الخميس، 4 مارس 2021

محطّات العمر

 تأليف : امل شانوحة

 

تواريخٌ مهمّة


في وقتٍ متأخر من تلك الليلة الماطرة ، توقفت سيارة جاك فوق الجسر بسبب عطلٍ مفاجىء ! فحاول إصلاح العطل بنفسه .. حينها انتبه على رجلٍ من بعيد يشير له بالإقتراب منه ، وكأنه ينتظره هناك منذ مدّة ! 

وعيناه الثاقبتان جعلته يقترب منه طواعيةً ، رغم خوفه أن يكون لصّاً 


حين وقف امامه ، قال له الرجل الغامض :

- أتدري إنك كل عام تمرّ على ذكرى وفاتك دون علمك ؟


فشعر جاك بنبرة إحباطه ، مع استمراره النظر الى البحر من حافّة الجسر 

فحاول تهدأته :

- الأفضل أن تعود الى منزلك ، قبل أن تشتدّ العاصفة 

فأشار الرجل الى السماء :

- منزلي فوق ، سأنتقل اليه بعد قليل 


جاك بارتباك : أرجوك لا تنتحر .. يمكنني مساعدتك بإيجاد وظيفة ، إن كنت بحاجة للمال 

لكن الرجل تجاهل كلامه ، قائلاً :

- إخرج جوالك لتدوين ما سأقوله لك


ففهم جاك أنه يريده أن يكتب وصيته الأخيرة .. 

وبعد إصراره على الطلب ، فتح جاك مذكّرة جواله لكتابة خطاب الرجل  الذي قال :

- 10-1... 6-2... 15-3...18-7..10-8.. هل كتبتهم ؟

جاك باستغراب : نعم .. ماهذه الأرقام ؟!

- هذه التواريخ هي اليوم والشهر .. لكني لن أخبرك بالسنة ، كيّ لا تعرف ترتيبها

- وما شأني انا بها ؟!


الرجل : هي محطّات مهمّة في حياتك .. فإحدى تلك التواريخ : هي نقطة تحوّل إيجابية في حياتك المهنيّة 

جاك بسخرية : أحقاً !

فأكمل الرجل بحزم : لا تقاطعيني !! والتاريخ الثاني : هو تاريخ زواجك ..والثالث : هو تاريخ إنجابك لإبنك الوحيد .. والرابع : هي فاجعةٌ مرعبة ستحطّم قلبك .. اما الأخيرة : فهي تاريخ وفاتك .. لكني أعطيتك التواريخ بشكلٍ عشوائيّ ، لكيّ تستعدّ نفسياً لها .. والآن بعد تسليمك الأمانة ، حان وقت رحيلي


وفجأة ! قفز من فوق الجسر بسرعةٍ ، منعت جاك من إيقافه .. فعاد مرتجفاً الى سيارته التي تحرّكت بسهولة ، دون أثرٍ للعطل السابق! 


ليعود مُسرعاً الى بيته ، دون اتصاله بالشرطة (خوفاً من التورّط بالحادثة) وهو منصدم مما حصل !

***


ثم مرّت شهور طويلة ، أنست جاك كلام المنتحر ..


وفي أحد الأيام .. طُلب لحضور إجتماعٍ عاجل : علِمَ فيه بوفاة المدير التنفيذي للمشروع بحادث سير ، وقرار إدارته بتعينه مكانه !


وكانت ردّة فعله : أن أسرع بإخراج جواله ، ليجد أن اليوم هو (10-1) وهي إحدى التواريخ التي أخبره بها الرجل المنتحر !


ورغم حصوله على ترقيةٍ كبيرة في عمله ، الا انه شعر برعبٍ شديد .. فإحدى التواريخ الخمسة : هي لحادثةٍ مُفجعة ، وتاريخ وفاته ! مما أشغل تفكيره لأيامٍ متواصلة ، أصابته بالأرق ..

