‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة دراما إجتماعية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة دراما إجتماعية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

شوربة العدس

تأليف : امل شانوحة 

الحصّالة النقدية 


- أكُل يومٍ شوربة عدس ، يا أبي ؟ ..لقد كرهت طعمها ! أصدقائي يأكلون اللحوم والحلويات ، فمتى سيأتي دوري لأتذوّقها ؟!

فنظر إليه والده بعينيه المُتعبتين : 

- قدرُك أن تكون إبن حمّال ، يا بنيّ .. بالكاد تكفي أجرتي لتسديد مصاريف المنزل.. ألا يكفي أنني ربيتك وحدي بعد وفاة أمك ؟ هذا بدل أن تنزل للسوق لمساعدتي .. فأنت بلغت العاشرة ، وبإمكانك العمل في إحدى المحال التجارية 

الصبي بضيق : 

- ربما سأفعل يا أبي .. فقط لأملك المال ، لشراء طعامٍ غير شوربة العدس المقرفة.

***


وفي يوم عمله الأول كأجير في نقل الأغراض بمتجر الحيّ ، أعطاه والده حصّالة حديدية .. ونصحه بادّخار أجرته ، للإنتفاع بها مستقبلاً  

فوافق الصبيّ على اقتراحه .. وأجّل حلمه بتذوّق الحلويات ، لحين امتلاء حصّالته الصغيرة بالمال.

***


إلاً ان القدر كان له رأيٌّ آخر .. فقد توفيّ والده بعد سقوط صندوقٍ ثقيل فوق رأسه ، أثناء تفريغه البضائع من الشاحنة.. 

ولعجز الصغير عن دفع إيجار بيته ، تمّ نقله الى دار الأيتام.

***


بعد بلوغه سن 18 .. تسرّح اخيراً من الدار ، ليكافح بالعمل في ثلاثة وظائف معاً ..مع وضع أجورها في حصّالةٍ ، تُشبه هدية والده الراحل ..

فقد اصبح مهووساً بفكرة : أن يصبح غنياً قبل بلوغه سن الخمسين .. وحينها سيشتري كل ما حُرم منه في طفولته وشبابه.. 


ومن أجل تحقيق هدفه ، عاد بإرادته إلى شوربة العدس الرخيصة ، لتوفير ماله .. فهي أشهى من العصيدة المقرفة التي كبر عليها في الميتم !

***


في سن الشباب .. حاول أصدقاؤه مراراً دعوته الى المطاعم .. لكنه رفض ، خوفاً من تعوّده على المذاق اللذيذ .. فيخسر بذلك مدّخراته التي جمعها ، لأجل ثرائه المستقبليّ .. حتى حينما يعزمونه على حسابهم ، يعتذر للسبب ذاته .. 

ولهذا ايضاً رفض فكرة الزواج ، مُبرّراً للآخرين : 

- لست بخيلاً كأبي ، لكن لديّ طموح بالثراء قبل أن أصبح عجوزاً 

***


وبالفعل ، أثمر ذكاؤه التجاري وساعات عمله الطويلة الى تحويله من أجيرٍ صغير إلى صاحب متجرٍ اتسع مع الأيام ، ليصبح أكبر سوبرماركت في المنطقة 

***


وبعيد ميلاده الخمسين .. وقف مزّهواً بنفسه امام اصحابه الذين دعاهم الى قصره (الذي اشتراه حديثاً) بجانب مائدةٍ طويلة مليئة بأفخر أصناف اللحوم والأطباق التي حلم بتذوّقها طوال حياته.. 

وألقى بغرور خطاباً عن عصاميته ، وبنائه ثرّوته بعد سنواتٍ من الصبر والشقاء .. ليكون الوحيد بين أقرانه الذي صنع مملكته بنفسه.


وبعد تلقيه التهاني من اصحابه .. وضع أول لقمة لحمٍ فاخر في فمه..

وماهي إلا لحظات ، حتى شعر بآلامٍ حادة ومفاجئة .. جعلته يسقط أرضاً ، وسط ذهول الحاضرين ! وينقلوه فوراً إلى المستشفى طوارئ.

^^^


وهناك ، صدمه الطبيب بعد ظهور نتائج الفحوصات : 

بأن معدته التي اعتادت لعقودٍ طويلة على التقشّف القاسي وتناول صنفٍ واحد ، فقدت قدرتها على إفراز الإنزيمات اللازمة لهضم أيّ طعامٍ آخر ! ولهذا تستوجب حالته الصحية ، تناول الشوربات لبقيّة حياته 


فعاد الرجل إلى قصره مكسور الخاطر ، وهو يشعر بقهرٍ كبير 

***


وفي ليلة رأس السنة .. وقف أمام نافذته الزجاجية ، وهو يراقب خدمه يتناولون أشهى المأكولات في حديقة قصره.. بينما يمسك بطبقٍ ساخن من شوربة العدس ، وهو يتمّتم بندمٍ وحسرة : 

((كنت أكرَهُ أبي ، لإجباري على تناول الشوربة طوال طفولتي.. ثم تناولتها في شبابي باختيارٍ مني.. والآن أصبحت وجبتي الإجبارية لما تبقى من حياتي ! ليتني عشت كل يومٍ بيومه .. فما حاجتي لثروةٍ لا يمكنني يوماً الإستمتاع بها))


ثم اخذ رشفة من شوربته .. وهذه المرة لم يشعر بطعمها ، بل كانت أشبه بسكين غرزت في روحه الحزينة !


الأربعاء، 9 سبتمبر 2026

الجار الخفي

تأليف : امل شانوحة 

المتطفّل الحنون


انتقلت ديانا إلى مدينةٍ ساحلية ، برفقة ابنها الوحيد آدم (8 سنوات) بعد طلاقها من زوجها السكّير العنيف.. ولعدم امتلاكها الكثير من المال ، استأجرت منزلاً خسر مالكه رهانه للبنك 

من بعدها وجدت عملاً في مطعم للوجبات السريعة ، بدوامٍ ليليّ .. مما اجبرها على ترك آدم وحيداً في المنزل الذي تعوّد مع الأيام على السهر أمام التلفاز حتى يغلبه النوم.

***


وفي إحدى الليالي ، استيقظ آدم لدخول الحمام.. 

وبعد خروجه ، مرّ بجانب الصالة .. ليلمح رجلاً يراقبه من النافذة ، وهو يناديه :

- إفتح الباب ايها الصغير !! أعرف أنك لوحدك.


فركض آدم للإختباء بخزانة ملابسه بالغرفة ، متصلاً على جوال والدته الذي كان مغلقاً (بقانون العمل).. 

فأرسل رسالةً بصوته المرتجف : 

((أمي... تعالي بسرعة... هناك لصّ يحاول دخول المنزل... أنا خائفٌ جداً))


وهنا سمع صرير نافذة المطبخ تفتح ، بعد ان نسيت امه اغلاقها جيداً ..فضاقت انفاسه من شدة الرعب ، لمعاناته من الربو 


وفجأة ! خرج عجوز من خلف ملابسه ، حاملاً مسدسه .. وهو يشير بأصبعه على فمه ، كيّ يلتزم آدم الصمت 


وآخر ما سمعه الولد قبل إغمائه ، هو صوت الدخيل الخائف :

- ارجوك سيدي... لا تقتلني ! سأخرج فوراً

صوت العجوز مُهدّداً : إن عدّت الى هنا ثانيةً ، سأقتلك دون تحذير!!

***


في اليوم التالي ، استيقظ آدم على عتاب والدته بعد تبليل فراشه .. 

فحضنها خائفاً :

- هل امسكت الشرطة باللص ؟

ولم تفهم ما قصده ، الا بعد سماع رسالته الصوتية .. فأسرعت الى المطبخ ، لتجد النافذة العلوية مغلقة من الداخل !

فحاولت إقناع ابنها بأنه مجرّد كابوس .. 

كما لم تصدّق قصة العجوز الذي يعيش في خزانته !

***  


منذ تلك الليلة .. رفض آدم البقاء وحده ، وأصرّ ان تأخذه امه معها للعمل .. لكن رئيسها رفض طلبها .. فوعدت ابنها بتركيب قضبانٍ حديدية على النوافذ ، فور حصولها على راتبها.. مما هدّأه قليلاً 

***


وفي إحدى الليالي ، حاول زبون معاكسة ديانا بطريقةٍ وقحة.

وحين تجاهلته ، شدّها من ذراعها بقوة..

ليسمعا عجوزاً يقول من الخلف ، بنبرةٍ آمرة :

- خذ طعامك ، وارحل فوراً !!

استدار الرجل غاضباً : :

- ومن انت ايها الخرف ، لتأمرني ؟


فأزاح العجوز طرف معطفه ، مُظهراً مسدسه عند خصره.

ليسرع الرجل بأخذ طعامه ، والخروج من المطعم ..


ثم نصحها العجوز بانتظار شروق الشمس قبل عودتها لمنزلها ، خوفاً ان ينتظرها المتحرّش في الخارج ..

فشكرته على دفاعه عنها .. فقال على عجل :

- فعلت ذلك لأجل آدم

وخرج من المطعم .. دون ان تعرف كيف عرف اسم ابنها ، وهي لم تقابله من قبل!

***


بعد أسبوع .. تشاجرت ديانا مع آدم في طريق عودتهما من السوق بعد رفضها شراء الحلويات له ، لحاجتها توفير المال لإصلاح منزلهما القديم .. فنام باكياً تلك الليلة

^^^


في الصباح ، استيقظ ..ليجد كيساً كبيراً من الحلويات بجانب سريره!

فأراد شكر والدته ، التي وجدها نائمة .. فعاد الى غرفته ، لتناول الحلوى بجانب التلفاز..


وبعد ساعة .. دخلت اليه ، لترى أغلفة الحلوى حوله ! فظنّت انه سرقها من السوق دون علمها ، لكنه أكّد بعدم خروجه من المنزل دون اذنها .. 

فحاولت تجاهل الموضوع ، رغم غرابته ! 

***


لكن الأمر لم يتوقف هنا ، فقد صُدمت بعد ايام بوجود لعبة جنود من النوعية الغالية اسفل سريره !

وعندما استجوبته بحزم .. 

أخبرها ان صديقه جورج العجوز الذي يعيش في خزانته ، هو من احضرها له

امه بعصبية : 

- آدم !! لقد كبرت على الصديق الخيالي.. إخبرني الحقيقة ؟ 


لكنه أصرّ على روايته ! فخافت ان يكون طليقها عرف عنوان منزلها .. مما جعلها تترك كاميرا حاسوبها مضاءة اثناء نوم ابنها ، قبل ذهابها لدوامها المسائي ..

***


في الصباح .. عادت منهكة ، وذهبت مباشرةً للنوم.


وبعد ساعات.. استيقظت على ضحكات آدم.

فدخلت غرفته وهي تعاتبه على رفع صوت التلفاز 

آدم : لم يكن التلفاز .. بل ضحكت على نكات صديقي جورج


وقبل ان تعاقبه على كذبه ، رن جوال ابنها .. ليظهر رقم والده !

