الثلاثاء، 30 مارس 2021

فيديو لقصة (كيف اهرب من هذا الجحيم)

 

قام الأستاذ (أحمد العبدلي) مشكوراً بتحويل قصتي (كيف أهرب من هذا الجحيم ؟) من ثلاث اجزاء ، الى فيديوهين يوتيوب .. هذا هو الجزء الأول من القصة .. أتمنى أن تعجبكم



الرابط :


الاثنين، 29 مارس 2021

خراب البيوت

تأليف : امل شانوحة

وسّوسة الأهل


في إحدى القرى الريفيّة .. عاش وليد مع زوجته الثانية (مرام) بانسجامٍ ووفاق .. ورغم إنجاب زوجته ابنها الثالث ، بالإضافة لرعايتها ولديّ زوجها من طليقته ..الا أن الحماة وابنتيها تصرّان على تطليقها ، مع انها تعاملهنّ جيداً ! ربما لأن وليد هو الإبن الوحيد ومدلّل أمه الأرملة ، والأخ الأصغر لأختين إحداهنّ مطلّقة والأخرى عانس .. 

وبعد ضغطٍ شديد من الأهل ، وافق وليد على طلبهنّ .. 


وفور إرساله زوجته الى اهلها في القرية المجاورة ، أسرعت امه وابنتيها بالسكن عنده ..حيث قمنّ بتدليله والإهتمام بمنزله وأولاده الخمسة بكل حماسٍ وسعادة ، بعد نجاح خطتهنّ !

***


وفي ظهر أحد الأيام .. دخل وليد الى المطبخ ليطلب من امه تحضير الغداء لأصحابه القادمين بعد ساعتين..

امه معاتبة : لما لم تخبرني بالعزيمة البارحة ؟!

- حصل الأمر صدفة .. دعي اخواتي تساعدنك ، ستجدين كل الأغراض في الثلاجة .. 

- لكن تنقصنا بعض الأشياء ! 

وليد : أكتبيها لي ، سأذهب للسوق لإحضارها


وأمضت الأم وبناتها ساعات في المطبخ وهنّ يعملنّ بجهد ، الى أن انتهت العزيمة ..وذهب الضيوف وهم يشكرون وليد على حسن الضيافة 

ونمنّ تلك الليلة متعبات من العمل الشاق

***


ولم يقتصر تعبهنّ على الطبخ فقط ، بل الإهتمام بأولاده ايضاً : فالكبير في سن 12 ، والصغير طفلاً لم يتمّ السنة .. 

ودائماً ما كان يتشاجر اولاد طليقته الأولى مع أخويهم الصغار (من زوجته الثانية) مما أتعب الجدة وهي تحاول تهدئة الوضع بينهم .. 


اما الأختان فانهمكا بتدريس الأولاد الكبار ، وترتيب المنزل كل يوم ..عدا عن ضيوف أخيهم الذي يحضرون مرتين في الأسبوع بين عزيمة غداءٍ او عشاء !


وإن اعترضنّ ، يتحجّج بأن زوجته مرام إهتمّت دائماً بضيوفه .. فترغمان على القيام بالواجب ، وهما تتأففّان من التعب 


ليس هذا فحسب ، بل اختار وليد أصعب الطبخات لعزائمه ! والتي تحتاج لثلاث ساعات على الأقل لإنهائها .. عدا عن اولاده الذين يرفضون أكل  أيّ شيء ، لذا عليهنّ طبخ اكلات إضافية للصغار ..


كما توجّب على اخته الصغرى الإستيقاظ مساءً لإدخال الأولاد الى الحمام ، بسبب تبوّلهم اللاّ إرادي ! وتنظيفها فراشهم وتحميمهم كل ليلة .. عدا عن بكاء الطفل المستمر بسبب ألم ظهور اسنانه 

***


وكأن كل هذه الأعمال المنزلية لا تكفيهنّ ! فكان عليهنّ الإهتمام ايضاً بالأرض الزراعية والزريبة التي ورثها وليد عن والده .. 


فأجبرت إحداهن على الإستيقاظ باكراً لإطعام المواشي ، بينما أشرفت الأم على العمّال اثناء سقيهم الأرض وقطف المحاصيل .. 

اما الأخت الصغرى فعليها إيصال اولاده الكبار الى المدرسة ، وإعادتهم ظهراً الى البيت .. 


وكلما إشتكين من كثرة العمل ، تنهّد امامهنّ ندماً على زوجته مرام التي قامت بكل تلك الأعمال برضا وطولة بال .. فيسارعنّ بتنفيذ طلباته ، كيّ لا يُعيدها الى عصمته !

*** 


وبعد شهرين ونصف من العمل المضني ، فاجأت الأم ابنها اثناء العشاء :

- وليد ..أعدّ زوجتك قبل انتهاء عدّتها 

ابنها بدهشة : أحقاً امي !

الأم : نعم ، تحدّثت مع أخواتك .. وفكّرنا كثيراً قبل اتخاذ هذا القرار 

الأخت الكبرى : نعم أخي ..تعبنا كثيراً في بيتك ، ولا ادري كيف قامت مرام بهذا العمل الجبّار وحدها !

الأخت الصغرى : وأنا لم يمرّ يوم دون تناولي أدوية الصداع بسبب مشاكل اولادك ومشاغبتهم المستمرّة ! كما أتعبوني بتدريسهم ، ورفضهم للطعام كل يوم 


وليد : أهذا قراركنّ النهائيّ ؟

الأم : نعم بنيّ .. مرام انسانةٌ طيبة ، ويشهد الله انها عاملتني بكل احترام ..وكانت رقيقة ومحترمة مع اخواتك .. 

ابنها : ألن تتدخلوا بيني وبينها ثانيةً ؟

الجميع : معاذ الله !!

الأخت الصغرى : بل سندعو اهي  أن يمدّها بالصحّة والعافية لتنفيذ طلباتك التي لا تنتهي ابداً


الأم : إسمع يا وليد .. غداً أوصلنا الى بيتنا ، ثم اذهب الى قريتها لتعيدها الى هنا

الأخت الصغرى بسعادة : أخيراً سنعود الى منزلنا !! لا أصدق متى أنام في سريري  

الأخت الكبرى : وأنا سأغفو كأهل الكهف ، دون ضوضاء الصغار المزعج

الأخت الصغرى : على الأقل في بيتنا نطبخ أكلات بسيطة ، بدل العزائم التي كسرت ظهرنا !


ففكّر وليد قليلاً ، قبل أن يقول : 

- موافق امي ، أنت تعرفين انني لا أعصي لك أمرا 

الأم برضا : أسعد الله قلبك يا بنيّ 

***


وبعد توصيل اهله الى بيتهنّ ، أعاد زوجته الى منزله .. ليستقبلها الأولاد بالأحضان والقبلات ..وبدورها كانت مشتاقة لهم ، خاصة لطفلها التي تركته طوال الفترة الماضية

***


وفي المساء ، في غرفة نومهما .. قال زوجها :

- اشتقت لك كثيراً يا مرام

- وانا حبيبي ، كنت خائفة أن يطول الأمر أكثر من ذلك

- كنت خطّطت مُسبقاً لإتعباهنّ قبل نهاية الشهور الثلاثة ، لكنهنّ إستسلمنّ قبل انتهاء العدة ! 

مرام : تتكلّم كأننا تطلّقنا بالفعل


وليد : إبقى الأمر سرّاً بيننا .. فأنا أقنعت الجميع إن زيارتك لأهلك ، كانت بسبب طلاقنا .. وفور قدوم اهلي الى بيتي ، أقمت عشرات العزائم لجميع اصحابي .. بعد إعطائي إجازة لعامل الزريبة ومشرف الحقل كعملٍ إضافيّ لهنّ .. لكن لا تقلقي ، إتصلت بالعمّال اليوم ليأتوا غداً صباحاً .. كما كنت اتفقت مع الأولاد على مضاعفة مشاغبتهم ومشاجراتهم طوال فترة وجودهن هنا .. كما طلبت من ابنائي الكبار ان يسكبوا الماء على فراشهم كل ليلة .. وقد تعبت اختي المسكينة بالتنظيف ورائهم .. ليتك رأيتي عينيها الناعستين وهي تستيقظ كل مساء لإدخالهم الحمام 


فضحكت زوجته : المساكين ، أشفقت عليهنّ بالفعل !

وليد : كان عليّ فعل ذلك ، فأنا أخاف إن ظلمتك أن يعاقبني الله بأمرأةٍ شريرة تقسو على اولادي .. ولأني لا استطيع إغضاب امي برفض طلبها المتكرّر بطلاقك ، فكّرت بهذه الطريقة لإفهامهنّ إنها حياتي الخاصة .. فهم طلّقوني من زوجتي الأولى ، ولن أسمح لهنّ بتدمير حياتي ثانيةً .. لهذا أشعرتهم كم انت زوجة رائعة وصبورة ، وتتحمّلين الكثير من الأعباء والمسؤوليات 


مرام : بالحقيقة مهمّتي ليست صعبة مع زوجٍ مُحبّ ، واولاد عقلاء كأولادنا الخمسة .. لكن خطتك أعجبتني ، فلأول مرة أشعر بسعادتهنّ وهنّ يهنّؤوني بالعودة لبيتي ، من خلال إتصالهنّ بي ! 

وليد : اذاً خطتنا نجحت ، والأجمل إن اختي تفكّر جدّياً بالرجوع الى طليقها ، فطلباته أقل مني بكثير على حسب رأيها .. يعني أصبنا عصفورين بحجرٍ واحد

 

وهنا دخل ابنه الكبير الى غرفتهما ، وهي يقول غاضباً :

- أخي وسّخ سريري !! وهذه المرة ليس تمثيلاً 

مرام : هآقد بدأنا 

وضحك الزوجان بسعادة .. 


الجمعة، 26 مارس 2021

تشاك الطيّار

 تأليف : امل شانوحة

 

نزهةٌ مخيفة


في منتصف الليل .. شعرت جاكلين برغبة لشراء الحلويات من البقالة الموجودة أسفل مبناها .. 

ففتحت نافذة غرفتها اولاً ، ثم جلست فوق الوسادة الحمراء المطرّزة وهي تنادي بصوتٍ مسموع :

- هيا تشاك !! خذني الى البقالة ..


فبدأت الوسادة تطفو باتجاه النافذة .. قبل تحليقها فوق الحيّ المظلم ، الخالي من أنوار الشوارع ..


وحين نظرت جاكلين للأسفل : رأت إبنة البوّاب الصغيرة تلعب في الساحة ، وسيارة تراقبها من بعيد !

فعلمت إن السائق ينوي خطفها ، فطلبت من تشاك أن يدنو منه ..


ورغم إن السائق لم يرى الوسادة الطائرة ، الا انه شعر بروحٍ ثقيلة تلاحق سيارته من جميع الأبعاد ! ففرّ هارباً من المنطقة .. بينما عادت الصغيرة الى بيتها بسلام 


جاكلين : أحسنت يا تشاك ، هآ نحن أخفناه .. (وهنا انتبهت على نور شقتها) .. ياه ! إبتعدنا كثيراً عن العمارة .. عدّ الى هناك !! فمازلت ألبس بيجامتي..


وهنا نطقت الوسادة من تحتها ، بصوتٍ رجوليّ أجشّ :

- ظننتك تريدين شراء الحلويات من السوبرماركت ؟

جاكلين : جميع المحلاّت مغلقة الآن ، فيما عدا بقالتنا الصغيرة .. وقد قاربنا على منتصف الليل ، لنذهب اليه قبل إغلاق دكّانه 


الا أن الوسادة انطلقت للأمام بسرعةٍ هائلة ! أوشكت على إيقاع جاكلين  التي تمسّكت بقوة بأطرافها القماشيّة .. مُغلقة عيناها من شدّة الرياح ، وهي تصرخ بخوف : 

- عمارتي بالخلف !! الى اين تأخذني يا مجنون ؟!


وفجأة ! توقفت الوسادة .. 

ففتحت عيناها ، لتجد نفسها امام مفترق طرق لشارعين مظلمين (دون إنارة) يفصلهما جبلٌ شاهق ! 

ولأول مرة شعرت بخوفٍ شديد ، وترجّته بصوتٍ متهدّج : 

- تشاك ارجوك ، أعدّني الى بيتي  


لكن الوسادة عادت للإنطلاق للأمام بسرعةٍ مهولة .. 

وكلما توقفا ، وجدت نفسها بمكانٍ موحشٍ أكثر (وكل ذلك حدث في تلك اللية الطويلة الباردة !) 


فمرة أوقفها تشاك فوق صحراءٍ قافرة مظلمة .. والمرة الثانية : توغلا في أعماق غابةٍ مهملة ، وأصوات الحيوانات والحشرات تحاول الهجوم على وسادتها .. وفي الثالثة : كانا فوق محيطٍ هائج ..والرابعة : في القطب الشمالي ، حتى أوشكت الموت برداً ..

فقال لها ساخراً : 

- لا تقلقي عزيزتي ، سأدفئك في الحال 


وانتقل سريعاً فوق فوهة بركان ، لتشعر جاكلين بالسخونة الحارقة اثناء سيرهما فوق شلاّلات من الحممّ النارية .. 

وما أن بدأت تسعل بقوة ، بسبب الأدخنة المنتشرة هناك .. حتى انطلقت الوسادة لمكانٍ أشدّ رعباً ، لتقف فوق مستنقعٍ لا يضيئه سوى أعين التماسيح الحمراء في الأسفل .. وبدأ يهبط ببطء نحوهم ، وجاكلين تصرخ باكية :

- تشاك ارجوك !! إبعدني عن تلك الوحوش 


فعاد للإرتفاع الى السماء .. فعاتبته غاضبة : 

- تشاك ايها اللعين !! كنّا اتفقنا على تنفذيك اوامري ، في مقابل إعارتك روحي للظهور كبشريّ والخروج من سجنك داخل الوسادة ، فماذا تغيّر اليوم ؟!! 

- هذا صحيح .. لكنك تبخلين عليّ بذلك ، وتكثرين طلباتك بزيارة أجمل الأماكن السياحية في العالم .. وبدوري حملتك فوق ظهري رغم ثقل وزنك ، وأخذتك الى فرنسا وايطاليا واميركا واليونان وتركيا وغيرها .. واليوم قرّرت أن أريك الجانب المظلم من عالمك  ..ومازال هناك مكانٌ أخير اريد زيارته معك 

جاكلين بخوف : لا تشاك ارجوك !


وأخذها لأكبر مقبرة بشريّة مهجورة ، مُنطلقاً على ارتفاعٍ منخفض حيث بإمكانها ملامسة الشواهد المتكسّرة .. 

فصرخت باكية :

- فهمت فهمت !! لن أطلب منك شيئاً بعد اليوم ، ارجوك أعدّني الى بيتي 

- لا ، مازال هناك مكانٌ رائع لم تريه الا في نشرات الأخبار


وانطلق كالصاروخ نحو السماء .. في الوقت الذي تحاول فيه التمسّك بكل قوتها بأطراف الوسادة ، بينما قدميها يحلّقان بالهواء الذي ازداد برودة كلما صعدا الى فوق .. 

وفجأة ! شعرت بجسمها يطفو بخفّة ، كأن لا جاذبية حولها 


فقال لها تشاك :

- إفتحي عينيك ، وانظري لجمال المنظر  

فرأت الكرة الأرضية اسفل منها !

جاكلين بخوف : يا الهي ! أأخرجتني من الدنيا ؟! 


تشاك : نعم عزيزتي .. (ثم تنهّد بضيق) .. أتدرين إن اجدادي القدامى كانوا يتنقلون بين السماء والأرض لاستراق السمع من الملائكة وإبلاغ المشعوذين بها .. لكن المهمّة أصبحت مستحيلة بعد ترصّدهم لنا بالشهب كلما اقتربنا من الجنة .. لهذا لن أرتفع اكثر .. فقط أردّت إختصار طلباتك .. فبدل أن آخذك برحلاتٍ سياحية حول العالم ، هآ انا اريك الأرض بأكملها .. يمكنك الإستمتاع برؤيتها قدر ما تشائين 


جاكلين : حسناً !! فهمت الدرس 

- إسمعيني جيداً .. لم أنسى فضلك بإخراجي من تلك الخرابة ، عقب فكّك السلاسل حول الوسادة التي سُجنت بها لقرون ..وكنت أخبرتك بأن رئيس الجن حكم بذلك ، بسبب طموحي الشاذّ بالتحوّل الى بشري مثلكم .. لكنك لم توفّي وعدك ، وأعرتني روحك لبضعة ساعاتٍ فقط ، خلال السنتين الماضيتين !


جاكلين : لأني شعرت بسكرات الموت بعد أخذك روحي ، وهذا أخافني جداً .. لكني أعدك أن أجدّد شروط إتفاقنا على ساعات تحرّرك ، ولن أضايقك بكثرة طلباتي بعد اليوم 

- وعد يا جاكلين !!

- أحلف بذلك يا تشاك 

- اذاً تمسّكي جيداً ، واغمضي عينيك .. سنعود سريعاً من حيث انطلقنا


وهبطت الوسادة باتجاه الكرة الأرضية .. وأغميّ على جاكلين من قلّة الأكسجين ..


وحين فتحت عيناها ، وجدت نفسها فوق سرير غرفتها ..

واول ما فعلته : هو أنها حملت الوسادة الحمراء بغضب ، متوجّهة نحو النافذة .. وهي تصرخ بعصبية :

- لا اريدك بحياتي بعد اليوم ايها اللعين ، كدّت تقتلني !!

تشاك بفزع : ماذا تفعلين يا جاكلين ؟! هذا ليس اتفاقنا 


جاكلين بعصبية : لم أعدّ أثق بك ، بعد تصرّفك الأرعن هذه الليلة!! 

- كنت أريك فقط الوجه الآخر لعالمكم !

- وتركت كل المناطق الرائعة ، لتأخذني لأرعب الأماكن ! الأفضل أن أتخلّص منك ، وأريح رأسي من همّك

تشاك : لحظة ! الا تريدين رؤية ملاهي والت ديزني ؟ سنصل هناك في الصباح 


فأخذت تفكّر قليلاً ، قبل أن تقول : 

- والت ديزني ! كيف لم تخطر في بالي من قبل ؟! .. حسناً خذني الى هناك ، لكنها آخر رحلة بيننا ..

- كما تشائين عزيزتي .. إجلسي فوق الوسادة ، واغمضي عينيك 


وحين شعرت إنها على وشك الخروج من نافذة غرفتها ، قالت بحماسٍ وغرور :

- هيا حلّق بي الى مدينة الأحلام ، يا عبدي المطيع !! 

- آسف جاكلين ، هذه المرة ستطيرين للأسفل


وألقى بالوسادة الى أسفل المبنى ، لتسقط جاكلين بقوة من الطابق الثالث !


واثناء احتضارها في بركة من دمائها ، خرج تشاك من الوسادة الحمراء وقد تحوّل لرجلٍ ضخم ! إقترب منها قائلاً : 

- إستعبدّتني لسنتين !! انت اسوء من الجن الذين حكموني بالسجن .. لذا قرّرت أنني لن أتذلّل لاستعارة روحك بضعة ساعاتٍ قليلة ، بل سأستولي على روحك للأبد !! وبذلك أستردّ حريتي خارج الوسادة النتنة 


جاكلين وهي ترتجف بقوة : تشاك ساعدني ارجوك ، لا يمكنني التنفّس

فاقترب من وجهها ، وهو يهمس بلؤم : 

- اذاً لا تتنفّسي مطلقاً


وقبل ابتعاده عنها ، تفاجأ بها تمسك قدمه ! جعلته يتعثّر بقوة ، ويسقط على وجهه .. ليتفاجىء بأنفه ينزف بغزارة ! وهي المرة الأولى التي يشعر فيها بالألم بعد تحوّله لبشريّ .. مما أغضبه جداً!! 


وفي ثوانيٍ ، عاد لهيئته القديمة : كماردٍ اسود مخيف بجناحين عملاقين ، وهو يصرخ غاضباً :

- يا حقيرة !! تعاملينني كعبد وانا المارد الطيّار الذي يهابه جميع الجن


وكان رؤيتها له بهيئته الحقيقية لأول مرة ، كافياً لإيقاف قلبها الذي يعاني من نزيفٍ داخلي بعد سقطتها العنيفة .. ففارقت الحياة على الفور !

  

بعد قليل .. سمع تشاك خطوات أناسٍ تركض باتجاه الجثة ، بعد سماعهم صراخه المخيف الذي أيقظهم في هذا الصباح الباكر .. 

فحلّق مُسرعاً نحو السماء ، بعد تخلّصه من سلطة جاكلين عليه طوال الفترة الماضية !  

***


بعد شهرين ، وفي حفلةٍ صاخبة .. إقترب رجلٌ وسيم من سيدةٍ مخمورة قائلاً :

- مارأيك لوّ نتفق على شيء ؟

- ماهو ؟

- علمت مؤخّراً إن ارواح البشر تنتهي صلاحيتها سريعاً .. ولأني لا اريد العودة كشبحٍ هلاميّ ، عليّ الإستيلاء على روحك مقابل خدماتي لك


فضحكت المرأة وهي ترفع كأسها : 

- هل انت كاتب او شاعر ؟ فكلامك غريب .. (وشربت قليلاً) ..دعني أعرّفك بنفسي ، اسمي ديانا .. وأنت ؟

- تشاك الطيّار

المراة بدهشة : طيّار !

- نعم ، يمكنني أخذك لأيّ مكانٍ تريدينه حول العالم

- وانا أعشق السفر 

- اذاً تعالي معي 

***


بعد خروجهما من البار ، سألته :

- اين سيارتك ؟

- هناك

فوجدت وسادة حمراء فوق الدرج ، فضحكت ساخرة :

- هل تنام فوقها كالقطة ؟

تشاك : إجلسي فوقها ، وسأحملك أين ما شئت

المرأة : أخاف أن يضحك الناس علينا 

- لا تقلقي ، لن يراك احد طالما انت برفقتي

- يبدو انني سكرت كثيراً ، فلا أفهم كلمة مما تقوله ! ومع ذلك سأنفّذ طلبك


وبعد جلوسها فوق الوسادة المطرّزة ، قال لها بابتسامةٍ خبيثة :  

- تمسّكي جيداً عزيزتي


ثم تحوّل تشاك الى دخانٍ كثيف ، إمتصّته الوسادة لداخلها .. لتبدأ بالإرتفاع عن الأرض ، قبل تحليقهما بعيداً نحو مصيرٍ مجهول .. والذي سيتكرّر حتماً مع سيدات أخريات ، كلما انتهت صلاحية روحهنّ المسلوبة ..وذلك لتحقيق حلمه الأبدي بالتحوّل لبشريّ طبيعيّ ، رغم احتفاظ تشاك بأفكار الجن الخبيثة التي تبشّر بجرائمٍ مستقبلية ستدوم طويلاً !

الثلاثاء، 23 مارس 2021

شطرنج شيطاني

 تأليف : امل شانوحة

كشّ ملك


في تسعينات القرن الماضي ، وفي إحدى القرى الأجنبية الهادئة .. أهدى الحفيد لعبة شطرنج لجده في عيد الميلاد ، قائلاً له :

- أعرف إن لديك شطرنج مصنوعة يدويّاً .. لكن هذه اللعبة الجديدة إكتسحت الأسواق ، يمكنك اللعب بها منفرداً مع الكمبيوتر .. وستكون مُحترفاً يا جدي إن ربحت عليه 


وفور تعلّم الجد طريقة اللعب ، إنغمس في المباراة .. تاركاً أحفاده الخمسة مشغولين بفتح هداياهم مع اهاليهم ..


وكان من وقتٍ لآخر يصدر الكمبيوتر صوتاً ، مُعلناً خطوته التالية 


الى أن سمعوا لحن الموت (كالرسوم المتحرّكة) مع عبارة :

((كشّ ملك))


فالتفتوا الى الجدّ الذي انحنى فجأة فوق اللعبة !

وضحك الصغار ظنّاً انه يمثّل الموت بعد خسارته المباراة ، لكنه لم يتحرّك بعدها !


فاقترب ابنه الشاب ، لهزّ كتفه بقلق :

- ابي ! هل انت بخير ؟

وحين رفع رأسه ، وجده مزّرقاً دون تنفّس ! 

فأسرعوا بنقله للطوارىء ، لكنه توفيّ تلك الليلة !  


وأظهر التشريح : إن موته المفاجىء بسبب توقف بطارية قلبه ! فاعتقدوا إن اندماجه الشديد باللعبة وتّر أعصابه ، وأثّر سلباً على نبضات قلبه 


فشعر الحفيد بالّلوم لشرائه الهدية لجده .. وواساه والداه أنه مات سعيداً اثناء إندماجه بلعبته المفضّلة

***


مع بداية العام الجديد .. أوقف البائع عربته المليئة بالألعاب قرب القهوة التي إجتمع فيها الرجال حول العجوز الخبير بالمواضيع السياسية .. 


وبعد إنهاء خطبته الحماسيّة ، عاد كلاً الى طاولته .. 

فاقترب منه البائع ليسأله :

- سيدي ، أتريد لعبة لأحفادك ؟


العجوز : ابني الوحيد يعيش في اميركا مع عائلته 

- قبل قليل إستمعت الى حديثك المشوّق .. ورجلٌ مثقفٌ مثلك ، يهوى حتماً ألعاب الذكاء كالشطرنج

- الا تفهم !! قلت أعيش وحدي ، فمع من سألعب الشطرنج ؟

البائع مبتسماً : يبدو لم تسمع بهذه اللعبة المتطوّرة 


ووضعها بين يديه ، شارحاً كيفية عملها .. فأعجب العجوز باللعبة ! خاصة إن سعرها مقبول ، واشتراها على الفور

***


بعد اسبوع ، في المقهى .. تساءل اصدقاء العجوز عن اختفائه المفاجىء .. وأرسلوا أحدهم الى منزله ، الذي اشتمّ رائحةً سيئة تفوح من الشقة ! 

فاتصل بالشرطة لاقتحام بيته .. ووجدوه ميتاً في سريره ، ولعبة الشطرنج بجانبه ! 


ولم يكترث أحد بطريقة موته ، ظنّاً أن عمره انتهى .. وقاموا بدفنه بجنازةٍ إقتصرت على الأقارب والأصدقاء المقرّبين منه

***


في إحدى المدارس ، أقيمت مسابقة شطرنج لطلاّب القرية .. وبعد تفوّق أذكاهم على منافسيه الصغار ، تحدّاه المدير للفوز على شطرنج الكمبيوتر  

وراقب الطلاّب في المسرح ، الطالب الذكي وهو ينافس تحرّكات الكمبيوتر المدروسة .. 


وحين أوشك على الفوز ، شعر بدوارٍ مفاجىء ! 

فضحك التلاميذ عليه ، ظنّاً بادّعائه المرض للهرب من الخسارة.. 

لكن بعد رؤيتهم الدماء تخرج من أنفه وفمه بغزارة ! ضجّ المسرح بصراخهم .. وأسرع المعلّم بنقله الى المستشفى ، وهو فاقد الوعيّ


وقد شُفيّ بعد عمليةٍ جراحيةٍ عاجلة ، لإغلاق ثقبٍ صغير في شريان قلبه (رغم صغر سنّه) .. ورجّح الطبيب أن يكون عيباً خلقيّاً منذ الولادة .. 

وعاد لمنزله ، بعد تناسي الجميع موضوع المباراة

***


عقب إنفصال طبيب القرية عن خطيبته ، أهداه أخوه المهندس لعبة الشطرنج الإلكترونية ليتسلّى بها ..


وفي عطلة نهاية الإسبوع ، شعر الطبيب بالضيق بعد إسترجاعه الذكريات مع حبيبته التي انفصلت عنه مؤخراً .. 

ولكيّ لا يغرق في احزانه ، أخذ يلعب بها في الصالة .. 


وبعد تعدّيه المرحلة الرابعة ، شعر بصداعٍ في رأسه ! الذي ازداد كلما انتقل لمرحلةٍ أقوى 

ولم يُوقف اللعب الا بعد سماعه رنين (البيجر) الخاص بالمستشفى ، الذي لم يظهر فيه رقم المتصل ! وتكرّر الأمر كلما استأنف اللعب 

 

كما لاحظ تشوّش التلفاز المزعج ، الذي يعود سليماً فور إطفائه اللعبة ! فعرف إن هناك إشعاعات قوية تخرج من الشطرنج .. فقرّر إيقاف مباراته الحماسيّة مع الكمبيوتر رغم قربه من الفوز ..


وتناسى الموضوع لعدة أسابيع بعد انشغاله بموت شخصيات مهمّة في قريته دون سببٍ مقنع ، وبأعمارٍ متفاوتة !


وبسبب تزايد عدد الوفيّات ، إنتشرت إشاعةٌ قوية بين القرويين بسبب مقوّلة بائع الألعاب لأحد الأطفال : حيث أخبره أن الشيطان إخترع اللعبة الإلكترونية بنفسه .. ومن يقترب من الفوز ، يقتله على الفور !


وأول المصدّقين بالإشاعة : هو طالب المدرسة الذي تذكّر الهلوسات التي هاجمت مخيّلته بعد تعدّيه المراحل الأولى في اللعبة ، وأخبر اصدقائه بذلك .. وبدورهم نقلوا مخاوفه لأهاليهم الذين فضّلوا كسر اللعبة لحماية ابنائهم من أذيّة الشياطين ! 


في المقابل تسبّبت الإشاعة بإشعال روح المغامرة لدى الشباب الذين تدافعوا لشراء اللعبة ، رغم ارتفاع سعرها بشكلٍ خيالي ! 

واضّطروا لشرائها من منزل البائع المتجوّل ليلاً ، بعيداً عن أنظار أهاليهم الصارمين بشأنها .. وأخذوا يتبارون سرّاً بينهم ، مُتراهنين على الفوز ضدّ الشيطان ! 


ولم ينفضح أمر الشباب الا بعد موت أذكاهم الذي كان يبعد خطوتين عن فوزه على الكمبيوتر ، او منافسه الشيطان كما يعتقدون !

 

ووصلت شكاوي الأهالي الى رئيس البلدية الذين طالبوه بسحب اللعبة من الأسواق فوراً .. لكنه لم يصدّق الخرافة ، واكتفى بالقول : إن الإشاعة نشرها الخاسرون باللعبة ، اما الفائزون فماتوا لأسبابٍ صحيّة فقط

***  


وفي إحدى الأيام .. واثناء مرور الطبيب بأحياء القرية ، سمع مراهقاً يتفاخر امام صاحبه بفوزه البارحة على شطرنج الشيطان 

فردّ صاحبه ساخراً : كاذب !! لوّ إنك ربحت ، لكنت ميتاً الآن ..

فاستغرب الطبيب من كلامه !

 

ثم مرّ بجانب رجلين يتكلّمان خارج القهوة ، قال أحدهما :

- ابي ايضاً توفيّ مباشرةً بعد لعبه شطرنج الكمبيوتر ! وهآ انت تخبرني إن العجوز الذي كنت آتي الى هنا لسماع آرائه السياسية ، توفي بجانب اللعبة ذاتها !

الرجل الآخر : مجرّد صدفة ، فاللعبة موجودة حالياً في كل منزل .. لكنها لم تقتل الجميع 

 

وهنا تذكّر الطبيب الإشعاعات القوية الصادرة من اللعبة ! وعاد سريعاً الى بيته ، لأخذها الى محل أخيه (مهندس الكهربائي) ..


وهناك أخبره المشكلة .. فقام المهندس بإزالة البراغي ، ورؤية اللعبة من الداخل : ليلاحظ رقاقةً تُستخدم عادةً لإصدار ذبذباتٍ قوية في أجراس الإنذار .. لكنها غير موصولة بسمّاعة اللعبة ، لذلك تؤثّر فقط على اللاعب القريب منها .. وهي من تسبّبت في تشويش التلفاز والبيجر كما بطارية قلب العجوز ، والرجل السياسي الذي أجرى سابقاً عملية دقيقة في دماغه .. كما أثّرت على الطالب المُصاب بفقر الدم ، وأدّت لثقبٍ في قلبه ! 


فطلب الطبيب من أخيه إخفاء تلك المعلومات ، لحين تأكّده من الفاعل ..

وذهب للسؤال عن اللعبة في محليّ الألعاب الوحيدين في القرية .. فأخبراه إنها لا تتواجد الا عند البائع المتجوّل ، رغم سعرها المرتفع! 

فأخذ يراقبه وهو يبيع اللعبة بالخفاء للشباب المتحمّسين لمنافسة ذكاء الشيطان ودهائه ..

***


بحلول المساء .. أوقف البائع عربته خارج كوخه الخشبي ، بعد إدخاله بقيّة الألعاب الى منزله.. 

ثم أقفل بابه من الخارج ، ومشى في طريقٍ فرعيّ .. 

فلحقه الطبيب وهو يراقبه عن بعد ، الى ان دخل مكتب رئيس البلدية!


فاختبأ الطبيب خلف الشجرة ، للإستماع الى ما يقولانه من النافذة المفتوحة 

حيث سأله رئيس البلدية : كم لعبة بعت اليوم ؟

البائع المتجول بسعادة : جميعها !!

- ممتاز !! وكم بقيّ لديك ؟

- لعبتان فقط .. عليك إحضار المزيد من المدينة ، ولا تنسى الرقاقات القاتلة لإضيفها لشريحتها الإلكترونية 


رئيس البلدية : لا !! سنتوقف هذه الفترة ، كيّ لا نثير شكوك الشرطة.. كما إنني حققت مرادي بموت أذكى عشرة أشخاص من أهل قريتي .. اما البقيّة فلم يتعدّوا المرحلة الرابعة في اللعبة ، وهذا يدلّ على غبائهم ..وهؤلاء لا يشكّلون تهديداً لمستقبلي المهني 

البائع : هل مازلت تنوي الترشّح للمجلس النيابيّ بعد شهر ؟

- بالطبع !! فأنا دفعت اموالاً كثيرة لشراء تلك اللعبة السخيفة ، على أمل أن تحقّق حلم حياتي 


البائع : انت بالفعل داهية .. فموت اذكياء القرية والمهتمّين بالسياسة ، سيسهّل عليك إغراء القرويين التافهين لانتخابك .. اذاً لم أكذب حين نشرت الإشاعة بأنهم يلاعبون الشيطان ، ايها الماكر

رئيس البلدية : إخفض صوتك !! فكلانا مُشترك بهذه الجريمة ، ووقوع أحدنا يعني انتهاء الآخر .. فكنّ حريصاً  


وهكذا فهم الطبيب الخطة المدبّرة التي نقلها لأخيه المهندس الذي سارع بدوره لتنبيه كبير القرية على حقيقة ما حصل ، والذي أصدر أمراً سريعاً بالقبض على رئيس البلدية وبائع الألعاب المتجوّل (الذي قدِمَ حديثاً الى قريتهم) لمحاكمتهما امام الجميع

***


وبالفعل زجّا في سجن التوقيف ليلاً ، دون إخبارهما بالتهمة الموجّهة اليهما! 


وفي صباح اليوم التالي .. جُمع اهالي القرية في السّاحة ، لسماع ما قاله المهندس عن التردّدات العالية للرقاقة المدسوسة في اللعبة .. كما شرح أخوه الطبيب ضررها على الدماغ ونبضات القلب ، خاصة على كبار وصغار السن 


ثم قال كبيرهم :

- كما سمعتم !! رئيس بلديتنا تآمر مع مساعده بائع الألعاب لنشر إشاعة (لعبة الشيطان) لقتل أذكيائنا والمهتمّين بالسياسة .. وبعد خسارتنا العديد منهم ، أبلغت شرطة المدينة بجريمتهما .. فأرسلوا دوريّة ، هي في طريقها الينا لاقتيادهما الى السجن المركزي..


وبعد ساعة.. تجمّع الناس حول المجرمين اثناء وضعهما بسيارة الشرطة ، وهم يرمون عليهما البيض والخضراوات العفنة ، ويطلقون الشتائم الغاضبة لما فعلاه بأذكيائهم العشرة الذين قتلوا غدرا ..


ولم يهدأ الوضع الا بعد خروج سيارة الشرطة من القرية ، متوجهة لمحاكمة المجرمين في قضاء المدينة

*** 


ولاحقاً صدر الحكم بالسجن عشرين سنة على بائع الألعاب الذي أضاف الرقاقة القاتلة الى الشطرنج قبل بيعها .. والسجن ثلاثين سنة لرئيس البلدية صاحب الفكرة الخبيثة التي أودت بحياة 10 اشخاص ابرياء .. 

***


بعد ثلاثة أشهر قضياها في السجن ، حصل رئيس البلدية على زيارته الأولى ..

وجلس امام الزجاج العازل ، رافعاً السمّاعة للحديث مع الرجل الغامض في الجهة المقابلة .. وبادر هو بالسؤال :

- من انت ؟ ومن أرسلك ؟


فأجابه الرجل ببذلته الرسمية : 

- لا علاقة لي بأهل قريتك  .. بالحقيقية ، مسؤولٌ مهم في الدولة أرسلني اليك

رئيس البلدية باستغراب : من هو ؟ ولما انا بالذات ؟!

- ستتعرّف عليه لاحقاً .. هو سمع بقضيتك ، وأعجبته فكرتك الجهنمية للقضاء على الأشخاص الذين تسبّبوا بخسارتك في الإنتخابات لثلاث مراتٍ متتالية 

- عليهم اللعنة !! لم يرضيهم شيء .. ليتني قضيت ايضاً على الطبيب وأخيه المهندس ، لأصبحت الآن نائباً في الدولة


الرجل : سنوظّفك برتبةٍ أعلى ، لكنها سرّية كيّ لا تثير الشبهات 

- ماذا تقصد بالسرّية ؟!

- يعني ستعمل معنا في المخابرات الدولية .. فنحن نرغب بالإستفادة من دهائك ومكرك للنيل من أعدائنا داخل وخارج الدولة  


رئيس البلدية بسعادة : أحقاً ! هذا أكثر مما طمحت اليه .. ماذا عن مساعدي..

الرجل مقاطعاً : تقصد بائع الألعاب المتجوّل ؟

- نعم ، هل سيخرج من السجن ايضاً ؟

- هو رجلٌ فقير ، قام بتنفيذ اوامرك فقط .. ونحن لا نريد أتباعاً ، بل مفكّرين محترفين مثلك .. لهذا إنسى امره ، ودعه يتعفّن بالسجن .. اما انت !! فعليك تجهيز نفسك للذهاب معي ، فالرئيس بانتظارك


رجل البلدية بحماس : رئيس البلاد !!

- ليس لهذه الدرجة ، بل رئيس المخابرات .. وفي حال أتحفتنا بخططك الإجرامية ، ربما تصل يوماً لرئاسة البلاد ، من يدري ؟!

رئيس للبلدية بفخر : لا تقلق سيدي ، لديّ الكثير من الخطط الماكرة

- ورئيسي متشوّق لسماع أفكارك .. هيا اذهب ورتّب أغراضك ، سأنتظرك خارج السجن 

***


وبعد سنوات .. وفي الوقت الذي عانى فيه بائع الألعاب الفقير من تنمّر المساجين ، كان رئيس البلدية غارقاً بالنعم بعد حصوله على رضى رؤسائه الذي خلّصهم من أعدائهم الواحد تلوّ الآخر بخططه الخبيثة ، الى أن لُقّب : بالعميل الشيطانيّ ! 

***


حالياً هو المرشّح الأقوى لرئاسة البلاد بعد تزوير هويّته وقيامه بعدة عمليات تجميلية جعلته شخصاً لا يمكن التعرّف عليه ، حتى من أهالي قريته الذين دعموه بقوة في الإنتخابات الجارية ، كما تمنّى طوال حياته ! 


الاثنين، 22 مارس 2021

الجمعة، 19 مارس 2021

الأستاذ المُتهم

 تأليف : امل شانوحة

عثرات الحياة


جلس الأستاذ الكيميائيّ جون (الرجل الأربعيني) متوتّراً في غرفة الإدارة ، بانتظار انتهاء المديرة من عدّ المال في خزنتها ، لتقول مُعتذرة : 

- آسفة جون ، ليس لدينا اموال زيادة تصلح كسلفة هذا الشهر ..الشيء الوحيد الذي يمكنني فعله ، هو تسليمك راتبك باكراً .. فالمعلمون ينتظرون إستلام أجورهم بعد يومين ، وجميعهم لديهم إلتزامات ومستحقّات مالية


جون بقلق : لكن ابني يحتاج لعمليةٍ عاجلة ، فهو لديه نزيفٌ داخلي بعد أن صدمته سيارة .. وزوجتي في المشفى تنتظرني لإحضار النقود ..أعدك أن أردّهم قريباً 

- اذاً عليك إستئذان زملائك لخصم جزءاً من رواتبهم

جون بعصبية : ليس لديّ الوقت لذلك !!


وهنا اتصلت زوجته لتخبره أن ابنه بحاجة لكيس دم ، وأن دمها لم يناسبه .. فأخبرها انه قادمٌ فوراً ..


وبعد إصرار المديرة على الرفض ، فقد أعصابه بشكلٍ هستيريّ .. وهجم نحو الخزنة ، لوضع المال في حقيبته .. بعد دفعه كرسيها للخلف بعنف ، دون إنتباهه بأن رأسها إرتطمّ بحافّة الطاولة إِثر وقوعها المفاجىء على الأرض !


وأسرع نحو الباب وهو يعتذر منها :

- أحلف أنني سأعيدهم بأقرب وقتٍ ممكن ، لكني سأنقذ ابني مهما كلّفني الأمر !!


وخرج من الغرفة دون رؤية الولد الواقف هناك ، الذي كان الشاهد الوحيد على الحادثة !

***


في المستشفى .. وقبل دفعه الفواتير ، تبّرع بالدم لإبنه .. الا أن النتيجة كانت صادمة ! بعد أن أخبرته الممرّضة :

- قلت لكما إننا بحاجة لوالده الحقيقي ، فزمرة دم الصبي نادرة  

جون : انا والده ! وتبرّعت قبل قليل


فنظرت الى زوجته التي ظهر عليها الإرتباك ، ثم قالت له :

- يبدو زوجتك تريد إخبارك بشيءٍ مهم ! سأترككما بمفردكما لحين تحضير الولد للعملية الجراحية 


وبعد ذهابها ، سألها جون عمّا قصدته .. 

فأخبرته بتردّد أن جيم ليس ابنه ، وانها خانته بعد تعرّضه لحروق في جسمه عقب إنفجار انبوبة الإختبار بمعمل الكيمياء بمدرسته المتوسطة 

جون غاضباً : كنت بين الحياة والموت ! ولم تستطيعي إنتظاري ثلاثة اشهر لأشفى !! وخنتني ونحن مازلنا عرسان جدّد 


وقبل أن تجيبه ، سمعا الدكتور ينادي الممرضة لإحضار جهاز الصعقات الكهربائية الى غرفة الصغير .. 


وتسمّر الوالدان امام النافذة وهما يريان ابنهما يصارع الموت ، الى أن ارتفع رنين جهاز القلب بشكلٍ متواصل ، مُعلناً وفاته ! 

لتنهار الأم باكية على الأرض .. في الوقت الذي تجمّد فيه جون بضعة دقائق ، قبل رميه خاتم زواجه باتجاهها وهو يقول بقهر : 

- لا تعرفين ما فعلته لأجل ابنك 


زوجته بصدمة : جون ارجوك ، لا تتركني وحدي بهذه المصيبة !

- إنتهى الرابط الذي كان يجمعنا ، فليذهب كلاً في طريقه 

وخرج من المستشفى وهو مازال مذهولاً مما حصل !

