الجمعة، 27 أكتوبر 2017

إنتقامٌ في المشرحة

تأليف : امل شانوحة


انتقام,مشرحة,مخيف,قاتل,سفّاح,جثث 
انا أرى قاتلهنّ !

كانت (إيلين) أمهر طبيبة مُشرّحة في مدينة جورجيا الأمريكية .. حيث عُرفت بحلّها لأصعب الألغاز المتعلّقة بموت او مقتل الجثث التي عملت عليها بمساعدة الشرطة الجنائية .. ولهذا كان من المنطق إستدعائها للعمل على حلّ لغز السفّاح المتسلّسل الذي نشر الرعب بين نساء المدينة , بعد ان قتل أكثر من ثلاثين فتاة وسيدة بأقل من سنة ! 

وفي يوم وصول إيلين الى المشرحة التي امتلأت بجثث النساء المجهولات الهوية بعد ان تمّ تشويه وجههنّ وقطع اصابعهنّ ممّا صعّب التعرّف عليهم , قامت على الفور بفحص أجساد بعضٍ منهنّ , وقراءة ملافّاتهنّ .. 

ومن ثم سألت المحقق :
إيلين : مكتوبٌ هنا انهنّ ماتوا جميعاً بعد خنقهنّ بوشاحٍ حريري , دون ان يظهر ايّ اعتداءٍ آخر عليهنّ , حيث جرت عمليات التشويه بعد موتهنّ وليس قبله ؟! 
المحقق : هذا صحيح .. فالقاتل خنقهنّ حتى الموت دون إستغلالهنّ جسدياً , بل حتى انه لم يسرق أموالهنّ ..وهذا الغريب في الموضوع !
- الأمر به لغز بالتأكيد , خاصة انه لا يوجد ايّ مشترك بينهنّ سوى انهنّ جميعاً قدِمنا من القرية التي بجانب غابات جورجيا , حيث انه مسقط رأسي ايضاً ! 
المحقق : أعرف , ولهذا اخترناك انت بالذات , فلربما تعرّفتي على إحداهنّ 
- كيف وهنّ مشوّهاتٌ هكذا ! 

- معك حق .. كما ان هناك مشترك ثاني بينهنّ : وهي وسيلة القتل الواحدة 
- واين هي الأوشحة التي خُنقهنّ بها ؟ 
- تم إزالتها من قِبَل المشرّح الذي كان يعمل قبلك 
- وهل توجد جثة جديدة مازال في رقبتها الوشاح ؟
- نعم توجد واحدة الآن في الثلاجة رقم 121 ..أحضروها البارحة إلينا , ولم يتم فحصها بعد
- هذا جيد , فأنا اريد الكشف عليها دون ان يعبث أحد بالأدلة 

ثم طلبت من عامل المشرحة إخراج الصبيّة المخنوقة كيّ تراها ..ومن ثم تركها العامل والمحقق وحدها في المشرحة لتقوم بعملها 
***

وبعد ان كشفت عليها الطبيبة تأكّدت بنفسها إن جسم الفتاة الصبيّة لم يُمسّ رغم جمالها الفائق الذي لم يشوّه على عكس البقيّة ! لكن الأغرب كان ما حصل لإيلين بعد ان وضعت يدها على الوشاح المربوط حول رقبة المجني عليها , حيث شعرت بشيءٍ روحي غير مفهوم يسحبُها نحو الماضي ! 

فقد رأت نفسها تقف بالقرب من إمرأةٍ ليس لها ملامح واضحة , وتبدو بأنها تعرّضت لحادث إصطدام مروري  
وكانت إيلين (في الرؤية) تحاول مساعدتها , لكن المرأة حاولت إبعاد يد الطبية عنها بخوف :
- ارجوك لا تقتليني يا إيلين !! ارجوك لا تفعلي !!

ثم عادت إيلين للواقع بعد ان أرعبها المشهد .. وصارت تتمتمّ بخوف :
- ماذا يحصل ؟! مالذي رأيته الآن ؟! وكأنني تلبّست في جسد القاتل !

وقد قضّت هذه الحادثة الغريبة مضجع الطبيبة , حيث ظلّت تفكّر بالأمر طوال الليل , وكأن ما رأته أعاد اليها بعض الذكريات التي حاولت نسيانها منذ مدّة طويلة !
***

وبعد ايام من الفحص والتشريح , لم تقدّم إيلين ايّ شيء جديد للتحقيق , فالجثة كانت كبقيّة الجثث : حيث تمّ خنقها حتى الموت دون سببٍ واضح 
***

وبعد شهرٍ واحد .. وصلت للمشرحة جثة سيدة خُنقت ايضاً بوشاحٍ حريري , لكن الجديد في الموضوع : انه كان هناك ورقة عُلّقت بدبوس في طرف الوشاح , مكتوباً فيها :
((يصل الى يدّ الطبيبة إيلين شخصياً))
ممّا أرعبها وأرعب فريق المحققين , فكيف للقاتل ان يعرف بإسم الطبيبة الموكّلة بتشريح الجثث ! 

حتى انه وصل الأمر الى ان يظنّ المحققّ المسؤول عن القضية بأن هناك شرطياً فاسداً بينهم يُسرّب المعلومات للسفّاح 
ثم جاء دور إيلين بفحص الجثة الجديدة .. 

لكن ما ان حاولت فكّ الوشاح المشدود حول رقبة الجثة حتى حصل الأمر ذاته , فقد رأت رؤية مخيفة أخرى : 
وهي ان السيدة المقتولة إستفاقت فجأة من موتها , وأمسكت يد الطبيبة بعنف , قائلةً :
- لما قتلتني يا إيلين ؟ لما حرمتني من ابني ؟ 

فانتفضت إيلين مُبتعدةً عن الجثة .. فانتبه المحقق (الذي كان يقف بجانبها) للرعب البادي على وجهها , فسألها بقلق :
- ماذا هناك دكتورة إيلين ؟ مالذي أخافك هكذا ؟!
فأجابته بتلعثم : لقد كلّمتني الجثة للتوّ !
فابتسم بسخرية قائلاً : أحقاً .. وماذا اخبرتك هذه الملعونة ؟
فلاحظت الطبيبة تعابيره الساخرة , فحاولت تغير الموضوع 
- لو سمحت .. خذّ الشرطي الذي معك , واتركاني أفحص الجثة بهدوء 

وبعد خروجهما , قال للشرطي باستهزاء..  
المحقق : يبدو انها بدأت تفقد عقلها 
الشرطي : هذا وهي رأت عندنا جثتين فقط , فماذا نقول ونحن نرى الجثث كل يوم

وفي داخل المشرحة .. 
إقتربت إيلين بحذر من الجثة ووضعت يدها مجدّداً على كتف المرأة المقتولة لكنه لم يحدث شيء ! فعرفت انها لا ترى تلك الرُؤى الاّ بعد لمسها للأوشحة .. وبيدٍ مُرتجفة إقتربت شيئاً فشيئاً منه .. 
وبالفعل !! ما ان لمست آداة الجريمة , حتى عادت لترى رؤية جديدة .. 

حيث شاهدت كيف حصلت الجريمة ! فالمرأة العجوز كانت خرجت من سيارتها بعد ان توغلت بالغابة , بسبب إنفجار إحدى إطارات سيارتها .. وفي هذه اللحظات !! قام القاتل المقنّع , المختبأ هناك (بعد ان نثر المسامير على طول الطريق) بالهجوم عليها وطرحها أرضاً .. 

ثم شاهدت الطبيبة إيلين تلك العجوز وهي ترجوه بأن لا يقتلها , لكنه جثى فوقها بعد ان أخرج وشاحاً حريري من جيبه ولفّه بإحكام حول رقبتها , وهو يقول لها :
- أعتذر عن قتلك يا سيدتي , لكنك لست المعنية بالأمر .. بل أريدها هي !!
وآشار الى الطبيبة إيلين التي كانت تقف بجوارهما .. 

وقد أرعبها المشهد كثيراً , حيث تراجعت الى الخلف لتُسقط الأدوات الجراحية الموجودة قرب جثة العجوز في المشرحة (بعد ان عادت لواقعها)

فصارت إيلين تلهث بخوف , وهي تقول في نفسها برعب :
- مالذي يحصل معي ؟! ولما يريد القاتل خنق كل هؤلاء النّسوة لينتقم مني ؟ فأنا لم اؤذي أحداً في حياتي !

ومع الأيام .. بدأ الموضوع يُصيب إيلين بالإرهاق , حتى إنها فكّرت بترك المهمّة لمشرّحٍ آخر , الاّ ان المحقق (المسؤول عن القضية) رفض طلبها 
***

وفي خلال الأشهر التالية .. حدث الأمر ذاته للطبيبة مع ثلاثة جثثٍ أخرى .. حيث كانت تُشاهد طريقة موتهنّ بمجرّد لمسها للوشاح الذي قُتلن به , لكنها لم تُخبر أحداً بذلك لأنهم حتماً لن يصدّقوها ..
***

امّا في هذا اليوم بالذات ..فقد حدث شيءٌ كبير ! حيث وصلت للمشرحة جثة طفلة في العاشرة من عمرها , خُنقت حتى الموت بعد خروجها من المدرسة ..
وعندما كانت الطبيبة بمفردها في المشرحة , إقتربت من جثة الصغيرة وهي تقول :
- حسناً , لأرى كيف قتلك هذا اللعين 

لكن هذه المرّة رأت شيئاً مهمّاً (بعد ان وضعت يدها على الوشاح المشدود حول رقبة المجني عليها) 
فقد شاهدت تربّص القاتل المقنّع خلف بعض الأشجار القريبة من المدرسة , ثم هجومه اللاحق على الطفلة التي حاولت بشجاعة الهرب منه , الاّ انه تمكّن من خنقها في النهاية .. 

لكن وقبل ان تعود ايلين للواقع , شاهدت القاتل يقترب من وجهها (حيث كانت الطبيبة كالعادة تقف بجوارهما في الرؤية) ثم نزع قناعه , لترى إيلين وجهه بوضوح : فهو كان شاباً أشقر الشعر , بعيونٍ عسلية .. كما ان هناك أثراً قديماً لجرح في وجنته .. وقد قال لها (في الرؤية) :
- خنقتهنّ جميعاً لأصل اليك ايتها القاتلة !!
وقبل ان يضع يده حول رقبتها ليخنقها هي الأخرى , إستفاقت إيلين بفزع لتعود الى واقعها .. 

فأسرعت لغرفة المحقق لتخبره بمواصفات القاتل ..
وبالرغم ان المحققّ لم يصدّق انها رأت السفّاح بالرؤية , الاّ انه طلب من الرسّام ان يرسم القاتل على حسب المواصفات التي ستخبره بها إيلين .. وبعد ان وافقت هي على مطابقة الرسمة لشكل القاتل الذي رأته .. تم تعميم الصورة على جميع مراكز الشرطة في البلد للبحث عن مرتكب هذه الجرائم , مع إخفاء الموضوع عن الصحافة كيّ لا يفلت السفّاح من العدالة  
***

وبعدها بأسابيع قليلة , وفي مساء احد الأيام .. 
دخلت إيلين مكتبها (الموجود قرب غرفة المشرحة) بعد ان ذهب جميع الموظفين , لتتابع عملها على راحتها دون ايّ ضوضاء , فوجدت ظرفاً كبيراً على مكتبها !

وعندما فتحته , وجدت وشاحاً أصفراً عرفته على الفور : فهو كان وشاحاً أهدته لها امها (المتوفاة) في سن مراهقتها ! لكن الوشاح كان ملطخاً بدماءٍ قديمة , حيث تحوّل لونه الأحمر الى الأصفر الداكن ! 

وكانت بداخله رسالة كتبها القاتل بحروفٍ مُقتطعة من صحيفةٍ ما , كيّ لا تتعرّف الشرطة على خطّ يده .. وكان فيها :
((حاولت ان أقلّد طريقة قتلك لأمي , لكنك ستموتين بطريقة ستكون حتماً أشدّ إيلاماً)) 

وعلى الفور !! عادت ذكريات الطبيبة الى الماضي السحيق ..حيث كانت ماتزال في سنتها الأولى للطب .. وكانت في ذلك اليوم تتنزّه بسيارتها داخل الغابة إحتفالاً بحصولها على رخصة القيادة , لكنها لم تنتبه الى تلك السيدة التي ركضت فجأة خلف كلبها الذي عبر الشارع , فصدمتها ايلين بعنف .. 

وعندما نزلت من سيارتها لتُلقي نظرة عليها , وجدت بأن إصابتها خطيرة حيث كانت في تلك الأثناء تحاول التكلّم لكنها لم تستطع بعد ان إمتلأ فمها بالدماء .. لهذا اضّطرت إيلين القيام بالإسعافات الأولية التي تعلّمتها في الجامعة , وكان أول ما لاحظته هو إنكسار رقبة السيدة , فأسرعت بفكّ وشاحها الحريري الأصفر (الذي هدته لها امها) عن رقبتها , لتربط به عنق السيدة كيّ لا تُشلّ عند تحريكها .. 

وهنا خرج ولدٌ (في الثامنة من عمره) من منزلٍ قريب من الغابة , وأسرع اليهما وهو يصرخ برعب :
- امي !! 
فحاولت إيلين تهدأته قائلة :
- لا تخفّ يا صغير , سأعالج امك
فصرخ عليها وهو منهارٌ بالبكاء :
- لقد قتلتي امي !!
إيلين بخوف : لا لم اقتلها , أنظر !! هي مازالت حيّة .. (ثم سألته) ..هل لديكم هاتف في المنزل لأتصل بالإسعاف
الولد وهو يحاول إيقاظ امه : لا , الهاتف عندنا مقطوع منذ ايام

وهنا أسرعت إيلين بركوب سيارتها , وهي تقول له :
- هناك محطة قريبة من هنا , سأذهب لأتصل منها على الإسعاف ..وسأعود اليك قريباً
فبكى الولد بخوف : ارجوك لا تهربي , وابقي معنا !!
لكنها أسرعت بالذهاب ..

وهنا عادت الطبيبة بذاكرتها الى الواقع , وهي تتمّتم : كنت أريد مساعدتها بالفعل
وفجأة !! إنصفق باب مكتبها بقوة , لتفزع ايلين بعد رؤيتها للقاتل المقنّع داخل مكتبها وهو يقول لها :
- لقد تركتني وحيداً قرب امي , لأشاهدها تموت بين يديّ
ايلين بفزع : أأنت نفسه الولد الذي ..
مقاطعاً : نعم انا !! 

ثم أزال القناع على وجهه , ليظهر الشاب ذاته الذي رأته بتلك الرؤية !
وهنا أخرج سكيناً كبيراً من جيبه .. فارتجفت ايلين وصارت ترجوه بخوفٍ شديد :
- ارجوك انتظر ..لا تقتلني .. دعنا نتكلّم اولاً
- حسناً لا بأس .. اساساً أتيت اليك لنتحدّث بشأن قتلك والدتي دون ايّ شفقة يا مجرمة !!

- انا لم أقتلها !! لقد ذهبت فعلاً الى المحطة واتصلت بالإسعاف .. وحين عودتي اليكما , شاهدت من بعيد الشرطة وهي تنقل جثتها 
- ومن بعدها هربت وتركت كل المنطقة
- لا !! انا عدّت الى جامعتي
- اذاً سأخبرك بما فاتك يا عزيزتي .. فقد ظهرت نتيجة تشريح جثة امي : بأنها لم تمت من دهسك لها , رغم انها كانت ستعيش مُقعدة طوال حياتها 
الطبيبة بدهشة : اذاً انا لم أقتلها !

الشاب بغضب : دعيني أكمل !! امي ماتت بسبب إختناقها بدمائها التي نتج بسبب ربطك للوشاح حول رقبتها , مما أدّى لوفاتها 
ايلين بصدمة : لا ! انا لم أخنقها بالوشاح ..كنت فقط أربط عمودها الفقري المنكسر لأنني كنت أنوي حملها لأضعها في سيارتي وآخذها الى المستشفى , لولا خروجك المفاجىء الذي غيّر خطتي , فتركتك معها لأذهب واتصل بالإسعاف , لأنه في تلك الأيام لم يكن هناك جوّالات بعد ..

مقاطعاً بغضب : أعرف هذا !! لكنك لم تحضري الى التحقيق الذي فُتح بعد مقتلها , بل فضّلت الهرب من البلد والعودة الى دراستك وكأن شيئاً لم يحصل ! .. (ثم سكت قليلاً) .. فهل تعلمين مالذي حصل بعدها لإبنها الصغير .. الذي هو انا ؟

فسكتتّ ايلين بقلق , فأكمل الشاب قائلاً بقهر :
- بما إنني لا اعرف من هو والدي , فقد عشت طفولتي مع أمي التي لم يكن لديها أيّة أقارب .. ولهذا السبب وضعتني الشرطة بعد وفاتها بدار للرعاية الإجتماعية .. (ثم تنهّد بضيق) ..أترين هذا الجرح ؟
وآشار الى الجرح القديم الذي في خدّه ..
- هذا كان بسبب مشاجرتي مع أحد الأولاد المتنمّرين في الميتم , حيث حاول حينها سرقة طعامي كما يفعل مع الأولاد الآخرين .. وحينما قاومته , جرحني بسكينة الطعام وشوّه وجهي
- انا حقاً آسفة

الشاب بغضب : أسكتي ودعيني أكمل !! .. المهم .. هربت بعدها من المشفى الذي عالجوني فيه , لأتشرّد بالشوارع لسنواتٍ طويلة ..إضّطرت فيها لبيع المخدرات لصالح عصابةٍ صغيرة ..وكذلك قمت ببعض السرقات كي أسدّ جوعي ..الاّ ان الشرطة تمكّنت من القبض عليّ , وزجّوني في سجن الأحداث , حيث تمّ الإعتداء عليّ من قِبل السجناء الأضخم مني
- الهذا السبب لم تكن تمسّ النساء اللآتي خنقتهنّ ؟
- انا لم اقتلهنّ الاّ للوصول اليك
- لم افهم !

- بعد ان نقلوني الى سجن الكبار لتعاطيّ المخدرات , تعرّفت هناك على رجلٍ غجري يمتهن الشعوذة , وهو من علّمني طريقة التواصل معك ذهنياً , بشرط وجود رابطٌ معين بيننا .. فأخبرته انني لا اعرف شيئاً عنك , ولا أملك دليلاً ضدّك سوى وشاحك الأصفر الذي قتلتي به امي , والذي أحتفظت به على مدى سنوات  
- الهذا كنت اراك كلما لمست وشاحهنّ ؟

- بالضبط !! لأنها كانت صلة الوصل الوحيدة بيننا .. وقد حاولت لسنواتٍ عديدة معرفة ايّة معلوماتٍ تفيدني عنك .. ومنذ سنة وبضعة أشهر , وصلتني المعلومة التي كنت انتظرها : وهي إنك أصبحت طبيبة ماهرة في مهنة تشريح الجثث , ولهذا قمت بقتلهنّ جميعاً على أمل ان يتمّ إستدعائك لهذه القضية , خاصة انني إخترتهنّ ان يكون مسقط رأسهنّ هي نفس مدينتنا انا وانت .. وقبل ايام فقط , استطعت أخيراً معرفة اسمك الكامل وعنوان مكتبك هذا ..ولشدّة غبائك , قدمت وحدك هذا المساء لتكوني ضحيّة سهلة بالنسبة لي

وهنا حاولت الطبيبة ايلين الصراخ بأعلى صوتها , بعد ان اقترب من مكتبها وهو يلوّح بسكينته الضخمة (مهدّداً) :
- ارجوكم ساعدوني !! انا هنا مع القاتل !!
فابتسم قائلاً : لا تتعبي نفسك بالصراخ فلا يوجد أحدٌ بالخارج , لقد تأكّدت  من الأمر بنفسي  

ثم ومن دون مقدمات , هجم باتجاهها ! 
لكنها استطاعت بصعوبة الخروج من مكتبها , دون ان تُدرك بأن القاتل أرادها ان تهرب باتجاه المشرحة الضخمة .. 

وهناك حاولت الإختباء بين الخزائن وأسرّة التشريح الخالية .. بينما كان السفّاح يمشي ببطء وهو يدنّدن أغنية الموت , ويطرق بسكينته على جوانب الأسرّة الحديدية وهو يناديها قائلاً :
- اين انت يا دكتورة إيلين ؟!! 
فلم تجد إيلين ملاذاً للهرب , سوى بدخولها الى داخل درجٍ فارغ لثلاجة الموتى .. 

وبعد ان أمضت هناك بضع دقائق محاولةً كتم انفاسها الخائفة , صرخت بكل ما أوتيت من قوة بعد ان فتح القاتل فجأة باب الثلاجة عليها , ليظهر وجهه بالقرب من قدميها.. 
فترجّته وهي تبكي بشدّة : 
- ارجوك لا تذبحني .. انا لم أقصد قتل امك , أحلف لك !!

فصار يُمرّر نصل سكينته الحادة فوق قدميها , بينما كانت هي تحاول حشر نفسها في زاوية الثلاجة المعتمة والضيقة ..
الشاب : قصدّتي ام لم تقصدّي قتلها , فالنتيجة واحدة .. فبسببك تحوّلت حياتي الى جحيم .. لكن لا تقلقي عزيزتي .. فأنا لن أخنقك او أذبحك , بل سأختار وسيلة موت بطيئة كيّ تتذكّري كل ما فعلته بي وبأمي في لحظاتك الأخيرة ..
بخوفٍ شديد : وماذا ستفعل ؟!
بابتسامة مخيفة : سأثلّجك

فعادت لتصرخ بكل قوتها :
- ساعدوني ارجوكم !!!!
- لا , لا تصرخي .. فأنا لن ارفع درجة البرودة , بل سأجعلها على الدرجة المتوسطة , كي تستمتعي بالجوّ اللطيف .. وغداً عندما يعود الموظفين الى هنا , سيجدونك قطعة من الثليج .. هذا اذا إفتقدوا وجودك أصلاً .. آه كدّت انسى .. خذي وشاحك معك الى الجحيم !! 
ورمى وشاحها الأصفر الى داخل الثلاجة (معها) .. ثم أقفل باب الدرج بإحكام .. 

وبينما كانت هي تطرق بقدميها على الباب (من الداخل) بكل قوتها , كان هو يعيّر برودة الثلاجة على الدرجة المتوسطة .. 

ومن ثم خرج بهدوء من هناك , بعد ان أطفا النور وأقفل باب المشرحة .. وهو مازال يدنّدن أغنية الموت , تاركاً إيلين تصرخ من داخل الثلاجة بصرخاتٍ مكبوتة , بالكاد تظهر خلف باب المشرحة الحديدي الضخم ! 

الاثنين، 23 أكتوبر 2017

الأمهق والخرافات

تأليف : امل شانوحة


سأبيع أطراف إبني (الألبينو) بسعرٍ غالي !

لم يكن يعرف جون (المصوّر الأمهق) ان تصوير فيلماً وثائقي في تنزانيا ستكون مغامرة خطيرة بالنسبة له !
فما ان وصل فريق العمل التصويري الى تلك القرية الفقيرة حتى تجمّع أفرادها حول المصوّر جون , يتأمّلونه بذهول وهم يتهامسون فيما بينهم 

فقال له صديقه الصحفي جاك : يبدو يا جون ان أفراد القبيلة أحبّتك انت بالذات دون عن بقيّة الفريق
جون : ربما لوني الأبيض آثار اهتمامهم , مع ان نظراتهم لي تقلقني وكأنهم ينوون على شيءٍ ما ! 

ثم تلفّت جون حوله .. 
- لقد تأخّر المترجم كثيراً يا جاك , نريد إجراء حواراً معهم قبل غروب الشمس
فأجابه جاك : لقد اتصلت به قبل قليل وقال انه في طريقه الينا , لا تقلق
***

وفي هذه الأثناء .. أخذ المصوّر جون (الأمهق) العديد من الصور , مُتنقّلاً بين الأكواخ المهترئة , ترافقه الأهالي باهتمامٍ شديد دون إكتراثهم ببقيّة اصدقائه , مما أثار الشكّ والحيرة في نفسه !
وبعد ان وصل المترجم الأفريقي اليهم , لاحظ على الفور ملاحقة القرية للشاب الأمهق .. فأسرع اتجاهه محذّراً , وقال بلغته الإنجليزية الركيكة :
- عليك الأبتعاد من هنا فوراً !!
جون بقلق : لماذا ؟! ماذا حصل ؟!

لكن قبل ان يُفهمه المترجم المشكلة , ناداه رئيس القبيلة من بعيد .. فذهب الإفريقي ناحيته , تاركاً جون في حيرة ! خاصة بعد ان إنتبه على رئيس القبيلة وهو يعطي المترجم كيساً صغيراً والذي أسرع هو في دسّه بجيب بنطاله .. 

ثم عاد الى جون بوجهٍ يصعب تفسيره : فهو من ناحية سعيد بما أخذه من القائد , وفي نفس الوقت يبدو عليه القلق والشفقة على جون! حيث قال له : 
- اعتذر منك , لكن القدر أحضرك الى مكانٍ لا يناسبك , ولا استطيع مساعدتك بشيء 
ثم ربت على كتف جون وهو يحبس دموعه :
المترجم : كان الله في عونك يا اخي 

ثم ذهب ناحية جاك وقال له كلمتين , ومن ثم أسرع بركوب سيارته المهترئة مُبتعداً عن فريق التصوير , غير مبالي بنداءاتهم له بالعودة .. فاقترب جاك من جون غاضباً :
- ارأيت هذا الأبله !! لنا أكثر من ساعتين في إنتظاره .. وحينما أتى , عاد وتركنا دون ان يُبرّر لنا سبب رحيله المفاجىء ! .. (ثم تنهّد بغضب) ..رأيته يكلّمك , فماذا كان يقول لك ؟

جون وهو يمسح عرقه بخوف : لقد حذّرني من البقاء هنا .. 
جاك باهتمام : الم يقل لك لماذا ؟
جون : لا , لكن تعابير وجهه أخافتني ! ارجوك دعنا نعود الى الفندق 
جاك : سنعود حتماً , لكن آخر شيء قاله لي المترجم الغبي : هو ان قائد القبيلة يعزمنا على العشاء , وبالحقيقة جميعنا جائعون .. لهذا سنأكل معهم ثم نعود ادراجنا .. هيا بنا , فقائدهم يُشير علينا من بعيد لمرافقته 
***

وبالفعل !! ذهب فريق العمل المكوّن من سبعة اشخاص مع قائد القبيلة الذي أجلسهم ضمن حلقة كبيرة من شباب القبيلة , يحيطون جميعهم  بشعلة نارٍ ضخمة في الوسط , كان يُطهى عليها الخاروفين ... 