فأطفأت جواله على الفور !

ديانا برعب : الم تعدني بعدم الإتصال به ؟ أتريده ان يعرف عنواننا ، ويأتي ليضربني من جديد ؟!

آدم : لم اقل عنواننا .. اخبرته فقط ، ان منزلنا قريب من البحر 


وهنا تذكّرت كاميرا حاسوبها ، فأسرعت الى غرفتها لرؤية التسجيل الليليّ 

لتنصدم بخروج عجوز من خزانة ابنها ، وهو يهمس له :

- لنذهب للمطبخ لإعداد العشاء 


لم يكن وجه العجوز واضحاً بالفيديو ، لهذا أرادت الإتصال بالشرطة .. لكنها تذكّرت ان ابنها اخبرها بامتلاكه مسدس .. فطلبت منه اللعب بحديقة المنزل .. 


وبعد خروج الصغير ، امسكت سكين مطبخ وهي تبحث بخزانة ابنها .. الى ان اكتشفت باباً سريّاً ، خلفه يوجد ادراج تصل لقبوٍّ مظلم !

فنادت بعلو صوتها ، وهي ترتجف رعباً :

- اعرف انك تعيش اسفل منزلي !! اخرج قبل اتصالي بالشرطة 


وإذّ بها تسمع خطوات تصعد الدرج..

الى ان ظهر وجه العجوز على نور جوالها .. 

ديانا بصدمة : الست انت من حميتني من متحرّش المطعم ؟!

العجوز وهو يرفع يديه مستسلماً :

- نعم انا .. رجاءً إبعدي السكين عني

ديانا بعصبية :

- هذا منزلي !! أنا أدفع إيجاره ! ليس من حقك العيش هنا!

- وانا صاحب المنزل الذي خسرته ، لدفع علاج زوجتي المرحومة .. هل يمكننا التكلّم بهدوء ؟ فأنا لست لصاً ، بل ضابط محترم


وعندما عرفت أنه حارب بالفيتنام ، نادت ابنها .. ليجتمعوا معاً بالصالة ، لسماع قصة العجوز الذي أخبرهم انه تم اعتقاله بالحرب ، وأوشك على الموت من التعذيب .. الى ان خاطرت مراهقة فيتنامية لإنقاذه .. وبدوره هرّبها معه الى اميركا .. لكن اهله رفضوا استقبالها .. فعاش معها بهذا البيت بعد ان بنى لها غرفةً سرّية ، خوفاً من ان يقتلها مواطنٌ عنصريّ.. وقدّ زوّد القبو بأجهزة مراقبة ، من كاميرات مخفية بأرجاء البيت وخارجه .. وهذا ما سمح له بحماية آدم من الدخيل تلك الليلة .. كما استفاد من الكاميرات لمعرفة موعد خروجه واختبائه ، قبل عودة ديانا من عملها ..


العجوز : اعتذر منك ، لم استطع التخلّي عن بيتي الذي فيه الكثير من الذكريات مع زوجتي التي ماتت من السرطان بعد تحمّلها عقمي  

ديانا : رحمها الله .. لكن متى بدأت علاقتك بآدم ؟

فأجاب آدم : عدّت يوماً باكراً من المدرسة ، فوجدته بالمطبخ .. 

العجوز : كنت أعدّل على طبخاتك .. يعني ، أضيف بعض البهارات الآسيوية

ديانا : الآن فهمت لما كان طبخي اطيب في اليوم التالي !

آدم : ولا تنسي يا امي انه انقذني من اللصّ .. وبدوري وعدته بكتمان الأمر


العجوز وهو يمسح رأس الصغير :

- مقابل الحلويات والألعاب ، ايها المخادع الذكي

ثم قال لها :

- لديّ اقتراح ، سيدة ديانا ..ما رأيك ان ادفع نصف الإيجار مقابل استردادي غرفة ابنك ، فهي كانت غرفتي انا وزوجتي ..

ديانا : وهل لديك مدخولاً مادياً ؟

العجوز : كانوا طلبوا مني تدريب المجنّدين الجدد ، فرفضت الوظيفة بسبب احتضار زوجتي .. لكني أفكّر حالياً بقبول عرضهم 


وقبل ان تجيبه ، سمعا طرقاً عنيفاً على بابهم 

- افتحي الباب يا ديانا !! اريد رؤية ابني !!

ديانا برعب : هذا طليقي ، وهو سكران كعادته 

فأراد العجوز البقاء معها ، لكنها أصرّت على عودته لغرفته السرّية .. وطلبت من ابنها البقاء في غرفته ..


وما ان فتحت الباب ، حتى انهال عليها بالضرب والشتائم .. مما جعل ابنها يستنجد بالعجوز الذي احضر مسدسه ، مهدّداً طليقها بالطرد من بيته

الطليق باستهزاء :

- أتخلّيتي عني للزواج بهذا الخرف ؟!

لينصدم الجميع بآدم يقول وهو يحتضن العجوز :

- هذا جدي ، يا ابي 

الطليق بدهشة :

- ديانا ! الم تخبريني بوفاته وانت طفلة ؟

فسارع العجوز بالقول :

- امها ادّعت ذلك ، بعد اكتشافها علاقتي بأمرأةٍ اخرى .. لكن بعد طلاق ابنتي منك ، راسلتها وطلبت منها القدوم مع ابنها للعيش معي .. هل لديك مانع ؟


الطليق بعصبية : إبعد مسدسك عن وجهي !! فأنا باستطاعتي مقاومتك بسهولة 

ديانا : لا انصحك ، فوالدي كان ضابطاً عسكرياً .. وهو محترف باستخدام الأسلحة

العجوز : ارحل فوراً ، ولا تعدّ ثانيةً الى هنا 

الطليق : ليس من حقكما حرماني من ابني 

العجوز : إن تعالجت من ادمانك على الخمور ، لن أمنعك من رؤية حفيدي .. والآن اخرج ، فلست بمزاج لدفن جثتك الكريهة


فخرج الرجل مُجبراً من بيت طليقته.. 

بينما حضنت ديانا العجوز ، وهي تشكره على موقفه النبيل 


العجوز : هل غضبتي مني ، لادّعائي بأني والدك ؟

ديانا وهي تمسح دموعها :

- انا لم اقابل والدي ابداً .. ولوّ تخيّلته ، لتمنيته ان يكون قوياً وحنوناً مثلك

العجوز : وانا كان حلم حياتي ، ان يكون لديّ ابنة تتحمّل المسؤولية مثلك 

آدم : وماذا عني انا ؟!

فمسح العجوز على رأسه بحنان : 

- وكان حلمي ايضاً ، ان يكون لديّ حفيد مشاغبٌ مثلك 

***


مرّت الأشهر ، حصل فيها جورج على عمله بتدريب المجنّدين.. وتغيّرت حياة ديانا التي نقلت عملها للدوام النهاريّ ، بعد مساعدة العجوز بمصاريف المنزل .. حتى انها اخبرت زملائها بالعمل ان جورج هو والدها الحقيقي ..

أما آدم ، فأصبح يقضي معظم وقته مع جده الجديد الذي يعلّمه الصيد برحلاتهم البحرية.. بينما تراقب ديانا بسعادة ، تطوّر العلاقة بين العجوز وآدم بشكلٍ لطيف .. وهي تحمد الله على ظهور جارها الخفيّ الذي حرس ابنها ، وحمى بيتها ، وأنقذها من ماضيها العنيف .. ليصبح لديها بالنهاية ، العائلة المثالية التي تمنّتها طوال حياتها !


الاثنين، 7 سبتمبر 2026

نبضات متأخرة

تأليف : امل شانوحة 

دار المسنين


في عزاء جدتها .. جلست سميرة بعيداً عن المُعزّين ، وهي تنظر لصورة جدتها بعينين دامعتين 


فاقتربت منها صديقتها ، في محاولة لتخفيف عنها:

- لما أنت حزينة يا سميرة ؟ فجدتك ارتاحت أخيراً من عذاب مرضها الطويل.. وانت الآن بعمر الثلاثين ، وحان الوقت لتلتفتي إلى حياتك.

فمسحت سميرة دموعها :

- ومن قال إن جدتي اعاقت حياتي؟

- لم أقصد ذلك... لكنك تخصّصتي في التمريض ، للإعتناء بها .. وقضيت عشر سنوات في خدمتها .. والآن يمكنك الإستمتاع بالحياة 

سميرة بحزن :

- هي ربّتني بعد طلاق والدايّ اللذيّن أكملا حياتهما دوني ، وحمتني من الضياع.. ولم اردّ سوى القليل من فضلها عليّ 

- وبدورها اورثتك كل مالها..

سميرة مقاطعة :  

- مستعدة للتخلّي عن اموال الدنيا ، إن كان هذا سيعيدها الى حياتي 


بهذه الأثناء .. سمعتها إحدى المُعزّيات ، فاقتربت من سميرة وهي تقول :

- آسفة على تدخلي... لكن لديّ اقتراح يغيّر حياتك.


وأخبرتها بأنها موظفة في دار مسنين ، يعيش نزلائها العجائز حياةً قاسية 

..واقترحت على سميرة (كونها درست التمريض) ان تتطوّع للعمل هناك ، لتحقيق آخر آمانيهم بالحياة 

فأخذت سميرة منها رقم الدار ، وهي تعدّها التفكير بالأمر

***


في تلك الليلة ، شاهدت سميرة جدتها في المنام ..وهي تقول :

((هم بحاجة اليك .. عامليهم ، كما عاملتني يا صغيرتي))


وبسبب المنام ، تقدّمت مع بداية الشهر للعمل في دار المسنين.

فرفضت الإدارة طلبها ، بحجة عدم وجود وظيفة شاغرة.. 

لكن تبرّعها بجزء من ثرّوة جدتها للدار ، جعل المديرة تعيينها مُشرفة على بقيّة الممرّضات.. وهذا اعطاها حرّية التعامل مع النزلاء 

***


في البداية ، اكتفت سميرة بمراقبة الوضع من بعيد ..

وما رأته أحزنها جداً : 

فهناك خمسون مسناً يعيشون في غرفٍ منفردة ، يأكلون طعاماً بلا نكهة او طعم ، ويقضون معظم ساعاتهم في أسرّتهم بانتظار موتهم !

بينما تُنفّذ الممرّضات مهامهنّ على عجالة ، دون حديث أو تواصل إنساني.


فكان على سميرة اولاً ، قراءة ملفات النزلاء .. 

ومن بعدها ، خصّصت وقتاً لكل واحداً منهم .. الى ان عرفت قصصهم جميعاً 


فإحدى العجائز : عملت طبّاخة ماهرة ، قبل أن يؤول مطعمها الشعبي إلى حفيدها الذي نسِيها.

اما زميلتها : فعملت طوال حياتها بصنع الحلويات مع عائلتها التي تخلّت عنها بعد كبرها بالسن  !

والأخرى : بارعة في حياكة الصوف ، رغم آلام مفاصلها.

والرابعة : نشأت في مزرعة .. جعلتها خبيرة بالحيوانات ، خصوصاً المواشي


وهناك ايضاً رجلٌ عجوز موهوب بالرسم .. لكن منذ دخوله الدار لم يُسمح له بمسك الفرشاة ، منعاً للفوضى ! 

والآخر : كان ضابطاً صارماً بالحرب الأهلية.. وعصبيته الزائدة جعلت ابنائه يتخلّون عنه ، ونادراً ما يزورونه ! الشيء الوحيد الذي كان يهدّئه هو الشيشة ولعب الطاولة ، لكن الإدارة منعتهما عليه .. فصار نزيلاً لا يطاق ، لدرجة ان الممرّضات يحرصن على الإبتعاد عنه قدر الإمكان


اما اصغر النزيلات : فكانت بسن الستين ، كرّست حياتها لرعاية امها التي ماتت بعمر المئة.. ولعدم وجود من يعتني بها بعد إصابتها بالسكّري ، قدمت للدار طواعيّة ، بعكس النزلاء الآخرين.. 

اما اكبرهن سناً : فتجاوزت التسعين ، وحلمها الوحيد هو رؤية اصغر احفادها المتعلّقة به جداً.. 


بينما هناك نزيلة ، نادراً ما تتحدث مع الآخرين .. لتكتشف سميرة بانها موهوبة بتأليف القصص المتنوعة .. ولديها عشرات المؤلّفات التي احضرتها معها الى الدار ، دون ان تجرؤ يوماً على نشرها 

***


وذات صباح .. اعلنت المديرة للموظفين عن اجازتها لمدة شهر ، للإعتناء بوالدتها المريضة في القرية .. وهذا ما اعطى الفرصة لسميرة لتنفيذ خطتها .. فجمعت بقيّة الممرّضات ، وهي تقول لهن :  

- اعرف أن بعضكن يظن أنني حصلت على منصبي بعد تبرّعي للدار ، وربما معكن حق.. لكني لا أريد السيطرة على هذا المكان ، بل أريد ان تساعدونني بتغيره نحو الأفضل .. طلبي الوحيد هو السرّية التامة ، لحين عودة المديرة من اجازتها


ورغم ان معظمهن لا يحبونها .. لكن طالما ستتحمّل المسؤولية وحدها ، فلا مشكلة من مساعدتها

***


في صباح اليوم التالي .. دخلت سميرة الى غرفة الطبّاخة العجوز ، وهي تسألها عن رأيها بطعام الدار ؟ 

فأجابتها بامتعاض : 

- أتسمين تلك القذارة طعاماً؟

سميرة : اذاً ما رأيك ان تطعمي زملائك من وصفاتك اللذيذة ؟

العجوز : إقترحت ذلك مراراً على المديرة .. لكنها رفضت ، خوفاً من اذية نفسي بالسكين والنار ، كأني طفلةً بلهاء ! 

سميرة : هي بإجازةٍ الآن ، وانا المسؤولة عن الدار .. وسأساعدك مع بعض الممرّضات في المطبخ .. لكن عليك اولاً ان تخبريني بالأغراض التي تحتاجينها لقائمة الغداء ، على ان تحسبي الموظفين الثمانية ايضاً .. فنحن سنشارككم الطعام هذا اليوم .. كل ما عليك فعله هو اعطائنا تعليمات الطبخ ، وانا وزميلاتي ننفّذ طلباتك بالحرف الواحد 


فابتسمت العجوز لأول مرة منذ سنوات ، وهي تقول بحماس : 

- اذاً استعدوا لأشهى وليمة أكلتموها في حياتكم.. بشرط !! ان تساعدني زميلتي بإعداد صينية الكنافة ، فهي خبيرة بالحلويات

سميرة : موافقة ، وسأحرص ان تكون كمية السكر مناسبة لصحة الجميع

^^^


في وجبة الغداء.. ضجّت القاعة بالضحك والأحاديث الدافئة ، وسط أجواءٍ منزلية أبهجت الجميع.

لكن فرحتهم لم تدمّ طويلاً ، بعد دخول الطبيب الى القاعة.. والذي تفاجأ بالأكل الدسم والحلويات ! جعله يستدعي سميرة الى مكتبه غاضباً 

***


في مكتبه .. وبخها على تهوّرها : 

- تغيّبت ليومين فقط .. لتقومي بإطعام مرضى السكّري والضغط أطعمةً غير صحية ، مُعرّضةً حياتهم للخطر !!

سميرة : اليأس هو ما يقتلهم حقاً .. وتلك السعادة التي رأيتها على وجوههم ، هي التي ستحسّن نفسيّاتهم وصحتهم.. وإن كنت لا تصدّقني ، يمكنك فحصهم 

الطبيب : سأفعل بعد قليل .. وان ساءت حالتهم ، ستعاقبين على غلطتك المُستهترة

^^^


وبالفعل قام الطبيب بفحص ضغطهم وسكرهم ومؤشراتهم الصحيّة ، ليتفاجأ بتحسّنهم عن الفحص الماضي ! 

سميرة : قلت لك !! السعادة هي علاجهم

فتنهد الطبيب : 

- لكن هذا لا يعني أن نعطيهم السكر والملح بلا حساب.

سميرة : لا تقلق بهذا الشأن ، فصحتهم تهمّني .. لكني بالمقابل لن أقتل أرواحهم بحجّة حماية أجسادهم.

الطبيب : بجميع الأحوال ستتحمّلين وحدك المسؤولية امام الإدارة واهالي النزلاء

سميرة بتحدّي :

- أقبل بكل سرور !! 

***


في الأيام التالية .. حرصت سميرة على تحقيق أمنيات النزلاء الواحدة تلوّ الأخرى: 

حيث جمعت كبيرتهن مع حفيدها المفضّل ، بعد دفعها رشوة لأمه العنيدة (دون علم الجدة)

اما النزيلة الأخرى ، فاشترت لها قطة صغيرة ، لعشقها للحيوانات .. وهذا ما اعاد ضحكتها من جديد 

اما العجوز الأخرى : فاحتضنت سميرة شاكرةً على هديتها ، بعد ان اعطتها سنّارة وسلّة مليئة بالأصواف الملونة ، لمهارتها في الحياكة .. وبدورها وعدت سميرة بكنزةٍ وردية ، تناسب رقتها وطيبة قلبها 

اما العجوز الرسّام ، فأهدته لوحات وألواناً..فوعدها أن تكون اول رسماته .. حيث انشغل بالتلوين في غرفته وهو يدّندن فرحاً ، كطفلٍ سعيد بلعبته !


اما العانس الستينية ، فقد حققت حلمها بلبس فستان العرس .. 

حيث أقام النزلاء عرساً رمزياً لها .. بينما العروس تتراقص بخفة على انغام الموسيقى  

اما النزيلة الإنطوائية : فوعدتها بالتكلّف مادياً بنشر جميع قصصها ، ضمن كتبٍ تباع في المكتبات .. فطلبت العجوز ان تمهلها بعض الوقت ، لمراجعة القصص قبل تسليمها لدار النشر.. وبذلك امضت وقتها في غرفتها ، بتصحيح المسودّات التي كتبتها منذ وقتٍ طويل 

اما الضابط القاسي : فأهدته طاولة الزهر وشيشة ، بعد ان سمح له الطبيب بساعةٍ واحدة لتدخين يومياً .. والتي حسّنت مزاجه بشكلٍ ملحوظ ، جعلته يندمج في منافساتٍ مسلّية مع زملائه


وبذلك تحوّل الدار الى بيتٍ كبير مليء بضحكات العجائز الذين زادت روابط الصداقة بينهم بالأيام التالية

*** 


وذات يوم ، دخلت سميرة الى مكتب الطبيب ..لتجده ينهي المكالمة غاضباً 

سميرة : آسفة ! سآتي لاحقاً 

الطبيب وهو يحاول تهدئة نفسه : لا بأس ، ماذا تريدين ؟

- أريدك ان تمنع الممرّضات من إجبار النزلاء على ارتداء الحفاضات ، ما داموا قادرين على استخدام الحمام..

- إقتراحك ممكن نهاراً ، لكن ماذا عن الليل؟

سميرة : طلبت شراشف خاصة للحالات الطارئة.

- هذه الطلبيات مُكلفة مادياً  

- لا تقلق ، كلّه على حساب شركة جدتي 

- لا اريدك ان تنفقي ثروتك على هذا المكان.

سميرة : طالما سيسعد النزلاء ، فلا مشكلة عندي 

فتنهد بقهر : ليت كل النساء مثلك.

- اراك حزيناً .. هل تعاني مشكلة مع طليقتك ؟

الطبيب بضيق : هي تمنعني من رؤية ولدايّ ، بحجة عملي المرهق 

سميرة : اذاً إحضرهما إلى هنا ، فالعجائز يحبون الأطفال.. وبذلك تراهما دون ان يشغلانك عن عملك

طبيب : ابني في العاشرة وابنتي في السابعة ، ولا ادري ان كانا..

مقاطعة : صدّقني ، وجودهما سيفرح الجميع..  

***


في اليوم التالي ، جاء الولدان .. وسرعان ما اندمج الصبي مع اصعب النزلاء ، خصوصاً بعد إحضاره لعبة الجنود .. حيث بدأ الضابط بترتيبها بدقة على طاولته .. بينما يستمع الولد باهتمام لتفاصيل المعركة التي يرويها العجوز بحماس وهو يشرح خططه العسكرية.

أما الصغيرة : فجلست امام الكاتبة التي سردت لها اجمل قصة خيالية من تأليفها .. جعلت الطفلة تشجّعها على تحويلها الى كتاب مليء بالرسومات ، لتريها لزميلاتها بالمدرسة !


ورغم امضاء الطفلان ثلاث ساعات بالدار ، الا انهما لم يشعرا بالوقت وهما يتنقلان من نزيلٍ لآخر .. مما اسعد والدهما ، لسرعة اندماجهما مع العجائز الذين عدّوهما حفيداهما  

***


قبل نهاية الشهر .. حقّقت سميرة أمنية أخرى بعد نشرها قصص العجوزة ، مُوزعةً نسخاً منها على الموظفين والنزلاء .. مما ابكى النزيلة فرحاً ، بعد تحقيقها حلماً طال انتظاره 

***


وبعد ايام ، نفّذت سميرة آخر مفاجآتها.

بعد طلبها من العجائز التوجّه لحديقة الدار .. ليجدوا هناك ، لعبة تشبه الأفعوانية تدور ببطء حول المكان .. فتسابقوا على الركوب فيها .. 

وكم كانت فرحتهم كبيرة وهم يتنزهون داخلها ، وضحكاتهم تملأ المكان


بينما الطبيب يراقبهم من نافذة مكتبه ، وهو يشعر بالفخر من إنجازات سميرة التي تكبر بعينه كل يوم 

***


وقبل عودة المديرة بيومٍ واحد ، أخذتهم سميرة في نزهةٍ قصيرة.