*** 


وظلّ متماسكاً الى أن توقف عند إشارة المرور ، لينهار باكياً وهو يتذكّر السنوات العشر التي عاشها مع جيم الصغير .. ورغم إكتشافه إنه ليس ابنه الحقيقي ، لكنه شعر بألمٍ شديد لفقدانه ..

ولم يعد للواقع الا بعد سماعه ابواق السيارات خلفه ، بعد تحوّل ضوء الإشارة للون الأخضر .. 


واثناء توجّهه لمنزله ، رأى طلّاباً يقطعون الشارع .. فتذكّر حقيبة المال التي مازالت معه ، وأدرك تصرّفه الشنيع مع مديرته ! 

فأسرع نحو مدرسته لإعادة ما سرقه قبل إبلاغها الشرطة ، او إخبارها زملائه بما فعل .. 

***


حين وصل هناك ، شاهد التلاميذ في الخارج .. فسأل أحدهم عن سبب إنصرافهم المبكّر من المدرسة ! 

فأجابه الطالب :

- الشرطة بالداخل تحققّ بجريمة سرقة رواتب المعلمين ومقتل المديرة

ووقع الخبر عليه كالصاعقة :

- المديرة قُتلت ؟!

الطالب : نعم ، يبدو أن السارق كسر جمّجمتها بشيءٍ حادّ


فعاد الى ذاكرته صوت إرتطام المديرة القويّ بالأرض ، الذي ظنّه صوت وقوع الكرسي فقط !

وما أن رأى الشرطة تخرج من باب المدرسة ، حتى أسرع بالهرب 


وأمضى جون نهاره في منزله ، متوقعاً وصول المحققّ بأيّةِ لحظة لاستجوابه عن جريمته .. 

***


بحلول المساء .. إتصل بسكرتيرة المديرة التي مازالت منصدمة مما حصل ، قائلة بحزن :

- كنت سأتصل بك بعد قليل ، لتعزيتك بوفاة ابنك الصغير 

فكتم جون قهره قائلاً :

- موت عزيزين في يومٍ واحد ، انها لصدمةٍ كبيرة بالفعل !

السكرتيرة : معك حق .. الجميع يشعر بالضيق والغضب

- الم تعرفوا الجاني ؟

- وكيف نعرف إن كانت المديرة رحمها الله رفضت تركيب كاميرات في المدرسة ، توفيراً للمال ! .. الأسوء إن الشرطة لم تجد بصمات على الخزنة المسروقة ! وأظنها جريمةٌ مدبّرة 


جون : هل حققّت الشرطة مع المعلمين ؟

- نعم ، وجميعهم كانوا في فصولهم مع طلاّبهم .. وحين سألوني عنك ، أخبرتهم انك استأذنت صباحاً للذهاب الى المستشفى .. اما انا ، فكنت بغرفة الحضانة لإرضاع طفلي .. ولا يوجد شهود لما حصل .. وأعتقد إن أحد الآباء خطّطّ لسرقة الرواتب قبل نهاية الشهر لقهر المعلمين ، فجميعنا لدينا مصاريف مستعجلة.. أعاننا الله على هذه المصيبة


وبعد إنهائه المكالمة .. تنّفس الصعداء لإفلاته من العقوبة ، وفي نفس الوقت فكّر بطريقة لإعادة الرواتب لزملائه دون إثارة الشكوك نحوه.. لكنه بعد ساعات من التفكير المتواصل ، لم يجد الطريقة المناسبة لذلك .. وقرّر إخفاء الحقيبة في خزانته ، لحين انتهاء التحقيقات الجنائية ..


وقبل نومه ، نظر الى أصابعه وهو يقول :

- يبدو أن التجارب الكيميائية والحريق الذي تعرّضت له ، مسح جميع بصماتي ! .. (ثم تنهّد بارتياح).. رُبّ ضارةٍ نافعة


ثم فتح جواله ، ليرى عشرات المكالمات الفائتة من زوجته .. فقال بضيق:

- لن ألتقي معك الا بمحكمة الطلاق ، أيتها الخائنة 


وفي تلك الليلة .. تقلّب كثيراً في فراشه لإحساسه بالذنب ، الى أن نام مُنهكاً بعد تفكيره المتواصل بأسوء يومٍ مرّ في حياته ! 

***


ومضت اسابيع بعد تلك الحادثة ، قُيّدت فيه القضية ضدّ مجهول .. واستأنف الأساتذة عملهم مع طلاّبهم ..


وفي المختبر الكيميائيّ ، لاحظ جون تزايد مشاغبة الولد الكسول آدم (13 عام) حيث تعمّد مضايقته برفضه حلّ الواجبات ، وعدم إكتراثه بالإنذارات المتكرّرة !  


الا أن ضاق صدر جون بأفعاله .. وأخرجه من المعمل لتحدّث معه على انفراد ، بنبرةٍ حازمة :

- إن بقيت تشتّت إنتباه اصدقائك ، سترسب حتماً في مادتي !!

آدم بنبرة تحدّي : لن تستطيع فعل ذلك

- ماذا قلت ؟!

- إن ضايقتني ، سأخبر الشرطة بما فعلته بمديرتنا 


فصعق جون بما سمعه ! وسأله بصوتٍ منخفض : 

- ماذا تقصد ؟!

آدم : يوم الحادثة ، أرسلتني معلمة التاريخ الى غرفة المديرة لعدم حلّي الواجب .. وهناك رأيتك تدفعها بقوةٍ على الأرض ، وتضع المال في حقيبتك .. حتى انك مرّرت بجانبي دون أن تراني !


فأمسكه جون من ذراعيه بقوة : مجرّد وهمٌ في عقلك !! كنت بجانب ابني الذي كان يحتضرّ بالمستشفى ، الجميع يعرف ذلك 

- أأصدّقك وأكذب ما رأته عينايّ ؟ .. لكن لا تقلق ، لن أخبر احداً بما فعلته.. بشرط !!

- ماهو ؟

آدم : أن تعطيني علامات جيدة حتى نهاية السنة ، والا ستسُجّن بسببي


وعادا سويّاً الى المعمل ، والإرتباك واضحٌ على المعلم جون الذي كان يفكّر بخطة لإسكات آدم وإخافته ، دون إيذائه 

***


في ليلة نهاية الأسبوع .. شاهد آدم من نافذة غرفته رجلاً يلبس قناعاً ، ويشير بالسكين على رقبته ، كأنه يهدّده بالذبح ! 

فصرخ برعب !!! ليستقيظ رفاقه الخمسة .. 

مما فاجأ الأستاذ جون الذي لم يعلم بمبيت أصدقائه عنده ! وفرّ هارباً في جنح الظلام ! 


وفور معرفة والديّ الصبي بما حصل ، أبلغا الشرطة .. مما أجبر آدم على الإعتراف بكل شيء للمحققّ ، وعن رؤيته يد المقنّع المحترقة التي تشبه يد استاذه جون (قاتل المديرة)

***


وفي الصباح (وكما توقع جون) طرق بابه المحقّق ، بعد حصوله على إذن تفتيش منزله .. 

وقام رجلا الشرطة بالبحث في كل زواية بمنزله ، الى أن وجدا حقيبة المال التي كان أعاد إخفائها بالعلّية ..


وبعد رؤية المحقّق للرواتب المفقودة ، سأله بحنق : 

- إن كنت سرقت لأجل عملية إبنك ، فلما أخذت كل اموال الخزنة ؟! أمّ إنك خطّطت لذلك منذ البداية ؟


حينها أراد الأستاذ الإعتراف بكل شيء ، لكنه تصرّف عكس ما يمليه عقله ! حيث قام بانتشال الحقيبة من يد المحقّق بطريقةٍ عدوانية ، بعد سحبه المسدس من جيب الشرطي الذي كان بجانبه (فهو حاصل على الحزام الأسود بالفنون القتالية) 


فحاول المحقّق تهدأته ، فور تصويبه المسدس على رأس الشرطي :

- لا تتورّط أكثر سيد جون ، انت استاذ محترم بشهادة زملائك واهالي الطلاّب 

جون : لم أردّ يوماً إيذاء مديرتي ، كنت أحاول فقط إنقاذ ابني .. والآن بعد موته ، لم يعدّ يهمّني شيء .. سأنطلق برحلةٍ طويلة برفقة الشرطي .. وإن حاولتم إيقافي ، لن أتردّد بقتله !!

 

ثم وضع المسدس بظهر الشرطي كيّ لا يلفت انظار جيرانه ، وركبا سيارته منطلقين بسرعةٍ هائلة .. 

في الوقت الذي طلب فيه المحقق فرق الدعم اثناء ملاحقته السيارة من بعيد ، خوفاً من إرتكاب جون جريمةٍ ثانية ! 

***


داخل السيارة .. ترجّى الشرطي الأستاذ بصوتٍ مرتجف :

- لا تقتلني استاذ جون ، فزوجتي أنجبت طفلنا الأول قبل ايام ..أترجّاك أن لا تحرمه من والده

فردّ بلؤمٍ وقهر : وهل انت متأكّد انه ابنك ؟

- ماذا !

جون : أنصحك أن تقوم بفحص الإبوّة قبل تعلّقك بالصغير .. (ثم فكّر قليلاً) .. إن أردّت العيش ، إفتح الباب وأقفز فوراً .. لن أهدّأ سرعتي لأجلك ، فهم يلاحقونني .. هيا إقفز الآن ، قبل أن أغيّر رأيّ!! 


فلم يكن امام الشرطي الاّ اغتنام الفرصة ، والقفز من السيارة .. ليتدحرج بقوة فوق الإسفلت ، ويُصاب بجروحٍ وكسور في كافة انحاء جسمه ..


ولأن سيارات الدعم لم تصل بعد ، إضّطر المحقّق للتوقف وإنقاذ الشرطي الجريح من الموت .. مما أعطى الفرصة لجون للهرب باتجاه الولاية المجاورة

***


ومضت اسابيع وشهور وجون تائهاً بالطرقات ، يتنقّل من ولايةٍ لأخرى وهو يصرف من أموال الخزنة للأكل والنوم في الفنادق الرخيصة ..

كما تابع نشرات الأخبار في سيارته لمعرفة تطوّرات قضيته ، وتنفّس الصعداء بعد نجاة الشرطي الذي أصيب فقط بكسرٍ في قدمه وبعض اضلاعه !

***


وبعد تسع ولايات .. إستقرّ اخيراً في ولايةٍ ريفيّة ، معظم سكّانها من المزارعين .. وعرض على رئيس بلديتها : تعليم اطفالهم براتبٍ زهيد مقابل هويّة جديدة 

فسأله باهتمام : واين هويّتك السابقة ؟


جون بنبرةٍ حزينة : بعد موت ابني الوحيد ، قُدّت سيارتي لمسافةٍ طويلة قبل إنتباهي بأني تركتها في المنزل ، لكني لم أجرأ على العودة بعد انفصالي عن زوجتي .. 

رئيس البلدية : فهمت استاذ ، إخبرني بإسمك الكامل لإخراج هويّتك الجديدة 


فأعطاه اسماً مزيفاً كي لا يعرف عن جريمته السابقة ..

وبذلك حصل (مايكل) على حياةٍ جديدة وسط الريفيين الطيبين الذين أحبوه جداً لتفانيه بتعليم اولادهم ، ولحسن طباعه وأخلاقه .. حيث تناوبوا على خدمته ، وتقديم الطعام له من وقتٍ لآخر 


وهكذا مرّت سنواتٍ عديدة ، الى أن أصبح جون في السبعين من عمره 

***


وقبل تقاعده من التعليم .. وفي وقت إنشغال أهل قريته بتجهيز حفلة وداعٍ له ، تضمّ تلاميذه السابقين .. تفاجأ بشابٍ غريب عن المنطقة ، ينظر الى يده المحترقة بدهشة ! 

فسأله جون : مابك ايها الشاب ؟!

- أهذا انت استاذ جون ؟!


فأخذه بعيداً عن الناس ، وهو يسأله بخوف : من انت ؟

- انا آدم .. تلميذك الذي حاولت إخافته ، لإسكاته عن فضحك.. 

فقاطعه بغضب : ألحقتني الى هنا ، يا لعين !! 

- لا ، أرسلتني الشركة لمدّ اسلاك الكهرباء للقرية .. فأنا مهندسٌ كهربائيّ .. ورئيس البلدية طلب مني مساعدتهم بتعليق المصابيح لحفل المساء 


ومن دون مقدمات ، قفز العجوز عليه بكل قوته .. لخنقه بكلتا يديه !

- لطالما كنت طالباً فاشلاً ودمّرت حياتي السابقة ، لكني لن أسمح لك بتشويه سمعتي ثانيةً !!


وقبل أن يبعده آدم عنه ، وضع العجوز يده على قلبه وهو يصرخ متألماً :

- آه ! قلبي 

- استاذ جون ! حاول التنفّس جيداً .. استاذي ارجوك .. يا ناس ساعدوني !! الأستاذ .. 

العجوز مقاطعاً بصوتٍ متألّم : مايكل.. إسمي مايكل الآن


فعاد الشاب لينادي بعلوّ صوته : الأستاذ مايكل مريض !!.. أطلبوا الإسعاف !!

لكنه توفي تلك الليلة بسكتةٍ قلبية !


وتحوّل حفل تقاعده الى جنازةٍ شعبية ، بكى فيها الكبير والصغير اثناء وداعه الأخير .. وألقى أهم شخصيات القرية خطابات مطوّلة عن اخلاقه وتفانيه بتعليم اولادهم .. 


وحين جاء دور آدم ، إنحنى فوق التابوت وهو يهمس بصوتٍ منخفض :

- لا تقلق استاذي ، لن أشوّه سمعتك مجدّداً .. فبعد أن أصبحت اباً لثلاثة اطفال فهمت سبب جنونك على مديرتنا البخيلة ، لإنقاذ ابنك الوحيد .. ولولا محاولتك إخافتي تلك الليلة ، لما فضحتك ابداً .. آسف لاستغلال الموقف لصالحي ، فكل همّي ذلك العمر هو النجاح بمادتك الصعبة .. سامحني استاذ جون .. أقصد استاذ مايكل المُبجّل 


وامام القبر .. رمى الورد فوق تابوته ، كما فعل الجميع .. وعاد الى عمله في اليوم التالي ، بعد تعاهده امام ربه بإخفاء سرّ استاذه للأبد! 


الأحد، 14 مارس 2021

إختفاءٌ غامض !

 تأليف : امل شانوحة

البذرة الشيطانية


في ليلةٍ ماطرة .. إتصل ولدٌ بالشرطة ، قائلاً بحزن :

- أمي لا تردّ على جوالها ، وأبي أخبرني إنها في الجنة !  

الشرطي : هل كانت مريضة ؟

- لا ، ذهبا لإحضار العشاء .. وعاد دونها ! 

- متى حصل ذلك ؟

الولد : الإسبوع الماضي .. ما أقلقني انها أخبرتني قبل ذهابها : ((إن لم أعدّ سريعاً ، إتصل بالشرطة))

- هل كان والدك يضربها ؟

الولد : فقط حين يكون مخموراً 


الشرطي : ما اسمك بنيّ ؟

- جيمي 

-  وكم عمرك ؟

- 10 سنوات

- اين والدك الآن ؟

الولد : نائمٌ في غرفته 

- إعطني رقم جوّال امك 

فأعطاه رقمها ..

الشرطي : أحسنت ، هل يمكنك إعطائي رقم سيارة والدك ؟

- هي بالكراج .. إنتظرني قليلاً


بعد قليل .. أخبر الشرطي برقم لوحة سيارة ابيه البيضاء ونوعها .. 

الشرطي : حسناً جيمي .. هل أنت بإمانٍ الآن ، أمّ أرسل الشرطة لإخراجك من المنزل ؟

- كنت سأنام بعد قليل 

- حسناً .. عنوان منزلك ظاهرٌ عندي في الشاشة ، سنطمئن عليك لاحقاً ..الى اللقاء 

***


بعد انتهاء المكالمة .. شاهد الشرطي تسجيلات كاميرات الطرق القريبة من عنوان منزل الصبي طوال الإسبوع الماضي .. 


وكانت مراجعة الأشرطة سهلاً ، لأنهم يعيشون بحيٍّ هادىء ..الى أن لفت انتباهه سيارةً بيضاء متوجهة للغابة ، في الساعة العاشرة مساءً .. وحين قرّب الصورة : شاهد كأن المرأة تتشاجر مع السائق الذي سحب جوالها من يدها بعنف ، ورماه من النافذة ! ثم ابتعدت السيارة عن كاميرا الطريق 


وبعد تسريع الشريط .. خرجت السيارة ثانيةً من الغابة بعد ساعة ، باتجاه الطريق العام .. ولم تُظهر الكاميرا وجه السائق جيداً ، الذي أخفاه بالشال والقبعة والنظّارة السوداء .. كما لم تعد تتواجد المرأة بجانبه على المقعد الأماميّ !


فاتصل الشرطي بشركة الإتصالات ، وأعطاهم رقم جوّال الأم .. ليجد إن آخر مكالمة لها : هو إتصالها بالشرطة ، وهي تصرخ خائفة : 

((سيقتلني ، ساعدوني !!!)) ..

ليظهر صوت رجلٍ بجانبها :

((إتصلت بالشرطة يا غبية ؟! هاتي الجوّال))

وحصل شجاراً بينهما ، قبل انقطاع المكالمة !


وبتواصله مع فرع الشرطة الآخر : أخبروه انهم حاولوا تعقّب المكالمة ، لكن الإتصال كان قصيراً .. ولم يبلغ أحد عن إختفاء سيدة في الفترة الماضية !


فتوجّه الشرطي الى مكتب مديره ، لإطلاعه على المعلومات التي توصّل اليها .. فأمر بإرسال دوريّة الى بيت الوالد .. ووصلوا هناك مع تباشير الصباح (حيث كان منزله بأطراف المدينة)


وصُعق الوالد برؤية الشرطيين عند بابه في وقتٍ مبكّر ! 

وبعد جلوسهم في الصالة ، سأله أحدهما عن اختفاء زوجته ..

فأجابه بارتباك : 

- من أخبركم بذلك ؟!

فلم يرغبا بتوريط ابنه الذي راقبهم بجانب غرفته بخوف ..


الشرطي : أجب رجاءً على سؤالنا .. اين هي زوجتك ؟ 

- غائبة منذ اسبوع

- ولما لم تبلغ عن إختفائها ؟

الأب بحزن : خوفاً على ابني

- ماذا تقصد ؟

- إنتظرا قليلاً


ودخل غرفته .. ثم عاد ومعه صور لإبنه اثناء خروجه من المدرسة

وتنهّد بحزن : 

- كنت تشاجرت مع زوجتي عصر ذلك اليوم ، بعد عودتي من حفل صديقي مخموراً .. ونمت قليلاً .. لأستيقظ مساءً ، وأجدها مازالت حزينة .. فطلبت منها الذهاب معي لإحضار العشاء .. وما أن تحرّكنا بسيارتنا بضعة امتار ، حتى تفاجئنا بشخصٍ مقنّع يخرج من تحت المقاعد الخلفية ! واضعاً سكينه على رقبتي ، ويأمرني بالتوقف فوراً .. ظننته لصّاً .. وبعد نزولي ، قاد سيارتي مسرعاً نحو الغابة !


الشرطي : ولما لم تبلغ عن إختطاف زوجتك ؟!

- لأنه رمى هذه الصور في وجهي ، مُهدّداً بقتل ابني في حال أبلغت الشرطة .. كما أخبرني أن رجاله سيراقبون تحرّكاتي وهواتفي طوال الشهور الثلاثة القادمة .. وفي اليوم التالي وجدتُ سيارتي مركونة في موقف عملي ! وكانت تفوح منها رائحة المطهّرات التي يبدو انه استخدمها لمسح بصماته.. فعلمت انه قتلها ودفنها بالغابة .. لكني لم أجرأ على فعل شيء .. وأخبرت ابني بوفاة امه


الشرطي : سنتأكّد من كلامك .. الى ذلك الحين ، ممنوعٌ عليك السفر او الخروج من المنطقة .. كما سنراقب جوّالك وتحرّكاتك

- فهمت سيدي

***


لاحقاً .. إقترح مدير الشرطة مراقبة الطفل ايضاً .. 

وبعد ايام .. شاهد الشرطي (المراقب) الولد يكلّم رجلاً غريباً امام مدرسته ، ويعطيه صندوقاً من الشوكولا ! 

وفور رؤيته الشرطي يقترب منه ، حاول الفرار .. الا انه تمكّن من صعقه بالمسدس الكهربائي ، واقتياده الى مركز الشرطة  

***


في البداية أنكر الرجل علاقته بحادثة الإختطاف .. وأصرّ إن كلبه يحب اللعب مع جيمي ، وانه اعتاد إحضار الحلوى له من وقتٍ لآخر 

لكن بعد ظهور تقرير المختبر : بوجود سمٍّ قاتل محقوناً بكيك الشوكولا ، لم يعد باستطاعته نكران الأمر


المحقق : لما حاولت قتل الصغير ؟!

الرجل : ليشفى غليلي من والدته اللعينة

- وضّح أكثر !!

- كنّا حبيبين ، وألحّت عليّ بالزواج بعد حملها بإبني

المحقق باستغراب : لحظة ! هل جيمي ابنك ؟

- نعم .. ولأني فقير ، إضّطرت لسرقة مديري في المشغل .. لكن الكاميرات كشفتني ، فأبلغ الشرطة .. وترجّيتها كثيراً لإعادة المال ، لكيّ أساومه للعفو عني .. لكنها هربت بمال الخزنة الى هذه المدينة .. فسجُنت 10 سنوات .. وبعد خروجي ، بحثت عنها كثيراً الى أن عرفت انها تزوجت رجلاً غبياً ، إستطاعت إقناعه أن جيمي وُلد في شهره السابع ! 


المحقق : ألهذا قتلتها ؟

- كنت عاملاً نشيطاً ، وعلى وشك الترقية لأصبح رئيس العمّال .. فدمّرت سمعتي وسرقتني ، ونسبت ابني لغيري ! بالطبع سأفكّر بالإنتقام منها !!