***


بعد شهر .. حصل على إنذاره الاول من الإدارة بسبب إهماله بالعمل المُوكل اليه ، بسبب إرهاقه النفسيّ من التفكير المتواصل بكلام الرجل المنتحر (الذي لم يُخبر عنه أحد)

فحاول تهدئة نفسه :

((من ضمن تلك التواريخ : تاريخ زواجي وولادة إبني .. إذاً في حال امتنعت عن الزواج ، هذا يعني انني سأغيّر مصيري))


وقبل إكتمال الفكرة في رأسه ، وصله اتصال من صديقته : تطلب لقاءه لأمرٍ ضروري ! 

فوافق جاك على رؤيتها في المطعم وهو ينوي الإنفصال عنها ، لعزمه على ترك علاقات الحب نهائياً ، بنيّة إطالة عمره ..

***


لكن جرت الأمور عكس ما تمنّاه ! فصديقته فاجأته بخبر حملها بالشهر الرابع ، وبخطورة إسقاط الجنين كما أخبرتها الطبيبة 

ولأنها من أصولٍ آسيوية .. طلبت منه الزواج على عجل ، خوفاً من عقاب والدها الصارم .. 


فحاول جاك التهرّب من الموضوع بكافة الأعذار الممكنة .. 

فهدّدته بالزواج من عدوه اللدودّ (زميله في العمل) الذي حاول التقرّب منها أكثر من مرة 


جاك بضيق : ارجوك يا ليندا لا تضغطي عليّ !!

- الا تفهم يا جاك ! بإمكان والدي قتلي لوّ علم بالأمر ، وإريد الإستعجال قبل ظهور حملي 

جاك ساخراً : عائلتك عاشت لسنوات في اميركا ، ومازلتم تتمسّكون بتقاليد بلادكم ؟!

- لا تتهرّب يا جاك !! إن لم نتزوج خلال اسبوع ، فلن تراني مجدداً 


وقبل خروجها من المطعم باكية ، أسرع باللحاق بها وهو يعدها بتنفيذ رغبتها.. 


وبعد ذهابها .. انتبه أنه بعد اسبوع سيصبح التاريخ (6-2) وهي إحدى التواريخ الخمسة المُسجّلة في مذكّرة جواله !

فقال بنفسه بيأس :

((يبدو انني في طريقي الى الفاجعة المرعبة ، ونبأ وفاتي ! أتمنى ان لا يكون ذلك قريباً))

*** 


بعد مرور الوقت ، أصبحت زوجته في شهرها الأخير .. ولأنه حملها الأول ، كانت توقظه كلما أحسّت بألمٍ في بطنها.. بينما اكتفى هو بالنظر الى تاريخ جواله قائلاً :

- لم يحنّ موعد ولادتك بعد ، عودي للنوم


وبالفعل يزول ألمها لاحقاً ، لكونه إنذار كاذب للولادة .. تماماً كما توقع زوجها !

***


وبعد ايام .. أيقظها عصراً ، ليطلب منها تحضير نفسها للذهاب الى المشفى..

ليندا باستغراب : لكني لا أشعر بشيء !

جاك : لا بأس ، إلبسي والحقيني 

***


وفي السيارة ، قالت له بعصبية :

- انت غريب يا رجل .. حين أتألّم !! ترفض أخذي للمشفى ، لأنه حسب توقعاتك : لم يحنّ موعد ولادتي بعد .. والآن لا أشعر بأيّةِ إنقباضة طلق ، ومع ذلك تصرّ على أخذي الى هناك .. حتى إنك أحضرت معنا حقيبة الطفل !


جاك : لأن اليوم هو (18-7) وهو حتماً تاريخ ولادة ابني ، كما أخبرني الرجل الغامض

ليندا : من تقصد ؟! وما موضوع التواريخ التي كتبتها على باب الثلاجة والجوّال ، وحائط غرفتنا وفي مكتب عملك ؟!


وقبل ان يُجيبها ، إنفجر كيس الماء للطفل ! 

ليندا بدهشة وخوف : يا الهي ! سأنجب اليوم فعلاً ، كيف عرفت ؟!