أكلوا فيها المثلّجات ، والتقطوا الصور ، وغنوا بحماس داخل الحافلة.

***


لكن في صباح اليوم التالي .. تعرّضت الكاتبة العجوز لوعكةٍ صحيةٍ طارئة ، نُقلت على إثرها إلى المستشفى.. حيث وافتها المنية ، قبل وصول المديرة بساعة ! ليعمّ الحزن الدار.


وقد حاول الطبيب مواساة سميرة التي لامت نفسها على النزهة التي أرهقت الكاتبة الراحلة ، قائلاً لها :

- هي ماتت سعيدة ، بعد تحقيقك اغلى امانيها.. ثم قصصها ستجعل اسمها خالداً في عقول الأجيال الجديدة 


لكن هذا لم يكن رأيّ المديرة التي غضبت كثيراً من التغيرات التي حصلت بالدار في غيابها !

صارخةً على سميرة في مكتبها :

- انت خالفتِ أنظمة الدار ، وأدخلتِ أطعمة ممنوعة ، وأحضرتِ الحيوانات ، وأقمتِ الحفلات ، وأحضرت العمّال لتركيب لعبة سخيفة بالحديقة ! وأخذت العجائز بنزهة لساعاتٍ طويلة ، أدّت لموت احدهم من شدة الإرهاق .. 

سميرة والدموع في عينها :

- معك حق .. لقد اخطأت فعلاً ..


وفضّلت عدم الدفاع عن نفسها ، بل نزعت بطاقة عملها بهدوء .. وقدّمت استقالتها ، لتخرج من المكتب دامعة العينين.

^^^


ثم توجهت سميرة الى غرفتها لترتيب اغراضها ، بينما وصل خبر إستقالتها للجميع 


وقبل خروجها من الدار .. تجمّع العجائز حولها ، وهم يطالبونها بعدم تركهم وحدهم 

قائلةً احدى النزيلات :

- انت من جعلتني ارى احفادي من جديد

الرسّام : وانا استعدّت موهبتي التي اوشكت على نسيانها

الضابط : وانا خفّت عصبيتي بسببك 

الطبّاخة : وانا جعلتني اطبخ من جديد.. كما حققتي حلم زميلتي بطباعة قصصها .. رجاءً لا تتخلي عنا .. فالحياة بالدار مملّة من غيرك 


فردّت سميرة بحزن : سامحوني جميعاً .. يبدو ان دوري معكم ، انتهى هذا اليوم 

ثم نظرت للطبيب :

- سلّم لي على اولادك 

وحملت حقيبة ملابسها ، وخرجت من الدار حزينة

***  


بعد رحيلها ، عادت الكآبة تُخيّم على الدار بعد إلغاء المديرة جميع الأنشطة ، وإعادة الأوضاع الصارمة والوجبات الغير لذيذة ! 

***


وخلال أسابيع قليلة ، تدهوّرت الحالة الصحية والنفسية للنزلاء بشكلٍ ملحوظ ! مما ازعج الطبيب الذي واجه المديرة بجرأة:

- هل كنتِ تفضلين عيش امك تجربة نزلاء الدار ؟ سميرة من أعادت لهم إنسانيتهم ، واستفادت من خبراتهم وتجاربهم ، دون إشعارهم بأنهم اشخاص منتهي الصلاحية .. أرجوكِ أعيديها ، فالجميع هنا بحاجة إليها

فطلبت المديرة وقتاً لتفكير بالموضوع 

***


وفي اليوم التالي ، جاء أطفال الطبيب إلى الدار..

وعندما علما برحيل سميرة ، عاتبا والدهما :

- لما لم تصرّ على بقائها هنا ؟

الطبيب : لم يكن بيدي فعل شيء 

لتفاجئه ابنته : هي امي الثانية ، لم تركتها تذهب 

الطبيب بدهشة : كنت اريدها فعلاً ان تصبح امكما ، لكني خفت ان يغضبكما ذلك !

ابنه : لا ابي ، نحن نحب الآنسة سميرة كثيراً .. إتصل بها ، لكيّ تعود الى هنا .. فنحن لم نرها منذ مدةٍ طويلة !

ابنته : نعم ابي ، اشتقنا اليها كثيراً 

الطبيب بابتسامة : اذاً سأتصل بها الآن

***


في وقت العصر .. وافقت سميرة على مقابلة الطبيب في الحديقة العامة 

وهناك سألته عن احوال الدار ؟

الطبيب : للأسف ، عاد كل شيء كما كان

سميرة بضيق : اذاً ضاع كل تعبي.

- لا اظن .. فالمديرة تفكّر جدّياً باعتماد طريقتك 

سميرة بدهشة : أحقاً؟

- نعم .. وعلى فكرة ، جميع النزلاء يوصلون سلامهم اليك .. حتى اولادي اشتاقوا اليك 

فسألته بابتسامةٍ ماكرة : فقط اولادك ؟

فأجاب بتردّد : وأنا أيضاً.. رجاءً عودي.

سميرة : الأمر متوقف على قرار المديرة 

- لا تقلقي ، سنجبرها على الموافقة 

ثم وقف وهو يقول : 

- وعندما تعودين... لديّ أمرٌ آخر أريد محادثتك بشأنه.

***


في صباح اليوم التالي .. تفاجأت المديرة بتجمّع النزلاء في الحديقة ، وهم يعلنون إضرابهم عن الطعام والدواء ، لحين عودة سميرة الى الدار ! 

وكان الطبيب واولاده معه .. 

حتى الممرّضات اللواتي عارضنها في البداية ، وقفن الآن في صفها!


فرضخت المديرة لمطالبهم بعد تضامنهم القوي ، خصوصاً ان موظفة التفتيش ستأتي للدار بعد ايام 

فتعالت تهليلات النزلاء وتصفيقهم ، فرحاً بقرارها .. ومع ذلك لم يقبلوا تناول الغداء الا من يد زميلتهم الطبّاخة ..


حيث شاركتهم المديرة لأول مرة الطعام في القاعة .. وقد أعجبتها الوجبة كثيراً ، لتشابه المذاق مع طبخ والدتها المرحومة.. 

وبسبب ذلك وكّلت العجوز بالمطبخ رسمياً ، بعد ان وعدتها بتعيين مساعدات لها .. بشرط الإلتزام بكميات السكر والملح المناسبة لكل مريض.

***

وفي يوم عودة سميرة ، تفاجأت بمكاتب وغرف الدار فارغة ! 

وعندما خرجت للحديقة ، وجدتهم مجتمعين هناك بملابسهم الأنيقة.

مع وجود كيكة كبيرة على الطاولة !


وأحد العجائز بزيّ الشيخ وهو يحمل دفتراً كبيراً ، ويقول :

- كنت كاتباً بالمحكمة الشرعية قبل تقاعدي .. وقد حصلت على اذنهم اليوم ، لعقد الزواج 

سميرة بارتباك :

- زواج من ، يا عم؟!



فتقدّم الطبيب منها ببذلته الرسمية .. ثم جثا على ركبته، مخرجاً خاتماً ذهبياً: 

((سميرة.. زميلتي الرائعة التي أنفقت ثرّوتها وقلبها لإسعاد الآخرين ، وحنانك الذي غمر طفلايّ.. هل تقبلين الزواج مني؟))


وقبل ان تجيبه ، صرخ ولداه وهما يقفزان بحماس : 

- رجاءً وافقي!!

فضحك الجميع.


إحمرّت وجنتا سميرة .. ثم ابتسمت بوجه الطبيب :

- نعم .. موافقة 

فصفّق الجميع لهما بسعادة 


بينما فتح الشيخ دفتره ، وهو يناديهما للجلوس بجانب الشاهدين : ((الضابط ، والرسّام)) :

- اذاً لنكتب الكتاب في الحال 


وبعد دقائق ، قال الشيخ بصوتٍ عالي : 

- أعلنكما زوجاً وزوجة !! 

فتعالت الزغاريد والتصفيق.


وهنا قال الطبيب لزوجته :

- كنتِ طوال الشهر الفائت تحققين اماني الجميع ، فهل تحققت امنيتك اليوم ؟

سميرة بابتسامة : نعم ، فقد اصبحت لديّ عائلة كبيرة

وهنا تذكّرت كلام جدتها : 

((لكلٍ منا رسالة بالحياة .. فحاولي ان تجدي مكاناً تنثرين فيه لطفك وحبك))


وهاهي اليوم وجدت مُهمّتها الحقيقية التي خُلقت لأجلها ، مُحققةً أمنية جدتها الراحلة على أحسن وجه.


الجمعة، 4 سبتمبر 2026

غربة الروح

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

خيبة الأمل

 

سُحبت الحقيبة الأخيرة بإحكام، وخرج صوت سحّابها كأنه إعلانُ هدنةٍ بعد حربٍ استمرت عشرين عاماً.  


خلع أحمد نظارته، ومسح وجهه بكفيه وهو ينظر إلى شقته الفارغة في أطراف عاصمة بلاد الغربة.  


كانت العودة نهائية هذه المرة؛ بلا تأشيرة خروج وعودة، وبلا حلمٍ جديد. كل ما يحمله هو مكافأة نهاية الخدمة، مدخرات تآكلت مع أزمات الحياة، ورأس اشتعل شيباً. 


عند بوابة الوصول في مطار عاصمة البلد الأم لأحمد، كانت الحرارة تلفح وجهه كعناق قديم، احتضنه أخوه الأصغر محمود بقوة، ثم ألقى نظرة سريعة وفاحصة على حزام الحقائب، وقال بابتسامة مشوبة بالقلق: 

حمداً لله على سلامتك يا أخي،... لكن أين بقية الشحن؟ توقعت أن ترسل أجهزة ومستلزمات للبيت قبل حضورك!. 


ابتلع أحمد غصّته وقال بصوتٍ هادئ: سلمك الله يا محمود. أغلقت كل شيء وهربت بعمري... المهم أنني بينكم الآن. 


في الطريق إلى منزل العائلة، كانت السيارة تخضّ الشوارع المتهالكة.  


ساد صمتٌ قصير قبل أن يقطعه محمود، لا بالسؤال عن صحة أحمد ولا عن ليالي غربته، بل بحديث متصل عن الغلاء.  


محمود: الحياة هنا أصبحت جحيماً يا أحمد. كنا نقول في أنفسنا: الحمد لله أنك هناك تسندنا، لكن عودتك هذه المفاجئة أربكت حساباتي... كيف سنواجه هذا الواقع دون غطائك المالي؟. 


التفت أحمد نحو النافذة وقال وهو يتأمل الظلام المخيم على المدينة: 

عشرون سنة يا محمود... هل تساءلت يوماً كيف كنت أعيش؟ هل سألتني مرة واحدة إن كنت مريضاً، أو إن كانت تلك الحوالة الشهرية تخرج من دم قلبي؟. 


