تأليف : امل شانوحة
الحب المؤجّل
- أين علبة السكر؟
وقفت المرأة السبعينية أمام خزانة المطبخ ، وهي تبحث بين الأغراض بعصبية..
فهي متأكدة من وضعه بمكانها المعتاد ، لكنها لم تعثر على المرطبان.
وبعد دقائق من البحث ، وجدته داخل البراد!
فتساءلت باستغراب :
- من وضعه هنا ؟!
فهي طوال حياتها بهذا المنزل ، لم تغيّر مكان السكر في الخزانة .. كما ان ابنها الوحيد غائباً منذ أسبوع ، بسبب امتحاناته النهائية في الجامعة ..
فقالت وهي تعيد السكر إلى مكانه:
- ربما نسيت...
***
لكن الأمر تكرّر في الأيام التالية ، بعد تغيّر مكان كرسيها الهزّاز .. وإيجادها جهاز التحكّم فوق التلفاز ، بدل الطاولة !
وكوب الماء الفارغ بجانب سريرها ، رغم عدم تذكّرها شربه !
كل هذا جعلها تتصل بسكن الطلّاب ، وهي تطلب من ابنها مذعورة:
- إتصل بالشرطة فوراً !! فهناك شخص يدخل منزلي أثناء نومي ، ويُحرّك أغراضي من أماكنها
- هل انت متأكدة يا امي ؟ ربما نسيتي ..
مقاطعة بعصبية :
- لم أضع السكر في البراد طوال حياتي !!
فحاول تهدأتها ، وهو يخبرها بأنه سيعيد الإتصال بها بعد قليل ..
فهي لم تعلم بوضعه كاميرات صغيرة في أنحاء منزلها قبل ذهابه للجامعة ، للإطمئنان عليها لحين انتهاء امتحاناته.
وبعد مراجعته التسجيلات ، إنصدم برؤية امه تقوم بتلك التغيرات بنفسها !
^^^
لكنه لم يخبرها بشكوكه ، لحين عودته .. وإصراره على اجراء فحوصاتٍ طبية .. والتي أكّدت بوادر مرض الزهايمر.
فبكى الشاب ..ليس فقط حزناً على مرضها ، بل لحصوله على منحةٍ دراسية لإكمال الماجستير في الخارج.. لكنه سيضطّر لتخلّي عن هذه الفرصة ، للإهتمام بأمه المريضة.. كردّ الجميل عن تربيته وحدها ، عقب وفاة والده وهو طفل صغير !
كما انها أنجبته بعد سنواتٍ طويلة من العقم ، لذلك يوجد فارق عمري كبير بينهما .. جعل الناس يظنونها جدته ، لا أمه.
***
وفي إحدى الأمسيات.. شكى الشاب همّه لجاره الأرمل ، الذي فاجأه بالقول:
- اذاً عليك تصويري داخل منزلها ، اثناء نومها .. خلال قيامي بكل التغيرات التي لاحظتها سابقاً .. ثم تخبرها بأنها تسجيلاتٍ قديمة
الشاب بدهشة :
- ولما تُعرّض نفسك للمحاسبة عن ذنبٍ لم تفعله ؟!
العجوز بحزن :
- لأني معجبٌ بوالدتك منذ سنواتٍ طويلة .. لكنها منعتني الإقتراب منها ، بعد قرارها بتكريس حياتها لتربيتك..
الشاب بقهر :
- ليتك تزوجتها يا عمي.. فأنت بمقام والدي.. ولطالما شكوّت لك همومي ، وساعدتني في حل مشاكلي.
العجوز :
- ولهذا لا اريدك ان تخبرها بمرضها ، دعها تظن بأن الدخيل هو شخص لن يؤذيها ابداً
***
وبعد ايام .. شاهدت امه التسجيلات التي صوّرها لجاره ، الذي قام بتبديل ملابسه مع كل لقطة .. لإيهامها باقتحام منزلها اكثر من مرة
فاستشاطت غضباً :
- بأيّ حق يدخل منزلي دون إذني؟! ماذا لوّ كان معي مسدس ، وقتلته من شدة رعبي؟! إذهب وناده حالاً ، اريد معاتبته على تصرّفاته الخرقاء !!
^^^
وبالفعل ، انهالت عليه باللوم والشتائم..
وبدوره ، تحمّل غضبها بصمت..
ثم سألته عن سبب فعله ذلك ؟
فأجابها بهدوء :
- لشعوري بالوحدة .. فمنذ وفاة زوجتي وأنا بسن الخمسين ، أعيش وحدي في منزلي الكئيب .. ولهذا أردت الشعور بوجود امرأة في حياتي ، حتى لوّ كانت نائمة في الغرفة الثانية
ورغم معرفتها بأن تصرّفه خاطئاً ، لكنها تفهمّته .. فهي ايضاً شعرت بالوحدة ، كلما انتقل ابنها للسكن الجامعي بفترة امتحاناته
***
ومنذ تلك الحادثة ، تغيّرت علاقة الجاريّن اللذين صارا يتحدّثان مطوّلاً .. حتى انها دعته للغداء اكثر من مرة
ومع اقتراب نهاية العطلة الصيفية ، أخبر الإبن والدته عن قراره بالتخلّي عن منحته الدراسية لأجلها.. لكنها أصرّت على عدم تفويته الفرصة الذهبية
- وكيف يا امي سأتركك وحدك ؟!
وهنا ، أخرج الجار خاتماً ذهبياً من جيبه..
ثم التفت إلى جارته ، وهو يقول :
- سامحيني ، فصحتي لا تسمح بالجثو على ركبتي .. فهذا الخاتم اشتريته قبل 15 عاماً ، بعد انتهاء عزاء زوجك.. لكنك لم تسمحي لي يوماً بالإقتراب منك..فهل توافقين الآن على إكمال حياتنا معاً؟ .. يعني .. إن لم يكن لأجلي ، فمن اجل راحة بال ابنك .. دعيه يسافر ويكمل تعليمه ، وهو مطمئن على اهتمامنا ببعضنا لآخر عمرنا .. ما رأيك عزيزتي ؟
فتردّدت العجوز بالإجابة ، قبل ان تقول :
- الأيام الماضية التي قضيتها وحدي في المنزل ، اثناء امتحانات ابني.. جعلتني أدرك بأن الوحدة اصعب من كلام الناس ولومهم المحرج
ثم ابتسمت له :
- انت جاري منذ سنواتٍ طويلة ، ولم تعد غريباً عني.. ولهذا اوافق على طلبك
***
بعد عقد زواجهما في المحكمة .. ودّعهما الإبن قبل ذهابه للمطار ، لإكمال دراسته بالخارج
***
بعد شهور ، وصلته رسالة من جاره .. مُرفقة بتقريرٍ طبي عن والدته : تؤكّد تحسّن صحتها بشكلٍ ملحوظ بعد انتظامها على ادويتها ، واهتمام زوجها بها .. والذي نجح بإخراجها من سنوات الوحدة الطويلة ، مما انعكس إيجاباً على حالتها النفسية والجسدية..
ففهم الشاب ان ابتعاده عنها ، كان خيراً لها .. وأن الدخيل الطيب لم يكن الرجل الذي بعثر اغراضها دون اذنها ، بل هو من اعاد لها الحياة !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق