الأحد، 25 ديسمبر 2022

مهمّة الأعداء

كتابة : امل شانوحة 

 

اللّيزر المُدمّر


كان على الرائدين : إلكسندر الروسي وبوريس الأوكراني إصلاح الّليزر المُعطّل بإحدى الأقمار الصناعيّة المهجورة في الفضاء ..

حيث أرسلتهما الناسا العام الماضي للبحث عن القمر البالغ الأهميّة ، لقدرة ليزره على تدمير إيّةِ دولة على الأرض ومسحها تماماً عن الخارطة ! 

وكان عطلاً خارجيّاً أصاب ذراع الّليزر ، فتهوّر روّاده الثلاثة بالخروج معاً لإصلاحه .. حيث إعترضهم نيزكٌ مفاجىء ، قطع الأسلاك التي تصلهم بقمرهم الصناعيّ .. وماتوا بعد انتهاء الأكسجين في بذلاتهم اثناء دورانهم الى ما لا نهاية بالفضاء !


لذلك أرسلت الناسا إلكسندر وبوريس لإصلاح الّليزر الفريد من نوعه

حيث اتفق الرائدان فكريّاً طوال عامٍ على بدء رحلتهما الفضائيّة ، لتشابه بيئتهما الإجتماعيّة ..


لكن كل شيء تغيّر بعد رؤيتهما لمشاهد دمويّة ، للحرب الدائرة بين بلديهما من التلفاز الموجود في قمرة القيادة بالقمر الصناعيّ المهجور .. 

(حيث لا يوجد تلفاز او مذياع يصلهم بالأرض داخل مكّوكهما حديث الصنع ! وكأن الناسا علمت مُسبقاً بنيّة الرئيس بوتين لغزو أوكرانيا قبل شهور من إرسالهما للفضاء ، لهذا حجبت تلك الوسائل لمنع المعلومات الحسّاسة عنهما !)


وبعد معرفتهما بما حصل .. تجنّبا بعضهما قدر الإمكان وتكلّما فقط بالأمور التقنيّة لإصلاح الّليزر ، للعودة سريعاً لبلديهما..


لكن الأمور ازدادت سوءاً بعد إيجادهما (بالقمر المهجور) جهازاً يمكنهما الإتصال به مع سكّان الأرض (وهو ايضاً غير موجود في مكّوكهما رغم حداثته !)


فاتصل الروسي اولاً بزوجته لتخبره باكية : بأن ابنهما البكر أُلحق جبراً بالجيش الإحتياطيّ ، وانقطت اخباره بعد موت كتيبته بكمين العدو ! 


فكتم غيظه وهو يستمع لإتصال الأوكرانيّ بأمه التي سألها عن عدم ردّ زوجته على اتصاله ؟! 

لتخبره بحزن : إن صاروخاً روسيّاً دمّر مزرعتهم ، وقتل عائلته بالكامل .. بينما تهجّرت مع والده العاجز لدولةٍ اوروبيّة تعاني من نقص الكهرباء بسبب منع بوتين الغاز عنهم ! 


وبعد انهاء اتصالهما بأهلهما ، نظر كل واحدٍ منهما للآخر بعصبيّة.. محاولان كتم غيظهما من تداعيات الحرب العبثيّة بين بلديهما

***


لم يستمرّ هدوئهما اكثر من يومين ، قبل أن ينفجرا غضباً بسبب عطلٍ مُفاجىء ، أدّى لانفصالهما عن مكّوكهما حديث الصنع ! 

حيث علقا داخل القمر الصناعيّ المُعطّل ، وهما يشاهدان مركبتهما الفضائيّة تبتعد عنهما ! 


وبدل أن يسارعا بلبس خوذتهما الواقية للقفز بالفضاء واللّحاق بالمكّوك قبل ابتعاده ، باستخدام قوّة الدفع الموجودة ببذلتهما المتطوّرة 

أخذا يلومان بعضهما على هذا الخطأ الشنيع .. مما أدّى لشجارٍ عنيف ، بسبب التراكمات النفسيّة لليومين الفائتين.. 


واثناء عراكهما ، وقع أحدهما فوق زرّ التحكم بالّليزر (الذي تمكّنا من إصلاحه قبل ساعات) لينطلق شعاعٌ قويّ باتجاه الأرض ! 


وتجمّدا خوفاً وهما يراقبان من نافذة القمر الصناعيّ : الإنفجار المضاعف بعشر مرات عن القنبلة النوويّة ، وهو يدمّر روسيا والدول المجاورة : بما فيها أوكرانيا ، ويمحيهم تماماً عن الخارطة! 