وفي انتظار إنتهاء الشواء , صبّت لهم امرأة شابة افريقية جميلة بعض الشراب الأبيض في أكوابهم الخشبية ..
فهمس جون لجاك : مالذي وضعته في شرابنا ؟
- يبدو وكأنه حليب .. إشرب فالجميع ينظر الينا
جون بقلق : ولما وضعت لي من إبريقٍ مغاير عن إبريق الجميع ؟
جاك : الم تلاحظ حتى الآن ان جميعهم يعاملونك باهتمام عن بقيتنا .. بالتأكيد وضعت لك شراب الذّ من شرابنا .. إشرب يا رجل وكفّ عن القلق  

ويبدو انه كان في اكواب فريق التصوير بعض الشراب الذي أسكرهم , حيث صاروا يرقصون بغباء حول النار وهم يدنّدنون مع تلك الأغنية المُبهمة التي يُغنيها الأفارقة التنزانيين 
اما جون فقد أشعرهُ شرابه بالدوخة وبثقلٍ في عينيه وكأنه على وشك الإغماء .. وكان آخر شيء يتذكّره قبل ان يستسلم للنوم هو رؤيته لرجلين يقتربان ناحيته , وكأنهما يحاولان حَملِه !
***

وفي اليوم التالي .. استيقظ جون داخل حجرةٍ طينية , مُغلقاً بابها الحديدي بإحكام من الخارج ومساحتها لا تتجاوز المترين , وضوء الشمس يمرّ من خلال الأغصان الشجر الذي غطّت سقف المكان العالي , والأسوء انه كان يشعر بألمٍ شديد في يده .. ولم يصدّق عيناه حين شاهد قماشاً أحمراً رطباً حول يده اليسرى .. وحين فكّ الرباط كاد يُغمى عليه من هول الصدمة , حين رأى ثلاثة من اصابعه قد بُترت تماماً !

فصار يصرخ بألمٍ ورعب : إخرجوني من هنا , يا ملاعيين !! جاك اين انت !! اين انتم يا اصدقاء !! اخرجوني من هنا !! 
لكنه لم يرى أحداً حتى عصر ذلك اليوم .. وقد مرّ الوقت عليه طويلاً , قضاها بالصراخ والبكاء مع شعورٍ بألمٍ لا يطاق من أثر البتر ..

وبعد ان انهكه التعب , غفى قليلاً .. الى ان ايقظه رجلان يشيران بيدهما ان يرافقهما .. فذهب معهم مُرغماً .. وقد وضعوه في خلفية شاحنة صغيرة قديمة , وأقفلوا عليه بابها .. 
وقد تجمّع افراد القبيلة حول السيارة يودّعونه بابتسامة , وكأنهم يشكروه على أخذهم لأصابعه !

وكم رغب جون بشدّة في فهم ما يحصل حوله , مثل : أين هم اصدقائه الآن ؟ ولما بُترت هذه القبيلة اصابعه ؟ وهل كان المترجم يعرف بأن هذا سيحصل له , ولهذا طلب منه الهرب ؟ وهل فعلوا الشيء ذاته مع جاك وبقيّة فريق العمل ؟ 
عشرات الأسئلة كانت تدور في ذهنه , لكن الرجلين اللذين كانا معه في الشاحنة لا يعرفان الإنجليزية .. 

وفي منتصف الطريق , أغميّ على جون مجدّداً .. فتوقفت السيارة وركب أحد الأفريقين معه بالخلف , وصار يُشربه الماء ويغيّر له الضّماد الذي غرق بدمائه ..
فاستفاق جون بإرهاقٍ شديد وسأله : ارجوك إخبرني .. لما قطعوا اصابعي ؟ والى اين نذهب ؟ واين هم اصدقائي ؟
لكن الرجل لم يجيبه , بل ظلّ يغير له الضّماد بصمت ..
***

في المساء .. استيقظ جون داخل معسكرٍ مليء بالمهاقين ! رجال ونساء واطفال جميعهم من الإفريقين المصابين بمرض المهق .. وكان كثير منهم مقطّعي الأطراف ! ومن حسن حظ جون انه وجد احدهم يعرف الأنجليزية , لكن ما أخبره به أفزعه تماماً 

حيث قال له الرجل : 
- هنا في تنزانيا توجد اسطورة قديمة تقول : ان المهق عبارة عن لعنة , وبأن المصابين به ليسوا بشراً بل شياطين , وعلى اهاليهم التخلّص منهم كيّ لا يصابوا بالفقر والعار .. ومن جهةٍ اخرى يعتبرون السحرة والمشعوذين بأن أعضائنا تُساعدهم في إستخراج الذهب .. اما المرأة المهقاء فالإعتداء عليها يساعد في الشفاء من بعض الأمراض المستعصية كالإيدز
فصرخ جون بعصبية وخوف : ما هذا الغباء ؟! أيقتلوننا ليستخدوا أجسادنا بالسحر ؟!

الرجل الأفريقي الأمهق بحزن : ليتهم يقتلوننا لنرتاح من هذا العذاب .. فأنا كما ترى أكبر الموجودين هنا , وقد عشت سنواتي الأربعين في قلقٍ تام .. وبالنهاية وقعت في ايديهم .. فنحن في معسكرٍ لبعض التجّار الذين يجرون الصفقات مع اهم المشعوذين الذي يأتونونهم من كافة دول افريقيا ليحصلوا على اجزاءٍ منا .. وتعتبر انت محظوظاً جداً لأنك خسرت فقط ثلاثة اصابع .. انظر لذلك الطفل الصغير الذي لم يصل بعد لعمر السنتين , فقد باع والده اطرافه الأربعة ..
جون بخوف : والده ؟!

- نعم .. فبيع اعضاء المهق تعتبر تجارة ناجحة هنا .. ويمكنك تخيّل ألم هذا الصغير وهو يقطّع دون استخدام ايّ بنج او دواءٍ مسكّن 
جون بخوف : يا الهي ! لابد ان اهرب من هنا , وفي اسرع وقت 
الرجل بيأس : لا تحاول , فالمكان مقفلٌ علينا بإحكام ..
ثم عاد الرجل الى سريره , تاركاً جون يفكّر طوال اليوم بطريقة للهروب من هذا المعسكر اللعين
*** 

وبعد ثلاثة ايام .. وصل الدور على جون .. حيث تمّ بيع رِجله اليمنى بمبلغٍ كبير لمشعوذ قدِمَ من اواسط افريقيا الى تنزانيا ..
وبعد ان حملاه رجلان ضخام البنية الى وسط ساحة المعسكر , حيث كان يقف الجلاّد ومعه ساطورٌ كبير .. استطاع حينها جون تنفيذ خطته التي فكّر بها البارحة .. حيث أسرع بطعن احد الرجلين (اللذين كانا يقتادانه للمشرحة) بشظيّة من الزجاج كان وجدها في زاوية المعسكر.. فأسقطه الرجل من يده بعد ان شعر بألم الطعنة , ثم أسرع جون بسحب الشظية من كبد الرجل , ليفقأ بها عين الرجل الثاني .. وبينما كان الرجلان يتألمّان , ركض بسرعة ناحية سيارة المشعوذ المركونة قرب الساحة , ولحسن حظه وجد المفاتيح في مكانها .. 

وعلى الفور !! هرب من امام المعسكر , بينما لاحقته سيارات تجّار الأعضاء بغضبٍ شديد .. ووصلت المطاردة لأعلى الجبل .. وكان امام جون طريق واحد للنجاة بحياته , وهو ان يقفز ناحية النهر الموجود بالأسفل .. ودون تردّد منه , قفز الى هناك ليبتعد عن القتلة الذين ظلّوا يراقبون الوضع من فوق , الاّ انهم لم يروا أثراً لجون , وكأن الأسطورة الأفريقية القديمة صحيحة والتي تقول : ان جثث المهق الشيطانية تختفي بعد موتهم , تماماً كالأشباح ! 

وبهذه النهاية ..عادوا بخيبة امل الى المعسكر , في محاولة من قائدهم لإقناع المشعوذ الغاضب باختيار أمهقٍ آخر من المعسكر بدلاً من جون الذي خسروه بالمطاردة
***

استيقظ جون بعدها في سريرٍ بلاستيكي دافىء داخل خيمةٍ صغيرة .. فخرج منها قلقاً وهو يصرخ : اين انا ؟!!
لكنه ارتاح كثيراً حين رأى صديقه جاك خارج الخيمة .. فأسرع بحضنه وهو يعاتبه بحزن :
- لما تركتموني مع تلك القبيلة المتوحشة ؟ 

جاك : عندما استيقظنا من سكرتنا في اليوم التالي لحفلة الشواء , اخبرونا عن طريق الإشارة انك ذهبت قبلنا , لكن بعد ان وصلنا الى الفندق لاحظنا إختفائك , وحينها توجّه كل شخصٍ من الفريق الى منطقة مغايرة للبحث عنك .. وكنت محظوظاً حين مررّت بالصدفة قرب النهر , ووجدتك مغشيّاً عليك عند ضفّته , فحملتك الى هنا وغيّرت ملابسك المبلولة , وكذلك ضمّادة يدك .. 
- شكراً لك .. لكن علينا العودة الى الفندق سريعاً , فوجودنا هنا ليس آمناً 
- لقد اتصلت بالأصدقاء وهم قادمون بعد قليل , سنكون بخير يا صديقي ..لا تقلق .. فقط إخبرني بما حصل لك , وكيف أصيبت يدك ؟!

فأخبره جون بكل شيء..وبعد ان انتهى من سرد رحلة معاناته في الأيام الفائتة , حاول صديقه جاك تهدأته :
- خذّ !! إشرب هذا الحليب يا جون واهدأ قليلاً , فنحن سنعود الى الوطن غداً صباحاً .. واظنّ ان مدير التحرير سيسعد بتقريرك عن المخاطر التي يواجهها المهق في تنزانيا , وانا متأكّد ان تجربتك ستثير ضجّة اعلامية , مما سيساعد في إنقاذهم من حالة الرعب التي يعيشونها هنا

- نعم بالتأكيد سأحاول انقاذ المساكين من ذلك المعسكر اللعين !! لكن علينا اولاً العودة الى الفندق او التوجّه لأيّ سفارة اجنبية , فأنا خائف ان يجدوننا ونحن هنا في البرّية 
- لا تقلق ..فقط اشرب حليبك وارتحّ قليلاً 
يتنهّد جون بتعب : نعم , فأنا احتاج للراحة بالفعل .. 

وبعد ان شرب الحليب ..
جون بارهاق : سأدخل الخيمة , لربما انام قليلاً بعد ذلك الكابوس الذي عانيته في الأيام الفائتة .. لكن إيقظني يا جاك حين يأتي اصدقائنا

وبعد ان نام جون .. خرج المترجم الإفريقي من الغابة القريبة منهما .. واقترب ناحية جاك الذي كان يُشير له بالإقتراب منه :
جاك : هيا تعال ..فقد نام اخيراً
المترجم بصوتٍ منخفض : جيد انني اختبأت بسرعة قبل ان يراني معك 
وهنا مدّ جاك يده للمترجم : اين المال الذي اتفقنا عليه ؟
- لقد اتصلت قبل قليل برئيس المعسكر وهو قادم مع فريقه لأخذ جون , فالمشعوذ لم يرغب في تغير الصفقة ويصرّ على جون بالذات , لأنه امهق امريكي وهذا يعجب اصحابه الجن كما يقول ..ولا تقلق , فهم سيدفعون لك كما دفع لي قائد القبيلة من قبل , فنحن كرماء بهذا الشأن 

فنظر جاك لصديقه جون النائم بوداعة الأطفال داخل الخيمة , ثم قال بشفقة: 
- اتمنى لو ان المخدّر الذي وضعته له بالحليب يُبقيه نائماً الى وقت حرقه حيّاً كقربان للشياطين .. (ثم يتنهّد بضيق) .. ماذا عسايّ ان أفعل يا عزيزي جون , فكيس مليء بالذهب يُعتبر صفقة العمر بالنسبة لي .. أعذرني يا صديقي , وليكنّ الله معك في رحلتك الأخيرة نحو الجحيم

*********

ملاحظة :
هذه القصة مأخوذة عن تقريرٍ صحفي يتكلّم عن المخاطر التي يُواجهها المهق في شرق افريقيا وملاّوي , وتنزانيا تحديداً !  

- رابط المقال الأول :
http://www.emaratalyoum.com/life/four-sides/2014-03-05-1.655103

- رابط المقال الثاني :
http://radionagham.com/?p=782

- كما شاهد هذا الفيديو :
https://www.youtube.com/watch?v=tAutqMq8qGw

الجمعة، 20 أكتوبر 2017

توبة غير مقبولة !

تأليف : امل شانوحة


سحرتهم جميعاً , فلما لا يسامحونني ؟!

 استيقظت سلمى مساء ذلك اليوم على إتصالٍ من جارتها ..
- سلمى .. لقد رأيت عمتك نورا تنام في الشارع قبل قليل ؟!
- لا هذا غير معقول ! ربما رأيتي شبيهتها 
- لا ادري ! على كلٍ سأخبرك اين وجدتها بالضبط , وانت تأكّدي بنفسك

وعلى الفور !! ذهبت سلمى الى المكان المحدّد , لتتفاجىء بعمتها تنام بالقرب من حاوية النفايات !
فأسرعت لتأخذها بسيارتها وتعيدها الى بيتها , لكنها انصدمت حين صرخت عمتها في وجهها معاتبة :
- كلّه بسببك ايتها اللعينة !! انت من أوصلتني الى هذه الحالة المزرية
- عمتي ! ما دخلي انا بالموضوع .. هيا رجاءً ادخلي السيارة , فالناس تنظر الينا  
فانهارت العمة بالبكاء وهي تقول : لا اريد العودة الى هناك , فهم سيأذونني من جديد 
سلمى بدهشة : ومن سيأذيك ؟!

وظلّت لنصف ساعة تقنعها بالعودة معها , الى ان قبلت العمة بالرجوع مُرغمة الى بيتها .. 

