اذاً لا تخذلني ، فأنت ورفاقك وعدّتموني بالوصول لبطولة العالم 

فقال بارتياح : بأمرك سيدتي ، سأحضر غداً على الموعد

فابتسمت بفخر : أحسنت يا بطل !! إيّاك التخلّي عن حلمك ، مهما ضغطت عليك ظروف الحياة 

***


واستمرّت التدريبات كل صباح ، مع إلتزام إيلينا بعملها كمدرّبة مُحترفة ! 


وفي ذلك العصر ..إجتمعت الأمهات في بيتها ، مطالبات بإزالة فكرة كرة القدم من رؤوس أبنائهن ..

إيلينا باستنكار : ولما أفعل ذلك ؟!

- لأنهم لن يحترفوا كما يحلمون ، فنحن فقراء معدمين

إيلينا : معظم مشاهير الكرة نشأوا في بيئةٍ فقيرة ، وكذلك اثرياء العالم 

- اولئك محظوظين

إيلينا : بل اجتهدوا لتحقيق حلمهم ، وأبنائكن يملكون المهارة الكافية لدخول دوري المحترفين

فقالت أم بنبرة إستحقار : وما ادراك انت بهذه الأمور ؟


فردّت إيلينا بحزم : إن بقيت تحبطين ابنك ، فلن يكترث لك حين يصبح مليونيراً .. (ثم قالت للأمهات) .. الأفضل أن تدعمنّ اولادكن بدل إحباط حلمهم الوحيد بفوز إيطاليا ببطولة العالم 

فسألتها أم : أتظنين بإمكانهم الوصول لدوري فرق الصغار ؟

إيلينا : صدّقوني سيصبحون من مشاهير الكرة ، فقط توقفن عن نقدهم وثقوا بهم قليلاً !! 

فخرجنّ من بيتها وهن مختلفات الرأيّ بين إبقاء إبنائهنّ معها ام لا! 

***


بعد سبعة شهور من التدريبات المتواصلة ، فاجأتهم إيلينا بإحضارها ملابس موحّدة للاعبيها الثمانية ، مطبوعاً على قمصانهم : ((فريق إيلينا)) 

فقفزوا فرحين لأنها المرة الأولى التي يحصلون فيها على زيِّ رياضيّ جديد ، مع أحذية مريحة .. فقالت لهم :

- إلبسوها فوراً !! لأننا ذاهبون الى النادي الرياضيّ ، بعد دفعي إشتراككم السنويّ


فسألها احدهم بدهشة : ومن اين حصلت على المال ؟!

إيلينا : بعت ذهب أمي

- هو ذكرى قيّمة لك ، فلما بعته ؟! 

إيلينا : ليس لديّ أغلى منكم .. فالربّ لم يرزقني الأولاد ، لكنه رزقني بثماني احفادٍ محترفين

فحضنوها بامتنان ..

إيلينا : لا وقت لدينا للعواطف .. هيا إسرعوا بتجهيز أنفسكم ، فالمدرّب يريد إختباركم قبل تسجيلكم بفريقه .. وإيّاكم أن تخذلوني!!

- لن نفعل !!

***


توجّهوا جميعاً للنادي الوحيد بالمنطقة ، وهم يلبسون زيّهم الأزرق الموحّد.. ليقفوا مندهشين من ضخامة الملعب الذي يرونه لأول مرة من الداخل ، بعد موافقة الحارس على إدخالهم 


لتبدأ على الفور الإمتحانات الدقيقة من المدرّب للاّعبين الجدّد ، حسب تسديهم للكرة والتمرير ، وكذلك حراسة المرمى


وبعد ساعتين .. أخبر المدرّب إيلينا عن موافقته لضمّ إثنين منهم لفريقه ، لتنتفضّ بعصبية : 

- بل ستضمّهم جميعاً لفريقك !! 

المدرّب : لا استطيع ! فقدراتهم متفاوتة 

إيلينا : أنا أعرف قدراتهم جيداً ، ولن أسمح بتفريقهم عن بعضهم  

فهمس الأولاد لها : لا بأس يا خالة أن يختار بعضاً منّا ، فهذا قراره 

إيلينا بحزم : إمّا أن تحترفوا جميعاً او لا !! .. (ثم قالت للمدرّب) .. اريدهم أن يكونوا لاعبين اساسيين بفريقك ، وليس لاعبي إحتياط 


فقال المدرّب : هذا سيكلّفك مبلغاً إضافيّاً 

إيلينا : سأدفعه مقابل لعبهم جميعاً في مباراتك القادمة

المدرّب : المباراة القادمة حازمة ، فمن يفوز يتأهّل للعب بدوري الصغار 

إيلينا بثقة : سينجحون لا تقلق ، فأحفادي لن يخذلوني ابداً

المدرّب : يالك من سيدة عنيدة ! حسناً إحضري المبلغ قبل نهاية الإسبوع ، وإلاّ سأختار اثنين فقط 

***


بعد خروجهم من النادي ، سألوها بقلق :

- اين ستحضرين المبلغ الكبير ؟!

إيلينا : سأسافر غداً لقريتي لبيع ارض والدي 

- رجاءً لا تبيعي املاكك لأجلنا ! 

إيلينا : سأبيع كل شيء في سبيل تحقيقكم حلمي بالفوز بكأس العالم ، كما وعدتموني.. ما بكم تنظرون لبعضكم هكذا ! ألن تنفّذوا اتفاقنا؟ 

- بل سنصل للعالميّة ، لكن الأمر يحتاج لسنوات .. فأصغرنا بالعاشرة وكبيرنا في 13 من عمره ! 

إيلينا : وانا لست عجوزاً لهذه الدرجة ، سأظلّ حيّة لحين ظهوري في الصحف الدوليّة وانا أحمل كأس العالم 

فقالوا بابتسامة : نعدك أن نحقّق حلمك يا خالة إيلينا 

وحضنوها وهم يبكون إمتناناً لإيمانها الكبير بموهبتهم !

***


وبالفعل تمكّنت إيلينا من تسجيلهم معاً ضمن الفريق ، للعب ببطولة اليافعين .. حيث تمرّنوا مع مدرّبهم الجديد ، بالإضافة لتمرّيناتهم مع إيلينا في حوش منزلها في عطلة الإسبوع .. 

***


لم تفوّت إيلينا مباراة واحدة اثناء صعودهم بدوري الصغار ، كما لم ينسى الثمانية الهتاف لها مع كل هدفٍ يسددّونه :

((لافيكيا سنيورا)) !!

وبدورها ترفع يدها لتحييهم من المدرّجات ، وهي فخورة بهم 

***


وكما توقعت إيلينا ، حصلوا على كأس بطولة اليافعين بكل سهولة .. وبعد تصوّرهم معها وهي تحمل الكأس ، أخذوا يودّعونها بحزن 

فسألتهم : أتظنون بهذا الكأس الصغير نفّذتم وعدكم لي ؟

- نحن ربحنا الدوري !

إيلينا : كنت اتفقت معكم منذ البداية على بطولة العالم

- لكننا سنفترق في عدة فرقٍ إيطاليّة ، ونحتاج عشر سنوات لنصل لبطولة الشباب !


إيلينا : لا تهمّني السنوات ، طالما بالنهاية ستجتمعون ضمن الفريق الوطني المُشارك ببطولة العالم .. (ثم حضنتهم) .. نصيحتي لكم : إيّاكم والغرور ، ولا تسمحوا للشهرة والمال أن تفرّقكم عن بعضكم 

- نعدك بذلك ، بشرط اهتمامك بصحتك

إيلينا : لا تقلقوا ، لن اموت قبل تحقيق حلم والدي

***


ومرّت السنوات .. برع كل واحداً منهم في فريقه ، والذين اعتادوا على الهتاف بإسمها كلما أدخلوا هدفاً .. ليصبح هتاف ((لافيكيا سنيورا)) حديث الصحافة والجمهور !!


إلى أن تأهّلوا جميعاً لبطولة العالم ، بعد اختيارهم ضمن الفريق الوطني بسبب براعتهم في فرقهم المتعددة .. ماعدا شاب منهم ، لم يتم اختياره بعد إنخفاض مستواه إِثر إصابةٍ تعرّض لها سابقاً

وحين زارها الشباب السبعة لإخبارها بسفرهم القريب للخارج ، طلبت منهم الإتصال بصديقهم الثامن للقدوم الى منزلها ..


فوصل بعد ساعة .. ودخل بيتها عارجاً ، فصرخت في وجهه :

- إمشي جيداً يا ولد !!

- عُطبت ركبتي يا خالة 

إيلينا (السبعينية) : انت تمثّل ذلك ، لأنك خائف من اللعب في الخارج

- لست بقوّة رفاقي لأصل للعالميّة

فصفعته بقوة ، وسط دهشة زملائه ! 

إيلينا بغضب : جميعكم مدينون لي !! ولن أسمح لأيٍّ منكم بالتخاذل عن وعده لي .. جميعكم ستلعبون معاً ، لترفعوا إسم إيطاليا عالياً .. 

- لكن يا خالة ، المدرّب لم يختارني 

ايلينا : اذاً على رفاقك إجباره بذلك 

الجميع : وكيف ! 

إيلينا : هدّدوه بالإنسحاب من الفريق إن لم يضمّ صديقكم معكم 

- وماذا عن إصابتي ؟ 


إيلينا : لطالما كنت بارعاً بالحراسة ، فكنّ مسؤولاً عن صدّ كرات الفرق الأخرى .. (ثم نزلت دمعتها) .. رجاءً لا تخذلوا جدّتكم إيلينا ، فقد لا تسنح لي فرصة أخرى لتحقيق حلم حياتي  

- سنحاول يا خالة ، ولا تنسي مشاهدة مبارياتنا بالتلفاز

إيلينا : التلفاز ! بل سأراقبكم من المدرّجات ، فقد بعت ما تبقى من املاكي للسفر معكم ، بشرط أن لا تنسوا مع كل هدف .. 

فأكملوا قائلين : نهتف لك !! 

إيلينا بابتسامة : نعم ، اريد العالم أن يعرف من هي إيلينا العجوز 

فحضنوها بسعادة

***


وبالفعل انضمّ صديقهم الثامن ، بكونه حارس إحتياط .. والذي شارك اخيراً رفاقه بعد وصولهم للدور الربع النهائي ، بعد إصابة حارسهم الأساسي .. ليُفاجئ الجمهور ومدرّبه ببراعته بصدّ الأهداف !


وبسبب هتافهم لإيلينا (التي شاركت فريقها فرحتهم من المدرّجات) أجرت الصحافة حواراً معها ، أخبرتهم فيه : عن ثقتها بمهارة صغارها الثمانية ، وبدورهم عبّروا عن إمتناتهم لدعمها المتواصل لهم ... 

***


في المباراة النهائية ، أخفت إيلينا مرضها عن فريقها .. وجلست في مكانها المعتاد فوق مقاعد المدرّب .. وهذه المرة لبست الزيّ الرياضي القديم لوالدها ، بعد أن قاربت على تحقيق حلمه..

 

ووصلت المباراة الى ركلات الترجيح .. وبقيّ هدفٌ واحد : إن أدخلها الفريق المنافس ، خسرت إيطاليا البطولة .. وإن صدّها حارسهم ، ربحوا الكأس ..

فنادت إيلينا حارسها بعلوّ صوتها !! فتوقفت المباراة ، لحين ذهابه لمكانها القريب من الملعب .. لتهمس في اذنه :

- سيضع الكرة على اليسار ، فهو عسراويّ

- هل انت متأكدة يا خالة ؟!  

إيلينا معاتبة : أتشكّ بكلامي يا ولد !

- حسنأ سأتوجّه يساراً .. فإن خسرنا ، لا تلومينني 

إيلينا بثقة : لن نخسر .. فحلمي وحلم ابي ، أصبح بين يديك يا بطل!! 


وبالفعل توجّهت الكرة بقوّة لليسار ، ليصدّها الحارس ببراعة ! 

لتعلن صافرة الحكم فوز إيطاليا ببطولة العالم ، لتتفاجأ إيلينا وفريقها بهتاف الجمهور بصوتٍ واحد :  

- ((لافيكيا سنيورا)) !!! 

بعد أن حقّقت العجوز حلم الشعب بأكمله !

***


بعد تتويجهم بالميدليّات الذهبيّة ، تصوّرت إيلينا مع فريقها التي عادت معه بالطائرة الخاصة الى إيطاليا .. لتُحمل على أكتاف المشجّعين بسبب دعمها لمواهب اللاعبين الثمانية منذ صغرهم .. 

***


بعد إنتهاء الإحتفالات .. ذهب الشباب الثمانية معها الى المقبرة فور عودتهم من العاصمة .. وأعطوها الكأس ، لتضعه فوق قبر والدها .. ووقفوا خلفها ، ليسمعوها تقول له : 

((ابي .. سمعتك يوماً تقول لأمي إنها خذلتك بإنجابها لي ، بدلاً من صبيّ يحقّق حلمك بالحصول على كأس العالم ..فهل انت راضي عني الآن ؟))

***


ثم توجّهوا معها الى بيتها الصغير .. لتجد اهالي الشباب الثمانية وأهالي حيّها الشعبيّ ، قد زيّنوا بيتها ورتّبوه خلال غيابها ! كشكرٍ على دعمها لأطفالهم الموهوبين ..

 

لتعيش إيلينا شهراً كاملاً من الإحتفالات المتتالية ، قبل أن تسوء حالتها الصحيّة ، وتُنقل للمستشفى !

فزارها الشباب الثمانية (الذين أصبحوا من مشاهير الكرة العالميّة)..

فسألتهم وهي تضع قناع الأكسجين :

- سمعت إن كل واحداً منكم حصل على عقد احتراف في الخارج

- هذا صحيح يا خالة ، وكلّه بفضلك


إيلينا : اذاً انتهى عملي معكم .. وآخر طلبٍ لي : أن تحوّلوا بيتي الصغير لملعب تدريب لأولاد الفقراء ، بشرط أن تدعموهم ماديّاً ومعنويّاً كما فعلت معكم 

- هذا ما كنّا نخفيه عنك .. فقد خطّطنا لفتح نادي لدعم المواهب الصغيرة بالمناطق الفقيرة 

إيلينا بفخر : لقد أحسنت تربيتكم بالفعل ، ويمكنني مقابلة روح والدي وانا مُعتزّه بإنجازي معكم .. تذكّروني دائماً يا أحفاديّ الأعزّاء 

وكانت هذه آخر كلماتها ، قبل مفارقتها الحياة !

*** 


وفي عام 1897 .. تمّ إنشاء نادي يوفنتوس (جوفنتوس) الإيطاليّ بدعم مادي من المشاهير الثمانية .. بشعار السيدة العجوز ، تكريماً لروح الجدّة إيلينا ! 


الجمعة، 12 مارس 2021

مباراةٌ لا تنتهي

 كتابة : امل شانوحة

 

مهارات مكبوتة


بعد عودة المعلمة جاكلين الى بيتها ، حاولت التركيز اثناء تصحيحها واجبات الطلاّب ، مُتجاهلةً اصوات الركض في الشقّة التي فوقها ! 

الى أن ضاق صدرها .. ونزلت للطابق الأرضيّ لتبلغ شكوتها لحارس المبنى عن قلّة ذوق جارها ، قائلةً بعصبية : 

- إخبره أن يأمر اولاده بالتوقف عن لعب الكرة ، فأنا موظفة وأحتاج للهدوء


الحارس : لكن يا آنسة.. 

جاكلين مقاطعة : أعرف انني مستأجرة منذ يومين ، لكن الضجيج لا يُطاق يا رجل !!

- يا آنسة ، الشقة التي فوقك فارغة

- لكني أسمع صوت الكرة طوال الوقت ! ومستحيل أن يكون مصدرها الشقة المجاورة لأنها فوق رأسي تماماً ، وتتبعني أينما ذهبت ، كأنهم يقصدون مضايقتي !!

الحارس : انا أخبرتك سابقاً عن قصة العجوز التي انتحرت بالشقة ، لكنك أصرّيتِ على العيش في مبنانا المسكون 

- بسبب إيجاركم المنخفض ، ولأنني لا أصدّق بالأشباح

- اذاً سأفتح لك الشقة لتتأكّدي بنفسك ، فلا أحد رغب باستئجارها بعد تلك الحادثة

***


وحين صعدا للطابق العلويّ ، وجدتها فارغة بالفعل ! 

الحارس : ارأيتِ ، لا يوجد احدٌ هنا

جاكلين باستغراب : هل تسمح لي برؤية بقية الغرف ؟ 

- تفضّلي


وكانت جميعها عبارة عن جدران متآكلة وأرضيّة مُتربة .. وحين دخلت الغرفة الأخيرة ، وجدت كرةً قديمة هناك !

فنادت الحارس : تعال !! وجدتها 


وحين اقترب من جاكلين .. تفاجئا بتحرّك الكرة وحدها ، رغم النوافذ المغلقة ! قبل أن تُقذف بقوة ، لترتطم مباشرةً في وجهها .. مما جعل الحارس يهرب من الشقة فوراً .. ولحقته جاكلين المرتعبة ، لتجد الباب مقفلاً بأحكام ..

ورغم صراخها للحارس ، الا ان صوتها ظهر خافتاً كأن لا صدى له !


ثم سمعت دحرجة الكرة .. فالتفتت خلفها ، لتشاهد أربعة ظلال صغيرة تقترب منها ! وكان هذا كافياً لتفقد جاكلين وعيها .. 

حينها رأت مناماً غريباً :

((أربعة اولاد يلعبون الكرة بجانب الغابة ، بحماسٍ وسعادة .. لكنهم توقفوا بعد سماعهم لإمرأة عجوز تناديهم من الكوخ .. ثم رأت نفسها تركض معهم عائدةً الى المنزل ..

وجلست بجانبهم على طاولة الطعام .. لترى العجوز تسكب في صحونهم عصيدة مقزّزة ! 


فقال أكبر الأولاد بضيق :

- رجاءً جدتي ، لا تطبخي هذا الطعام الرديء ثانيةً 

فأجابته بحزم : لا اريد إعتراض !! اساساً صحتي تتدهور كل يوم ، ولم يعدّ بإمكاني خدمة البيوت .. والمال الذي ادّخرته ، انتهى قبل ايام .. ومازلتم إيها الكسالى ترفضون العمل للمساعدتي بمصروف المنزل

فأجابها الولد الأوسط : مازلنا صغاراً يا جدتي .. فأخي الكبير 13 سنة ..وانا 12.. وأخوايّ التوأمان 10 .. فأيّ عملٍ سنجيده بعد إجبارنا على ترك المدرسة ؟ 


الجدة بلؤم : لأني لا أملك مصاريف تعليمكم !! اساساً أنتم تضيعون الوقت بلعبكم السخيف ؟

فقال الولد الأصغر : نحن نتدرّب كل يوم ، لنصبح لاعبيّ كرة ماهرين

أخوه التوأم : أتعرفين يا جدتي كم يدفعون للاعب كرة القدم ؟

الأخ الأوسط بحماس : الملايين !!

الجدة : اولئك يتدرّبون في نوادي رياضية ، وانا لا أملك المال لذلك .. لهذا عليكم البحث عن وظائف ، فأنا لست ملزمة بكم ..

الولد الصغير بحزن : وما ذنبنا اننا ايتام ؟

اخوه التوأم معاتباً : لسنا ايتاماً !! أمي حيّة وستعود الينا يوماً ما ، اليس كذلك جدتي ؟ 


فتنهّدت بضيق ، قبل ان تقول :

- أظنكم كبرتم كفاية لتعرفوا الحقيقية .. امكم لا تعمل نادلة في المدينة ، بل هي فتاة ليل ..وكل واحداً منكم ، إبن أحد زبائنها ..

فسألها أحد التوأمين : لكن أخي يشبهني تماماً !

الجدة : انتما من ذات الأب ، وأخويكما من والدين مختلفين .. يعني جميعكم اولاد حرام

الولد الكبير بغضب : انت تكذبين !!

الجدة : أصمت يا ولد 


الولد الكبير : اذاً نريد الإنتقال للمدينة للعيش مع امي ، فالحياة معك صعبة للغاية

الجدة : وانا تمنّيت ذلك منذ كنتم أطفالاً ، وتركتكم اللعينة عندي لتكمل عملها القذر في المدينة .. حتى مصروفكم التي كانت ترسله لي ، توقف منذ سنة 

الكبير : إعطيني عنوان عملها وثمن الحافلة ، وسأذهب وحدي للمدينة للبحث عنها 

الجدة : لا تتعب نفسك ، فصديقتها أخبرتني منذ شهور : أن قوّادها تخلّص منها ، بعد شجارٍ حادّ بينهما

الأخ الأوسط بقلق : ماذا يعني تخلّص منها ؟!

الجدة بلؤم : يعني قتلها

الأخان التوأمان : لا !! امي حيّة


الجدة بعصبية : توقفوا عن البكاء !! هي رحلت الى الجحيم وانتهى أمرها .. وعلينا إيجاد مصدر رزق لإكمال حياتنا المزرية .. وسنبدأ البحث بعد إنتقالنا لوسط البلد ، فأنا أحتاج لعلاجٍ عاجل في المستشفى .. وحين نصل هناك ، أوظّفكم كعمّال في البقالات والمقاهي لتساعدوني بالمصروف .. أمّا كرة القدم ، فانسوها تماماً !! ... والآن إنهوا طعامكم بصمت ، وناموا باكراً .. فغداً ستساعدوني بتنظيف الكوخ ، قبل عرضه للبيع


واستمرّ الحلم الغريب ! لكن هذه المرة إنتقلت جاكلين الى الشقة العلوّية مع الأطفال ، لتجد الجدة تعاتبهم بغضب : 

- هل انتم سعيدون الآن ؟!! الجيران إشتكوا لصاحب المبنى عن  إزعاجكم المستمرّ ، بسبب لعبكم الكرة في غيابي .. الا تفهمون انني أموت بالسرطان ؟!! متى ستكبرون وتتحمّلون المسؤولية ؟ عليكم أن تفهموا إننا نعيش الآن في شقة وعلينا إحترام الجيران ، وإلا سنطرد في الشارع !!

الولد الكبير : إذاً أعيدنا الى الغابة ؟ 

الجدة : بعت كوخنا منذ سنة ، الم تستوعب ذلك بعد ؟!!


الولد الأوسط : لكننا ماهرون جداً بالكرة .. صدّقيني جدتي ، سنصبح من المشاهير حينما نكبر

الجدة بعصبية : هذا إن لم أقتلكم اولاً .. هاتوا الكرة .. هاتوها الآن!!

الإبن الصغير باكياً : ارجوك لا ترميها من النافذة ، فنحن لا نملك ثمن غيرها

الجدة : اذاً سأخبّئها في غرفتي ، وإيّاكم البحث عنها في غيابي 


ثم تغير الحلم ! لتنتقل جاكلين الى سيارة العجوز برفقة الأولاد السعداء بالعودة الى منزلهم القديم في الغابة .. لكنها شعرت بخوفهم فور نزولهم من السيارة ، وبقاء العجوز خلف المقود وهي تقول :

- لا أريد التشرّد بالشوارع بسببكم !! فصاحب المبنى أعطاني إنذاراً أخيراً ، وأنا وعدّته بإنهاء مشاغبتكم هذا اليوم

ثم أدارت المحرّك .. فسألها الصغير بخوف :

- اين تذهبين يا جدتي ؟!

الجدة بغضب : كبرتم كفاية للإعتناء بأنفسكم .. (ثم رمت الكرة لهم) ..خذوا كرتكم اللعينة ، وألعبوا لآخر يومٍ في حياتكم ايها الفاشلين !!


ثم قادت سيارتها المهترئة بعيداً ، بعد أن تركتهم وحدهم بجانب الغابة ! فانهار التوأمان بالبكاء .. 

فلم يكن امام اخاهم الأكبر (المراهق) سوى إلهائهم عمّا حصل .. فصفّر بفمه ، مُعلناً مباراة جديدة .. 

وركضوا خلف الكرة باتجاه الغابة ، كما كانوا يفعلون قبل سنتين .. 


وسرعان ما أصبحت اللعبة حماسيّة بحلول العصر .. قبل أن يقذف الأخ الأوسط الكرة بعيداً ، لتسقط فوق سكّة الحديد القريبة من المكان .. 

فذهب اخوه الكبير لإحضارها ، ليتفاجأ بإخوته يصرخون برعب :

- إبتعد بسرعة !!

فالتفت خلفه ، ليرى قطاراً سريعاً متجهاً نحوه !

فرمى الكرة لهم .. وقبل هروبه ، علقت قدمه أسفل السكّة ..

 

فركض إخوته اليه في محاولة لإنقاذه ، لتتلطّخ وجوههم بدمائه في ثوانيٍ 

وتجمّدوا في مكانهم من شدة الصدمة بعد رؤيتهم بقايا قدمه العالقة في السكّة ، التي كانت آخر ما تبقى من جسد أخيهم الكبير !


وبمرور الوقت .. حاول الأخ الأوسط لمّلمة اشلاء أخيه المُبعثرة في كل مكان لدفنها بشكلٍ لائق ، لكنه انهار بعد تقيؤه وهو يبكي بمرارة 


وهنا عاد التوأمان اليه ، وهما يقولان بيأس :

- بحثنا في الأرجاء ، لكننا لم نجد احداً يساعدنا 

واقترب التوأم الآخر منه : 

- أخي ارجوك ، دعنا نعود للكوخ قبل حلول المساء


ورغم إن الأخ الأوسط لم يستطع جمع كل الرفات ، الا انه حفر سريعاً بيده : لدفن الأطراف ، وجزءاً من جمّجمة أخيه الكبير !

ثم ذهب مُتثاقلاً مع أخويه الصغيرين باتجاه كوخهم القديم


ووصلوا هناك قبل غروب الشمس ، ليجدوا كوخهم مُهدّماً بالكامل ! وبعض أغراضهم القديمة مرمية بجانبه ..

 

فأخذ التوأمان يبحثان عن شيءٍ يأكلانه او يشعلانه في المساء .. في الوقت الذي أمسك فيه الأخ الأوسط الحبل الذي وجده بكلتا يديه ، وهو سارحٌ بخياله ! 

فنادياه من بعيد : إبحث معنا عن الطعام ؟!!

لكنه ظلّ يردّد بداخله ، بتأنيب ضمير :

((انا رميت الكرة بعيداً .. انا قتلت أخي))


وبعد دقائق ، صرخ أحدهم : وجدت شجرة تفاح !!

فأسرع اخوه التوأم اليه ، وأخذا يقطفان التفاح ويأكلانه بشهيّة لسدّ جوعهما 


بعد قليل ، لاحظا إن أخاهم الأوسط لم يلحقهما ! فتوجها للمكان الذي كان فيه ، ليجدانه مشنوقاً على الشجرة !

وانهارا بالبكاء الشديد ، بعد أن أصبحا وحدهما في الغابة الموحشة .


وبعد شعورهما ببرد المساء ، دبّ اليأس في قلوبهما الصغيرة .. وما أن سمعا صافرة القطار من بعيد ، حتى خطرت ببالهما الفكرة ذاتها ..وأسرعا نحو سكّة الحديد .. وأمسكا يديهما بقوة ، وأغمضا عينيهما تجنّباً لأنوار القطار الساطعة وهو يقترب نحوهما مُسرعاً 


وقال لأخيه بعلوّ صوته :

- لا تخف ، سنجتمع بهم قريباً !!

فنادى الآخر باكياً : امي ، إنتظرينا !!

***


وهنا استفاقت جاكلين من كابوسها المزعج ، لتجد نفسها مازالت في الشقة العلويّة ..والكرة تتدحرج حولها ببطء !


فجلست وهي تحاول إلتقاط انفاسها ، بعد رؤيتها لموجز الحياة الصعبة التي عاشها اليتامى الصغار ! 


ثم قالت بصوتٍ مسموع :

- الآن فهمت لما عذّبتم جدتكم بحرمانها من النوم ، بعد أن أصبحتم ارواحاً .. فبانتحارها حصلتم على انتقامكم ، أليس كذلك ؟ 

فأخذت الكرة تقفز بقوة امامها ، كأنهم موافقين على كلامها ! 


فاستجمعت قواها لحمل الكرة وهي تقول :

- لا يحقّ لأحد أن يمنع الأطفال من اللعب .. هيا بنا ، سآخذكم الى الملعب 


وحين حاولت فتح باب الشقة ، وجدته مقفلاً ..

جاكلين : هيا يا صغار ، الا تريدون اللعب ؟ إفتحوا الباب 

فانفتح الباب وحده .. ونزلت بالمصعد نحو سيارتها .. 


وحين شاهدت بمرآتها الأمامية : الكرة تتدحرج فوق المقاعد الخلفية ، عرفت ان ارواح الصغار الأربعة معها بالسيارة ! 


ورغم خوفها من مرافقتها للأشباح ، الا انها قالت لهم : 

- لا تجعلوا السائقين الآخرين يلاحظون تحرّك الكرة وحدها ، كي لا توقفني الشرطة

فتوقفت الكرة في مكانها !


وظلّت تقود ، الى أن وصلت لملعبٍ مهجور موجود بأطراف المدينة  


ودخلت الى هناك وهي تحمل الكرة التي وضعتها في منتصف الملعب المليء بالأعشاب البرّية العشوائية .. 

وبعد أن نظرت نظرةً أخيرة لمدرّجاته المُهدّمة ، قالت بصوتٍ عالي:

- ستبدأ المباراة !! هل انتم جاهزون ؟!!


وصفّرت بفمها ، لترى الكرة تتحرّك بقوة باتجاهين مُعاكسين ! فعلمت انهما انقسما الى فريقين .. 

وأسرعت مُبتعدة عن الملعب ..

 

ثم ركضت نحو سيارتها ، بعد أن تركتهم يكملون لعبتهم التي لن يجرأ أحد على إيقافها ، في مباراةٍ حماسية لا نهاية لها !  

***


جاكلين وهي تنظر للكاميرا : 

((قد تظنون انني قوية لتخلّصي من الأشباح ، لكني بالحقيقة محظوظة لأن قلبي لم يتوقف من شدة الخوف .. وحتى اليوم لا يعرف سكّان العمارة سبب توقف الضجيج فجأة في مبناهم ، الذي استمرّ لسنواتٍ طويلة .. ورغم الهدوء الذي نعِمنا به ، الا أنني إنتقلت سريعاً الى مبنى آخر يبعد أميالاً عن العمارة المسكونة (سابقاً) خوفاً من عودة الملاعيين الصغار .. لكن حظّي العاثر جعلني أقيم تحت شقة فيها اولاد مشاغبين آخرين ! ومع ذلك أقنع نفسي بأن عليّ تحمّل الجيران ، وإن من حقّ الصغار أن يلعبوا من وقتٍ لآخر .. هذا إن كان هناك اطفالاً فوقي بالفعل ، لكني لا أجرأ على التأكّد من ذلك ثانيةً !))


******

ملاحظة : 

قبل ايام ، صعد أخي الى الشقة التي فوقنا لإخبار جارنا عن إنزعاجنا من ركض اولاده المتواصل منذ الصباح حتى آخر الليل كل يوم .. لكنه أخبره إنه يعيش وحده مع زوجته بعد تزويج ابنه الوحيد قبل شهور ، وأنه ليس لديهم احفاداً بعد .. الغريب إن الضجيج توقف بعد هذه الشكوى ! 

فعدا عن قصتي الخيالية ، هل لديكم تفسيراً منطقياً لهذه الحادثة الغريبة ؟!  


الثلاثاء، 23 فبراير 2021

لاعبة الكاراتيه

 تأليف : امل شانوحة

الأنوثة الضائعة


وقف الممثلان قرب سفينةٍ راسية على الميناء مع المنتج العربي الذي يتقن القليل من لغتهما التركيّة ، بانتظار قدوم المترجم 


وبعد إقفال المنتج جواله ، قال لهما بلغته الرقيقة : 

- إتصلت بالمترجم ، وأخبرني انه مريضٌ جداً 

الممثل التركي : وكيف سنتناقش موضوع الفيلم ؟!


فلم يفهم المنتج ما قاله ، قبل أن تترجمه صبيةٌ صغيرة (15 سنة ، تلبس ملابس كاراتيه بحزامٍ أسود) صادف مرورها بجانبهم .. 

فسألها المنتج إن كانت تتقن التركية ، فأجابته بالعربي :

- امي تركية ، وهذه السفينة السياحية ملكاً لوالدي .. تفضّلوا بالدخول !! الرحلة ستبدأ بعد قليل ، ولدينا طعامٌ لذيذ

وترجمت كلامها للممثلين اللذين وافقا على اقتراحها ..


وهنا سمعوا رجلاً ينادي الصبيّة من السفينة ..

- إيلين !! اين انت ؟

فقالت لهم بارتباك :

- تأخّرت على التمارين ، عليّ الذهاب  

المنتج : ألن تترجمي لنا ؟


لكنها أسرعت للداخل ، بينما توجهوا الى المطعم الموجود في الطابق العلويّ للسفينة.. 


وفي الوقت الذي كان فيه المنتج يطلب لهم الغداء ، كان الممثلان يشاهدان تمارين الكاراتيه التي تُجرى على سطح السفينة .. 

ويبدو إن مدرّبهم هو والد إيلين الذي أجبرها على منافسة بقيّة اللاعبين من الأولاد المراهقين بعد هجومهم عليها بالعصا ! لكنها استطاعت صدّهم ببراعة ، على حسب توجيهاته الصارمة 


ورغم تأذّيها في المباراة ، الا انه لم يعالج جروحها الا بعد إطلاق صافرته! 

وبعد نزول اللاعبين من السفينة ، أعطى والدها الأوامر للقبطان لبدء الرحلة البحريّة ..


وهنا نادى الممثل إيلين من فوق :

- إن أنهيتِ تدريباتك ، هل يمكنك الترجمة لنا ؟ فنحن نريد توجيه الأسئلة للمنتج ، قبل توقيع العقد المشترك بيننا !!


فتشاورت مع والدها اولاً ، قبل أن تجيبه بصوتٍ عالي :

- وافق ابي ، بشرط وصولي اليكم في عشرة ثواني

الممثلة باستغراب : كيف !


وإذّ بها تنطلق بسرعةٍ هائلة ، بعد إطلاق والدها صافرته وهو ينظر في ساعة التوقيت .. لتقوم هي بالقفز فوق الأدراج والأسطح (كلاعبيّ الباركور) الى أن وصلت للطابق العلويّ وهي تتصبّب عرقاً .. 


ثم أطلق والدها صافرته ثانيةً ، وهو يناديها من الأسفل :

- 9 ثواني !! يمكنك الترجمة لهم 

إيلين بحماس : ممتاز !! شكراً ابي 


ثم قالت لهم ، وهم مذهولين من وصولها بهذه السرعة ! 

- سأذهب للإستحمام سريعاً وأعود لكم ، لن أتأخر


ونزلت بسرعة الأدراج باتجاه غرفتها ، تاركةً الممثلين يتحدّثان عن لياقتها البدنيّة المميزة !

***


بعد نصف ساعة .. عادت لهم وهي تلبس فستاناً زهريّاً ، وشعرها الناعم مُنسدلٌ فوق كتفيها .. حيث بدت بكامل أنوثتها ، رغم الرضوض وآثار الجروح على ذراعيها بسبب الرياضة الخشنة


وجلست معهم لترجمة مقابلة العمل .. الى أن وافقا بعد ساعة على شروط المنتج .. 

وبعد توقيعهما العقد ، لم يرغبا العودة الى الفندق .. 


فركب المنتج في قاربٍ صغير لإعادته الى الساحل ، بينما أكمل بقيّة السوّاح رحلتهم التي تستمرّ يومين في عرض البحر 

***


بعد رحيل المنتج .. سألها الممثل عن حياتها ، فأجابته إيلين بحزن :

- تطلّق والدايّ ، وعمري 6 سنوات .. ولم أرها منذ عودتها الى بلادها .. ولأجلها تعلّمت اللغة التركية .. مما أغضب والدي ، فهو يصرّ أننا لن نلتقي ثانيةً ! 

فسألتها الممثلة : هل كان والدك مُدرّب كاراتيه ، قبل شرائه هذه السفينة السياحية ؟

- نعم ، وكان مرشّحاً للبطولة العالمية في شبابه ، لكن إصابته بحادث سير منعه من المشاركة .. بعدها تزوج امي وهو يتمنى صبيّاً يُحقّق  حلمه .. لكنه لم ينجب سوايّ ، لهذا يعاملني على إنني ولد .. ودائماً ما قصّ شعري مثلهم .. الا انني السنة الفائتة أصرّيت على تطويله ، مع إبقائه مربوطاً طوال فترة التمرينات .. فنحن سنسافر بنهاية السنة الى اليابان للإشتراك ببطولة العالم لكاراتيه النساء ، فأنا أمثّل بلدي بعد وصولي للنهائيات .. ورغم كرهي لهذه الرياضة العنيفة ، الا انني أجتهد بالتمرينات على أمل أن تراني أمي في التلفاز عند نقلهم المباريات الدولية ، فهي تعلم هوس ابي بهذه الرياضة بالذات 


وهنا دخل والدها المطعم .. وأشار لها من بعيد ، لتجلس معه على طاولته:

إيلين بيأس : عليّ الذهاب .. فغدائي يجب أن يحوي بروتينات وكالسيوم لتقوية عظامي .. ورغم حبي الشديد للحلويات ، الا انه يحرمني منها لحين انتهاء البطولة اللعينة .. 


ثم شاهدا من بعيد : كيف أن والدها إنتقد فستانها ! وأجبرها على ربط شعرها ، قبل شربها مرق اللحم على مضضّ .. 


فقال الممثل لزميلته :

- انا حزينٌ عليها ، فهو يدمّر أنوثتها الرقيقة ! 

الممثلة : الآباء يظلمون اولادهم حين يجبروهم على تحقيق احلامهم الضائعة

- أودّ مساعدتها

- كيف ؟

- سأجري إتصالاً مع السفارة التركية 

- هل تفكّر بإيجاد امها ؟

الممثل : نعم ، هي قالت انها تعيش في إزمير .. سأحاول إيجاد عنوانها 

- أخاف أن يتشاجر والدها معك ! 

- سنُخفي الأمر عنه 

*** 


بحلول المساء ، ساعدتهما إيلين باختيار غرفهما في السفينة (التي تشبه الفندق العائم بحجمٍ صغير) .. من بعدها ذهبت الى غرفتها ..

***


في الصباح الباكر .. إستيقظ الممثل التركي لتدخين سيجارته على سطح السفينة ، ليتفاجأ بالأب يدرّب إيلين هناك ! ويبدو انهما مستيقظان منذ الفجر ، بسبب الإرهاق الواضح على الفتاة التي كانت تلهث من كثرة التمارين ، لدرجة انها انهارت بالبكاء مُترجيّة والدها أن ترتاح قليلاً ! ويبدو ان ذلك ضايقه ، لأنه جلد قدمها بالعصا .. قبل تركها تبكي ، ليعود الى غرفته غاضباً 


فاقترب منها الممثل :

- لا يحقّ له أن يعذّبك هكذا ! 

فمسحت دموعها : بقيّ أمامنا ستة أشهر على البطولة العالمية ، لذا علينا تكثيف التمارين 

- ستة أشهر وقتٌ طويل !

- ليس بالنسبة لوالدي .. 

- إيلين ، إسمحي لي بمساعدتك ..

- لا شيء يريحني سوى الموت


وتوجهت الى غرفتها كئيبةً حزينة ، بينما كان الممثل عازمٌ على إيجاد والدتها لإنقاذها من جبروت والدها .. لهذا أجرى العديد من الإتصالات طوال النهار

***


في المساء .. طلب الممثلان من إيلين مرافقتهما على العشاء ، فوافق والدها بشرط ان تأكل الطعام الصحيّ فقط ..