المحقق : حسناً .. طالما اعترفت بذنبك ، ستذهب مع الشرطة الى الغابة لتدلّهم على مكان الجثة 

- رميتها قرب منطقة الدببة .. ستكون معجزة إن وجدتم اشلائها  

- رجالي أدرى بعملهم .. 


ثم نادى الشرطيان لأخذه الى مكان الجريمة .. وقبل خروجه من غرفة التحقيق ، قال بابتسامةٍ خبيثة :

- اساساً ما كانت لأنجح لولا مساعدة جيمي الصغير

فحاول المحقق الإستفسار عمّا قصده ، لكنه رفض الكلام !

*** 


وبعد ذهاب المجرم مع الشرطة ، إستدعى المحقّق الأب وابنه الصغير ..

وسأل الأب اولاً :

- لم نجد آثار خدشٍ في سيارتك ، فكيف برأيك إقتحمها الخاطف؟ 

الأب : ربما هو خبير بفتح الأقفال !

فسأل المحقق الولد : 

- جيمي ، كيف حصل المجرم على مفتاح سيارة والدك ؟

الأب باستغراب : سيدي ! ابني طفلٌ صغير


المحقق : دعه يجيب .. هل اعتاد زيارتك في المدرسة قبل اختفاء امك ؟ فالمراقب أخبرني انك ضحكت معه ، قبل أن يعطيك صندوق الشوكولا 

الولد بارتباك : أحببت اللعب مع كلبه الذي كان يُنزّههُ قرب مدرستي .. وفي يوم تبعني الى المنزل ، في الوقت الذي كان فيه ابي نائماً .. وطلب مني مفتاح سيارته .. لكني أحلف أنه أعاده إليّ سريعاً !! 


المحقق : تذكّر جيداً يا جيمي ، ماذا فعل بالمفتاح ؟

الولد : كان يحمل صندوقاً صغيراً .. ضغط المفتاح بداخله ، ثم أرجعه إليّ

المحقق : كما توقعت .. ضغط المفتاح في المعجون ، ليصُبّ عليه لاحقاً معدن الغاليوم المُنصهر لتحويله الى نسخة من المفتاح الأصلي


فصرخ الأب على ابنه معاتباً :

- ماذا فعلت يا غبي ؟!! أبعت امك لأجل علبة شوكولا ؟! هل حرمناك يوماً من الحلوى ! كمّ مرة أفهمناك الا تكلّم الغرباء !!!

 المحقق : بالحقيقة .. القاتل ليس غريباً عنه ، بل هو والده الحقيقي 

وأخبره عمّا فعلته زوجته قديماً ..


الأب بصدمة : يا الهي ! هي أقنعتني أنه وُلد قبل ميعاده ، وأنا الغبي لم اتأكّد من سجلاّت المستشفى .. (ثم وقف غاضباً).. اللعنة !! لا استطيع تحمّل كل هذا الغدر

المحقق : الى اين تذهب ؟!


الأب بحزن : اليوم عرفت إن زوجتي خائنة ، وإن جيمي ليس ابني ! ..وطوال الأسبوع الماضي لمتُ نفسي على خذلاني لها ، لأكتشف بأن القاتل هو عشيقها التي احتالت عليه سابقاً ! ..(ثم توجّه نحو الباب).. لا اريد علاقة بهذه العائلة اللعينة !!


المحقق : ماذا عن جيمي ؟!

الأب غاضباً : إرسلوا بذرته الشيطانية الى المدرسة العسكرية الداخلية ، فأنا لن أربّي إبن القاتل والخائنة !!

***


بعد سنوات .. وفي يوم تخرّجه من الجامعة العسكرية .. سأله صديقه:

- مبروك جيمي !! أخيراً تخرّجنا .. هل قرّرت أين ستتوظّف ، أم مازلت تفكّر بالأمر ؟ 

جيمي : سأعمل في السجن المركزي

- لماذا ؟!

جيمي بلؤم : لأتعرّف على قاتل امي عن قُرب

صديقه بقلق : إيّاك التورّط بشيءٍ غير قانوني ! 

- لا تخفّ ، سأحلّ مشكلةً عائلية قديمة 

- حسناً كما تشاء .. ألن تأتي للإحتفال معنا ؟

جيمي : لا ، سأرتّب أغراضي للعودة الى مدينتي 


وبعد ذهابه ، قال جيمي في نفسه :

((اولاً سأنتقم من ابي الحقيقي الذي حاول تسمّيمي ، بعد توريطي بمقتل والدتي .. ثم زوج امي الذي تخلّى عني ، بإزالة نسبهِ عن هويّتي (بعد فحص DNA)! ..وسأريهما كيف ستعذّبهما البذرة الشيطانية على نارٍ هادئة ، قبل التخلّص منهما للأبد !!!))

وابتسم بخبثٍ ومكر !

*****


ملاحظة :

طريقة صنع المفتاح بواسطة المعجون والغاليوم المنصهر :

https://www.youtube.com/watch?v=r47gJYPVKnk


الجمعة، 12 مارس 2021

مباراةٌ لا تنتهي

 كتابة : امل شانوحة

 

مهارات مكبوتة


بعد عودة المعلمة جاكلين الى بيتها ، حاولت التركيز اثناء تصحيحها واجبات الطلاّب ، مُتجاهلةً اصوات الركض في الشقّة التي فوقها ! 

الى أن ضاق صدرها .. ونزلت للطابق الأرضيّ لتبلغ شكوتها لحارس المبنى عن قلّة ذوق جارها ، قائلةً بعصبية : 

- إخبره أن يأمر اولاده بالتوقف عن لعب الكرة ، فأنا موظفة وأحتاج للهدوء


الحارس : لكن يا آنسة.. 

جاكلين مقاطعة : أعرف انني مستأجرة منذ يومين ، لكن الضجيج لا يُطاق يا رجل !!

- يا آنسة ، الشقة التي فوقك فارغة

- لكني أسمع صوت الكرة طوال الوقت ! ومستحيل أن يكون مصدرها الشقة المجاورة لأنها فوق رأسي تماماً ، وتتبعني أينما ذهبت ، كأنهم يقصدون مضايقتي !!

الحارس : انا أخبرتك سابقاً عن قصة العجوز التي انتحرت بالشقة ، لكنك أصرّيتِ على العيش في مبنانا المسكون 

- بسبب إيجاركم المنخفض ، ولأنني لا أصدّق بالأشباح

- اذاً سأفتح لك الشقة لتتأكّدي بنفسك ، فلا أحد رغب باستئجارها بعد تلك الحادثة

***


وحين صعدا للطابق العلويّ ، وجدتها فارغة بالفعل ! 

الحارس : ارأيتِ ، لا يوجد احدٌ هنا

جاكلين باستغراب : هل تسمح لي برؤية بقية الغرف ؟ 

- تفضّلي


وكانت جميعها عبارة عن جدران متآكلة وأرضيّة مُتربة .. وحين دخلت الغرفة الأخيرة ، وجدت كرةً قديمة هناك !

فنادت الحارس : تعال !! وجدتها 


وحين اقترب من جاكلين .. تفاجئا بتحرّك الكرة وحدها ، رغم النوافذ المغلقة ! قبل أن تُقذف بقوة ، لترتطم مباشرةً في وجهها .. مما جعل الحارس يهرب من الشقة فوراً .. ولحقته جاكلين المرتعبة ، لتجد الباب مقفلاً بأحكام ..

ورغم صراخها للحارس ، الا ان صوتها ظهر خافتاً كأن لا صدى له !


ثم سمعت دحرجة الكرة .. فالتفتت خلفها ، لتشاهد أربعة ظلال صغيرة تقترب منها ! وكان هذا كافياً لتفقد جاكلين وعيها .. 

حينها رأت مناماً غريباً :

((أربعة اولاد يلعبون الكرة بجانب الغابة ، بحماسٍ وسعادة .. لكنهم توقفوا بعد سماعهم لإمرأة عجوز تناديهم من الكوخ .. ثم رأت نفسها تركض معهم عائدةً الى المنزل ..

وجلست بجانبهم على طاولة الطعام .. لترى العجوز تسكب في صحونهم عصيدة مقزّزة ! 


فقال أكبر الأولاد بضيق :

- رجاءً جدتي ، لا تطبخي هذا الطعام الرديء ثانيةً 

فأجابته بحزم : لا اريد إعتراض !! اساساً صحتي تتدهور كل يوم ، ولم يعدّ بإمكاني خدمة البيوت .. والمال الذي ادّخرته ، انتهى قبل ايام .. ومازلتم إيها الكسالى ترفضون العمل للمساعدتي بمصروف المنزل

فأجابها الولد الأوسط : مازلنا صغاراً يا جدتي .. فأخي الكبير 13 سنة ..وانا 12.. وأخوايّ التوأمان 10 .. فأيّ عملٍ سنجيده بعد إجبارنا على ترك المدرسة ؟ 


الجدة بلؤم : لأني لا أملك مصاريف تعليمكم !! اساساً أنتم تضيعون الوقت بلعبكم السخيف ؟

فقال الولد الأصغر : نحن نتدرّب كل يوم ، لنصبح لاعبيّ كرة ماهرين

أخوه التوأم : أتعرفين يا جدتي كم يدفعون للاعب كرة القدم ؟

الأخ الأوسط بحماس : الملايين !!

الجدة : اولئك يتدرّبون في نوادي رياضية ، وانا لا أملك المال لذلك .. لهذا عليكم البحث عن وظائف ، فأنا لست ملزمة بكم ..

الولد الصغير بحزن : وما ذنبنا اننا ايتام ؟

اخوه التوأم معاتباً : لسنا ايتاماً !! أمي حيّة وستعود الينا يوماً ما ، اليس كذلك جدتي ؟ 


فتنهّدت بضيق ، قبل ان تقول :

- أظنكم كبرتم كفاية لتعرفوا الحقيقية .. امكم لا تعمل نادلة في المدينة ، بل هي فتاة ليل ..وكل واحداً منكم ، إبن أحد زبائنها ..

فسألها أحد التوأمين : لكن أخي يشبهني تماماً !

الجدة : انتما من ذات الأب ، وأخويكما من والدين مختلفين .. يعني جميعكم اولاد حرام

الولد الكبير بغضب : انت تكذبين !!

الجدة : أصمت يا ولد 


الولد الكبير : اذاً نريد الإنتقال للمدينة للعيش مع امي ، فالحياة معك صعبة للغاية

الجدة : وانا تمنّيت ذلك منذ كنتم أطفالاً ، وتركتكم اللعينة عندي لتكمل عملها القذر في المدينة .. حتى مصروفكم التي كانت ترسله لي ، توقف منذ سنة 

الكبير : إعطيني عنوان عملها وثمن الحافلة ، وسأذهب وحدي للمدينة للبحث عنها 

الجدة : لا تتعب نفسك ، فصديقتها أخبرتني منذ شهور : أن قوّادها تخلّص منها ، بعد شجارٍ حادّ بينهما

الأخ الأوسط بقلق : ماذا يعني تخلّص منها ؟!

