الثلاثاء، 9 مارس 2021

المجانين العقلاء

 تأليف : امل شانوحة

لا تحكم على المظاهر


وصل الطبيب الشاب (مايكل) الى المصحّ النفسي الموجود في منطقةٍ مُنعزلة بالأرياف ، حيث استقبله الطبيب العجوز (جاك) بوجهٍ متجهّم :

- أخبرت الإدارة إن باستطاعتي السيطرة على 10 مجانين ، فلما ارسلوك الى هنا ؟

مايكل : أنا متخرّجٌ جديد ، وأريد مساعدتك في..

جاك مقاطعاً بلؤم : طردّت الكثيرين قبلك ، ولن أتردّد بفعلها ثانيةً 

- وأنا لن أغادر من هنا ، دون إذن الإدراة


وبعد إصراره على البقاء ، نادى جاك الممرّضة العشرينية (ديانا) لتدلّه على غرفته ..

***


أثناء مرورهما بجانب الصالة .. تسمّرت أنظار المجانين نحو الطبيب الجديد ، وملامح القلق واضحة على وجوههم ! 

فقالت الممرّضة : لا تقلق دكتور مايكل ، سيتعودون عليك لاحقاً 


ثم مشيا في رواقٍ طويل .. في آخره غرفةٍ صغيرة بها حمّامه الخاص ، وخزانة الحائط التي أشارت إليها الممرضة :

- يمكنك وضع ملابسك هنا .. الآن سأتركك لترتاح قليلاً

مايكل : لحظة قبل أن تذهبي ، متى يمكنني قراءة ملفّات المرضى ؟

- الدكتور جاك يحتفظ بهم في مكتبه الذي يبقيه مقفلاً ..

- لكن عليّ الإطلاع عليها لأعرف تشخيص المرضى !


ديانا : المدير ليس شخصاً سهلاً ، وأنصحك أن لا تعانده 

- في حال رفض طلبي ، سأضّطر لإبلاغ الإدراة

- لا تتعب نفسك ، لا يوجد إنترنت بهذه المنطقة المنعزلة .. والهاتف الأرضيّ الوحيد في المصحّ ، هو في مكتب الدكتور جاك 

مايكل : ماذا عن العاملين هنا ؟

- لا يوجد سوى انا والخادمة والحارس ، وحفّار القبور الذي يزورنا من وقتٍ لآخر 


مايكل باستغراب : قبور !

- نعم ، المقبرة خلف المشفى ..ألم ترها حين قدمت الى هنا ؟ 

- لا ! ولما افتتحتم مقبرة بجانب المصحّ ؟

ديانا : قبل سنوات كان لدينا ما يقارب 100 مريض نفسي من جميع القرى المجاورة : بعضهم مات بأمراضٍ معدية ، والآخرون انتحروا لأسبابٍ غامضة ! .. ورجاءً لا تسألني عن التفاصيل ، لأني لا اريد التورّط بمشاكل مع المدير .. والآن سأذهب لإحضار غدائك 

مايكل : لا !! سآكل مع المرضى 

ديانا بقلق : لا أنصحك بذلك ! فبعضهم عنيفٌ جداً ، والبعض الآخر لا يمكنك التنبؤ بتصرّفاته 


لكنه أصرّ على الجلوس معهم ، بنيّة التقرّب منهم قبل بدء علاجهم

***


ولم تكن بدايته موفقة ، فقد حاولوا مضايقته فور جلوسه معهم على الطاولة الكبيرة .. لكنه تجاهل صرخاتهم وتصرّفاتهم المريبة المزعجة ، وأكمل طعامه بصمت .. وبعد دقائق .. رضخوا للأمر الواقع ، وأكملوا طعامهم بهدوء !

***


بمرور الأيام .. إستمع مايكل لقصة كل واحدٍ منهم على انفراد في غرفة مكتبه ، بعد رفض الطبيب جاك إعطائه ملفاتهم ..

ليستنتج أن جميعم ولدوا بشكلٍ طبيعيّ ، وأن مشاكلهم العقلية والنفسية حصلت بعد تجاوزهم سن الشباب ! بسبب مصاعب الحياة : كالفقر والبطالة والإفلاس التجاريّ ..او الخيانة الزوجية وطعنة الأصدقاء .. او عقوق الإبناء لحصولهم على الميراث ..او بهدف الهروب من حكمٍ قضائيّ 


ورغم وجودهم في المستشفى لسنواتٍ طويلة ، الا انهم منقطعين تماماً عن العالم الخارجيّ بعد تخلّي عائلاتهم عنهم ! ..كذلك لرفض جاك إحضار التلفاز لهم : بحجّة إثارتهم المشاكل بسبب الأخبار او اختيار الأفلام والأغاني ، وصولاً للإعلانات !