ثم نظرا لبعضهما بصدمة ، فور سماعهما لتصفيق موظفي الناسا من مذياع القمر الصناعيّ ! حيث هنّأهما المدير قائلاً :

- مبروووك !! نجحتما بالمهمّة ايها البطلين ، ودمّرتما عدوّ اميركا للأبد .. 

الروسي باستغراب : ماذا يحصل ؟! 

مدير الناسا : أظن من حقكما معرفة الحقيقة .. فنحن عرفنا مكان القمر الصناعيّ المعطّل منذ البداية

الأوكراني باستنكار : ولما أخفيتم المعلومة ، وجعلتمونا نبحث عنه في المدار لسنةٍ كاملة ؟!


المدير : لأننا أردنا التأكّد من صحّة تهديدات بوتين .. وبعد شهور من شنّه الحرب على أوكرانيا ، قرّرنا إنهائه بإفناء دولته ..ولن يستطيع العالم لومنا ، لقيام اثنين من سكّان الدولتين المتحاربتين بتدمير بلادهما.. وذلك بعد إرسالي الرقم السرّي لجهاز التحكّم بالقمر الصناعيّ لتشغيل التلفاز والمذياع ، لتشاهدا اسوء الأحداث التي حصلت بالحرب الدائرة بين دولتيكما.. كما سمحت بإتصالكما بأهلكما ليزداد الحقد بينكما ، ويؤدي  لنتيجتنا المطلوبة.. وعلى فكرة !! انا أعطيت الأوامر لفصلكما عن المركبة المتطوّرة .. تماماً كما فعلنا بالرّواد الثلاثة الذين أوهمناهم بعطلٍ خارجيّ لذراع الّليزر ، قبل فصل اسلاكهم عن القمر الصناعيّ .. مُختلقين امام الإعلام كذبة النيزك ، التي بسببها ارسلناكما لمهمّتكما التدميريّة .. اما شجاركما الذي نجَمَ عنه إطلاق الّليزر (الذي وجّهناه مُسبقاً لهدفنا ، دون علمكما) فسيذاع بجميع وسائل الإعلام ، لإبعاد الشبهات عنا ..


الأوكراني بعصبيّة : ولما دمّرتم أوكرانيا ، فهي لم تبدأ الحرب ؟!!

المدير : لحرق مزراع القمح والتسبّب بمجاعةٍ عظمى ، فهو شرطٌ أساسيّ لظهور الدجّال .. 

الروسيّ بدهشة : وهل انتم منتمون ايضاً للماسون ؟!

المدير بفخر : طبعاً !! انا وجميع المسؤولين المهمّين بالدول العظمى .. والأفضل عدم التطرّق لهذه المواضيع ، فهي لا تخصّكما .. والآن !! سأقطع إتصالنا بكما ، فلا تحاولا التواصل معنا .. يمكنكما إكمال شجاركما ، او المصالحة بأيامكما الأخيرة دون طعامٍ او ماء ، فمهمّتكما انتهت !! GAME OVER !!


وانقطع إتصالهما بالأرض للأبد ! 


الخميس، 22 ديسمبر 2022

الإتفاق السرّي

تأليف : امل شانوحة 

الربح القذر


اثناء تسوّق ديانا بحيِّ شعبيّ .. دخلت زقاقاً في نهايته مبنى قديم ، تجمّع في مدخله عدّة صبايا لتهنئة أحد سكّانه الذي عمل بدورٍ ثانويّ في فيلمٍ ناجح .. واللآتي تفاجئنّ بصحبته لبطل الفيلم الذي اقترب منهنّ مُتلثّماً بوشاحه وقبّعته الصوفيّة ونظّارته السوداء .. 

وكانت ديانا الوحيدة بينهنّ التي استطاعت ملاحقة فنّانها الوسيم بعد نزوله مع صديقه الى قبو العمارة القديمة ، دون بقيّة المُعجبات الذي أوقفهن حارسه الشخصيّ 


واثناء ملاحقتهما بالخفاء ، تمكّنت من معرفة أنهما تخرّجا معاً من المعهد التمثيليّ ! حيث اعترض الممثل الثانويّ بضيق : 

- رغم تفوّقي عليك بالدراسة ، لكنك انشهرت اكثر مني ؟!

فرّد الفنّان : هذا لأن النساء تعشق وسامتي ، وليس لتفوّقي عليك بالتمثيل يا صديقي

- على كلٍ ، شكراً لترشيحي في فيلمك الناجح .. وأتمنى في المرة القادمة أن أظهر بأكثر من مشهدين !