رد محمود بمرارة: 

أنت لا تفهم يا أحمد، كنتَ تعيش في النعيم، تتقاضى بالعملة الأجنبية القابلة للتحويل، بينما نحن طُحنّا هنا طحناً. نحن لم نطلب منك رفاهية، نحن كنا نصرخ كي لا نموت!.  


قال أحمد بنبرة فلسفية حزينة: 

وهل النعيم يا أخي هو أن تملك المال وتفقد إنسانيتك؟ النعيم ألا تجلس في غرفة فارغة عشرين عاماً تسأل نفسك: هل يحبونني أنا، أم يحبون ما أرسله لهم؟ الغربة ليست مسافة بالبدن، الغربة أن تصبح في عيون أقرب الناس إليك مجرد وظيفة، لا إنساناً يشعر ويتعب!. 


في المساء، اجتمعت العائلة في فناء المنزل، أخرجت أم أحمد كيس أدويتها الفارغ ووضعته أمامه: 

يا أحمد يا بني، هذا الدواء انقطع، واعتدت أن ترسله لي من الخارج... كيف سنصبر الآن؟. 


انحنى أحمد وقال بصوت متهدج: 

يا أمي... أنا عدت نهائياً، أكلت الغربة جسدي وصحتي، ولم أعد أحتمل، كل ما أملكه سأضعه في مشروع صغير نقتات منه جميعاً. 


تدخلت أخته فاطمة بعتب قاسي: 

تركت العمل وابنتي في سنتها الجامعية الأخيرة؟ من أين سنكمل مصاريفها؟ كنا نعتمد عليك بعد وفاة والدها! هل بعتنا في منتصف الطريق؟. 


نظر أحمد إلى وجوههم، كان يبحث عن يدٍ تربت على كتفه وتقول له استرح فقد تعبت، لكنه لم يجد سوى نظرات اتهام بالتقصير وكأنه صرّافٌ آلي تعطل فجأة. 


فقال بأسى عتيق: 

أنا لم أبعكم، بل اشتريت قربكم بأعز ما أملك! الفاجعة أنكم ترون المغترب كائناً بلا ألم؛ تظنون أن العملة الأجنبية تطمس الوحشة، وأن الحوالات تداوي الجراح. خذوا مدخراتي كلها إن أردتم... لكن اتركوا لي حقاً واحداً: أن أنام ليلاً دون أن أتساءل إن كنت بالنسبة لكم أبناً وأخاً، أم مجرد رقم حساب بنكي ترقبون تحويلاته كل شهر!. 


لم يدركوا أن الأهل أنفسهم طحنتم الظروف، وأن طلباتهم لم تكن جشعاً بقدر ما كانت صرخة استغاثة من واقع يضغط على الجميع، لكنهم غفلوا عن أن المغترب يرجع بجسد أنهكته السنون ونفسية ثقبتها الوحشة.  


ساد صمت مطبق قبل أن يقول أحمد: سوف أخرج قليلاً للتنفس ورؤية البلد بعد هذه السنين الطويلة، لعلي أعود في ساعة متأخرة فلا تقلقوا فقد اشتقت إلى النهر.  


خرج أحمد في تلك الليلة، وجلس على شاطئ النهر. نظر إلى المياه الجارية تحت ضوء القمر، متسائلاً إن كان الغريب يبقى غريباً حتى في وطنه، وأن أصعب أنواع الاغتراب ليس بعدك عن الأرض، بل أن تعود لتجد أن الحب الذي هاجرت لأجله قد تحول إلى شيكٍ ينتظر الصرف. 


قال أحمد في نفسه: يا لها من فجيعة... تخاف من الغربة فتفر منها إلى وطنك، لتكتشف أن الأهل الذين اغتربت لأجلهم، قد جعلتك حاجتهم لرميك في غربةٍ أشد قسوة... غربة الروح داخل بيتك. 


ليست مأساة أحمد في قسوة الكلمات التي سمعها، بقدر ما كانت في الجدار الذي انهار داخل صدره.  


تركهم أحمد في الفناء وأصوات العتاب لا تزال تتردد في أذنيه كطنينٍ مكتوم. 


عاد أحمد إلى حيه، يجر قدمين ثقيلتين كأنهما تحملان أوزار العشرين عاماً كلها مرة واحدة. كانت بقع الضوء الخافتة من مصابيح الشارع تسقط على وجهه المنهك، فيما كان صدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ متقطعة، مضغوطة بحسرةٍ لا قاع لها. 


توقف عند زاوية الحي، أحسّ بركبتيه تلتويان، وبثقلٍ مفاجئ في رأسه، وكأن السقف السامي الذي ظل يرفعه فوق أهله لعقدين من الزمان قد انهار فوقه وحده. سند ظهره إلى جدارٍ طيني عتيق، وتدحرج بجسده إلى الأسفل حتى استقر متكئاً على الحائط، ضاماً كفيه المرتجفتين إلى صدره. 


في تلك اللحظات، كانت تمر في ذهنه صور الماضي كشريطٍ سينمائي دامي القطعات.. طعام العلب البارد الذي كان يأكله وحيداً ليغطي مصاريف دراسة أبناء أخته، الأعياد التي قضاها خلف شاشة الهاتف يبتسم لهم والدمع محبوس في عينيه، والمرض الذي كتمه عنهم كي لا يشغلهم. كل تلك التضحيات، تبخرت في لحظة عودة؛ فالمغترب في نظرهم لا يكبر، ولا يمرض، ولا يتعب... المغترب شريانُ مالٍ يجب ألا يتوقف عن النبض. 


مرت ساعات الليل ببطءٍ قاتل. كانت برودة الأسفلت تتسلل إلى جسده، لكن الخذلان كان أبرد. رفع بصره إلى السماء المنتفخة بالسواد، وهَمَس بصوتٍ شاحب لم يتجاوز شفتيه: 

يا رب... تعبتُ من أن أكون مظلةً للجميع، ولا أجد من يظللني.... 


ومع اقتراب الصباح، بدأ أذان الفجر يتردد في أرجاء الحي، ينسابُ هادئاً: {الصلاة خيرٌ من النوم...}. 


كان عمّ إبراهيم، جار وصديق والد أحمد القديم وهو رجلٌ صالح ناهز السبعين، يمشي بهوينة في زقاق الحي ممسكاً بعصاه، متجهاً نحو المسجد. لمعت عيناه على خيال شخصٍ يجلس مستنداً إلى الجدار في هذا البرد. اقترب بخطواتٍ متأنية، ودقق النظر حتى ميز الملامح القريبة إلى قلبه. 


أحمد؟ يا أحمد! ما الذي يجلسك هنا في هذا الوقت يا بني؟ هل أنت بخير؟


لم يأته رد.. كان أحمد يجلس بجلسةٍ شبه متصلبة، ورأسه يميل قليلاً نحو الكتف الأيسر، وعيناه مسبلتان بنصف إغماضة، كأنه يستريح من عبءٍ ثقيل. 


ظن عم إبراهيم أن النعاس غلبه من شدة الإرهاق والسفر، فابتسم برأفة وخطا خطوة إضافية.  


مدّ يده الكبيرة الدافئة، وربت برفقٍ شديد على كتف أحمد: 

قم يا بني... قم صلّ الفجر، الفراش في البيت أدفأ لك من هذا الحائط.... 


ومع أول لمسةٍ لكتفه، مال جسد أحمد بسكونٍ تام، وسقط جانباً على الأرض دون أن يصدر منه رمشٌ أو حراك. 


تسمر عم إبراهيم في مكانه، وجثا على ركبتيه بسرعة وهو يصرخ بصوتٍ يهشمه الفزع: أحمد! يا أحمد!.  


وضع يده على رقبة الفتى الذي طالما انتظر العودة، فلم يجد نبضاً. كانت بشرته قد بردت، ووجهه ساكناً يستقر عليه بؤسٌ قديم انطفأ أخيراً. 


فارق أحمد الحياة... لم يستطع قلبه، الذي احتمل غربة الأجساد عشرين عاماً، أن يحتمل غربة الروح لدقيقة واحدة داخل وطنه وبين أهله. مات متكئاً على طين الأرض التي شقي لأجلها، تاركاً وراءه حقائبه، ومدخراته، وعتابهم الذي لم يمهله حتى مطلع الفجر.


الجمعة، 28 أغسطس 2026

نور البراءة

تأليف : امل شانوحة 

اللطخة البيضاء


وقفت سعاد مصدومة من وجودها وحدها داخل مدرستها الثانوية بعد انصراف جميع الطالبات ! مما اجبرها على استعارة جوال ابنة الخادمة (فرّاشة المدرسة) .. لتتفاجأ بتسجيلٍ صوتيّ من امها ، تقول بقلق :

((إذهبي فوراً إلى منزل خالتك... لا تعودي إلى البيت ! إذا أتيتِ إلى هنا ، سيقتلك والدك دون رحمة))


فأرسلت سعاد رسالةً صوتية لأمها ، وهي تمسح دموعها:

((أمي... لا أعرف ماذا سمعتما عني ، لكني لم أفعل أيّ ذنب.. فهناك شيءٌ مرعب يحدث معي طوال النهار.. ففي الفسحة ، جلست بجانبي طالبة لم أرها من قبل.. أهدتني قطعة شوكولا.. ما إن أكلتها ، حتى شعرت بمغصٍ شديد في بطني.. فركضت إلى حمام الملعب ، اثناء صعود بقية الطالبات إلى الفصول.. ورأيت الخادمة تمنع طالبة أخرى من دخول الحمام ، لأنه معطّل.. لكنها سمحت لي بالدخول ! وما إن دخلت ، حتى حاول شخص فتح باب الحمام عليّ.. نظرت إلى أسفل الباب ،  فرأيت حذاءٍ أسود لرجل ، عليه لطخة طلاءٍ بيضاء! فصرخت بأعلى صوتي ، جعله يفرّ هارباً.. لكني تمكنت من اللحاق به ، قبل خروجه من المدرسة .. وأحلف أنه شبيه ابن خالتي ! لا ادري فعلاً ان كان هو ام لا ، لكنه أسقط رزمة من المال ، مازالت معي .. ثم عدت إلى فصلي ، دون إخبار احد بما حصل.. وفي الحصة الأخيرة ، أجبت على سؤال المعلمة .. فكافأتني بحلوى .. رغم أن طالبات أخريات أجبن أيضاً ، لكنها لم تعطِ الحلوى إلا لي.. الغريب انني غفوت فور تناولها ، كأن بداخلها منوّم .. وعندما استيقظت ، وجدت المدرسة خالية تماماً.. وجوالي مسروق من حقيبتي .. وباب المدرسة مغلق بإحكام .. ولولا دفعي المال لإبنة الخادمة ، لما سمحت لي باستعارة جوالها .. ومع ذلك نسيت جميع الأرقام ، ماعدا رقم هاتفنا الأرضي ..والآن أنا لوحدي في المدرسة... رجاءً أخرجاني قبل مغيب الشمس.. أنا خائفةٌ جداً))


وما ان سمعت أمها الرسالة ، حتى أسمعتها لزوجها الذي كان ينتظر غاضباً قدوم ابنته سعاد ، وبيده السكين .. 

وغضبه كان بسبب ابن خالتها الذي اخبره : انه رأى ابنته صباحاً وهي تقفز من سور المدرسة ، ثم تصعد إلى سيارة شابٍ غريب !

***


ونزل الوالدان مسرعان باتجاه متجر ابن خالتها القريب من المدرسة..

لينتبها على الفور ، للطخة البيضاء على حذائه الأسود ! 

فانهال الأب ضرباً عليه ، رغم انكار الشاب إقتحامه لمدرسة البنات .. الى ان هدّدته ام سعاد :

- ابنتي تحتفظ برزمة المال التي سقطت منك بساحة المدرسة ، وعليها بصماتك التي ستدينك لاحقاً 


فاعترف بأن أمه اتفقت مع بقية الأطراف على هذه الخطة التي لم يعرف سببها .. فدوره انحصر بإخافة سعاد فحسب ! 

صرخ الأب:

- ستدفع ثمن ذلك ، ايها الحقير !! 

^^^


وأسرع مع زوجته لداخل المدرسة .. وهناك سمعا صرخات ابنتهما من الطابق العلوي !

ليجدا مقنّعاً يحاول تمزيق ملابسها ، بينما تقاومه بكل قوتها ..


فأطبق الأب يداه على رقبة الرجل ، الى ان أغميّ عليه .. بينما سارعت الأم باحتضان ابنتها الخائفة التي اخبرتها بأنها هربت من المقنّع بين الممرّات ، الى ان تمكّن بعد ساعة من الإمساك بها !

فضمّها الأب وهو يشعر بتأنيب الضمير من تصديقه الإشاعة الكاذبة قبل ساعات !

^^^


وصلت الشرطة بعد دقائق.. واقتيد الرجل المقنّع وابن الخالة إلى التحقيق.

وكذلك قبضوا على الخالة التي اعترفت بعد الضغط عليها من المحقق ، بأنها مشعوذة جديدة .. وأن كياناً شيطانياً ظهر لها ، وأخبرها بأن ابنة أختها ستصبح عندما تكبر من أشد أعدائه.. لامتلاكها قدرة استثنائية على التأثير في الناس من خلال حديثها وخطاباتها التحفيزيّة ، وإنها ستكون من عمّال النور المميزين .. ولهذا لم تكن الخطة قتلها ، بل إطفاء نورها بالخوف وتدنيس طهارتها ! وفي المقابل سيكافئها الشيطان بثروةٍ مالية ان نجحت بتدمير سعاد نفسياً ! 


ومع اكمال التحقيقات ، اكتشفت الشرطة بأن سعاد لم تكن الضحية الأولى. .بل هناك بلاغات قديمة لفتيات تعرضن لسيناريوهات مشابهة ، كن ضحايا لمشعوذات أخريات نفذن خططهن لترويع فتيات صغيرات وتحطيمهن نفسياً.

***


لاحقاً ، انتشرت القضية في البلاد.. أدّت لغضبٍ شعبي بعد مطالبتهم بإعدام المشعوذات الحقودات ..

اما سعاد : فأصبحت من المتميزات بالخطابة .. وحرصت على التنقل بين المدارس لتنبيه الطالبات من اذى الأقارب قبل الغرباء ! 


وفي إحدى ندواتها ، ختمت كلمتها بالقول :

((لم يكن الخوف من الموت طعناً ، بل من اشاعةٍ كاذبة تُصدّق قبل سماع الحقيقة))


الأحد، 23 أغسطس 2026

خروف السجن

تأليف : امل شانوحة 

القلوب الرحيمة


في احد السجون العربية ، وقبل يوم من عيد الأضحى.. قرّر الطبّاخ إحضار خروفٍ واحد من مصروفه الخاصّ ، لإطعام المساجين الذين نادراً ما يُسمح لهم بتناول اللحم ، مما جعلهم متحمّسين لوجبة العيد.. 

لكن بغفلة من الطبّاخ ، هرب الخروف الى ساحة السجن.. 


بالبداية حاول السجناء والحرّاس إمساكه ، وإعادته للطبّاخ الذي كان يلاحقه ايضاً .. لكن الخروف ارتمى خائفاً بحضن سجينٍ ضخم ، عُرف بقوته وعصبيّته المخيفة ، خصوصاً مع اقتراب موعد اعدامه .. فتوقعوا ان يدفع الخروف بعيداً بعنف .. لكنه فاجأهم بمسح صوفه برفق ، الى ان هدأ روع الخروف .. وسط صدمة الجميع ! 


ثم طلب من الطبّاخ تأجيل ذبحه لليوم الرابع من العيد .. فوافق مرغماً ، لضخامته وهيبته بين السجناء 

***


وبغضون ثلاثة ايام .. تعلّق الجميع بالخروف ، وهم يدلّلونه ويطعمونه جزءاً من سلطاتهم وخبزهم.. حتى الحرّاس يبتسمون ، كلما رأوا الخروف يتجوّل بحرّية بين العنابر .. 


وحينما ذُبح اخيراً .. اكل الجميع وجبة الأرز باللحم بصمتٍ ثقيل ، كأنهم فقدوا صديقاً عزيزاً ! 

اما مدير السجن الذي كان يتجول بقاعة الطعام ، فقد لاحظ دمعة السجين المرعب التي مسحها سريعاً.. 

فطلب من الطبيب النفسي المحاولة معه من جديد 

*** 


في عيادة السجن .. توقع الطبيب رفض السجين العنيد البوح بمشاعره ، كما يفعل دائماً.. لكن سؤالٌ واحد ، جعل جدار الثلج ينهار اخيراً

الدكتور : إخبرني صدقاً .. هل احزنك اكل لحم صديقك الخروف ؟


فإذّ بالسجين يأخذ نفساً طويلاً ، كأنه يحاول بصعوبة كبت دموعه .. ثم بدأ بسرد الأحداث لأول مرة ، منذ اعتقاله قبل خمس سنوات


حيث اخبره عن اجبار والده القاسي على ذبح خروف العيد ، بعمر الخامسة ! ممسكاً بيده الصغيرة بقوة اثناء النحر ، رغبةً بجعله شاباً قوياً.. لكن رؤيته الدماء دمّرت نفسيّته تماماً ، وقتلت مشاعر الرحمة لديه.. ولهذا فرّ مذعوراً بعد دهسه بالخطأ رجلاً في طريقه إلى صلاة الفجر.. وتركه ينزف وحده حتى الموت ، خوفاً من مواجهة الدماء مرةً أخرى ! ولهذا ينتظر بلوغ اصغر ابناء القتيل سن ١٨ ، لمعرفة ان كان سيسامحه او يُنفّذ فيه قصاص السيف ، والذي سيحدث بعد ثلاثة اسابيع فقط.. ولهذا تعلّق بالخروف ، كمحاولة لاسترداد براءة طفولته التي ضاعت بتربية والده الخاطئة  

^^^


ورغم ان هذا السجين تم اعدامه بالفعل.. الا ان حواره مع الطبيب ، أثّر على مدير السجن الذي عقد اتفاقاً مع مؤسسة ترعى قطط الشوارع .. مُحضراً عشرات القطط إلى السجن ، للسماح للسجناء بتربيتها !

***


في البداية استغرب الجميع قراره ! 

لكن بعد شهور على اعتنائهم بها.. اختفت معظم شجاراتهم ، بعد تبادلهم الطعام لأجل قططهم التي تناقشوا طرق علاجها .. وصنع العاباً لها .. بل وتساعدوا معاً على تنظيف أماكنها ، والعناية بصغارها..


حتى ان الطبيب النفسي لاحظ انخفاض نوبات الغضب والعنف ، وازدياد روح التعاون بين السجناء ! ويبدوا ان ايجادهم لكائنٍ ضعيف يحتاجهم ، أيقظ فيهم مشاعر الرحمة التي حرموا منها ، لظروف حياتهم القاسية

***


وفي أحد الأيام.. وقف مدير السجن أمام نافذة مكتبه ، وهو يراقب عشرات السجناء وهم يطعمون القطط في الساحة..

قائلاً بفخر :

- كل هذا التطوّر الإيجابي حصل يوم هروب الخروف من المطبخ ، مغيراً مصير 200 سجين نحو الأفضل !


الجمعة، 21 أغسطس 2026

الدخيل الطيب

تأليف : امل شانوحة 

الحب المؤجّل


- أين علبة السكر؟

وقفت المرأة السبعينية أمام خزانة المطبخ ، وهي تبحث بين الأغراض بعصبية..

فهي متأكدة من وضعه بمكانها المعتاد ، لكنها لم تعثر على المرطبان.


وبعد دقائق من البحث ، وجدته داخل البراد!

فتساءلت باستغراب :

- من وضعه هنا ؟!


فهي طوال حياتها بهذا المنزل ، لم تغيّر مكان السكر في الخزانة .. كما ان ابنها الوحيد غائباً منذ أسبوع ، بسبب امتحاناته النهائية في الجامعة .. 


فقالت وهي تعيد السكر إلى مكانه:

- ربما نسيت...

***


لكن الأمر تكرّر في الأيام التالية ، بعد تغيّر مكان كرسيها الهزّاز .. وإيجادها جهاز التحكّم فوق التلفاز ، بدل الطاولة ! 

وكوب الماء الفارغ بجانب سريرها ، رغم عدم تذكّرها شربه ! 


كل هذا جعلها تتصل بسكن الطلّاب ، وهي تطلب من ابنها مذعورة:

- إتصل بالشرطة فوراً !! فهناك شخص يدخل منزلي أثناء نومي ، ويُحرّك أغراضي من أماكنها 

- هل انت متأكدة يا امي ؟ ربما نسيتي ..

مقاطعة بعصبية : 

- لم أضع السكر في البراد طوال حياتي !!

فحاول تهدأتها ، وهو يخبرها بأنه سيعيد الإتصال بها بعد قليل ..


فهي لم تعلم بوضعه كاميرات صغيرة في أنحاء منزلها قبل ذهابه للجامعة ، للإطمئنان عليها لحين انتهاء امتحاناته.

وبعد مراجعته التسجيلات ، إنصدم برؤية امه تقوم بتلك التغيرات بنفسها !

^^^


لكنه لم يخبرها بشكوكه ، لحين عودته .. وإصراره على اجراء فحوصاتٍ طبية .. والتي أكّدت بوادر مرض الزهايمر.

فبكى الشاب ..ليس فقط حزناً على مرضها ، بل لحصوله على منحةٍ دراسية لإكمال الماجستير في الخارج.. لكنه سيضطّر لتخلّي عن هذه الفرصة ، للإهتمام بأمه المريضة.. كردّ الجميل عن تربيته وحدها ، عقب وفاة والده وهو طفل صغير !