ولعدم وجود الصحف والكتب في المصحّ ، يمضون جلّ وقتهم وهم ينظرون من نوافذ الصالة التي تطلّ على المقبرة الكئيبة الممتلئة بأصدقائهم القدامى من نزلاء المشفى ! ممّا زاد من إكتئابهم وابتعادهم عن الواقع ، وانغماسهم بعالم الخيال لتمضية وقتهم المملّ والبطيء جداً..


لهذا تفاجأوا حين أحضر مايكل جهازاً للعرض السينمائيّ (دون علم جاك) لمشاهدة فيلمٍ دراميّ على حائط الصالة ! مما جعلهم يتأثّرون كثيراً ، حتى أن بعضهم بكى بعد تذكّره عائلته ..


وحين عاد العجوز جاك الى المصحّ ، غضب كثيراً من عصيان أوامره ..وطلب مايكل لاجتماعٍ عاجل في مكتبه .. 


وهناك عاتبه لما فعله ، فبرّر مايكل قائلاً :

- وماذا تريدهم أن يفعلوا طوال اليوم ؟ على الأقل إحضر لهم قصصاً وكتباً مفيدة ..أم إنك تفضّل إنتحارهم كما فعل المرضى السابقين ؟

جاك بنبرةٍ صارمة : إسمع ايها الشاب .. لقد جرّبت معهم كل شيء ، ولا فائدة منهم .. هؤلاء الحثالة لا ينفعون الاّ كقطع غيار ، او فئران تجارب 


وقبل ان يستوضح مايكل ما قصده ! دخلت الخادمة المكتب لإخبار المدير بوصول رجل الإسعاف .. 

فسألها مايكل بقلق :

- هل أصيب أحدهم ؟!

فأجاب جاك : لا !! هذا صديقي .. (ثم قال ساخراً) .. يمكنك العودة الى أصدقائك المجانين ، وسنُكمل حديثنا لاحقاً


وحين عاد مايكل إليهم ، طالبوه بفيلمٍ آخر بعد انتهاء فيلمهم السابق .. فاقترح عليهم فيلماً لرسوم متحرّكة والت ديزني ، فوفقوا جميعاً بحماس !!

***


ومضت الأسابيع بروتينٍ يوميّ في المصحّ ، فيماعدا لياليٍ غريبة سمع فيها مايكل صرخاتٍ من بعيد ، والتي تحصل عادةً مع تلاعب الكهرباء في الممرّات ! 

وحين شكى لمديره ، أخبره أن يعتاد صرخات المجانين المفاجئة ، خاصة في الليالي الماطرة لخوفهم من البرق والرعد .. اما الكهرباء فهي ضعيفة في قريتهم الريفيّة ..

***


بمرور الأيام .. إعتاد المرضى اسلوب مايكل اللطيف بالتعامل معهم ، ولأجل ذلك عقدوا إجتماعاً سرّياً بينهم ..


وحين دخل مايكل غرفتهم ، قال ممازحاً :

- هل يمكنني الإشتراك معكم ؟

فأسرع كل واحداً منهم الى سريره ..


وحين انتهى من فحص الضغط ونبضات القلب للمريض الأول ، تفاجأ به يقول له بحزم : 

- أهرب من هنا !!


وكلما انتقل لمريضٍ آخر ، كرّر الجملة ذاتها ! 

وحين وصل لإريك (وهو متهم بقتل زوجته الخائنة وإبنه الغير شرعيّ ، والذي ادّعى الجنون للهرب من السجن) قال بجدّية :

- انت دكتورٌ جيد ، وأفضل من الأطباء السابقين .. لهذا أنصحك أن تغادر هذا الجحيم بأسرع وقتٍ ممكن ، قبل ان ينتهي بك المطاف الى ..(وأشار الى النافذة : يقصد المقبرة) !


ورفض المريض توضيح كلامه ! فظنّ مايكل انهم بحاجة للمزيد من الإهتمام لكيّ يتعوّدوا على وجوده بينهم  

***  


وبعد شهور من معاملته الحسنة ، تعلّق المجانين به لدرجة أن نفسيّتهم بدأت تتحسّن .. حيث تناوب مع الممرّضة ديانا على تلبية طلباتهم والإستماع الى همومهم .. 