وهناك .. ساعدتها سلمى بالإستحمام , ثم أدخلتها غرفتها لتنام .. 
- والآن ارتاحي قليلاً يا عمتي , وسأحاول غداً زيارتك بعد ان أنتهي من اشغالي
لكن العمة امسكت بيدها بقوة , وصارت تترجّاها :
- ارجوك ابقي معي يا سلمى , فأنا خائفة منهم 
- مِن مَن , عمتي ؟ لا يوجد غيرك هنا ! المهم لا تقلقي سأتصل بأختك لتزورك في الصباح الباكر 
فقالت العمة بحزنٍ وقلق : من الأفضل ان لا يزورني أحد هذه الفترة 
- ولماذا ؟!

لكن العمة التزمت الصمت , والخوف مازال بادياً على وجهها .. 
اما سلمى فقد اضّطرت للعودة الى بيتها , لأنه عليها بالغد الذهاب مع خطيبها للإشراف على تجهيزات العرس , فلم يبقى سوى اسبوع واحد على زواجهما 
***

وفي صباح اليوم التالي .. اتصلت بها عمتها الثانية لتخبرها بأن اختها نورا تركت البيت من جديد , بعد ان تعرّضت للجروح والخدوش في معظم اجزاء جسدها !
- هل تقصدين انها تؤذي نفسها ؟! 
العمة الثانية بقلق : عندما زرتها في الصباح كان واضحاً بأن شخصاً ما أذاها .. وقد حاولت الإستفهام منها , الا انها رمتني ارضاً وخرجت من بيتها كالمجنونة ! .. وانا لي اكثر من ساعة ابحث عنها في الشوارع , لكني لم اجدها حتى الآن 

سلمى بحزن : اظنّ ان وفاة زوجها أثّر على عقلها ! .. برأيّ علينا ان نأخذها الى طبيبٍ نفسي 
- لا .. بل اظنّ ان علينا أخذها الى شيخٍ جيد
- ولماذا ؟!
- لأنها قبل ان تهرب من بيتها صارت تصرخ وتقول : بأن ملك الجن يعاقبها على مخالفتها للوعد .. (ثم تنهدت بحزن).. اظنّ يا سلمى ان اختي ملبوسة ! 
- حسناً انا قادمة اليك لنبحث عنها معاً , ومن ثم نأخذها ولوّ بالقوة الى شيخٍ أعرفه 
العمة الصغيرة : أتقصدين الشيخ نفسه الذي فكّ سحرك قبل شهرين ؟
- نعم هو .. سأكون عندك بعد ساعة .. إنتظريني
***

وبالفعل !! وجدتا العمة نورا تجوب الشوارع شاردة الذهن , والإرهاق بادياً على محيّاها .. وبالكاد استطاعت سلمى وعمتها الصغيرة إجبارها على ركوب السيارة , وسط مقاومة عنيفة منها!  

وعندما وصلا الى منزل الشيخ ..إنتاب العمة نورا فزعاً شديداً , ورفضت بكل الطرق النزول من السيارة .. ولهذا اضّطرت سلمى ان تطلب من الشيخ ان يأتي بنفسه ويقنع العمة بعلاجه الروحانيّ ..
وبعد ان استطاع تهدأتها ببعض الآيات القرآنية أدخلها منزله , وهناك عرف مصيبتها .. 

ومن ثم طلب من سلمى التكلّم معها على الإنفراد , تاركان العمة الصغيرة تحاول تهدأة اختها نورا التي انهارت قواها بعد جلسة العلاج الروحانية المكثّفة والتي استمرّت لأكثر من ساعتين , مما ارهقها هي والشيخ معاً 

وفي حوش منزله .. أخبر الشيخ سلمى بالأمر الذي صدمها كثيراً! 
سلمى بدهشة : يعني أفهم من كلامك .. ان عمتي نورا هي من قامت بسحري منذ ان كنت فتاة مراهقة ؟! 
الشيخ : لا اظن انها سحرتك وحدك بل سحرت الكثيرين غيرك , لكنك تعدّي اسوء حالة منهم , فهي باعت روحك لأحد ملوك الجن , بعد ان وعدته بدمها بأنك ستكونين زوجته للأبد ..

بخوف : ماذا تقصد بدمها ؟!
- يعني انها بصمة بدم اصبعها على عقد زواجه منك , كوعدٍ منها بأنك لن تفكّي سحرك ابداً 
سلمى بحزن : تقصد انني لوّ لم ارى ذلك الكابوس الذي عرفت من خلاله انني مسحورة , لما كان عاقبها ملك الجن بسبب فكّك لسحري ؟

الشيخ : هذا صحيح .. وقد فهمت من قرينتها بأن عقاب ملك الجن لها كان : بمنعها من العيش تحت سقف ايّ بيت وبأن تتوه شريدةً في الشوارع , والاّ سيرسل جنوده ليجرحوها ويضايقونها بالكوابيس المستمرّة الى ان يتم طردها ثانيةً الى الشارع .. وهي ستبقى على هذه الحالة لسنتين متواصلتين , او انك تساعدينها بأن...
سلمى بقلق : بأن ماذا ؟ إكمل

الشيخ : بأن تتركي خطيبك لترتاح هي من عقابها المؤلم
فردّت سلمى بعصبية : يا سلام ! .. يعني لأجل خاطرها , اترك حبيبي وأعود مسحورة اعاني من جديد من شتّى انواع الفشل في حياتي , هذا عدا الكوابيس المرعبة .. لا طبعاً !! يكفي انها ضيّعت عشرين سنة من عمري , ولن اسمح لها بأن تؤذيني اكثر من ذلك 
- اذاً انصحك بأن تؤجلي عرسك قليلاً 
- ولماذا ؟ 
- لأن استمرار زواجك مرتبطٌ بصدق توبتها  

- تقصد يا شيخ : ان الشيء الذي يربطني بزوجي الجني هو عمتي , ولقطع هذا الرابط عليّ التأكد بنفسي من تركها نهائياً لمهنة الشعوذة ؟!
- بالضبط .. وانا اعرف بأن الموضوع لن يكون سهلاً , لهذا ادعو الله ان يهوّن الأمر عليك يا ابنتي  
***

وامام هذه المعضلة الصعبة .. لم يكن امام سلمى سوى تأجيل عرسها شهراً آخراً , مما ضايق عريسها واهله , خاصة انها لم تبررّ لهم سبب  التأجيل المفاجىء.. 
اما هي فقد قبلت على مضضّ ان تعيش مع عمتها الساحرة كي تتأكّد من عودتها لطريق ربها ..

وبالفعل !! أعلنت العمة توبتها على يدّ سلمى , حيث عادت للصلاة والصيام وقراءة القرآن كل يوم , علّها تكفّر قليلاً من ذنوبها .. 
***

وذات مساء ..سألتها سلمى عن سبب دخولها هذا المجال الشائك , فأجابتها العمة بحسرة :
- قديماً كانت لي صديقة تزوجت من رجلٍ لديه زوجتين قبلها .. وبعد فترة , بدأت تعاني من مرضٍ لم يعرف الأطباء علاجه .. وانا كنت سمعت عن امرأة ذات بصيرة او هكذا ظننت , فأخذتها اليها لتخبرنا بأن شكوكي كانت في محلّها وبأن احدى ضرّتيها سحرتها بسحرٍ قوي ...
- وهل استطاعت تلك المشعوذة علاج صديقتك ؟

- نعم ومن جلسةٍ واحدة ايضاً .. لكن الساحرة اللعينة أوقعتني في شباكها حين أصرّت على تعليمي الشعوذة , لأنها رأت بي ذكاءً وقدرة على خوض هذا المجال الصعب .. وقد رفضت في البداية , لكني بصراحة شعرت بالفضول لمعرفة هذا العالم المجهول .. (ثم تنهّدت بحزن) ..وليتني لم افعل 
- وهل اصبح لديك خدمٌ من الجن ؟

العمة بحزن : هذا ما ظننته في بادىء الأمر , فملك الجن الذي سخرّته لخدمتي كان يعطيني كل ما اردتّه من مال وسلطة واحترام الناس لي .. الى ان اتى ذلك اليوم الذي أغضبتني فيه جارتي بسبب موقف سيارتي بالعمارة 
- وبالطبع إستغلّ الجني غضبك للإنتقام منها

- هذا صحيح ..وقد رماها من اعلى الدرج لتنكسر قدمها , وبالحقيقة لا انكر ان هذا شفى غليلي منها .. ومن بعدها صار يطالبني بثمن خدماته : وهي ان أؤذي المزيد من الناس ..وحين رفضت , بدأ يؤذي ابنائي , لهذا خفت منه وبدأت بسحر الناس .. وكنتِ انت اول من سحرتهم 
- وهل هو من طلب منك ان يتزوجني ؟

- هو طلب مني عروس مراهقة طيبة وجميلة , ولهذا إخترتك انت بعد ان نسيتي شالك الصوفي في بيتي , وهو قام بتتبّع رائحتك .. لكني يا سلمى تبتُ الآن , فأنا لم اعدّ خائفة منه بعد ان كبِر ابنائي وسافروا للخارج , كما ان زوجي مات دون ان يكتشف سرّي .. ولهذا لم اعد اريد شيئاً من الدنيا , سوى ان يبتعد هذا المخلوق اللعين عنّي
- وماذا عن الناس الذي سحرتهم يا عمتي ؟ فأنت سمعت الشيخ حين قال : بأن عليك ان تعترفي لهم بأنهم مسحورين , والاّ لن تُقبل توبتك تماماً

- لكن الموضوع صعب يا سلمى , لأنهم سيكرهونني جميعاً ..كما انهم حتماً سيطالبونني بفكّ اسحار ابنائهم , وانا لا اذكر اين وضعتها : فمنها ما رميتها بالبحر , ومنها ما علّقتها بأرجل الطيور ومنها ما دفنتها تحت التراب ..حتى عقد زواجك من الجني بقي معه , وليس لديّ نسخة عنه لأمزّقه لك .. ولهذا ليس امامي سوى متابعة الصلاة وقراءة القرآن , عسى بذلك ان يبتعدوا الجن عنّي ..(ثم مسكت يدها) .. ورجاءً يا سلمى , استري عليّ ولا تفضحيني بين الأقارب

سلمى وهي تحاول كبت غضبها : سأحاول عمتي , رغم غضبي الشديد منك 
- انا آسفة حقاً .. سامحيني عزيزتي
***

وبدأت الأمور تتحسّن مع الأيام .. فقد خفّت كوابيس العمة وعادت اليها شهيتها , ولم تعد تأتيها نوباتً هستيرية , او ان تظهر عليها خدوشٌ من العدم .. 

لكنه حدث أمرٌ أفسد كل شيء .. فقد زارت مروة اختها سلمى في بيت عمتهما .. وفي هذا الوقت كانت العمّة تستحم , بينما سلمى تطهو الطعام في المطبخ , والتي ظلت ترفض إخبار مروة عن سبب ملازمتها لبيت العمة رغم قرب موعد زفافها ..
وعلى حين غفلةٍ منها .. دخلت مروة غرفة العمة نورا لتجد دفتراً جلدي موضوع قرب السرير , ففتحته لتجده مليئاً بالأسماء : منهم الغرباء وأكثرهم اسماء لأقارب , حتى ان اسمها واسم اختها وامهما موجوداً فيها 

في البداية لم تفهم مروة الموضوع , لكن الملاحظة المكتوبة في نهاية الدفتر أرعبتها كثيراً , حيث كانت العمة نورا قد كتبت بخط يدها العبارة التالية :
((سأسحركم جميعاً , لأن عذابكم يسعدني))

فركضت عند اختها في المطبخ لتُريها ما اكتشفته , لكنها تفاجأت بسلمى تسحب منها الدفتر , وتأمرها بكتم هذا السرّ للأبد 
مروة بدهشة وغضب : هل انت مجنونة يا سلمى ؟! أتخدمين امرأة سحرتنا جميعا ؟! 
فتهمس لها سلمى بقلق : إخفضي صوتك .. لا اريد لعمتي ان تسمعنا من الحمام
بعصبية : دعيها تسمع !! هل انت خائفة منها ؟

ثم فتحت مروة الدفتر على صفحة عائلتهم ..
مروة : انظري !! لقد كتبت بجانب اسم أمنا : لعبة الدبابيس .. أتذكرين حين انتقلنا من بيتنا القديم , ووجدت تلك الدمية القطنية المليئة بالدبابيس , وانت اخذتها مني ورميتها في الزبالة .. يبدو انها سحرت امنا بواسطتها , ولذلك تعاني المسكينة من الآلام بكل انحاء جسمها حتى يومنا الحالي .. وبدل ان تعاقبي هذه الملعونة على ذلك , تقومين بخدمتها .. لماذا ؟!!