كما انها أنجبته بعد سنواتٍ طويلة من العقم ، لذلك يوجد فارق عمري كبير بينهما .. جعل الناس يظنونها جدته ، لا أمه.

***


وفي إحدى الأمسيات.. شكى الشاب همّه لجاره الأرمل ، الذي فاجأه بالقول:

- اذاً عليك تصويري داخل منزلها ، اثناء نومها .. خلال قيامي بكل التغيرات التي لاحظتها سابقاً .. ثم تخبرها بأنها تسجيلاتٍ قديمة  

الشاب بدهشة : 

- ولما تُعرّض نفسك للمحاسبة عن ذنبٍ لم تفعله ؟! 

العجوز بحزن : 

- لأني معجبٌ بوالدتك منذ سنواتٍ طويلة .. لكنها منعتني الإقتراب منها ، بعد قرارها بتكريس حياتها لتربيتك..

الشاب بقهر : 

- ليتك تزوجتها يا عمي.. فأنت بمقام والدي.. ولطالما شكوّت لك همومي ، وساعدتني في حل مشاكلي.

العجوز :

- ولهذا لا اريدك ان تخبرها بمرضها ، دعها تظن بأن الدخيل هو شخص لن يؤذيها ابداً  

***


وبعد ايام .. شاهدت امه التسجيلات التي صوّرها لجاره ، الذي قام بتبديل ملابسه مع كل لقطة .. لإيهامها باقتحام منزلها اكثر من مرة 


فاستشاطت غضباً : 

- بأيّ حق يدخل منزلي دون إذني؟! ماذا لوّ كان معي مسدس ، وقتلته من شدة رعبي؟! إذهب وناده حالاً ، اريد معاتبته على تصرّفاته الخرقاء !!

^^^


وبالفعل ، انهالت عليه باللوم والشتائم..

وبدوره ، تحمّل غضبها بصمت..

ثم سألته عن سبب فعله ذلك ؟ 

فأجابها بهدوء :

- لشعوري بالوحدة .. فمنذ وفاة زوجتي وأنا بسن الخمسين ، أعيش وحدي في منزلي الكئيب .. ولهذا أردت الشعور بوجود امرأة في حياتي ، حتى لوّ كانت نائمة في الغرفة الثانية 


ورغم معرفتها بأن تصرّفه خاطئاً ، لكنها تفهمّته .. فهي ايضاً شعرت بالوحدة ، كلما انتقل ابنها للسكن الجامعي بفترة امتحاناته 

***


ومنذ تلك الحادثة ، تغيّرت علاقة الجاريّن اللذين صارا يتحدّثان مطوّلاً .. حتى انها دعته للغداء اكثر من مرة 


ومع اقتراب نهاية العطلة الصيفية ، أخبر الإبن والدته عن قراره بالتخلّي عن منحته الدراسية لأجلها.. لكنها أصرّت على عدم تفويته الفرصة الذهبية 

- وكيف يا امي سأتركك وحدك ؟!


وهنا ، أخرج الجار خاتماً ذهبياً من جيبه..

ثم التفت إلى جارته ، وهو يقول :

- سامحيني ، فصحتي لا تسمح بالجثو على ركبتي .. فهذا الخاتم اشتريته قبل 15 عاماً ، بعد انتهاء عزاء زوجك.. لكنك لم تسمحي لي يوماً بالإقتراب منك..فهل توافقين الآن على إكمال حياتنا معاً؟ .. يعني .. إن لم يكن لأجلي ، فمن اجل راحة بال ابنك .. دعيه يسافر ويكمل تعليمه ، وهو مطمئن على اهتمامنا ببعضنا لآخر عمرنا .. ما رأيك عزيزتي ؟


فتردّدت العجوز بالإجابة ، قبل ان تقول :

- الأيام الماضية التي قضيتها وحدي في المنزل ، اثناء امتحانات ابني.. جعلتني أدرك بأن الوحدة اصعب من كلام الناس ولومهم المحرج 

ثم ابتسمت له :

- انت جاري منذ سنواتٍ طويلة ، ولم تعد غريباً عني.. ولهذا اوافق على طلبك

***


بعد عقد زواجهما في المحكمة .. ودّعهما الإبن قبل ذهابه للمطار ، لإكمال دراسته بالخارج 

***


بعد شهور ، وصلته رسالة من جاره .. مُرفقة بتقريرٍ طبي عن والدته : تؤكّد تحسّن صحتها بشكلٍ ملحوظ بعد انتظامها على ادويتها ، واهتمام زوجها بها .. والذي نجح بإخراجها من سنوات الوحدة الطويلة ، مما انعكس إيجاباً على حالتها النفسية والجسدية..


ففهم الشاب ان ابتعاده عنها ، كان خيراً لها .. وأن الدخيل الطيب لم يكن الرجل الذي بعثر اغراضها دون اذنها ، بل هو من اعاد لها الحياة ! 


السبت، 20 يونيو 2026

غرفة الغميضة

تأليف : امل شانوحة 

الحقيقة المخفية


اسرع المراهق (16 سنة) بالبحث عن غرفة يختبئ فيها داخل الفيلا ، بينما أخويّه التوأميّن (6 سنوات) يبحثان عنه ، لربح لعبة الغميضة 


فلم يجد نفسه الا وهو يحشر نفسه في خزانة زوجة ابيه ، بعطرها الذي يفوح من ملابسها المُتكدّسة هناك ..


والتي فجأة ! دخلت غرفتها مسرعة ، يتبعها سائق العائلة  

ومن شقٍّ صغير بين بابيّ الخزانة ، استطاع المراهق رؤية زوجة ابيه وهي تتحدّث بصوتٍ منخفضٍ ومتوتّر:

- ألم أعطك المال البارحة ؟ لما دخلت المنزل ؟! 

فردّ السائق : أتيت لأجل ولدايّ .. فأنا لا يكفيني رؤيتهما نصف ساعة صباحاً ونصف ساعة ظهراً ، أثناء توصيلهما للمدرسة

زوجة الأب بالخوف : إخفض صوتك ، فإبن زوجي بالمنزل اليوم .. ومن حسن حظنا ، انه هو ووالده لم يلاحظا التشابه الكبير بينك وبين التوأميّن ! 


فقال المراهق بنفسه بصدمة : 

((ماذا ! التوأمان ليسا شقيقايّ !))


السائق : وجود ذلك الصبيّ يُزعجني ، فهو يراقب كل شيء.. علينا التخلّص منه قريباً 

فاتسعت عينا المراهق رعباً ! 


ثم اقترح السائق خطة خطفه ، وطلب فدية من والده .. لكن عشيقته طلبت التريّث ، ريثما تجد حلاً افضل 


وبعد خروجهما من الغرفة ، بقيّ المراهق متجمّداً داخل الخزانة من هول ما سمعه ! 

وعندما خرج أخيراً ، ركض التوأمان وهما يعانقانه بفرح : 

- أمسكنا بك !! 

لكنه هذه المرة شعر بالبرود اتجاههما ! فهو لم يرى في ملامحهما ، سوى وجه السائق الخائن !


وعاد الى غرفته ، وهو يفكّر بطريقة لإخبار والده الحقيقة.. خاصة ان زوجة أبيه كانت صديقة أمه المُقرّبة التي نشرت الإشاعات الكاذبة عنها ، لجعل والده يطلّقها ظلماً للزواج بها ! 

لهذا قرّر مراقبة الخائنيّن ، لحين حصوله على دليلٍ قاطعٍ ضدّهما 

***


بنهاية الإسبوع ، طلبت زوجة أبيه الذهاب إلى المول .. فسارع المراهق باستئذان والده لزيارة امه ..

فاقترحت عليه توصيله بطريقها 


لكن ما لا تعرفه ، أن المراهق لم يدخل منزل أمه أصلاً !

ففور ابتعادها بسيارة السائق ، حتى ركب سيارة والدته (التي يملك مفتاحاً احتياطياً لها) وانطلق خلفهما.. الى ان توقفا أمام فندقٍ فاخر.


فدخل خلف زوجة ابيه والسائق بحذر .. واختبأ قرب البوفيه المفتوح ، لتصويرهما معاً .. وهما يمسكان أيدي بعضهما ، ويضحكان كعاشقيّن.


وبعد دقائق ، صعدا إلى إحدى الغرف.. فأرسل الفيديو إلى والده.

^^^


بأقل من ساعة...

اقتحم الأب الفندق غاضباً .. 

وما ان فتح السائق باب الغرفة مرتدياً روب الاستحمام ، حتى انهال عليه باللكمات.. بينما حاولت حماية عشيقها بجسدها المُبلّل.. 

وبصعوبة التقط الزوج المخدوع أنفاسه ، ناظراً إليها باحتقارٍ مُقززّ 

ثم طلّقها بالثلاث ، مع اعلان حرمانها من كافة حقوقها الماديّة 

***


وبعدها عاد إلى الفيلا مكسور الكبرياء ، ليجد ابنه المراهق في انتظاره ..

فاقترب منه بعينيه الحمراوتيّن ، مُمسكاً كتفيّه بعنف:

- متى عرفت بخيانتها ؟!!

فأخبره بكل ما سمعه ، اثناء وجوده بالخزانة ! 


فتراجع الأب للخلف ، بصدمة : 

- التوأمان... ليسا من صُلبي ! 

ابنه بحزن : يمكننا التأكّد بعد اجرائك الفحص الطبّي

ورغم رفض الأب التصديق... الا ان تحليل الحمض النووي أكّد الحقيقة المؤلمة 

***


بعد أيام ، وقف الأب أمام منزلٍ شعبيّ في حيّ الفقراء ..

لتفتح زوجته السابقة الباب ، وهي تبدو منهكة بعد خسارة ثرّوته وسمعتها .. لتفاجأ به يدفع التوأميّن نحوها ، وهو يقول ببرود:

- هذان ابنا عشيقك... لا علاقة لي بهما

وقبل نطقها بكذبةٍ جديدة ، رمى نتائج الفحص بوجهها وغادر.

***


ثم عاد الى الفيلا لأخذ ابنه ، والذهاب معه الى منزل زوجته الأولى : المرأة التي ظلمها وطلّقها ظلماً .. 

وبعد ان اخبرها بما حصل ، ترجّاها بصوتٍ مكسور : 

- رجاءً سامحيني 


فنظرت إليه بمرارة ، وهي تتذكّر سنوات القهر التي أمضتها وحدها.. لتفاجأ بإبنها المراهق يحتضنها بقوة ، وهو يترجّاها ان تسامح والده لأجله 

ورغم علمها بأن بناء الثقة من جديد ، لن يكون سهلاً .. لكن لأجل ابنها وبيتها ، قرّرت منحه فرصةً أخيرة 


بينما شكر المراهق ربه على تلك الصدفة التي جعلته يختار غرفة زوجة ابيه للعبة الغميضة ، والاّ لعاشت عائلته في كذبةٍ نجسة طوال حياتهم !