الفنّان بغرور : أعدك بذلك


بهذه اللحظة .. انتبهت ديانا انها وسط بارٍّ مُكتظّ بالنساء الراقصات والمقامرين !

فقالت بنفسها بارتباك :

- كيف وصلت لهذا المكان المشبوه ؟! لأعدّ لمنزلي في الحالّ


فصعدت الأدراج ، لتجد بأنها عادت للبارّ من بابٍ آخر ! وهذا ما حصل بالأدراج الأخرى ، كأنها في دهليزٍ لا ينتهي ! 

ممّا أجبرها على استخدام السلّم المظلم الخشبيّ ، بدرجاته المتهالكة التي تهتزّ تحت أقدامها..


وبعد وصولها بصعوبة لبابٍ جديد يصلها بممرٍّ طويل ، يبدو لمستشفى تحت الأرض ! شاهدت امرأة خائفة تركض برداء المرضى ، التي توقفت بجانبها لتهمس بفزع : 

- إستغلّي إنشغال الملاعين بالقمار ، واهربي فوراً من هذا الجحيم !!

ديانا بقلق : ماذا تقصدين ؟!

- تتبّعي الأرقام .. باب النجاة هو الرقم (٧9)

ديانا : واين هي الأرقام ؟


فأشارت المرأة بيدها المرتجفة للحائط :

- انت الآن في الممرّ رقم (٥٦) .. تتبّعي الأرقام .. عليّ الهرب فوراً ، فهم يبحثون عني !


وأكملت ركضها في الممرّ المظلم.. بينما مشت ديانا بالجهة المعاكسة في ممرٍ ذوّ انارةٍ خفيفة ، وهي تتبّع الأرقام التي أوصلتها لردهةٍ بها غرفة جراحيّة ومشرحة وعدّة غرفٍ للمرضى ، كان باب أحدِها مفتوحاً : لتلتقي عيناها مع مريضٍ مُقيّدٍ بسريره بالأربطة القماشيّة ، وهو يضع انبوبة التنفّس داخل فمه ، منعته من التحدّث .. مُكتفياً بالنظر اليها بعيونٍ دامعة ، كأنه يناشدها لإنقاذه ! 


لكنها أكملت طريقها بعد أن أخافتها نظرات الطبيب الذي راقبها من بعيد بابتسامته المريبة ! قبل توقفه عن الّلحاق بها ، لإطلاع ممرّضته عن صحّة احد مرضاه .. 

فاستغلّت ديانا انشغاله ، لتغيّر مسارها ودخولها لممرٍّ ضيّق بأرقام (٧٠) وما فوق.. 


لتنصدم بأن الرقم الذي تبحث عنه ، موجود على ثلاّجة مُعطّلة مُثبّته بالجدار ! وقد وُضعت دائرة حول الرقم (٧9) مكتوباً بجانبها بالخط الصغير : ((دفعة الناجيين)) !


لينتفض جسمها برعب بعد ان أمسك يدها ، مراهقٌ أصلع يبدو انه مريض بالسرطان لوجهه الشاحب .. قائلاً بفزع :

- أدخلي بسرعة قبل أن يمسكوا بك الإشرار !! هيا ، ماذا تنتظرين؟!  


ففتحت ديانا باب الثلّاجة .. لتجد مرايا متعدّدة في سردابٍ سرّي ، كأن احدهم حفر الجدار خلف البرّاد !  

فدفعها المراهق للداخل :

- هيا لا تضيّعي الوقت ، هم يلاحقون الدخلاء

ديانا : اذاً أهرب معي

المراهق بحزن : تأخّرت كثيراً ، فالملاعين حقنوني بأبرةٍ تقتلني كل يوم ..انا بعِداد الموتى .. إنجي بنفسك !!

وأغلق باب الثلاّجة عليها..


لتمشي ديانا في دهليزه الذي لم يتعدّى الثلاثة امتار ، قبل اصطدامها بجدار البرّاد الحديديّ ! 

فعلمت انها علقت في ثلاّجة الموتى بعد إزالة ادراجه ..


وعادت مُسرعة لبابه التي حاولت فتحه ، لكنه مقفلاً بإحكام ! 

فصرخت برعب بعد ارتفاع برودته المفاجئة ! لكنه لم يسمعها احد من الخارج !

***


بعد دقائق .. فتح الطبيب المُريب باب الثلاّجة ، ليجد ديانا واقعة على أرضيّتها دون حِراك .. 