وهنا أجابتها العمة بنفسها (بعدما سمعتها وهي خارجة من الحمام): 
- اختك تخدمني لتتأكّد من توبتي , لأن ذلك..
فقاطعتها مروة بغضب وبقسوة : توبة ماذا يا عمتي !! الساحر يعدّ كافراً ولا توبة له !!
سلمى معاتبة : مروة اسكتي !!
فتقترب مروة من العمة وهي تقول بغضب : سأفضحك في كل مكان 
سلمى بقلق : مروة ايّاك ان تفعلي !! ستثيرين بذلك غضب الجن , وينقلب الأمر علينا كلنا

لكن مروة لم تهتم بتحذيرات اختها , وذهبت سريعاً لبيت جدتها حيث صادف تجمّع العائلة هناك .. فقامت بفضح العمة (نورا) المشعوذة بعد ان أعطتهم الدفتر لكي يقرأ كل واحدٍ منهم التاريخ الذي سُحر به , وبأيّ طريقة تم الأمر
***

وبخلال شهرٍ واحد ..إنقلب الجميع على العمة نورا , حيث انهالت عليها الشتائم من القريب والغريب ايضاً بعد ان إنفضح امرها للملأ .. وقد طُردت من بيوتهم بعد ان رفضوا مسامحتها او حتى سماع تبريراتها , فهم جميعاً عانوا من الفشل والطلاق والأمراض المزمنة لسنواتٍ عديدة وكل هذا بسبب سحرها لهم

وكانت سلمى آخر من رأت العمة (عندما زارتها في بيتها) حيث كانت منهارة بالبكاء :
- لقد تبت يا سلمى , وانت تأكدّتي من ذلك بنفسك .. ولقد تركت بكامل ارادتي كل ذاك العز والدلال الذي كان الجن يقدمونه لي لأعود الى طريق ربي .. لكن اختك مروة سامحها الله فضحتني في كل مكان , والآن بات الجميع يرفض مسامحتي او حتى رؤيتي!  
سلمى بقلق : عمتي .. مهما حصل معك , ارجوك لا تعودي الى ذلك الطريق من جديد

العمة بقلق : لكن الجن هدّدوني بالأمس انهم سيأذونني من جديد
- مهما كان عقابهم فسيكون حتماً أهون من عقاب الله لك يوم القيامة , هذا امتحان شديد لإيمانك يا عمتي , فإيّاك ان تفشلي به
العمة وهي تمسح دموعها : سأحاول يا سلمى.. سأحاول
***

وبعد ايام .. إختفت العمة عن الإنظار ولم يعرف احد طريقها لشهورٍ طويلة.. 
وخلال ذلك الوقت .. تزوجت سلمى من خطيبها , الا انها تطلّقت بعد شهرين فقط من زواجها ومن دون سببٍ واضح ! .. حتى اختها الصغيرة مروة تطلقت من زوجها بعد ان حرمها من طفلها الوحيد .. 

وكان آخر شيء عرفوه عن العمة نورا , هي تلك الرسالة الصوتية التي وصلت لجوّال سلمى , والتي تقول فيها :
((لقد اجبرتموني على العودة الى الشعوذة بعد ان حاربني الجميع .. والآن وفي أقل من سنة بتّ المشعوذة الأولى في البلاد , ولديّ زبائن من كافة الجنسيات , وأصبحت غنية جداً .. لِذا إخبري الأقارب الملاعين انني لست بحاجتهم , او حاجة اولادي الذين تبرّأوا منّي .. لكني بالتأكيد لن انسى ما فعلوه بي , وسأنتقم منكم جميعاً كما انتقمت منك ومن اختك التي فضحتني , وكان الأمر سهلاً بعد ان تركتما اغراضاً شخصية لكما في زيارتكما الأخيرة لي.. واريد ان ابشّرك بأنك قريباً يا سلمى ستعودين الى زوجك الجنّي , لأنه اخبرني بأنه يرغب في الإنتقام منك لإبتعادك عنه دون إذنٍ منه .. فتوقعي زيارته لك في الأيام القليلة القادمة))

وانتهت الرسالة بضحكة مجلجلة ساخرة , أرعبت سلمى التي اصابها الأرق في الأيام التي تلتها , حيث باتت تنام في النهار وتسهر طوال الليل خوفاً من زيارة الجني لها كما كان يفعل معها طوال فترة حياتها السابقة  

لكن بإحدى الأمسيات .. لم تستطع سلمى المقاومة اكثر ونامت مع غروب الشمس , لترى في منامها نفس الجني الذي تعرفه , والذي كان يلوح بوجهها بعقد زواجهما الجديد , والموقع ببصمة دم عمتها ..وهو يقول لها مهدّداً :
- لقد زوجتني ايّاك مرة ثانية ..لكنني قديماً كنت أدلّلك , اما الآن فسأريك وجهيّ الآخر !!

ومن دون مقدمات , هجم على سلمى وسحبها من شعرها لينزلها معه لسابع ارض .. ثم يرميها في غرفة مظلمة موجودة هناك , وهو يقول : 
- من اليوم ستبقى روحك عالقة معي للأبد , ليس كزوجةٍ لي بل كجارية ذليلة طوال حياتك 

وحينها بكت سلمى كثيراً لشعورها بالندم الشديد على تصديقها لتوبة عمتها الغادرة .. 

ولم تكن اشدّ ندماً منها سوى اختها مروة التي كانت تزورها كل يوم في المستشفى , بعد ان اصبحت سلمى جسداً خاملاً يعاني من غيبوبةٍ دائمة ! 

الاثنين، 16 أكتوبر 2017

سجن القلعة

تأليف : امل شانوحة


كيف سأهرب من هذا السجن اللعين ؟!

- اين انا ؟! 
قالها الشاب وهو يشعر بألمٍ مبرح في كل أجزاء جسمه وكأنه تعرّض لتعذيبٍ شديد , حيث كانت الدماء تسيل من رأسه , وهو عالقٌ داخل حجرة صغيرة لا تتعدّى مساحتها المترين .. وكانت رائحة القذارة تفوح من كل زواياها , عدا الظلام المخيّم في المكان الاّ من بعض النور الذي تسللّ من خلال القضبان الحديدة لنافذةٍ مُرتفعة يصعب الوصول اليها 
- يبدو انني في سجنٍ ما ! .. لكن لماذا ؟ .. ومن أكون ؟ .. فأنا لا اتذكّر شيئاً , حتى اسمي !

وهنا !! إنفتح الباب الحديدي ليظهر رجلٌ يلبس قناعاً جلدي مخيف , ملوّحاً بعصاه في وجه السجين , آمراً ايّاه بالوقوف للذهاب معه الى مكانٍ ما 
وقد حاول الشاب بتعب الإستناد على الحائط , لكنه سقط من جديد بعد ان أحسّ بوجعٍ غير مُحتمل في قدميه ..

فضحك السجّان عليه بلؤم :
- يبدو ان العقاب السابق كان شديداً عليك , لكنك بفعلتك الغبيّة إستحقيّت السجن الإنفرادي أيّها الصعلوك 
فسأله الشاب وهو مازال في حيرة من أمره : وماذا فعلت انا ؟!
لكن السجّان لم يجيبه , بل إكتفى بوضع الأغلال في معصميه ورجليه .. ومن ثم سحبه بعنف الى خارج الزنزانة .. 

وبينما كان الشاب يمشي بصعوبة في ممرّ العنابر الذي شعر بأنه يراه لأول مرة في حياته , تفاجىء بردّة فعل بقيّة المساجين الذين ما ان رأوه هناك , حتى بدأوا يحيّونه بالهتاف والصفير وطرق اكوابهم الحديدية بقضبان زنزاناتهم , وكأنه قائدهم او بطلهم !
فسأل السجّان (الذي يقوده) بدهشة : 
- ماذا يحصل ؟! ولما هم هائجون هكذا ؟!
فأجابه : لأنهم يعتقدون بأن ما فعلته بطولة
- وماذا فعلت بالضبط ؟!
فصرخ عليه السجّان بعصبية : تحرّك دون اسئلة أيّها مغفّل !!

ويبدو ان الضربة القوية التي تلقّاها الشاب على رأسه في غرفة التعذيب قبل ايّام أفقدته الذاكرة , لكن لم يعلم أحدٌ بذلك بعد ! 
***

ووصلا أخيراً الى غرفة موجودة في قبو السجن , كان يوجد بوسطها كرسي التعذيب الكهربائي.. 
وهنا أمر السجّان إثنين من الحرس قائلاً :
- هيّا اربطاه جيداً بالكرسي
فصرخ الشاب بخوف : لماذا ؟! انا لم افعل شيئاً 

فضحك السجّان بسخرية : الآن بتّ تصرخ كالفتيات يا جاك , بينما كنت قبل ايّام ترفض النطق بكلمةٍ واحدة , حتى ونحن نُذيقك الوان العذاب !
الشاب : وهل اسمي جاك ؟!
فصفعه السجّان بقوة : أتستغبي عليّ ؟
الشاب وهو يبكي بخوف : اسمع ارجوك , انا لا اذكر شيئاً ولا اعرف لما انا مسجوناً هنا .. ارجوك إخبرني بما حصل 
وبعد توسلات حثيثة من السجين الخائف , إضّطّر السجّان لمناداة طبيب السجن بعد ان حيّره موقف الشاب .. 

وبعد ان فحصه الطبيب , أخذ السجّان جانباً وأخبره برأيه 
الطبيب : اعتقد ان جلالته ..
السجّان بعصبية مقاطعاً : لا تناديه بلقبه السابق هنا !!
الطبيب : اعتذر .. اعتقد ان السجين جاك أُصيب بارتجاجٍ في المخ , أفقده الذاكرة بشكلٍ جزئي
السجّان بقلق : أهذا يعني انه لن يُخبرنا بالسرّ ؟ 
- ربما
- اتدري لو عرف الملك بذلك , سيقتلنا جميعاً .. (ثم يتنهّد بضيق) ..عليه ان يُخبرنا بمكان الخاتم السحري كيّ نحصل على الجائزة الكبرى ..(ثم شدّ على يد الطبيب) .. لهذا عليك ان تعالجه بسرعة كيّ يستعيد ذاكرته 

- ليس هناك حلّ سوى ان تدعه يرتاح من تعذيبك , على الأقل لأسبوعٍ ..
السجّان مقاطعاً : لا استطيع , فالملك أمهلنا بضعة ايامٍ فقط  
الطبيب : لكن صحّة جاك لا تسمح ..
السجّن مقاطعاً : حسناً لا يهم .. اظنّ ان الكهرباء ستعيد اليه ذاكرته 
ثم طلب من الحارسين البدء بكهربة الشاب وتعذيبه , غير مبالي بتحذيرات الطبيب 

ومع أول شحنة كهربائية تمرّ في جسد السجين جاك , تذكّر بعض الأحداث التي مرّت امام عينيه كشريطٍ سينمائي 
فهو تذكّر بأنه قبل ايام حاول الهرب من السجن بمساعدة زميله في الزنزانة , لكن لسوء الحظ طالهما ضوء المنارة في برج المراقبة للسجن قبل امتارٍ قليلة من وصولهم الى حافة الجبل , وقفزهم نحو البحر التي تحيط بجزيرة السجن

وعلى الفور !! قام قنّاص المنارة بإصابة صديقه اصابةٍ بالغة , ولم يعد امام جاك الاّ خيارين : اما القفز نحو البحر والنجاة بنفسه من هذا الجحيم , او العودة الى السجن حاملاً صديقه المصاب (الذي حفر معه نفق الهروب لأكثر من شهرين) ليعالجه طبيب السجن وينقذ حياته .. 

ورغم ان صديقه الذي كان يحتضر ترجّاه بأن ينقذ نفسه , الا انه فضّل الإستسلام .. ليتفاجىء لاحقاً بقتل السجّان لصديقه المصاب فور عودتهما الى السجن ! 
اما جاك فقد صدر قرار من الملك نفسه بتعذيبه بأقسى العقوبات الى ان يعترف .. لكن بماذا ؟!

وهنا تلقّى جاك الشحنة الثانية من الكهرباء , ليعرف بنفسه الإجابة 
فهو تذكّر بأن ملك البلاد (آرثر) لم يكن سوى اخاه الغير شقيق الذي قام قبل شهور بانقلابٍ عسكري عليه , بعد ان قتل زوجة جاك وابنه البكر ليحكم الشعب بدلاً عنه .. 

اما الخاتم الذي يريده الملك الحالي آرثر : فهو كان هدية من أقوى المشعوذين في البلاد لأبيهما (جيم , الملك الراحل) وفيه تكمن قوة عظيمة تسمح لمن يلبسه بالحكم طوال عمره دون أيّة مشاكل .. 
لكن الأخ الأصغر لجاك (آرثر) لم يصدق كلامه (بعد الإنقلاب عليه) عندما أخبره بأن خاتم والدهما وقع منه اثناء تنزّهه في احدى الحقول , وظنّ انه يخبئه كي يعود الى الحكم من جديد بعد الهرب من السجن

ومع دخول الشحنة الثالثة للكهرباء في جسده , تذكّر أمراً آخر مهماً .. فجاك عندما سلّم نفسه بعد عملية الهروب الفاشلة , تم تعذيبه اولاً امام جميع المساجين في ساحة السجن , حيث تم صلبه هناك لساعاتٍ طويلة كنوع من ترهيب البقيّة في حال فكّروا بالإقدام على الهرب في المستقبل .. 

لكن بعد ان أمر السجّان بعودة المساجين الى زنزاناتهم .. إقترب رجلٌ عجوز من ذاك الصليب , وأخرج خاتماً كان يضعه بعقدٍ في رقبته , ودسّه بخفية في جيب جاك وهو يهمس له :
- جلالة الملك جاك .. انا مزارعٌ بسيط , وقد وجدت ابنتي الصغيرة خاتم والدك واقعٌ في حقلي , وقمت انا بالإحتفاظ به لشهورٍ طويلة .. واليوم وبعد ان رأيت وشم الدولة على كتفك , عرفت بأن الإشاعة حقيقية , وانك محبوسٌ بيننا ! ..لهذا أعدّت لك الأمانة , وارجو منك ان تلبسه في اقرب فرصة كي يعطيك القوة السحرية لتستردّ الحكم من إخيك الظالم

لكن الملك المنعزل جاك فضّل وقتها تخبأة الخاتم السحري في جدار زنزانته .. قبل ان يأخذوه الى تعذيبٍ آخر في اليوم التالي .. ومن بعدها رموه في السجن الإنفرادي بعد ان تلقّى ضربة عنيفة على رأسه أفقدته الذاكرة جزئيّاً .. 

لكنه الآن تذكّر كل شيء ..وقد نوى في حال ظلّ حيّاً بعد تعذيب الكرسي الكهربائي ان يلبس خاتم والده السحري ويثور على اخيه الظالم ويعيد العدل والأمان للبلاد ..