الجمعة، 22 مايو 2026

توأم المقبرة

تأليف : امل شانوحة 

الوريث المزيّف


في مدينةٍ سياحية مقسومة طبقيّاً : حيث ترتفع قصور الأغنياء فوق التلال المُطلّة على البحر ، بينما تتكدّس بيوت الفقراء قرب ميناء الصيادين .. قرّر رئيس البلدية توسيع الأسواق والمتنزهات لجذب السائحين .. ولهذا جمع موتى الأثرياء والفقراء في مقبرةٍ واحدة ، بسورٍ حديديّ يفصل بينهما!  

***


في احدى عمارات الفقراء ، لم ينم البوّاب احمد (العشرينيّ) ليلةً واحدة منذ اسبوع بعد تكرّر كابوسه المُبهم : ((وهو يرى نفسه يُدفن في تابوتٍ فاخر من خشب السنديان .. بينما يبكي حول قبره ، شخصيّاتٌ ثريّة لا يعرفها!)) 


فحاول تجاهل منامه .. الى ان أتى اليوم الذي رافق فيه صديقه الى جنازة والده.. 

وبعد مغادرة المعزّون ، سحب حفّار القبور احمد جانباً .. وهو يسأله مذعوراً :

- الم ادفنك الإسبوع الماضي ؟!


ثم أخبره عن دفنه شاباً ثرياً يُشابهه بالعمر والشكل !

فردّ احمد : ربما تتخيّل يا عم


فأصرّ الحفّار على أخذه الى مكتب المقبرة .. حيث انصدم احمد من التشابه بينه وبين صورة الميت (في الملف) الذي دُفن قبل اسبوع .. والذي وُلد ايضاً بنفس التاريخ ! ولكيّ يتخلّص من فضول الحفّار ، أجابه كاذباً : 

- الميت مولود بالشتاء ، وانا بالصيف .. كما انني أكبُره بعام 

الحفار بخبث : لوّ كنت مكانك .. لاستغلّيت هذا التشابه ، للتقرّب من عائلة الميت الثريّة 

احمد : لا اريد مشاكل مع الطبقة المخمليّة 


ثم خرج من المقبرة ، مُباشرةً لزيارة جارته العجوز (القابلة التي أشرفت على ولادته)

***


وما ان فتحت الباب ، حتى سألها دون مقدّمات :

- ماذا فعلتي بأخي التوأم ؟

فانهارت العجوز فوق مقعدها ، بعد إدراكها بفضح سرّها التي كتمته طويلاً ! واعترفت مُتوسّلة :

- كنت بحاجة للمال .. وأمك فقدت الوعيّ اثناء الولادة ، فلم تعلم بإنجابها توأميّن .. بينما بعت الطفل الثاني لإمرأةٍ ثريّةٍ عقيمة.. (ثم امسكت يده) ..رجاءً لا تخبر والدتك ، فهي لن تتحمّل سماع الحقيقة 

فصرخ غاضباً :

- اخي مات الإسبوع الماضي .. لقد حرمتِني منه لعشرين سنة !! 

فردّت بخبث : ولما لا تأخذ مكانه ؟ فأهله يشتاقون لرؤيته من جديد 

احمد : لقد انتحر ، كيف سأحلّ محلّه ؟

فسألته بقلق : هل قتل نفسه بطلقةٍ نارية ؟

- حسب ما قرأته بملف دفنه ، انه مات بجرعة دواءٍ زائدة 

الجارة بحماس : ممتاز !!


وخلال دقائق ، رسمت له خطةً شيطانية : وأخبرته انها ستذهب معه الى القصر ، لإخبار والدايّ الميت : أنها زوجة الحفّار الذي سمع صرخته ، مباشرةً بعد انتهاء الدفن وخروج المعزّون من المقبرة .. ويبدو ان جرعة الدواء الزائدة ، اوقفت قلبه مؤقتاً .. ورغم نجاته بأعجوبة ، الا انها فضّلت مع زوجها عدم اخبار عائلته ..لأنه عانى من اضطّراب في الحركة والنطق ، نتيجة نقص الأكسجين في تابوته .. لكن فور استقرار مشيته ، أعادته إليهم.. مع استمرار فقده الشبه كامل لذاكرته ! 


احمد بصدمة : أتريدينني ان اسرق حياة اخي ؟!

الجارة : ولما لا ؟ من حقك تجربة الرفاهية ، كما فعل اخوك التوأم .. ثم فكّر بوالديك المساكين ، فهما يستحقّان حياةً افضل .. وأنا سأخبرهما بانتقالك للعاصمة ، للعمل في معمل قريبي .. وانك سترسل لهما ، نصف راتبك كل شهر 


ولأجل تحسين الظروف المعيشيّة لوالديّه ، وافق على خطتها الماكرة

***


فور دخول احمد والقابلة الى صالة القصر ، انهارات الأم الثرية باكية في أحضانه وهي لا تصدّق ما تراه ! 

بينما تسمّرت نظرات الأب (العقلاني) على الشاب وهو يتفحّصه بإمعان ، لعدم تصديقه قصة نجاته من القبر بسهولة ! كما خوفه ان يكون مخادعاً (يريد استغلال التشابه بينه ، وبين ابنه المرحوم) لهذا أصرّ على اجرائه فحص الـ DNA ، للتأكّد من هويّته 

مما ارعب احمد والقابلة .. ففي حال كُشفت خدعتهما ، سيُزجّان بالسجن لسنواتٍ طويلة !

***


مرّت ثلاثة أيام من الانتظار المرعب ، اوشك فيها احمد على الفرار من غرفته المُحتجز بها ، من حرّاس القصر 


وحين ظهرت النتيجة ، كانت المفاجأة ! فقد تطابقت العيّنات تماماً .. مما اراح الوالدة الثريّة التي عادت لاحتضان احمد بشوق ، بينما اعتذر زوجها عن شكّه به .. (فهما اساساً لا يعرفان بوجود توأمٍ لإبنهما) 

اما احمد (الذي اتصل لاحقاً بالقابلة لتبشيرها بنجاح الخطة) فقد حمد الله سرّاً بأن وهبه ذات الشفرة الوراثية لأخيه (رغم ندرتها عالمياً) !

^^^  


وفي تلك الليلة .. نام احمد في فراشٍ مريح ، بغرفةٍ فخمة تطلّ على البحر .. بعد تناوله الذّ عشاءٍ ، لم يتذوّق مثله طوال حياته البائسة .. 

لكنه ايضاً شعر بالذنب ، لبقاء والديّه في حيّ الفقراء .. 

مع ادراكه بأن جارته العجوز ستبتزّه دائماً براتبٍ شهريّ ، مقابل كتمانها السرّ وإيصالها أخبار والديه (عبر الجوال)  


مع مرور الوقت .. بدأ أحمد يتقمّص شخصية وليد ، حتى كاد يصدّق كذبته! 

***


وذات يوم ، سأله والده : ان كان موافقاً على زواجه من ابنة عمه (التي تعرّف عليها بإحدى سهرات القصر) ؟ 

فأجابه احمد : لا ابي ، لم تعجبني بتاتاً

فردّت امه بامتعاض :

- رجاءً لا تقل ، انك مازلت تفكّر بالفقيرة التي حاولت الإنتحار بسببها ؟

فعاتبها زوجها :

- وليد نسيّ الكثير من ماضيه ، بعد تجربته الصعبة بالقبر.. فلما تذكّرينه بها ؟


وخرجا من غرفته ، حتى لا يتشاجرا امامه.. بينما تملّك احمد الفضول ، لمعرفة ذوق أخيه الراحل.. وهل فعلاً تستحق حبيبته ، ان ينتحر لأجلها !

^^^


ولأنه يعرف بأن الوالديّن الثريين لن يُخبراه بمعلوماتٍ عنها.. سأل مربية اخيه العجوزة .. فأعطته صورة لها

احمد بدهشة : يا الهي ! انها فاتنة.. لما لم تعجب اهلي ؟

المربية : لأنها نادلة في مطعمٍ فخم ، ولا ترتقي لمستوى عائلتك

احمد بحزم : رجاءً اعطني العنوان

***


وفي المساء ، توجه لذلك المطعم .. 

لتسقط الصينية من يد الصبية ، فور رؤيته ! وقبل ان يُغمى عليها ، سارع بإجلاسها على طاولة بعيدة عن الزبائن ، وهو يحاول تهدأتها 

النادلة باكية : لما لم يخبرني والديّك بأنك مازلت حياً ؟ الا تدري كم بكيت على قبرك ؟

وقبل ان يجيبها ، صفعته بقوة :

- وانت !! طالما حيّ ، لما انتظرت شهرين للقدوم الى هنا ؟


فأخبرها انه فقد جزءاً كبيراً من ذاكرته بعد خروجه من القبر.. ولولا مربيته ، لما تذكّرها !

فسألته بقلق : وماذا الأن ؟ هل ستتزوج ابنة عمك ؟

احمد : لا ، لم تعجبني تلك المتعجرفة .. (ثم قال بتردّد) .. لكني في نفس الوقت ، لا اعرفك جيداً

فردّت معاتبة : سنتان معاً ، وتقول انك لا تعرفني !

احمد : أخبرتك انني نسيت الماضي بعد محاولة انتحاري.. لذا اريد التعرّف عليك من جديد

***


وبالفعل صار يقابلها بعد انتهاء دوامها ، دون علم والديّه الثريين بالأمر.. الى ان أُغرم بها ، كما فعل اخيه التوأم !


وعندما اخبر والديّه بقراره الحازم للزواج بها.. رفضت الأم بالبداية.. لكن الأب حسم الأمر : 

- لن أسمح بانتحار ابني الوحيد مرةً ثانية ، بسبب عنادنا وإصرارنا على رفضها ، للفارق الإجتماعي بيننا

فرضخت زوجته مُرغمة ، بقبول الكنّة الفقيرة

***


وفي عرسٍ فخم .. ورغم سعادة احمد بزواجه من حبيبة اخيه السابقة ، لكنه شعر بالحزن لعدم تواجد والديّه الحقيقيّن بصالة الأفراح.. فهما لطالما تمنيا رؤيته عريساً قبل وفاتهما ..

لكنه مُجبر على إكمال المسرحية حتى النهاية.. رغم خوفه من القابلة الطمّاعة التي تطالبه بالمزيد من المال ، او كشف سرّه .. كما يخشى عتاب والديّه حين يعلمان ببيع هويّته ، مقابل حياةٍ لم تُقدّر يوماً له !


وهنا قطعت تفكيره العروس بسؤالها :

- الن تراقصني ؟ فهذه اغنيتنا المفضّلة 


فابتسم رغم احزانه ومخاوفه ، محاولاً الإستمتاع بليلة زفافٍ مزيّفة .. كان من المفترض أن تكون ، من أجمل أيام أخيه الراحل ! 


الطفل المحظوظ

تأليف : امل شانوحة  الهدية الأخيرة في منتصف الشهر .. جلس الوالدان في الصالة ، وهما يتناقشان مصاريف المنزل  قائلةً الأم بقلق: - مازالنا في ...