بعد إنهاء طعامها .. وضع الممثل ورقة صغيرة في يدها ، وهو يقول بصوتٍ منخفض :

- لا اريد موظفين والدك أن يروا الورقة التي فيها رقم جوّال امك

إيلين بصدمة : امي !

- نعم .. إتصلت بالسفارة ومكتب الأحوال الشخصية بإزمير ، الى أن حصلت على رقمها الخاص .. هل لديك جوّال للإتصال بها ؟


فأخرجت جوّالها القديم من جيبها ، فسألتها الممثلة :

- والدك يملك سفينة سياحية ، ولم يشتري لك جوّالاً حديثاً !

إيلين : هو لا يريدني ان أنشغل بوسائل التواصل الإجتماعي ، لهذا أعطاني جوّاله القديم لإجراء الإتصالات الهاتفية فقط .. 


ثم وقفت وهي تقول بقلق :

- سأتصل بأمي .. مع اني خائفة أن لا تتذكّرني

فأمسكت الممثلة يدها مُهدّئة : أظنها ستعرفك منذ سماعها صوتك


ونزلت إيلين مُتوجهةً الى سطح السفينة .. بينما راقبها الممثلان من فوق (من المطعم) .. 

وكان واضحاً عليها الإرتباك وهي تقلّب الورقة بين يديها ، الى ان تجرّأت أخيراً على الإتصال بامها ..

وما أن قالت : ((الو ..امي 

حتى شاهداها تنهار باكية ! ويبدو ان امها تنتظر مكالمتها منذ مدة طويلة 


لكن فجأة ! ظهر والدها من خلفها ، والذي هجم فور سماعه كلمة (امي) .. وسحب الجوّال من يدها ، ورماه في البحر 

وحين حاولت إيلين الإعتراض ، صفعها بقوة .. ثم شدّها من ذراعها بعنف  باتجاه غرفتها..


فصرخ الممثل من فوق :

- دعها يا رجل !!

فأجابه الأب بالتركية التي يتقنها :

- أأنت الذي ساعدتها بإيجاد امها ؟!!


فسكت الممثل بعد رؤيته نظرات الأب الغاضبة اتجاهه ! والذي أكمل قائلاً بعصبية :

- لا تتدّخل فيما لا يعنيك ، والا سأطلب من عمّال سفينتي إعادتك الى الساحل فوراً .. هل فهمت ؟!!


وعاد لسحب ابنته التي نظرت للممثل بعيونٍ خائفة ، قبل إدخالها عنوةً الى غرفتها 


فلم يستطع الممثل تحمّل ما حصل ، وأسرع بنزول الأدراج ..

ولحقته زميلته التي استطاعت منعه من اقتحام غرفة إيلين :

- هل جننت ؟!! سيقتلك والدك إن دخلت اليها

الممثل بقلق : الا تسمعين صراخها ؟ هو يجلدها بالعصا 

- لا يمكننا التدخل بأمورهما العائلية .. رجاءً دعنا نعود الى المطعم 


وبصعوبة أعادته الى الطابق العلويّ .. لكنه ظلّ يراقب الوضع من فوق .. لحين خروج الأب من غرفة إيلين ، وذهابه وهو يزمجر غاضباً الى غرفته الموجودة في الجهة الخلفية للسفينة


الممثل : سأنزل للإطمئنان عليها ؟

الممثلة : إن رآك في غرفتها ، سيقتلكما انتما الإثنين

- اذاً تعالي معي 


ونزلا الى هناك ، ليجدا بابها مفتوحاً قليلاً .. 

وكانت واقعة على الأرض ، وأغراضها محطّمة من حولها !  


فأسرع الممثل بحمل إيلين ووضعها على السرير .. ليرى عينها المتورّمة من لكمة والدها ، وهي تنزف من شفّتها المشقوقة .. وقميصها الأبيض ملطّخاً بالدماء ، بعد ان جلدها بالعصا على ظهرها وقدميها ..


الممثل بحنق : سأبلّغ الشرطة عن عنف والدك

إيلين بألم : رجاءً لا تفعل

الممثل بقلق : سيقتلك يوماً ما 


فحاولت إيلين تغير الموضوع : أمي عرفتني على الفور ! بكت كثيراً حين سمعت صوتي .. قالت انها متشوّقة لرؤيتي .. هي تزوجت ثانيةً  ..وأصبح لديّ أخاً وأخت ، هما في سن السادسة والخامسة 

الممثل : إسمعي إيلين .. لن أتركك هنا ، ستسافرين معنا غداً 

الممثلة : وكيف ستسافر دون جواز سفر ؟!

إيلين : ابي جدّد جوازي لأجل البطولة العالمية

الممثل : جيد ، اذاً إحزمي أمتعتك .. سنتوجه للمطار فور عودتنا الى الميناء ، وسأتصل بأمك لانتظارك في المطار


زميلته : الم يكن سفرنا بنهاية الإسبوع ؟ 

الممثل : سأقرّب موعدي .. إن أردّت البقاء هنا ..

زميلته مقاطعة : لا ، سأسافر معكما 

إيلين : ماذا عن البطولة ؟

الممثل : لستِ مسؤولة عن تحقيق احلام والدك 

زميلته : عزيزتي .. لا تخبري والدك بشيء ، والا سيمنعك من السفر 

إيلين بحزن : انا متعبة من العيش معه ، فلا شيء يرضيه ! واريد رؤية امي واخوتي

الممثل : اذاً اتفقنا

***  


في عصر اليوم التالي .. جلست إيلين امام نافذة الطائرة ، بجانبها الممثلين 


وقبل إقلاع الطائرة ، طلبت إجراء إتصالٍ أخير بأبيها .. 

فأعطاها جوّاله ..

الممثل محذّراً : لا تخبريه بعنوان امك او رقمها

إيلين : اريد إعلامه أنني تركت البلد ، كيّ لا يبحث عنيّ مطوّلاً 


واتصلت لتقول بصوتٍ مرتجف :((ابي .. نعم آسفة لأني تركت السفينة دون إذنك .. لا ابي لن أحضر التدريبات .. ابي إسمعني رجاءً .. انا الآن في الطائرة .. سأسافر لرؤية امي ...


وما ان ذكرت والدتها ، حتى ظهر صوت صراخه من الجوال .. فأغلقت إيلين السمّاعة بيدها ، وهي تحاول تمالك نفسها .. 

فهمس لها الممثل :

- هل يشتمك ؟

فأومأت إيلين برأسها إيجاباً ..

الممثل : إذاً إنهي المكالمة

إيلين : لا تقلق ، سيغلق جواله بعد قليل


وبعد دقائق من صراخه المتواصل ، أنهى المكالمة .. 