لكن ما حصل بعدها كان عكس ما تمنّاه ..حيث كان آخر ما سمعه هو صوت السجّان وهو يطلب من الحرس ان يرفعوا درجة الكهرباء الى أقسى درجة كي يجبروه على الإعتراف بمكان الخاتم , وكل هذا طمعاً في جائزة الملك الكبرى , مُتجاهلاً بذلك تحذيرات طبيب السجن (بأن هذا سيؤدي الى توقف قلب جاك) .. وهذا ما حصل بالفعل 

السجان بصوتٍ عالي للحرس : إرفعوا الشحنات الكهربائية لأعلى درجة .. هيّا إصعقوه الآن !!
***

وهنا استيقظ الصحفي (اريك) مرتعباً من كابوسه , بعد ان نام في نفس الزنزانة التي عاش فيها الملك جاك آخر شهورٍ من حياته , وذلك قبل قرنين من الزمن !

فإريك كان من ضمن مجموعة سوّاح قدِموا لزيارة سجن الجزيرة المهجور .. الا انه ابتعد عنهم ليستكشف المكان وحده , ولهذا لم ينتبه على غيابه احد من السوّاح الذين عادوا الى القارب بعد انتهاء موعد الزيارة , تاركين خلفهم الصحفي اريك , الذي اضّطر لمبيت ليلته وحيداً داخل السجن المهجور

وبعد ان استيقظ مرتعباً (في تلك الزنزانة) من كابوس إعدام جاك , في صباح اليوم التالي .. بدأ على الفور بالبحث عن مكان خاتم الملك الأسطوري , والذي كان قد قرأ عنه كثيراً في كتب التاريخ 

وبعد بحثٍ مطوّل في سجن جاك , وجده أخيراً خلف بلاطةٍ مكسورة بجانب السرير الحديدي الصدىء 
وكان هذا إكتشافاً عظيماً ..فلطالما حاول المغامرون البحث عن مخبئه السرّي في زنزانته .. حتى ان كثيراً من الناس جابت الحقول (التي يُظنّ بأنها وقع فيها الخاتم) طولاً وعرضاً بحثاً عنه , الاّ انه لم يجده احد .. 
***

وفي ظهر ذلك اليوم .. عاد البحّار بقاربه الى جزيرة السجن بعد ان اكتشف غياب الصحفي في رحلة الأمس .. فوصل اليه معتذراً عن خطأه واهماله , الاّ انه تفاجىء بالبشاشة البادية على وجه اريك ! 
***

وبعدها بأيام .. قرّر اريك البحث عن احفاد الإبن الأصغر للملك جاك , والتي تمكنت مربيته من تهريبه من بطش عمه .. 
وظلّ اريك يبحث في المستندات والحقائق الى ان وجد الحفيد الأخير لجاك بعد ان أصبح رجلاً في الأربعين , وصادف انه ايضاً من عشّاق السياسة حيث كان مُقدِماً على إنتخابات الحكومة في البلاد

وبعد قبول النائب برؤية اريك (بحجّة المقابلة الصحفية) .. اخبره الصحفي بالمصادفة الغريبة التي حصلت معه , وكيف ان روح الملك جاك جعلته يُشاهد مخبأ الخاتم المنشود في المنام
ثم قال اريك للنائب آدم :
- لقد فضّلت ان أعيد الخاتم اليك لأنه ميراثك العائلي , على ان أعلن للعالم بأنني وجدته لأحصل على بعض الشهرة 

النائب وهو يتأمّل خاتم جدّه الأكبر بسعادة : كم انا سعيد لأنك وجدّته في الوقت المناسب ..فهذا الخاتم السحري سيضمن فوزي بالإنتخابات القادمة , بل ربما أحكم البلاد لسنواتٍ عديدة دون أيّة مشاكل , تماماً كما حصل مع والد الملك جاك الذي هو جدّي الكبير (جيم) .. ولا تقلق سيد اريك ..فأنا سأكافئك عن إخلاصك , لكن بعد ظهور النتائج النهائية للإنتخابات
اريك بثقة : ستفوز حتماً , لا تقلق

- اتمنى ذلك .. لكن طلبي الأخير منك : هو ان لا يعرف احد بهذا الموضوع
- أعدك بان يبقى الأمر سرّاً بيننا .. (ثم وقف مُودّعاً) ..سأعود ثانيةً اليك , بعد تفوقك على جميع منافسيك
فابتسم آدم قائلاً : وحينها سأكون في انتظارك مع شيكٍ بملبغٍ ضخم , لأنك إستحقّيته بجدارة
***

وبالفعل !! نجح آدم بالإنتخابات بفوزٍ كاسح , فاق جميع التوقعات .. وبعد ان هدأت الضجّة الإعلامية ..تلقّى الصحفي اريك دعوة لزيارة المنزل الريفي للحاكم الجديد للبلاد (آدم)
وبعد ان وصل الى هناك ..
اريك : لما طلبت مني ان أقابلك هنا بالذات ؟ 
آدم : لأني لم اردّ ان يرونا سويّاً 
- وهل انت وحدك هنا , ومن دون خدم ؟!
- قلت لك : لا اريد ان يكون معنا أحد 

ثم رفع مسدسه في وجه الصحفي اريك الذي انصدم كثيراً من تصرّفه : 
- اتريد قتلي بدل من مكافأتي على إعطائك الخاتم السحري ؟!
آدم بابتسامةٍ خبيثة : نعم سأقتلك لأنني لا اريد لمخلوق ان يعرف بهذا السرّ .. وسأقوم بدفنك بنفسي في هذا المكان المعزول , لتهترىء وحيداً في قبرك 

الصحفي بغضب : يبدو ان الغدر يسري في دماء هذه العائلة اللعينة !!
فضحك آدم مِلْءَ شِدْقَيْهِ , قائلاً بغرور : معك حق .. يبدو انني أُشبه عمي الأكبر (آرثر) أكثر من جدّي الساذج (جاك)

ثم أطلق رصاصة إستقرّت في قلب المغدور اريك .. 
وبعد ان سقط ميتاً , قال آدم بسعادةٍ غامرة :
- لا أحد سيقف في وجهي بعد اليوم .. وسأكون أقوى حاكم عرفته البلاد , وسيهابني الجميع !!

ليُطلق بعدها ضحكةً مجلّلة مُخيفة تُنذر بأيامٍ سوداء قادمة للبلاد , والتي ينوي ان يحكُمها آدم بالجور والظلم والإستبداد ! 

الجمعة، 13 أكتوبر 2017

ألحانٌ من عالمٍ آخر !

مُقتبسة من مقالة في مجلة الكواكب
كتابة : امل شانوحة



كائنٌ مريب يُعزف بدلاً منّي !

- ماهي النوتة المناسبة ؟! وكيف ألحّن هذا المقطع الغنائي ؟ أكاد أفقد أعصابي !!
فهذا الملحّن الشاب كان لديه موعداً محدّد لإرسال اللحنّ النهائي الى فنان يعمل معه , ولا يمكنه الإعتذار عن مهمّته فهو مازال في بداية مشواره الفنّي .. وبصعوبة سمح له أحد المغنين الناشئين بتلحين إحدى اغانيه لألبومه القادم , والتي سيُغنيها في حفلة نهاية الأسبوع .. ولم يتبقى امامه سوى يومين فقط لتسليمه المعزوفة كاملة 

وبدأ يشعر الملحّن (عمر) بالقلق , حيث قال في نفسه : 
- لقد انتهيت من تلحين كل الأغنية رغم صعوبة كلماتها , الاّ ان هذا المقطع اللعين لم اعرف بعد كيف أدمجه مع المقطع الأخير .. واعصابي تعبت كثيراً من التفكير ومن كثرة المحاولات الفاشلة .. (ثم تنهّد يائساً) .. من الأفضل ان أخلد الى الراحة , فعسى ان يأتيني الإلهام في منامي ..
*** 

وفي الصباح .. قفز عمر من سريره راكضاً نحو جيتاره الآليّ .. 
وعلى الفور !! عزف النوتات الصحيحة , التي تراقصت بين اصابعه على اوتار جيتاره .. وكان الأمر أشبه بالخيال ! 
فأسرع بكتابة ما الّفه قبل ان ينسى هذا اللحن السحري , وقد رسم على وجهه ابتسامةٌ عريضة .. 

وبعد ان انتهى .. بدأ بعزف الأغنية كاملة من بدايتها حتى نهايتها , لتخرج مُتناسقة دون ايّ شائبة , وكأنها من تلحين أحد المحترفين الكبار ! 
فصار يرقص بسعادة على إنجازه العظيم .. وبينما كان في ذروة سعادته لمح شيئاً أفزعه من خلال مرآته الكبيرة الموجودة في وسط جدار مكتبه ! وكان إنعكاساً لشخصٍ يشبهه , يلامس جسمه وكأنهما توأماً مُلتصق ! 

فتعثّر عمر ليسقط على الأرض بعد ان أرعبه المشهد .. 
وكان على وشك الهروب من منزله , قبل ان يرنّ جرس الهاتف الأرضي .. فرفع السمّاعة وهو مازال يلهث برعب :
- من معي ؟
فسأله المغني (الذي يعمل عنده) : 
- مابك عمر ؟ انا سمير .. لما صوتك يتهدّج يا رجل ؟! 
فأجابه بتلعّثم : أظنني رأيت قريني قبل قليل ! 
فضحك الفنان قائلاً :
- بل قلّ شيطانك ..
فسأله عمر بدهشة : ماذا تقصد ؟!

- الا يقولون ان مهنتنا هي مهنة الشياطين .. لا يهمّ .. إخبرني الآن.. هل انتهيت من تلحين أغنيتي ؟ فالحفلة ستقام مساء الغد , وفرقتي لم تتدرّب بعد على الجزء الذي أوكلتك بتلحينه
- نعم نعم , انتهيت منه قبل قليل .. أساساً كنت ذاهباً الآن الى الأستديو لنتدرّب عليه جميعاً
- حسناً سنكون في انتظارك ..(ثم قال ساخراً).. لكن إترك صاحبك الجنّي في بيتك , فنحن لا تنقصنا المصائب 

وأغلق الفنّان السمّاعة وهو مازال يضحك , دون ان يكترث بالتجربة المخيفة التي مرّ بها عمر قبل قليل
***

وبالفعل !! نجحت الأغنية نجاحاً باهراً .. وقد أثنى النقّاد على اللحن المنفرد للجيتار الآلي الذي عزفه عمر بتميّزٍ شديد , مما لفت اليه انظار الوسط الفني بعد تقديرهم لموهبة العازف الشاب الفريدة  
ومع الأيام , تهافتت عليه العروض المغرية من كل حدبٍ وصوب  
***

ورغم سعادة الملحّن عمر بالفرص التي جمعته مع كبار النجوم , الاّ ان شهرته المفاجئة زادت عليه من ضغط العمل , فاعتزل الناس وأهمل صحّته حيث صار يكثر من شرب السجائر والكافيين للسهر طوال الليل في محاولة منه لتأليف أجمل الألحان التي تتناسب مع شهرة الفنانين الذي يتعامل معهم .. 

والمشكلة انه دائماً ما كان يعترض طريقه جزئيّة معينة في اللحن تمنعه من إكمال الأغنية , او انه يجد صعوبة في ربط مقطعين ببعضهما , ممّا كان يدمّر أعصابه .. 
***

وذات ليلة وفي ذروة انشغاله بالتلحين , إنقطعت الكهرباء !
عمر بضيق : اللعنة !! ليس الآن .. اين وضعت الشموع ؟
وبعد ان وجد شمعة في درج مطبخه , أضاءها فوق مكتبه ليُكمل كتابة النوتات .. لكنه شعر فجأة بوحشة المكان , وكأن هناك روحاً تشاركه الغرفة ! فاعتراه الخوف .. 
ثم سمع شيئاً يشبه الدنّدنة قادمة من ركن الغرفة .. 

فوقف مُبتعداً عن جيتاره , وحمل الشمعة مُقترباً من المرآة الكبيرة (المعلّقة على الحائط) .. وحاول ان يستجمع قواه لرؤية نفسه داخلها , خاصة بعد ان تذكّر ما حصل معه في المرة السابقة .. الاّ ان الشمعة انطفأت فجأة ليعمّ الظلام المرعب داخل الغرفة ! 
فأسرع بإخراج علبة الكبريت من جيبه , بيده التي كانت ترتجف بقوة , وهو يقول بصوتٍ منخفض :
- هل يوجد جنّي معي هنا ؟

وما ان أشعل الشمعة من جديد ..حتى شعر بمخلوقٍ صغير يتلصّص عليه من طرف الباب وكأنه يراقبه من بعيد .. 
وكردّة فعلٍ من الملحّن إلتفت سريعاً ناحيته , ليلمح بثواني هيئته المخيفة , حيث كان قزماً برجلين مشعرّتين وعيوناً حمراء وقرنيّ التيس ! نعم لقد صدق كلام صاحبه المغني حين أخبره : بأنه لم يرى قرينه بل احدى الشياطين ! 

ولم يعيّ الملحّن بنفسه الا وهو يقود سيارته مُبتعداً عن شقته المسكونة , بعد ان إرتعدت فرائصه ممّا شاهده هناك

لكن المفاجأة كانت حينما عاد لأخذ حاجياته من شقته في عصر اليوم التالي , حيث وجد الشمعة مازالت متوهجة دون ان تنصهر!  
فأسرع بأخذ نوتات العمل وجيتاره , لكن شيئاً كان يمنعه من مغادرة المنزل , حيث صار يدور بداخله مُتنقلاً من غرفة الى اخرى حتى حلّ المساء .. 

وعندها سمع صوتاً يقول له :
- لا تخفّ مني يا عمر , فقد إخترتك انت بالذات كيّ أخدمك
فصار يتلّفت الملحن من حوله بفزع : 
- من هناك ؟!! من يكلّمني ؟!!