جاك بابتسامةٍ حنونة : مجرّد حدس


وأسرع بنقلها الى المشفى ، حيث ولد ابنه قبل حلول منتصف الليل بدقائق .. وبهذا يكون تحقّق التاريخ الثالث ، وبقيّ تاريخين سيئين في انتظاره .. لكنه لا يعرف السنة التي سيموت فيها ، والتي حتماً ستقع بعد تحقّق الفاجعة المؤلمة التي قضّت مضجعه لشهور بعد ولادة ابنه 

***


بعد بلوغ ابنه سن التاسعة ، طلبت منه زوجته حضور حفل عيد ميلاده ..

فخرج جاك باكراً من عمله ، لإحضار هدية كبيرة لإبنه الوحيد .. 


وقبل وصوله للحيّ الذي فيه منزله ، رأى دخاناً من بعيد ! وسمع صافرات الإطفاء متوقفة هناك ..


وعلى الفور !! شعر بوخزٍ في قلبه ، وأسرع بفتح مذكّرة جواله ليرى التاريخين المتبقيين .. 

فوجد التاريخ (15-3) الذي يصادف هذا اليوم !


وكانت صدمته كبيرة حين رأى منزله مشتعلاً بالكامل ..واصدقاء ابنه يبكون في الخارج برفقة اهاليهم ، بعد هروبهم بإعجوبة من الحريق الذي تسبّب به إنفجار بالون هيليوم بشموع الكيك !


فركض كالمجنون الى بيته ، قبل أن يوقفه الجيران بصعوبة .. وهو يصرخ منادياً زوجته وابنه اللذان علقا بالداخل ..

ولم يتمكّن رجال الإطفاء من إخراجهما ، ليتوفيا محترقين .. وسط انهيار جاك الذي أبكى الجميع بصرخاته المؤلمة 

***


مرّت 5 شهور على الحادثة لم يتمكّن فيها جاك تجاوز أزمته ، حتى بعد انتقاله لمنزل والديه وتركه العمل .. حابساً نفسه في غرفته ، لقضاء ساعاتٍ طويلة وهو ينظر الى صور زوجته وابنه في جواله .. الى أن اعتلّت صحّته ، بعد فقده نصف وزنه ! 

وقد حاول أصدقائه وأقربائه إخراجه من كآبته دون فائدة ، وكأنه انعزل عن العالم الخارجي !


الشيء الوحيد الذي أيقظه من غفلته : هو رنين منبّه جواله ، لتذكيره بالتاريخ الأخير قبل حدوثه .. 

وكان اليوم هو (7-8) إيّ قبل ثلاثة ايام من التاريخ الأخير الذي أخبره به الرجل المنتحر 

 

وعلى الفور !! خطرت بباله فكرةً مجنونة .. ليفاجأ عائلته بخروجه لأول مرة من غرفته ، وقيادة سيارته مُسرعاً الى جهةٍ مجهولة !

***


وصل مساءً الى الجسر الذي التقى به الرجل الغامض قبل سنوات ..ووقف عند الحافّة ذاتها ، وهو ينوي الإنتحار .. 

قائلاً في نفسه : 

((سأموت قبل الموعد الذي حدّدته لي ، أيها الرجل المخيف))


وصادفت قفزته ! مرور سيارة الشرطة من هناك ، إتصلوا بخفر السواحل الذين انتشلوه قبل غرقه في أعماق البحر .. ونُقل الى المستشفى بحالةٍ حرجة 

***


على سرير المشفى ، لم يستطع جاك فتح عينيه أو تحريك عظامه المتكسّرة .. وكل ما سمعه : هو رنين جهاز القلب الموصول به ..

 

وبعد ساعة .. سمع بكاء والديه وهما يسألان الطبيب عن حالته ، والذي أجابهم :

- هو الآن في غيبوبة 

امه باكية : ألن يستيقظ ابداً ؟

الدكتور : حالته حرجة ، وجسمه لا يستجيب للعلاج .. ليس امامكما سوى الدعاء له ..

وانهارا بالبكاء المرير ، وهو عاجز عن مواساتهما ..

*** 


في اليوم التالي .. سمع صوت الممرضة تقول له :

- صباح الخير سيد جاك !! ألن تستيقظ اليوم لإسعاد عائلتك ؟

ثم عاد الى سباته العميق

***


وتكّرر الأمر في اليومين التاليين .. 