فأعادت الجوّال الى الممثل ، ثم أدرات رأسها للنافذة كيّ لا يريا دموعها التي تنساب بغزارة وهي تستذكر طفولتها الصعبة

***


بحلول المساء ، حلّقت الطائرة فوق تركيا .. فتغيّرت معالم وجهها ، قائلةً بابتسامةٍ عريضة : 

- وصلنا أخيراً !! امي هناك اليس كذلك ؟

الممثل : نعم ، امك تنظرك في المطار على أحرّ من الجمر

إيلين بقلق : أخاف ان يضايقها وجهي المتورّم

- أخبرتها قبل توجهنا للمطار بموجز ما حصل ، واستاءت كثيراً .. وفي نفس الوقت شكرتني لإنقاذك من ذلك الوحش

الممثلة : هيا إنهي عصيرك يا إيلين ، سنهبط بعد قليل

***


بعد هبوط الطائرة .. طلب الممثل من إدراة المطار إدخال ام إيلين الى غرفةٍ خاصة بالشخصيات المهمّة .. 


والتقيا هناك ، لتنهار الأم باكية فور رؤيتها آثار التعذيب على وجه ابنتها وذراعيها .. 

بينما كانت إيلين فرحةً جداً بالتعرّف على عائلة امها الجديدة .. 


وودّعها الممثل بعد إعطائها رقم جواله الخاص ، ليخرج مع زميلته من الباب الخارجيّ بعيداً عن المعجبين ..

*** 


بعد شهور .. إتصلت إيلين بالممثل الذي سألها عن أحوالها ، فأجابته:

- زوج امي طيبٌ للغاية ، وإخوتي تعلّقوا بي كثيراً .. وسجّلتني امي بالمدرسة الثانويّة .. واتصلت لإخبارك انني أرسلت بالبريد تذكرتين لحضور بطولة الكاراتية التي ستقام في اليابان بعد ايام

الممثل باستغراب : أمازلتي ستسافرين للبطولة ؟!

- نعم

- لكن والدك سيكون هناك مع فريقه !

- وأنا من ضمنهم

- كيف ؟


إيلين : ابي درّبني لسنوات لأجل هذه اللحظة ، ولا أريد تحطيم حلمه .. لهذا اتصلت به وأخبرته انني أكملت تماريني مع مدرّبٍ خاص ، وبأني مستعدة لدخول المنافسة

- وماذا كان جوابه ؟

- سخر من فيديو تدريباتي الذي أرسلته له ، قال إنه لا يناسب مهارة المنافسين في البطولة .. وحين أصّريت على المشاركة ، وافق على مقابلتي هناك .. وأريدك ان تكون موجوداً بين الحضور ، إن لم تكن مشغولاً

- سأتصل بزميلتي لأرى ان كنّا سنسافر معاً .. لكن حذاري العودة مع والدك الى الوطن

إيلين : لا ، هو يعلم انني سأكمل دراستي في تركيا .. قال بأنني أرحته من همّي ! يبدو ان طباعه القاسية لن تتغير ابداً .. المهم ، سأراك قريباً

***


لاحقاً إجتمعوا في اليابان .. حيث امتنع والدها السلام على طليقته التي جلست مع عائلتها في المدرّجات قرب الممثليّن ، لتشجيع إيلين بحماس ..


وفي البداية .. رفض والدها الكلام معها او إعطائها نصائحاً الرياضية ، واكتفى الإهتمام بفريقه .. فتكفّل مدرّبها الخاص بذلك ..

لكن بعد فوزها على عدّة مشتركات ، ووصولها للنهائيات .. طلب من مدرّبها أن يهتم بها في المباراة الختامية .. 

فكتمت إيلين سعادتها بموافقة والدها أخيراً على الوقوف بجانبها في المرحلة الأخيرة


الاّ أن منافستها اليابانبة كانت قوية جداً ، وأطاحتها أرضاً اكثر من مرة .. فصرخ عليها والدها بفترة الإستراحة :

- لوّ بقيت معي ، لما خسرتي الآن !!

- انا لم أخسر بعد !

- قلت لك ألف مرة أن تبتعدي عن امك ، لكنك تصرّين على عصياني

إيلين : هي امي ، ومن حقي ان أراها 

- هي تخلّت عنّا ، الا تفهمين ؟!!

- أنا لا ألومها على طلبها الطلاق ، فلا أحد يتحمّل قساوتك 

- أهذا ذنبي لأني أردّتك قوية ، لتدافعي عن نفسك 

- لعبة الكاراتيه لا تناسب الفتيات ، متى ستقتنع بذلك يا ابي؟!!  

الأب بلؤم : ليت امك أنجبت لي ولداً ، بدلاً من فتاةٍ عاقّة مثلك


وهنا رنّ جرس المباراة .. فعادت إيلين للحلبة وهي تشعر بغضبٍ شديد من والدها الذي لم يرضى يوماً بوجودها ! مما جعل الأدرينالين يتدفق في دمها ، لتهجم بشراسة على منافستها التي تفاجأت بقوة ضرباتها وركلاتها المتتالية ، التي جعلتها تنهار وتسقط أرضاً ! 

ليُسرع الحكم برفع يد إيلين ، مُعلناً فوزها بالبطولة ..


مما جعل والدها يُهلّل فرحاً ، ويهتف بعلوّ صوته بعد أن حملها على كتفه :

- هذه ابنتي !! ابنتي البطلة !!

ولأول مرة في حياة إيلين ، تشعر بفخره بها ! 


ولاحقاً.. قفز بسعادة وهي ترفع الكأس عالياً ، وسط تصفيق الجمهور ..

***


بعد توزيع الجوائز على المشتركات الثلاثة الأوائل .. توجهت إيلين الى والدها لإعطائه الكأس :

- هذا لك ابي

- الن تحتفظي به ؟!

- هو حلمك انت .. اما حلمي : أن أعيش بسعادة مع امي واخوتي

الأب : ألن تعودي معي الى الوطن ؟!

فحضنته للمرة الأخيرة وهي تهمس في أذنه : إهتم بنفسك جيداً  


ثم توجهت الى مدرّجات الجمهور .. لتحتضن والدتها واخوتها ، وتسلّم على الممثلين اللذين باركا فوزها .. 


بينما عاد والدها للإحتفال مع فريقه بالكأس ، وهو يُخفي حزنه على فقدان ابنته التي لم يعاملها جيداً ، وهو مُمتنّ لتنفيذ وعدها بتحقيق حلمه الذي لم يكن يوماً هدف حياتها !


لانش بوكس المدرسي (قصة اطفال)

تأليف : امل شانوحة  الحفاظ على النعمة داخل الثلاجة .. تنهّدت نصف شطيرة الجبنة بحزن :  - أخشى ان ينتهي أمري في سلّة النفايات ، فلا أحد يُكم...