وهنا خرج من مرآة مكتبه دخاناً اسوداً , تجمّع عند زاوية الغرفة على شكل زوبعةٍ سوداء .. ومن بعدها تشكّل ذلك المخلوق على هيئة رجلٍ عجوز يتكأ على عكازه !
فتجمّد الملحّن في مكانه من شدّة الرعب , فقال له العجوز :
- أتيتك البارحة بشكلي الحقيقي لكنك فزعت مني , لهذا قرّرت اليوم ان آتيك على حسب عمري , فأنا جني كبير في السن وعمري  1700 سنة 

فسأله عمر بخوف : وماذا تريد مني ؟
- اريد ان اساعدك
فردّ الشاب بعصبية : 
- انا لا اريد شيئاً منك او من عالمك .. هيّا انصرف من بيتي!! 
الجني : أحقاً يا عمر ! هذا بدل ان تشكرني لأنني ساعدتك بتلحين تلك المعزوفة التي شهرتك بين أقرانك
- عن ماذا تتكلم ؟! فأنا ألّفت جميع ألحاني  

- لا يا عزيزي , انا بنفسي دنّدنتها في أذنك قبيل إستيقاظك ..وكل ما فعلته انت , هو انك دوّنت النوتات التي لقّنتها لك .. وان كنت لا تصدّقني , فدعني ألحّن لك الجزئية العالقة من الأغنية التي تعمل عليها هذه الأيام
- قلت لا اريد شيئاً منك , الا تفهم ؟!!
- حسناً كما تشاء .. اذاً سأدعك تحاول بنفسك .. لكن دعني اخبرك بشيء عن عالم الجن .. فالزمن الذي نعيش به يسبقكم بسنين , لهذا يمكننا التنبوء بمستقبلكم .. ويحزنني ان أرى نجمك ينطفأ قريباً 

فسكت الملحّن محتاراً , فاستغل الجنّي إرتباكه قائلاً :
- دعني أسمُعك تلحيني للمقطع الذي وقفت عنده , فماذا ستخسر ان فعلت ؟  
وبعد تفكير مطوّل من عمر قال له : حسناً , لكن في حال لم يعجبني..
فأكمل عنه الجني قائلاً : حينها أخرج من حياتك نهائياً , أعدك بذلك

- حسنا , إسمعني ما عندك
- اولاً إسمح لي ان اتلبّس في جسمك
فانتفض عمر بخوف : ماذا ! لا طبعاً 
العجوز : إسمعني يا بنيّ .. انا الآن بهيئتي الهلامية , يعني لا استطيع التحكّم في اصابعي كي أعزف على أوتار جيتارك , ولهذا احتاج الى استخدام يديك .. لا تقلق , سأخرج منك فور إنتهائي من المعزوفة 

وبترددٍ كبير قبِلَ الملحّن بدخول العجوز في داخله .. 
وعلى الفور !! شعر عمر بحماس لا مثيل له , حيث صارت اصابعه تلعب بخفّة ومهارة على الجيتار , مُطلقاً لحناً خيالياً لم يسمع مثله من قبل .. 

ومن ثم خرج الجني منه وهو يقول :
- هآ , ما رأيك بتلحيني ؟ هل اعجبك المقطع ؟
لكن الشاب لم يجيبه , بل أخذ دفتره على عجل وبدأ بتدوين النوتات التي سمعها ..
فابتسم الجنّي قائلاً : لا تقلق يا عمر , فأنت لن تنساها لأنني سجلّتها في دماغك .. والآن استميحك عذراً , لأنه عليّ العودة الى عالمي
فقال الشاب بقلق : لكن بقيّ مقطعين آخرين في الأغنية عليّ تلحينهما

فضحك الجني قائلاً : قبل قليل كنت تأمرني بالرحيل من بيتك , والآن تريدني ان ابقى معك لأساعدك على إنهاء المعزوفة 
الشاب بإلحاح : رجاءً , انا بحاجة الى مساعدتك 
فابتسم الجني : نعم , هكذا أفضل .. اذاً سآتي اليك غداً مساءً لنعمل سويّاً على إنهاء الأغنية ..ولا تقلق , فأنا رأيت مستقبلك واعرف ان نجمك سيلمع كثيراً بعد هذه الأغنية لتصبح أفضل عازف جيتار في البلد 
***

ومع الأيام ..توطدّت العلاقة بين الملحّن الشاب وبين صديقه الجنّي الهرم , لينتجا سويّاً أجمل الألحان التي وصلت صداها الى كل العالم العربي ..
الى ان أتى ذلك اليوم الذي ظهر فيه الجني العجوز في بيت الملحّن حزيناً
عمر : مابك حزين يا صديقي ؟ هل لأني طلبت منك الا تحضر الى بيتي الجديد .. رجاءً لا تغضب منّي , لكني لم اردّ ان تفزع عروستي (مها) منك
فابتسم الجني : وكأنها اول عروسٍ لك ! فهذه رابع مرّة تتزوج فيها يا رجل ؟!
فابتسم عمر قائلاً : أتغار عليّ ؟

فعاد الحزن يخيّم على وجه العجوز حيث قال : لا ليس هذا , بل انا حزينٌ عليك 
بقلق : لم افهم , لماذا ؟!
- لأني عرفت ما يُخبّئه لك المستقبل قبل قليل 
فأجابه عمر بفخرٍ وغرور : مستقبلي أصبح رائعاً بفضلك .. فأنا رغم انني لم اصل لسن الأربعين بعد , الا انني عزفت لأهم المغنيين في البلد ..وصار الجميع يعرفني بعد تلك الأفلام التي مثّلتها

فسكت الجنّي قليلاً , ثم قال : 
- رأيت وجهك معكوساً على شظايا الزجاج ، وعليه بركانٌ أحمر , يتلألأ فوق جبالٍ قاتمة وسوداء
ثم أسرع الجني بالإختفاء قبل ان تنزل دمعته .. 

ولم يفهم الشاب عبارته الأخيرة الغامضة , الاّ بعد ايام ..
حيث كان يقود سيارته برفقة زوجته الأخرى (دينا) , بينما كانت صديقته الممثلة (مديحة كامل) تجلس في الخلف .. وكانوا يغنون سويّاً بسعادةٍ غامرة قبل ان تعترض طريقهم سيارة غامضة , ظلّت تلاحقهم : مرّة عن اليمين ومرّة عن اليسار .. وقد ظنّوا في البداية انها لإحدى المعجبين المهوسين بوسامة وتفوق الملحّن الشاب 

لكن الوضع إنقلب الى رعب بعد ان بدأت بمهاجمة سيارتهم من الجوانب , فعرفوا ان الأمر تحوّل الى محاولة إغتيال 
وحاول عمر قدر المستطاع الإبتعاد عن السيارة المجهولة.. وحينها تذكّر عبارة الجني التي تردّد صداها في أذنه ..
((رأيت وجهك معكوس على شظايا الزجاج ، وعليه بركانٌ أحمر يتلألأ فوق جبال قاتمة سوداء))

فارتعب عمر بعد ان فهم ان الجملة الأخيرة للجني كانت ماهي الا تنبؤه لطريقة موته , فأيقن قرب أجله وصار يردّد التشهّد بصوتٍ عالي , ممّا أفزع زوجته وصديقته مديحة التي صرخت برعب :
- عمر !! ماذا هناك ؟ هل تعطّلت الفرامل ؟! إخبرنا رجاءً !!!

لكنه ظلّ يتشهّد بخوفٍ شديد , حتى لمح صديقه الجنّي امامه مباشرةً , وهو يبتسم بخبث قرب عامود الإنارة , رافعاً يافطة (لم يرها سواه) مكتوبة بالأنجليزي عبارة : 
Game Over
***  

وفي اليوم التالي .. تناقلت الصحف خبر وفاة الملحّن المشهور ((عمر خورشيد)) حيث لقيّ مصرعه في يوم 29 مايو 1981 , عن عمرٍ يناهز 36 سنة , بعد إصطدامه بعامود الإنارة , وإختراق رأسه الزجاج الأمامي جرّاء حادث تصادم مروري .. وذلك عقب خروجه من الرولاند هو وزوجته اللبنانية «دينا» , الموجود في نهاية شارع الهرم أمام مطعم «خريستو».
***

وقد صُدِمَ العالم أكثر بعد قراءتهم لمقالة في مجلة الكواكب , لصديقه الكاتب ((حسن الحفناوي)) الذي كان الوحيد الذي أخبره عمر عن صديقه الجني وعن عبارته المقلقة الأخيرة , والتي فهمها الصحفي أيضاً بأنها كانت تنبوءاً بطريقة وفاة الملحّن الشاب

وقد ختم مقالته بقوله : 
فهل كان الجنّي العجوز صديق (عمر خورشيد) بالفعل , ام كان مجرد شيطانٍ قاده نحو مصيره المشؤوم ؟!
********

ملاحظة : 
- أعتذر مُسبقاً من أهل الفنّان الراحل (عمر خورشيد) في حال أساءت قصتي لأحد المقرّبين من المرحوم , فكل ما فعلته هو إنني تخيّلت ما حصل معه بناءً على مقالة صديقه الصحفي 
- وشكر خاص الى صديق المدونة (محمد آل غلّاب) الذي ألهمني كتابة القصة  

السبت، 7 أكتوبر 2017

معاً لغدٍ أفضل

تأليف : امل شانوحة


 
سأجبرهم على مراعاة حقوق الفقراء 

قد تتساءلون : ما علاقة الفضائيون بفقراء الأرض ؟! 
اذاً إسمعوا قصتي .. معكم (ألينور) وانا كائنٌ فضائي , أعيش ضمن مجتمعٍ كبير متواجدٌ في كويكبات مُبعثرة بين المجرّات .. ولدينا قانون صارم : وهو ان من يرغب بالتكاثر منّا , عليه اولاً ان ينجح في مهمّة تترك أثراً جيداً , ضمن محيطٍ لا يقلّ عن مساحة أصغر دولة في كوكبكم .. يعني بطريقةٍ اخرى .. لا يستطيع الفضائي البالغ منّا أن تصبح له عائلة , الاّ بعد قيامه لمهمّةٍ انسانية (بمصطلحكم الأرضي) ولوّ اضّطر لإنجازها بطريقةٍ شريرة ومدمّرة ! فالمهم عندنا هي النتيجة النهائية

وقد أمضيت السنوات الثلاثة الفائتة بالتنقّل بين الكواكب والأقمار الموجودة في عدّة مجرّات , الى ان عثرت أخيراً على كوكب الأرض .. 

فنزلت اليكم بهيئتي الهلامية , ايّ الشفافة التي لا تُرى بالعين المجرّدة .. وقمت بدارسة الوضع داخل بلدٍ اسمه الصين .. وقد اخترت هذا البلد تحديداً , لأن العمالة به كثيفة .. وكان عليّ إيجاد بعض القوانين الجائرة لأعمل لاحقاً على تصحيحها وفقاً للعدالة السماوية , ولوّ كان ذلك بالقوّة

وبعد شهور من الدراسة للطبيعة الإنسانية تفاجأت بأنها لا تختلف كثيراً عن الطبيعة الحيوانية ! فالأقوياء فيكم يأكلون حقوق الضعفاء دون ان يشعروا بتأنيب ضمير .. لكن أكثر ما أزعجني : هو مبالغة الأغنياء في بعثرة اموالهم على وسائل الترف والرفاهية , الاّ انهم في المقابل يضيّقون الخناق على عمّالهم وموظفينهم ويخصمون من رواتبهم الزهيدة لأتفه الأسباب ! 

ولهذا وجدت الحلّ المناسب كيّ أجبرهم على تقدير جهود العمالة الفقيرة .
وكانت خطتي كالتالي : 
فقد قرّرت السيطرة على أجساد بعض العمّال المضّطهدين من قِبل رؤسائهم لتنفيذ مهمّة الإنتقام منهم , رغم علمي مُسبقاً بأن هؤلاء الموظفين قد يطردون من أعمالهم او حتى يزجّون بالسجون .. لكني سأحرص على ان تؤدي جرائمهم (التي سأتحكّم بها) الى فتح أعين المجتمع , ممّا سيغير من تلك القوانين الجائرة والمستبدّة بشأن حقوق العمالة في المستقبل .. ولهذا أرى انه لا بأس من التضحية ببعض العمّال في سبيل تحقيق الهدف السامي .. الاّ تتفقون معي ؟ 
*** 

ومع تباشير الصباح .. كنت قد اخترتُ هدفي الأول .. لا تسألوني عن إسمه , فالأسماء الصينية صعبة الحفظ بالنسبة لي .. لكنّي سأوصفه لكم : كان رجلٌ في الأربعين من عمره , متوسط الحجم , وهو أب لولدٍ وحيد يدرس في مدرسةٍ داخلية , اما زوجته فتعمل في إحد المصانع وبإجرةٍ زهيدةٍ ايضاً ..اما عن هيئة الرجل : فكان التعب وعلامات اليأس بادية على وجهه الذي هرم قبل ميعاده , وكيف لا ومديره يخصم له كل شهر من معاشه الذي يكاد لا يسدّ الرمق , ولأسبابٍ تافهة دون ان يقدّر عمله المرهق .. فهو يعمل على إحدى رافعات البناء العملاقة .. 

حيث يبدأ عمله بصعود عشرات الدرجات قد تصل للمئات احياناً ليصل الى غرفة التحكّم الموجودة في أعلاها , والتي ترتفع لعلوّ خمسة عشر طابقاً ! وبعد ان تجسّدت في جسمه شعرت على الفور بالأرهاق الشديد , بسبب ركبته المصابة .. لكن هذه كانت البداية فقط , لأن عليه العمل لخمس ساعاتٍ متواصلة وهو عالقٌ بين السماء والأرض دون أكلٍ او مشرب او حتى دخول الحمام ! كما اني لاحظت بأن عمله يحتاج الى تركيزٍ شديد , خاصة انه يبني سوقاً كبيراً (مول) في وسط عمارات تحوي مكاتباً لشركات متوجودة في وسط البلد ..لذا كان عليه نقل الترسانة بحذرٍ ودقة كيّ لا يصطدم بالأبنية المجاورة المليئة بالموظفين .. هذا عدا عن الحرارة التي قاربت الأربعين داخل الحجرة الحديدة المسجون بداخلها ! 

كل شيءٍ كان متعباً بشكل لا يصدّق .. فبالرغم انني سيطرت على جسده لساعةٍ واحدة فقط , الاّ انه كاد يُغمى عليّ من شدة التعب بسبب الأرهاق والتركيز المستمرين .. لذا كان عليّ تخليصه من عذابه , لكن بطريقة تؤدّب جميع أرباب الورشات الأخرى ..  

فبدأت بتنفيذ خطتي الإرهابية .. حيث أخفضت مستوى ذراع الرافعة الى منتصف العمارات المجاورة .. ثم قمت بسرعة بحركة دائرية مجنونة لتخترق ذراع رافعتي كل زجاج الشركات المجاورة , ممّا تسبّب بحالة من الفوضى العارمة , وهلعٍ وفزع لسقوط ضحايا وجرحى قُدّروا بالمئات .. ليس هذا فحسب .. بل قمت برفع الذراع مجدّداً الى الأعلى كيّ أتفادى الشرطة التي قدمت الى المكان على عجل بعد اعلانها لحالة الطوارىء في المنطقة.. 

وما قمت به لاحقاً فاق تصوّرهم ! حيث وجّهت الذراع ناحية ذراع رافعةٍ اخرى كانت متوقفة قرب المول .. ثم خرجت من غرفة التحكم ومشيت مسرعاً الى هناك , ثم قفزت قرابة المتر لأصل للذراع الأخرى ..وانطلقت ناحية غرفة تحكّمها وكرّرت فعلتي ثانيةً , لكن من زاويةٍ اخرى ادّت الى تحطيم واجهة المول تماماً ..
لكن لسوء حظّ العامل (الذي انا في داخله) فقد سقط لوحٌ زجاجي فوق الكابينة التي كان فيها , لتمزّق شظية من الزجاج شراين قلبه ..وبالكاد هربت من جسده قبل ان يلقى مصيره .. 

أعرف ما ستقولونه .. كيف ساعدت العامل المسكين وانت قضيت عليه ؟ كما قلت لكم سابقاً : الهدف لم يكن هو , بل بإقامة حالة من الهلع في المدينة .. ولهذا السبب بالذات : كنت قد تلبّست جسده مُسبقاً كيّ يصوّر نفسه بجواله القديم وينشر وصيته الأخيرة عبر وسائل التواصل الأجتماعي , وذلك قبل ساعاتٍ قليلة من تنفيذي لمهمّته الأنتحارية .. 

وبالطبع أمليت عليه مضمون الرسالة : حيث أخبرت الناس ان فعلته الأرهابي (التي ينوي القيام بها) كانت نتيجة لسوء معاملة مديره له ولخفضه راتبه كل شهر دون ايّ مبرر .. كما سردّت كل مساويء مديره مع بقيّة زملائه العمّال (بما استطعت استخلاصه من ذاكرته) .. 

امّا ما حدث بعدها : فقد قامت الصحافة في البداية بوصف العامل بالمجنون والمتهوّر .. الا ان بعض العمّال في مجال تخصّصه وقفوا بجانبه وبدأوا يذكرون معاناتهم من سوء الأجرة ومشقّة عملهم في البناء في وسائل التواصل الإجتماعي المختلفة .. مما جعل بعض المحلّلين الإجتماعيين يرون العامل كضحيّة مجتمع .. بل وصل الأمر لوصف المرحوم : بالقائد لحملة حماية حقوق العمالة الفقيرة ..
وكانت هذه هي الشعلة التي أردّتها منذ البداية لتنفيذ باقي مخطّطي
***

ولكي لا أطيل عليكم , سأخبركم باختصار بما فعلته خلال الشهور الثلاثة التي عشتها في كوكبكم , وتحديداً في بلاد الصين بمنطقتها الصناعية المزدحمة بالعمالة الفقيرة
***

فبعد يومين من وفاة عامل الرافعة .. قمت باختيار هدفي الثاني : وهي مضيفة طيران كان يعاملها كابتن الطائرة بكل نذالة , فقط لأنها رفضت استغلاله الجسدي لها , ممّا جعله يُهينها من وقتٍ لآخر امام زميلاتها ومن دون سببٍ يُذكر .. ولم يكفه ذلك , بل طلب من إدارته إنقاص راتبها بحجة اهمالها لعملها .. وبصراحة لم أطقّ رؤيتها تبكي في حمام الطائرة بعد شعورها بكل هذا الظلم , لهذا كان عليّ التصرّف سريعاً .. 

فقمت بتلبّس جسمها بعد ارتفاع الطائرة الى علوٍ شاهق .. ثم انتظرت لحين موعد تقديم الغداء .. وحينها وضعت حبة المنوّم في طعام القبطان ومساعده .. وانتظرت حتى غرقا في النوم .. ومن ثم دخلت كابينة القيادة وأقفلت الباب علينا نحن الثلاثة .. ومن بعدها بدأت الطائرة تهبط بشكلٍ اضطراري , وأعلنت صافرات الإنذار حالة الطوارىء , بينما كانوا الركّاب يسارعون بوضع أقنعة الأوكسجين .. وقد حاولت بعض المضيفات إقتحام الكابينة , لكن دون فائدة .. 

امّا انا , فكنت بالداخل أخبر برج المراقبة الجويّة في المطار (بصوتها) بالرسالة التالية : 
((انا المضيفة الفلانية .. وأقوم الآن بعملية انتحارية , تضامناً مع عامل الرافعة الفلاني , ضمن حملة : حماية حقوق العمالة الفقيرة)) .. 
وبالطبع خرجت من جسدها قبل غرق الطائرة في المحيط .. 

وعلى الفور !! تناقلت الصحف العالمية خبر سقوط الطائرة , والتي صادف وجود بعض التجّار المهمّين من جنسياتٍ مختلفة على متنها .. 

وبعد هذه العملية الإنتحارية , إزدادت شهرة حملة العمالة الفقيرة أكثر وأكثر عبر وسائل التواصل الإجتماعي .. 
ورغم ان السياسيين كانوا ضدّها , الى ان افراد شعب بدأوا بالتضامن مع مرتكبي هذه الأعمال الأرهابية
***

وبعدها بإسبوع .. سمعت بالصدفة خبر قدوم سياسي اجنبي مهم الى الصين , على متن طائرته الخاصة .. ولهذا قمت بتلبّس جسد أقل العمّال راتباً في المطار , رغم أهمية عمله : بالتأكّد من إنارة جميع لمبات المدرّج المخصّص للطائرات الصغيرة .. 
وقد استغرق مني وقتٌ طويل لأقوم بتحطيم جميع الأنوار المتواجدة على جانبيّ المدرّج .. 

ولم يشعر أحد بالمشكلة الاّ بعد حلول الليل , وهو وقت وصول طائرة السياسي التي لم يرى كابتنها مكان الهبوط مما أدّى لوفاته مع السياسي ومرافقينه ..وبالتأكيد أدّى مقتله الى ضجّة اعلامية كادت تؤدي الى قيام حربٍ بين البلدين , لكنها انتهت بإعدام العامل المسكين الذي اتهموه بالجنون ..

وقد استغلّيت موضوع نقل عملية شنقه على الهواء مباشرةً كيّ اتلبّسه مرةً ثانية , وأطلق صرختي الأخيرة : مُعلناً تضامني مع حملة حماية حقوق العمالة الفقيرة .. لتعود وتُشعل وسائل التواصل الأجتماعي من جديد .. لكن هذه المرّة وصل صداها للعالم أجمع !
***

وبخلال الشهرين التاليين .. قمت باختيار اجساد بعض الفقراء الأكثر قهراً من فئة العمّال , أمثال : طبيب التخدير في مستشفى حكومي , حيث تعمّدت (وانا في جسده) على تقليل كميّة المخدّر في عملية إبن رئيس الممرّضين الذي كان يظلمه دائماً بخصم معاشه .. وبذلك عاش الأبن المراهق كابوساً مؤلماً حينما إستفاق في منتصف العملية .. وبالتأكيد تركت جسده بعد ان حُوكم بخمس سنوات سجن على اهماله , كما طرد من وظيفته للأبد ..
لكن لا يهم , طالما ان حملة حماية حقوق العمالة الفقيرة تزداد قوة كل يوم 
***

وسأذكر لكم الآن وباختصار بقية العمّال الذين استغلّيت اجسادهم لتحقيق هدفي السامي.. 
فعلى سبيل المثال : من منكم فكّر يوماً بأهمية العامل الذي يقوم بتحويل مسارات القطارات ؟ بالتأكيد لا أحد .. 
ولهذا كانت النتيجة : إصطدام قطارين ببعضهما , ممّا خلّف عشرات القتلى والجرحى 

كما انني تضايقت كثيراً من ذلك الشاب الغني الذي عامل معالج الطب الشعبي بكل احتقار , لذا قمت (بدلاً عن الطبيب) بغرز الإبرة الصينية بعنف في نخاعه الشوكي , مما ادّى لشللّ قدميه مدى الحياة 

امّا ذلك الصبي الذي كان يعمل في ورشة سيارات والذي تعوّد معلمه على ضربه بكل قسوة , فقد قمت عنه بتعطيل فرامل سيارته , ليقضي نحبه على الطريق الجبلي

وكذلك اخترت جسد عامل مجاري , لم يراعي أحد ظروف عمله السيئة والأمراض التي اصيب بها بسبب انعدام وسائل السلامة .. ولهذا قمت بالنيابة عنه بإغلاق كافة المخارج , لتغرق المدينة لأسبوعٍ كامل بالقاذورات

ثم تجسّدت في جسم نادلة كان الجميع يقوم بمضايقتها جسدياً ولفظياً , هذا عدا عن مديرها الذي حرمها من أخذ الأكرامية (البقشيش) .. فانتقمت لها بوضع مسهّل للمعدة في طنجرة الشوربة الضخم .. ليرفع الزبائن (بعد مرضهم) شكوى على صاحب المطعم (الجائر) , ويغلق محلّه للأبد 

وغيرهم كثيرون : كخدم وحرّاس شخصين , ومربيات اطفال وسائقيّ أجرة .. حيث كنت أقوم بافتعال المصائب كل يومين او ثلاثة على مدى ثلاثة اشهر ..

والمشترك بين جميع من سيطرت على اجسادهم هو انني أجبرتهم على القول للصحافة اوالشرطة : بأنهم ارتكبوا كل هذه المخالفات تضامناً مع حملة حماية حقوق العمالة الفقيرة , التي بدأها عامل الرافعة والذي إعتبروه شهيداً .. 
***

وبعد هذه الضجّة الإعلامية لحملة الفقراء , لم يعد امام الرؤساء الاّ الرضوخ لإرادة الشعب واصدار قوانين جديدة تصبّ في صالح العمّال الفقراء على حساب أرباب عملهم .. كما تمّ إنشاء منظمات وجمعيات لحماية حقوق العمّال , مما أدّى لاحقاً الى زيادة معاشاتهم وأجورهم , كما صار لهم الحقّ في الضمان الإجتماعي , ممّا رفع مستوى المعيشة لدى الطبقة الكادحة من المجتمع , والذين كانوا يعيشون سابقاً تحت خط الفقر 
***

وكما تلاحظون , نجحت خطتي بكل سلاسة ويسر .. 
نعم صحيح انه مات بعض العمّال الذين سيطرت على أجسامهم , بينما سجن البعض الآخر , كما عُوقب أكثرهم .. لكن كما يقولون : الغاية تبرّر الوسيلة .. 

فبالنهاية استطعت وحدي تغير مفاهيم مجتمعٍ بأكمله , كما قمت بموازنة المعادلة الإقتصادية بينهم .. 
وكل ما أردّته من خلال تجربتي : هو ان أنبّهكم على عدم إثارة غضب العمّال , فلربما أعتبرتم اعمالهم بسيطة وتافهة , لكن كما رأيتم : فإن إهمالهم فيها قد تؤدي الى نتائج مرعبة , وربما تكون أرواحكم بين ايديهم 
***

وبعد ان أنجزت مهمّتي في هذا الجزء المزدحم من عالمكم .. صار بإمكاني السفر الى مجرّتي وفي حوزتي جميع الفيديوهات والمستندات التي تُثبت نجاح مهمّتي (الإنسانية) , والذي سيكون مهراً محترماً لعروستي المستقبلية .. 

كما أنوي بعد رحيلي من الأرض : ان أنصح بقيّة الفضائيين (الشباب) ان يختاروا مناطقاً في كوكبكم , لفرض نظامٍ جديد يحترم الضعفاء فيكم .. لأنه بصراحة العمل مع سكّان كوكبكم يعدّ أسهل وأكثر متعة من التعامل مع سكّان بقيّة الكواكب الأخرى المعقّدين , ذويّ الردود العنيفة ! 
***

والآن اعتذر منكم لأنني سأتوقف عن الكتابة , فحفل عرسي سيبدأ بعد قليل .. لكن حتماً لي لقاءٌ ثاني معكم .. وربما آتي اليكم مع افراد عائلتي .. والى ذلك الحين .. الى اللقاء يا اصدقاء   

الموهبة الدفينة

تأليف : امل شانوحة لا تتخلّى عن احلامك اثناء إنشغال فؤاد ببيع الخردة مع عمّاله , سلّمه ساعي البريد دعوة لحضور حفل لمّ شمل طلّاب الثا...