ويبدو أن المدير توقف عن مراقبته بعد إنشغاله بأمورٍ اخرى ، حيث أمضى جلّ وقته في محادثاتٍ على الهاتف داخل مكتبه المقفل !

***


في أحد الأيام .. دخل المدير الى الصالة غاضباً ، ليجد المجانين يغنون ويرقصون مع الطبيب والممرضة .. فصرخ عليهم بعلوّ صوته :

- إسكتوا جميعاً !!

فعمّ الصمت المكان ، قبل طلبه من مايكل الّلحاق به الى مكتبه في الحال


وهناك أخبره عن قدوم صحفيّة الى المصحّ ، لتصوير تقريرٍ عنهم

مايكل : أهذا ما يغضبك ؟! فلتصوّر ما تشاء ، مرضانا بألف خير وفي تحسنٍ مستمرّ

جاك بعصبية : لا اريد متطفّلين في مشفايّ !!

- إن كنت لا ترغب في مقابلتها ، يمكنني أنا وديانا الإهتمام بالموضوع ..  

جاك بامتعاض : حسناً ، ستأتي غداً صباحاً مع فريق عملها .. ومهما حصل ، إيّاك إدخالهم مكتبي .. إنهي المقابلة سريعاً ، ليعودوا من حيث أتوا 

- كما تشاء دكتور

***


لكن الأمور تعسّرت بسبب فضول الصحفية التي ارادت تصوير كل ركنٍ في المشفى .. كما أربكت مايكل حين سألته امام الكاميرا : 

- 90 مريضاً ماتوا خلال 20 سنة ! برأيّ عدد الضحايا الضخم يحتاج الى تحقيقٌ جنائي 

مايكل : انا توظّفت هنا منذ سبعة شهور ، ولم يمتّ أحد حتى الآن 

- وأين مدير المصحّ ، الدكتور جاك ؟

- في إجازته السنوية ، سيعود خلال ايام 

الصحفية : مستشفى كبيرٌ كهذا ليس فيه الا طبيبين وممرّضة واحدة وخادمة وحارس ! أرى ذلك إهمالاً إداريّ 

- نحن نهتم فقط ب10 مرضى ، والأطباء الآخرون إستقالوا بعد نقصان العدد 


وهنا توجّهت الصحفية للكاميرا وهي تقول :

((أعزّائي المشاهدين !! صوّرت لكم أجزاءً من مصحّ الأرياف التي لاحظنا فيها : صيانته الرديئة وحمّاماته المعطّلة ، وانتشار العفن والرطوبة في معظم غرفه ، عدا عن مقبرته المريبة التي تضمّ أكثريّة نزلاء المشفى الذين ماتوا بظروفٍ غامضة خلال العقدين الماضيين ! اما قبوه المعتم ، فقد رفض الحارس إدخالنا الى هناك بأمرٍ من مدير المشفى .. فإن شعرتم مثلي بوجود شيءٍ غامض يجري هنا ، أطالبكم برفع أصواتكم لتصل الى الإدراة العليا ، كيّ يراقبوا الوضع عن كثب .. كانت معكم جاكلين , مراسلة قناة BBC الإخبارية))

***


بعد ذهاب الصحفية والمصورين في آخر النهار ، لاحظ مايكل عصبية الممرّضة التي قالت له :

- لما بقيت معنا ؟ إلحق الآنسة المثيرة إن أردّت 

مايكل مبتسماً : أتغارين عليّ ! .. لحظة لا تذهبي ، انا آسف .. المدير جاك شدّد عليّ بمرافقتها خلال جولتها في المشفى  

ديانا : هو طلب منك إلهائها ، لحين إخفائه الأشياء المريبة 

- ماذا تقصدين ؟!

وقبل أن تجيبه ، ناداه المدير من بعيد .. فذهب الى مكتبه ليطلعه على تقرير الصحفية

***


لم تمضي ايام على عرض النشرة في الأخبار ، حتى تلقّى المدير إتصالاً من الإدارة العليا يخبرونه عن إرسالهم مراقبين .. وأن عليه إعطائهم نسخاً عن ملفات المرضى السابقين والحاليين .. كما السماح لهم بدخول جميع غرف المصحّ دون استثناء !


وبعد إنهاء المدير المكالمة ، أمر الجميع (الموظفين والمجانين) بتنظيف كل ركنٍ في المصحّ ، بما فيهم المجنون المعاق الذي أزال الغبار عن أثاث الصالة وهو يتنقّل بكرسيه المتحرّك ! 


واستغلّ مايكل فتح المدير لجميع الغرف المقفلة ، للنزول الى القبو الذي وجد فيه غرفتين : إحداها تشبه غرفة الجراحة ..والثانية : كأنها سجنٌ إنفراديّ او معتقلٌ عسكريّ ! قبل إسراع الحارس بأخذ الصواعق الكهربائية وادوات التعذيب الأخرى ، ونقلها الى مكانٍ مجهول ..وربما إخفائها في إحدى السراديب السرّية (كما أخبره المرضى) الموجودة خلف جدران المبنى الأثريّ القديم .. 


وحين حاول مايكل الإستيضاح من المدير عمّا يفعله بالقبو ، إكتفى بالقول بلا مبالاة : 

- بعض المرضى يحتاجون الى تنبيه ذهنهم المتبلّد ببعض الصعقات الكهربائية 

مايكل : وهل هذا سبب وفاة المرضى السابقين ؟

- انت تكثر من مشاهدة الأفلام المرعبة ..  


قالها بسخرية ، قبل إقفال مكتبه كعادته .. فتنصّت مايكل من خلف الباب ، ليسمع صوت تمزيق الورق ! ويبدو أن المدير مشغولاً بتزييف الحقائق في ملفّات المرضى السابقين ، قبل تسليمها للمراقبين القادمين غداً  

***


في عصر اليوم التالي .. إعتذر المراقبون عن التأخير بسبب الجوّ العاصف .. ولأنهم لا ينوّون المبيت في مصحّ المجانين ، قاموا بجولةٍ عابرة وسريعة على العنابر والغرف (بعكس اوامر الإدارة العليا) .. مما أسعد المدير الذي أعطاهم نسخاً لملفات المرضى (بعد تحريفه التقارير السابقة)


لكن أكثر ما ضايق مايكل : هو إثارة المرضى للشغب وإحراجه امام المراقبين دون سببٍ واضح ! حيث قام أحدهم بسرقة حقيبته الطبّية ، والآخر استولى على نظّارته .. اما البقيّة فرموا أدويتهم في وجهه ، بعد أن رشقوه بالوسائد .. وبالنهاية صرخوا عالياً بصوتٍ واحد :

- إخرج من مشفانا يا مايكل ، نحن نكرهك !!


فكتب المراقب تصرّفاتهم في تقريره ، معاتباً مايكل :

- يبدو انك لا تسيطر على مرضاك !

مايكل بدهشة وضيق : لا ادري ماذا حصل لهم ! هم بالعادة يتجاوبون معي جيداً

المراقب : الأفضل ان تعاملهم بحزم ، والا سنقترح على الإدارة تعين طبيباً آخر مكانك 

المراقب الآخر : الآن دعونا نذهب لرؤية القبو  


وقبل فتحهم باب القبو ، إنقطعت الكهرباء فجأة ! 

فتحجّج المدير بالعاصفة الرعدية .. فعادوا جميعاً الى فوق ، دون رؤية الغرفتين المشبوهتين هناك ! 

ثم أسرعوا بالرجوع الى المدينة قبل حلول المساء ..


وفي وقتٍ لاحق ..راقب مايكل مديره من بعيد ، ليراه يعطي مالاً لحارسه الذي يبدو إنه قطع الكهرباء بناءً على اوامره ! 

كما سمع الحارس يسأله باستغراب : 

- لما لم تسلّمهم تقريرك عن مايكل ؟!

فأجابه المدير بابتسامةٍ خبيثة : 

- مرضايّ الأعزّاء تكفّلوا بالأمر 


وضحكا بسعادة ، دون انتباههما لمايكل الذي عاد الى غرفته مُتسائلاً : إن كان المدير أمر المجانين بإثارة الشغب لطرده من المصحّ بعد تهديدهم بالتعذيب ، أمّ هناك سرّاً أكبر ؟! 

في جميع الأحوال نجا جاك من التحقيق معه عن اسباب الموت المفاجىء لمرضاه السابقين !

***  


مع الأيام .. تحسّنت علاقة مايكل بالمرضى من جديد ، كما توطّدت علاقته بالممرّضة ديانا ، فكلاهما عاشا طفولة سيئة .. 

فمايكل تربّى في دار الأيتام .. بينما ديانا هربت من منزل والدها المتحرّش ، وعملت نادلة لحين إكمال تعليمها في معهد التمريض .. 

وقد لاحظ المرضى التناغم بينهما ! ودائماً ما شجّعوا مايكل على الزواج منها ، لكنه لم يجد الوقت المناسب لمفاتحتها بالموضوع ..

***


قبل نهاية السنة .. أرسلت الإدارة العليا تقريرها السنويّ للمدير جاك مُطالبين بتقاعده المبكّر ، لأن جميع الملفّات التي قدّمها لهم تبيّن عدم خبرته الطبّية بهذا المجال !


ولاحقاً نقلت الممرّضة ما سمعته لمايكل الذي سألها :

- هل هو غاضبٌ جداً ؟

ديانا : يكاد ينفجر ! فقد سمعته يتكلّم بالهاتف بعصبية حين مرّرت بجانب مكتبه ، وكان يقول إنه لن يترك المشفى قبل إنهاء ثمن جزيرته

- جزيرته !

- نعم هناك إشاعة : أنه اشترى جزيرة صغيرة في المنطقة الساحلية ، وبها منزل فخم ينوي قضاء بقيّة عمره فيه  

مايكل : لكن راتبه كمدير لا يكفي مشروعاً ضخماً كهذا !

- أظن المجانين وحدهم يعرفون كيف جمع ثروته الطائلة  


كلامها الغريب جعله يراقب الوضع بدقة ! فطالما إن جاك سيُرغم على التقاعد خلال شهر ، فهذا يعني انه سيتورّط بشيءٍ غير قانوني قبل رحيله

***


في إحدى الليالي .. إستيقظ مايكل بعد رؤيته كابوسٍ مفزع ، وفتح نافذة غرفته لتدخين سيجارة لإراحة أعصابه .. 

بتلك الأثناء ، لمح نوراً خافتاً قرب المقبرة ! وحين أمعن النظر : شاهد سيارةً صغيرة .. وجاك يُعطي السائق كيساً ثقيلاً ، الذي وضعه داخل حافظة مبرّدة .. وفي المقابل أعطاه رزمة من المال .. ثم افترقا !

*** 


في اليوم التالي .. تفاجأ مايكل بغياب المريض الذي يعاني من الصرع المزمن ! 

وحين سأل زملائه ، رفض الجميع الحديث عنه ! وكان واضحاً الخوف والحزن عليهم 


فتوجّه الى مكتب جاك لسؤاله عنه ، فأخبره أن عائلته قدمت باكراً لإعادته الى منزله .. 

لكن جوابه لم يكن مقنعاً ، فالمريض أخبره مراراً : أن زوج امه لا يرغب بوجوده قرب اطفاله الذين يرتعبون كلما أصابه الصرع .. 


فعاد للبحث عنه في جميع الغرف ، الى أن وصل للقبو المقفل .. 

وهناك سمع شجاراً في الداخل بين الخادمة (ريتّا) والحارس الشخصي لجاك ، حيث قالت غاضبة :

- تعبت من مسح دماء العمليات ، إخبر رئيسك أن يضاعف أجري والاّ سأفضحه امام الجميع !!


وحين شعر بخطواتٍ تقترب من الباب ، أسرع بصعود الدرج عائداً الى غرفته وهو يشعر بأن تهديدها لن يمرّ بسلام !

***


في اليوم التالي .. أوقع مايكل قهوته الصباحية على الأرض دون قصد ، فنادى الخادمة لتمسحه .. 

فدخلت الممرضة وهي تقول :

- ريتّا ليست هنا .. أخبرني المدير إنها حصلت على إجازتها السنوية ، وبأن الخادمة الجديدة ستصلنا بعد قليل 


فتذكّر مايكل تهديدها ليلة امس ، وعلم إن اختفائها ليست صدفة .. 

فتوجّه الى المقبرة ، ليلاحظ قبراً محفور حديثاً ! 


وهذه المرة استطاع اللّحاق بحفّار القبور قبل ذهابه (فهو لا يأتي للمصحّ الا باتصالٍ من جاك) 

وتجنّب مايكل سؤاله مباشرةً عن الخادمة ، لأنه حتماً سينكر رؤيتها خوفاً من مديره .. لهذا تصنّع الإبتسامة وهو يشير للقبر الجديد :

- أظن ظهرك يؤلمك ، فريتّا سمينةٌ جداً


فأومأ الحفّار برأسه إيجاباً وهو يحرّك يديه ، بإشارة على أنه دحرجها نحو القبر ! ففهم مايكل إن جاك إختاره معاقاً (أخرس وأصمّ) كيّ لا يفضح جرائمه

***


لكن شكوكه لم تتأكّد الا بعد ايام ، عقب خروج جاك من المصحّ لزيارة قريبه ..

فاستغلّ مايكل غيابه مع حارسه الشخصي ، لنبش آخر قبرين .. ليجد جثتيّ مجنون الصرع وريتا اللذين لم يتحلّلا بالكامل.. 


والمخيف بالأمر انه إزيلت اجزاءً من جسمهما : مثل الكليتين والكبد والرئة والقلب ، حتى قرنيّة أعينهما ! حينها علم أن جاك يتاجر بأعضاء المرضى لشراء جزيرته اللعينة 


وقبل ردمه القبرين ، صوّر الجثتين بجواله دون علمه أن الخادمة الجديدة تراقبه من النافذة ، والتي أخبرت مديرها فور عودته الى المشفى 


فقال لها جاك بضيق : كنت أعلم إن هذا الفضوليّ لن يهدأ قبل كشفه اللغز 

الخادمة : هل ستتخلّص منه الليلة ؟

جاك : موته سيثير شكوك الجميع ، لهذا سأنفّذ خطتي السابقة : وسألفّق له جرائمي السابقة 

- لكنه لم يتعيّن هنا قبل سنة ، فكيف ستنسب إليه مقتل مرضاك القدامى ؟

جاك : بما أن الطبيب ديفيد توظّف منذ استلامي الإدارة ، فسأجعل مايكل يحلّ مكانه 

- هل ستبدّل ملفّات التعيين ؟

- نعم .. وبهذا يُحاكم عن قتله 90 مجنوناً ، في الوقت الذي نقضي فيه معاً لحظات ممتعة في جزيرتنا المعزولة عن العالم البغيض


فأبعدته عنها بدلال : لا تحضني الآن ، لا اريدهم ان يعلموا بعلاقتنا السّرية .. مع إنني مازلت غاضبة منك لتوظيفي كخادمة في مشفاك!

جاك : آسف حبيبتي ، لكني لا ائتمن أحداً غيرك بعد تهديدات المجنونة ريتّا .. أتمنى ان لا يضايقك منظر الدماء في القبو بالأيام القادمة

- انا امرأة قوية ، وسأدعمك حتى النهاية


وأكملا حديثهما الرومنسيّ ، دون علمهما أن المريض إريك يتصنّت عليهما من خلف باب المكتب 

*** 


في اليوم التالي .. دخلت الممرضة الى غرفة مايكل وهي تسأله : 

- أمازلت تبحث عن جوالك ؟

مايكل بضيق : أظنه وقع مني في غرفة المرضى !

- اساساً لما تضعه في جيبك ، طالما لا وجود للإنترنت هنا ؟!

- أُسجّل فيه ملاحظاتي اليومية ، فأنا لا اريد تدوينها في دفترٍ قد يُسرق بأيّة لحظة .. كما فيها صوراً مهمّة

- إذاً إسأل المرضى عنه وعن العجوز آدم ، فهو مختفي منذ الصباح

مايكل : هو يعاني من الزهايمر ، لابد انه تاه بين العنابر

- حسناً ، سأبحث عنه ثانيةً 

***


في الصالة .. إجتمع مايكل بالمرضى ، ليشعر على الفور بتوتّرهم وارتباكهم ! والذين رفضوا الإجابة عن اسئلته حول الجوّال والعجوز آدم ..والوحيد الذي نطق بينهم ، هو إريك الذي قال له :

- لا تستعجل دكتور مايكل ، فبعد قليل ستعرف كل شيء


ولم تمضي دقائق .. حتى تفاجأ الجميع بقدوم الصحفية وفريق عملها من جديد ! والذي أثار غضب جاك الذي طلب رحيلهم فوراً ، لعدم حصولهم على إذنٍ مُسبق ..

فأجابته الصحفية : تلقّينا إتصالاً من هنا ، يطلب قدومنا لتصوير فضيحة كبرى

جاك : أنت تهذين ! فالهاتف الوحيد في المشفى موجود في مكتبي ، وانا لم أتصل بكم ايها الفضوليين 

فقال إريك بصوتٍ عالي  : انا اتصلت بهم !! 


وقبل ان يفهموا كيف إقتحم مكتب المدير المقفل ! أدار إريك ماكينة العرض السينمائيّ وهو يقول :

- آسف دكتور مايكل ، سرقت جوالك البارحة لتصوير آدم الذي ضحّى بنفسه لفضح جرائم جاك اللعين 

المدير غاضباً : كيف تجرأ على شتمي ايها المجنون !!


لكنه لم يكترث لعصبيته .. وبدأ في عرض تسجيلاً مصوّراً للمدير (على الحائط) وهو يُزيل أعضاء آدم  في القبو ، بمساعدة حارسه ورجل الإسعاف الذي يعمل بالخفاء في تجارة الأعضاء البشريّة ! 


وسمع الجميع حوار التاجر وهو يسأله :

- الم تجد سوى هذا العجوز ؟! فأعضائه مُهترئة ، ولن يدفع الأثرياء مبلغاً ضخماً لأجلها 

فأجابه جاك وهو منشغلٌ بالعملية : 

- وجدته يصوّر ملفّات المرضى بالطابعة بعد اقتحامه مكتبي ، لهذا  أردّت التخلّص منه 

حارسه : لوّ انتظرت حتى الصباح ، لنسيّ كل شيء .. فهو مصاب بالزهايمر 


جاك بغضب : اساساً لوّلا اللعين مايكل لقطّعتهم جميعاً ، وفررتُ الى جزيرتي .. لكني مضطّر للعمل بحذرٍ ورويّة هذه الفترة

التاجر : عليك الإسراع قليلاً ، فتقاعدك بعد اسابيع 

جاك : لا توتّرني يا رجل .. ودعني أزيل كليته اليمنى ، فاليسرى مُعدمة تماماً .. هاهي !! إمسكها بحذر ، وضعها في الحافظة المبرّدة


وهنا انتهى الفيديو ، ليقول إريك للطبيب مايكل :

- قبل الزيارة الأولى للمراقبين ، سمعته يخطّط لتلفيق جرائمه لك ! لهذا اتفقت مع اصحابي على إثارة الشغب ، لكي تُطرد من هنا قبل توسيخه سمعتك .. لكن هذه المرة ، قرّرت فضحه امام الجميع


وهنا سألت الصحفية مصوّرها باهتمام : 

- هل صوّرت كل ما عُرض بسينما الحائط ؟

زميلها : نعم لا تقلقي


فقال الدكتور مايكل للصحفيّة : 

- يوجد في جوالي ايضاً صورتين لآخر جثتين دُفنا هنا .. أريد أن أريك إيّاها   

فأعاد أريك الجوّال لمايكل : آسف ، إضّطررت لسرقته .. وجيد أنني فعلت ، فحارس جاك كان يبحث عنه في غرفتك ، بناءً على أوامر جاك 


الصحفية بعد أخذها الصورة من جوال مايكل ، قالت لجاك :

- أصبح لدينا دليلاً قوياً لإدانتك ، ولن أهدأ قبل محاكمتك على جرائمك

 

وأثناء شجار جاك مع الصحفيّة ، إستغلّ الحارس الشخصيّ إنشغال الجميع للتسلّل من الصالة برفقة الخادمة ..


وقبل خروجهما من المصحّ ، تفاجئا بوصول الشرطة التي أربكت جاك فور سماعه صافراتها !  

وهنا قال إريك للمدير بلؤم : 

- آه نسيت إخبارك أنني اتصلت بالشرطة ايضاً  


ولاحقاً .. إقتحم المحققّ الجنائي مع افراد الشرطة غرفة الجراحة في القبو ، التي لم تتمكّن الخادمة من تنظيفها جيداً من دماء الضحيّة آدم!


كما استحوذوا على جميع الملفات الأصلية للمرضى من مكتب جاك .. بالإضافة لفيديوهات مصوّرة له : وهو يشجّعهم على الإنتحار قفزاً من فوق السطح ، بعد تعذيبهم بشكلٍ متواصل .. وذلك قبل أن تخطر بباله فكرة الإتجار بإعضائهم !


وبعد القبض على جاك ومساعديه ، وخروج الشرطة من المصحّ.. رقص المرضى على نغمات الإغاني الصاخبة ، إحتفالاً بتخلّصهم من الشرير جاك وأعوانه ..


وبنهاية الحفل ، أعطى إريك خاتم زواجه (الذي مازال محتفظاً به) لمايكل الذي جثا على ركبته ، طالباً الزواج من ديانا التي وافقت بخجل .. ليصفّق الجميع فرحاً بخطوبتهما 


ثم أعطى إريك لمايكل ملفاً ، وهو يقول :  

- أخفيته عن الشرطة

مايكل : ماهو ؟

- سندات تمليك الجزيرة ، هي لك الآن .. عشّ فيها مع عروستك ، فأنت استحقيتها بجدارة .. هيا لا تتردّد !! ورجاءً لا تعودا الى هنا ، فهذا المصحّ الكئيب لا يليق بكما .. الأفضل أن تجدا عملاً في المدينة .. يمكنكما الرحيل منذ الغد 


مايكل بقلق : وماذا عنكم ؟ 

فقال أحدهم : الم تسمع جواب الإدراة العليا ، بعد أن أخبرتهم الصحفية عن  فضيحة المصحّ ؟

مريضٌ آخر بحماس : قالوا انهم سيعيّنون لنا مديراً آخر ، مع فريقٍ طبّي محترف !! أنا متفاءل بأننا سنشفى قريباً 

إريك : هيا لا تهتمّا بنا ، عيشا حياتكما بسعادة

***


في الصباح .. ودّع المجانين العرسان اللذين توجّهما فوراً الى الجزيرة التي وجدا فيها منزلاً فخماً مفروشاً بالكامل ، ومخزناً مليئاً بالمؤونة تكفيهما لسنةٍ كاملة ! 