حينها فقط إنتبه جاك الى التاريخ ! مُحدّثاً نفسه :

((هذه ثالث مرة تقول لي الممرضة : صباح الخير ! هذا يعني انه مرّ ثلاثة ايام على محاولة إنتحاري .. يعني اليوم هو (10-8) الذي أخبرني به الرجل .. يا الهي ! سأموت بعد قليل))


وإذّ به يسمع رنين قلبه بشكلٍ متواصل ، وصراخ الممرّضة :

- دكتور !! توقف قلب المريض جاك

صوت الطبيب : جهزوا الصدمات الكهربائية !!

***


بعد الصعقة الثالثة ! فتح جاك عينيه ، ليجد نفسه يطوف فوق جسده المستلقي على سرير المشفى ، بعد قيام الطبيب بتغطية رأسه بالملاءة مُعلناً تاريخ وفاته !


ثم ارتفع جسده أكثر فأكثر الى أن خرج من نافذة الغرفة ، مُتوجهاً نحو السماء .. 

وهناك التقى بالرجل الغامض من جديد !


جاك بدهشة : أهذا انت ؟!

- نعم

جاك : من تكون يا رجل ؟ وكيف عرفت التواريخ المهمة في حياتي؟

- انا ملك الموت

- ماذا !

- لا تتفاجأ هكذا .. بالعادة أقبض الأرواح دون علم الضحيّة بتاريخ وفاتها  


جاك بعصبية : اذاً لماذا فعلت هذا بي ؟!! أتدري كم تعذّبت لمعرفتي القدر قبل أوانه !!

- كلامك الآن مُناقض لما كتبته في مقالتك الأدبيّة بالمدرسة ، حين قلت :((لوّ علمت بقدريّ ، لغيّرت مصيري)) .. فأردّت الإثبات لك أن لا أحد باستطاعته تغير ما كتبه الله له  


جاك بدهشة : حينها كنت في 14 من عمري ! 

- ومع ذلك أغظتني ، وأردّت تلقينك درساً قاسياً .. والآن أعطني يدك لتوصيلك الى حياتك الأخرى

جاك بارتياح : هل ستأخذني الى زوجتي وابني ؟

- لا ، لأنهما في الجنة .. وانت انتحرت ، ومصيرك في الأسفل


وأشار بإصبعة للأرض .. وقبل ان يستوعب جاك ما قصده ! جذبه من ذراعه بقوة ، ليهبطا بسرعة البرق للأسفل .. 


فصرخ جاك مرتعباً قبل ارتطامهما بالشارع ، الا ان روحهما إخترقتا القشرة الأرضية ، وصولاً لباطن الأرض .. حيث شعر جاك بالحرارة  تزداد تصاعديّاً ، الى أن أحرقت جلده


وتوقفا فوق بحرٍ مُشتعل بالحممّ البركانية ! 

ملك الموت : هذا مكانك يا جاك ، ستعيش فيه الى أبد الآبدين


ثم ألقاه هناك ، لينضمّ الى ملايين البشر العصاة الذين صرخوا بعلوّ صوتهم من شدة الألم ، دون أن يسمعهم أحد ! 


هناك 5 تعليقات:

  1. رائعه ومؤلمه جدا
    مؤثره يا انسان اسعى لرزقك

    ردحذف
  2. من اروع القصص التي قرأتها لك تسلمي اختي امل. ...استمري بالابداع ...ماشاء الله عليك افكارك متنوعه كثير ...كل خيالات الكتاب اجتمعت فيك وحدك..

    ردحذف
    الردود
    1. أخجلت تواضعي بمدحك الجميل ، أتمنى ان تعجبك قصصي دائماً .. تحياتي لك وللجميع

      حذف
  3. تشبه قصة لك قرأتها هنا من قبل نسيت اسمها لكن البطلة فتاة

    ردحذف
    الردود
    1. أتقصد قصة (سطور الحياة) عن المذكرات القديمة ؟

      حذف

عقوبةٌ تعسُّفيّة

 تأليف : امل شانوحة   السجين والفأر في غرفة التحقيق ، إنتفض المتهم آدم (الخمسينيّ) غاضباً : - انا مهندسٌ كهربائيّ محترم ، لا يحقّ لكم القب...