الجدة بلؤم : يعني قتلها

الأخان التوأمان : لا !! امي حيّة


الجدة بعصبية : توقفوا عن البكاء !! هي رحلت الى الجحيم وانتهى أمرها .. وعلينا إيجاد مصدر رزق لإكمال حياتنا المزرية .. وسنبدأ البحث بعد إنتقالنا لوسط البلد ، فأنا أحتاج لعلاجٍ عاجل في المستشفى .. وحين نصل هناك ، أوظّفكم كعمّال في البقالات والمقاهي لتساعدوني بالمصروف .. أمّا كرة القدم ، فانسوها تماماً !! ... والآن إنهوا طعامكم بصمت ، وناموا باكراً .. فغداً ستساعدوني بتنظيف الكوخ ، قبل عرضه للبيع


واستمرّ الحلم الغريب ! لكن هذه المرة إنتقلت جاكلين الى الشقة العلوّية مع الأطفال ، لتجد الجدة تعاتبهم بغضب : 

- هل انتم سعيدون الآن ؟!! الجيران إشتكوا لصاحب المبنى عن  إزعاجكم المستمرّ ، بسبب لعبكم الكرة في غيابي .. الا تفهمون انني أموت بالسرطان ؟!! متى ستكبرون وتتحمّلون المسؤولية ؟ عليكم أن تفهموا إننا نعيش الآن في شقة وعلينا إحترام الجيران ، وإلا سنطرد في الشارع !!

الولد الكبير : إذاً أعيدنا الى الغابة ؟ 

الجدة : بعت كوخنا منذ سنة ، الم تستوعب ذلك بعد ؟!!


الولد الأوسط : لكننا ماهرون جداً بالكرة .. صدّقيني جدتي ، سنصبح من المشاهير حينما نكبر

الجدة بعصبية : هذا إن لم أقتلكم اولاً .. هاتوا الكرة .. هاتوها الآن!!

الإبن الصغير باكياً : ارجوك لا ترميها من النافذة ، فنحن لا نملك ثمن غيرها

الجدة : اذاً سأخبّئها في غرفتي ، وإيّاكم البحث عنها في غيابي 


ثم تغير الحلم ! لتنتقل جاكلين الى سيارة العجوز برفقة الأولاد السعداء بالعودة الى منزلهم القديم في الغابة .. لكنها شعرت بخوفهم فور نزولهم من السيارة ، وبقاء العجوز خلف المقود وهي تقول :

- لا أريد التشرّد بالشوارع بسببكم !! فصاحب المبنى أعطاني إنذاراً أخيراً ، وأنا وعدّته بإنهاء مشاغبتكم هذا اليوم

ثم أدارت المحرّك .. فسألها الصغير بخوف :

- اين تذهبين يا جدتي ؟!

الجدة بغضب : كبرتم كفاية للإعتناء بأنفسكم .. (ثم رمت الكرة لهم) ..خذوا كرتكم اللعينة ، وألعبوا لآخر يومٍ في حياتكم ايها الفاشلين !!


ثم قادت سيارتها المهترئة بعيداً ، بعد أن تركتهم وحدهم بجانب الغابة ! فانهار التوأمان بالبكاء .. 

فلم يكن امام اخاهم الأكبر (المراهق) سوى إلهائهم عمّا حصل .. فصفّر بفمه ، مُعلناً مباراة جديدة .. 

وركضوا خلف الكرة باتجاه الغابة ، كما كانوا يفعلون قبل سنتين .. 


وسرعان ما أصبحت اللعبة حماسيّة بحلول العصر .. قبل أن يقذف الأخ الأوسط الكرة بعيداً ، لتسقط فوق سكّة الحديد القريبة من المكان .. 

فذهب اخوه الكبير لإحضارها ، ليتفاجأ بإخوته يصرخون برعب :

- إبتعد بسرعة !!

فالتفت خلفه ، ليرى قطاراً سريعاً متجهاً نحوه !

فرمى الكرة لهم .. وقبل هروبه ، علقت قدمه أسفل السكّة ..

 

فركض إخوته اليه في محاولة لإنقاذه ، لتتلطّخ وجوههم بدمائه في ثوانيٍ 

وتجمّدوا في مكانهم من شدة الصدمة بعد رؤيتهم بقايا قدمه العالقة في السكّة ، التي كانت آخر ما تبقى من جسد أخيهم الكبير !


وبمرور الوقت .. حاول الأخ الأوسط لمّلمة اشلاء أخيه المُبعثرة في كل مكان لدفنها بشكلٍ لائق ، لكنه انهار بعد تقيؤه وهو يبكي بمرارة 


وهنا عاد التوأمان اليه ، وهما يقولان بيأس :

- بحثنا في الأرجاء ، لكننا لم نجد احداً يساعدنا 

واقترب التوأم الآخر منه : 

- أخي ارجوك ، دعنا نعود للكوخ قبل حلول المساء


ورغم إن الأخ الأوسط لم يستطع جمع كل الرفات ، الا انه حفر سريعاً بيده : لدفن الأطراف ، وجزءاً من جمّجمة أخيه الكبير !

ثم ذهب مُتثاقلاً مع أخويه الصغيرين باتجاه كوخهم القديم


ووصلوا هناك قبل غروب الشمس ، ليجدوا كوخهم مُهدّماً بالكامل ! وبعض أغراضهم القديمة مرمية بجانبه ..

 

فأخذ التوأمان يبحثان عن شيءٍ يأكلانه او يشعلانه في المساء .. في الوقت الذي أمسك فيه الأخ الأوسط الحبل الذي وجده بكلتا يديه ، وهو سارحٌ بخياله ! 

فنادياه من بعيد : إبحث معنا عن الطعام ؟!!

لكنه ظلّ يردّد بداخله ، بتأنيب ضمير :

((انا رميت الكرة بعيداً .. انا قتلت أخي))


وبعد دقائق ، صرخ أحدهم : وجدت شجرة تفاح !!

فأسرع اخوه التوأم اليه ، وأخذا يقطفان التفاح ويأكلانه بشهيّة لسدّ جوعهما 


بعد قليل ، لاحظا إن أخاهم الأوسط لم يلحقهما ! فتوجها للمكان الذي كان فيه ، ليجدانه مشنوقاً على الشجرة !

وانهارا بالبكاء الشديد ، بعد أن أصبحا وحدهما في الغابة الموحشة .


وبعد شعورهما ببرد المساء ، دبّ اليأس في قلوبهما الصغيرة .. وما أن سمعا صافرة القطار من بعيد ، حتى خطرت ببالهما الفكرة ذاتها ..وأسرعا نحو سكّة الحديد .. وأمسكا يديهما بقوة ، وأغمضا عينيهما تجنّباً لأنوار القطار الساطعة وهو يقترب نحوهما مُسرعاً 


وقال لأخيه بعلوّ صوته :

- لا تخف ، سنجتمع بهم قريباً !!

فنادى الآخر باكياً : امي ، إنتظرينا !!

***


وهنا استفاقت جاكلين من كابوسها المزعج ، لتجد نفسها مازالت في الشقة العلويّة ..والكرة تتدحرج حولها ببطء !


فجلست وهي تحاول إلتقاط انفاسها ، بعد رؤيتها لموجز الحياة الصعبة التي عاشها اليتامى الصغار ! 


ثم قالت بصوتٍ مسموع :

- الآن فهمت لما عذّبتم جدتكم بحرمانها من النوم ، بعد أن أصبحتم ارواحاً .. فبانتحارها حصلتم على انتقامكم ، أليس كذلك ؟ 

فأخذت الكرة تقفز بقوة امامها ، كأنهم موافقين على كلامها ! 


فاستجمعت قواها لحمل الكرة وهي تقول :

- لا يحقّ لأحد أن يمنع الأطفال من اللعب .. هيا بنا ، سآخذكم الى الملعب 


وحين حاولت فتح باب الشقة ، وجدته مقفلاً ..

جاكلين : هيا يا صغار ، الا تريدون اللعب ؟ إفتحوا الباب 

فانفتح الباب وحده .. ونزلت بالمصعد نحو سيارتها .. 


وحين شاهدت بمرآتها الأمامية : الكرة تتدحرج فوق المقاعد الخلفية ، عرفت ان ارواح الصغار الأربعة معها بالسيارة ! 


ورغم خوفها من مرافقتها للأشباح ، الا انها قالت لهم : 

- لا تجعلوا السائقين الآخرين يلاحظون تحرّك الكرة وحدها ، كي لا توقفني الشرطة

فتوقفت الكرة في مكانها !


وظلّت تقود ، الى أن وصلت لملعبٍ مهجور موجود بأطراف المدينة  


ودخلت الى هناك وهي تحمل الكرة التي وضعتها في منتصف الملعب المليء بالأعشاب البرّية العشوائية .. 

وبعد أن نظرت نظرةً أخيرة لمدرّجاته المُهدّمة ، قالت بصوتٍ عالي:

- ستبدأ المباراة !! هل انتم جاهزون ؟!!


وصفّرت بفمها ، لترى الكرة تتحرّك بقوة باتجاهين مُعاكسين ! فعلمت انهما انقسما الى فريقين .. 

وأسرعت مُبتعدة عن الملعب ..

 

ثم ركضت نحو سيارتها ، بعد أن تركتهم يكملون لعبتهم التي لن يجرأ أحد على إيقافها ، في مباراةٍ حماسية لا نهاية لها !  

***


جاكلين وهي تنظر للكاميرا : 

((قد تظنون انني قوية لتخلّصي من الأشباح ، لكني بالحقيقة محظوظة لأن قلبي لم يتوقف من شدة الخوف .. وحتى اليوم لا يعرف سكّان العمارة سبب توقف الضجيج فجأة في مبناهم ، الذي استمرّ لسنواتٍ طويلة .. ورغم الهدوء الذي نعِمنا به ، الا أنني إنتقلت سريعاً الى مبنى آخر يبعد أميالاً عن العمارة المسكونة (سابقاً) خوفاً من عودة الملاعيين الصغار .. لكن حظّي العاثر جعلني أقيم تحت شقة فيها اولاد مشاغبين آخرين ! ومع ذلك أقنع نفسي بأن عليّ تحمّل الجيران ، وإن من حقّ الصغار أن يلعبوا من وقتٍ لآخر .. هذا إن كان هناك اطفالاً فوقي بالفعل ، لكني لا أجرأ على التأكّد من ذلك ثانيةً !))


******

ملاحظة : 

قبل ايام ، صعد أخي الى الشقة التي فوقنا لإخبار جارنا عن إنزعاجنا من ركض اولاده المتواصل منذ الصباح حتى آخر الليل كل يوم .. لكنه أخبره إنه يعيش وحده مع زوجته بعد تزويج ابنه الوحيد قبل شهور ، وأنه ليس لديهم احفاداً بعد .. الغريب إن الضجيج توقف بعد هذه الشكوى ! 

فعدا عن قصتي الخيالية ، هل لديكم تفسيراً منطقياً لهذه الحادثة الغريبة ؟!  


أخلاق مُغتربة

تأليف : امل شانوحة  حُسن المعاملة فرحت ريم كثيراً بحصولها على بعثة الى كندا ، لإكمال دراستها العليا بالعلوم التقنية .. وما أن استقرّت هناك ،...