اما المجانين فاستعدّوا لاستقبال المدير الجديد .. ليصعقوا لاحقاً بإرسال الإدراة للدكتور ديفيد الذي كان النائب السابق لجاك ! والذي قال لهم بلؤم :


- كان حلم العجوز جاك هو العيش مع عشيقته في جزيرةٍ نائية ، لكن حلمي أكبر : وهو شراء قريتكم البائسة ، لتحويلها الى مصنعٍ ضخم للأسلحة العسكرية .. ولكيّ يحصل ذلك ، عليّ إجراء تجارب بيولوجية على فئران بشريّة .. بالطبع بعد حصولي على إذن من مخابرات الدولة المهتمّة برؤية النتائج ، قبل تصنيعهم الأسلحة .. وفي المقابل سيدفعون لي مبلغاً ضخماً .. لهذا سآخذ كل اسبوع واحداً منكم الى المدينة لإجراء التجارب السرّية عليه ، وسأبدأ منذ اليوم .. ولا تقلقوا ..فالإدراة العليا لا يمكنها الإعتراض على اوامر المخابرات التي أعطتني الضوء الأخضر .. وقد قرّرت البدء بإريك الذي أثبت شكوكي القديمة حوله : بادّعائه الجنون للإفلات من جريمة قتله عائلته .. وبذلك أتخلّص من قائدكم الذكيّ .. لكن دعوني أعرّفكم اولاً على فريق عملي


ثم دخل الى الصالة : خمسة رجال بعضلاتهم المفتولة ونظراتهم الشريرة المريبة ! فأردف المدير ديفيد قائلاً :

- هؤلاء ضبّاط عسكريين لا يعرفون الرحمة ، فهم مسؤولين عن تعذيب المعتقلين السياسيين .. 


ثم أمر جنوده : أنتما !! إحضرا إريك .. وأنتم الثلاثة : إبقوا في المشفى لمنعهم من إثارة الشغب .. لكن لا تطلقوا النار عليهم ، فعددهم قليل وأحتاج كل واحدٍ منهم لتجربة ثلاث اسلحة بيولوجية عليه .. هذا إن لم يمتّ من التجربة الأولى .. 


ثم اقترب من إريك الخائف :

- مع إنني بالحقيقة مُمتنٌ لك لتخليصي من جاك اللعين الذي طردني سابقاً بعد رفضه زيادة أجري .. ولشكرك على معروفك ، سأرسلك برحلةٍ مجانية الى الجحيم 


فحاول إريك الهرب بقفزه من النافذة ، لكن الحارسين أسرعا بشدّ يديه برباطٍ خلف ظهره بقميص المجانين ألبساه إيّاه بعنف ، قبل نقله للخارج ..في الوقت الذي هاج فيه بقية المجانين من شدة الخوف

فصرخ ديفيد عليهم بغضب : سكوت !!!


فصمت الجميع برعب ، ليُكمل قائلاً بلؤم :

- لا تستعجلوا يا اصدقاء ، سيحين وقتكم جميعاً .. (ثم قال لحارسيه) ..هيا بنا !!  


واقتاد الحارسان إريك الى سيارتهم العسكرية المُصفّحة ، بينما انهار المجانين بالبكاء بعد معرفتهم بنهايتهم المرعبة !


هناك تعليقان (2):

  1. احسنتي احسست بالهلع والرعب...ي هارب من المووت ي ملاقيه...

    ردحذف
  2. رعب محزن تصلخ لعمل في تمثليه قصيره
    ابطالها من الغرب
    يعيشون بقرية اوربيه شرقيه
    بتطلع بتجنن
    رغم سيداوية الموقف الا ان الامل موجود

    ردحذف

عقوبةٌ تعسُّفيّة

 تأليف : امل شانوحة   السجين والفأر في غرفة التحقيق ، إنتفض المتهم آدم (الخمسينيّ) غاضباً : - انا مهندسٌ كهربائيّ محترم ، لا يحقّ لكم القب...