فنظر للمرأة (وهي الهاربة التي دلّتها على رقم الخروج) والمراهق (بهيئة مريض السرطان) الّلذان لبسا رداء المُمرّضيّن ! 

الطبيب : خذاها لغرفة العمليات لإزالة اعضائها ، قبل موتها دماغيّاً

- حاضر دكتور !!

وبعد وضعها على النقّالة ، جرّا السرير المُتحرّك للداخل .. 


ليقترب منه الفنّان المشهور قائلاً :

- لا تنسى نصيبي من العمليّة

الطبيب : إلتزم بخطّة الإيقاع بمعجبينك الحمقى ، وستحصل دائماً على مكافئةٍ مُجزّية

الممثل : خسارة .. كانت عيناها جميلتين

- فهمت ..سأعطيك إحداها تذكاراً ، كما كل مرة

***


وفي الوقت الذي بحث اهلها عنها في كل مكان ، كان الفنّان داخل قصره يفتح خزنته الحديّدية ، ليضع عين ديانا الزرقاء في مرطبانٍ كيميائيّ مليء بالعيون البشريّة الملوّنة ، وهو يقول بفخر :  

- إنضمّي لمجموعتي الفريدة

ثم تمتّم ساخراً :

- يظنون انني أصبحت ثريّاً من مهنة التمثيل .. يالهم من اغبياء 

وضحك بخبث !


الأربعاء، 21 ديسمبر 2022

تسجيل صوتي لقصتي السابقة :

 


 قام الأخ أحمد محمد سنان بالإخراج الصوتي لقصتي السابقة : ((كتابة جداريّة)) بمساعدة اصدقائه .. فلهم جزيل الشكر والثناء 

الرابط :

https://www.youtube.com/watch?v=YxUy2H5BJAA





الأحد، 18 ديسمبر 2022

الليل والنهار

 كتابة : امل شانوحة

دوران الأرض


بعد تخرّج نور وصديقه ضياء من مدرستهما الثانويّة ، قرّرا إستئجار زورقاً للتمتّع بعطلتهما ، قبل تسجيلهما في جامعتين مختلفتين حسب الإختصاص الذي اختاراه !


وكان معروفاً عن نور حبه للسهر والحفلات ، وهو من اقترح نزهةً بحريّة  طوال اليوم .. إلاّ أن ضياء المعروف بحرصه ، إشترط عودتهما للشاطىء قبل غروب الشمس 


نور : مما انت خائف ؟ أخبرتك أن والدي علّمني قيادة الزوارق .. ستكون مغامرة رائعة لوّ اصطدنا من عرض البحر

ضياء : وهل تريد اصطياد سمكة قرش ؟

- لا ! لما تظن ذلك ؟

- الأسماك قرب الشاطىء لا تختلف عن الموجودة في المحيطات 

نور : هيّا كفاك جبناً ، سنستمتع بوجودنا وحدنا بعمق البحر

- وماذا لوّ تعطّل محرّك الزورق ؟

- نستخدم المجدافين 


ضياء بعصبية : وهذا ما قصدّته بعدم الإبتعاد عن الشاطىء ، فلست مُضّطراً لتجديف لأيام للعودة سالماً الى منزلي !!

نور : حسناً اهدأ .. لن نبتعد كثيراً ، أعدك بذلك .. (ثم سكت قليلاً).. لم تخبرني ، ماذا يوجد في حقيبتك الكبيرة ؟ فأنا جلبت السنّارتين والطُعم !

ضياء : دعنا نركب الزورق اولاً ، ثم أرتّب حاجيّاتي داخله 

***


بعد قيادة نور سفينته شمالاً ، صرخ ضياء وهو ينظر للشاطىء الذي أوشك على الإختفاء 

- توقف !! انت وعدتني بأن لا نبتعد لمسافةٍ طويلة

نور : يا لك من جبان .. حسناً ، أوقفت المحرّك .. ألن تريني مالذي أحضرته من منزلك ؟


فأخرج ضياء قارورتين كبيرتين من مياه الشرب ، ومرطبان من الشوكولا .. وربطة خبزٍ كبيرة .. ووسادتين صغيرتين .. وسكينة رحلاتٍ صغيرة متعدّدة الإستخدامات .. وكشّاف ومرآة وصفّارة .. وحقيبة صغيرة للإسعافات الأوليّة


نور : يا الهي ! ما كل هذا يا فتى ؟! نحن سنعود عصراً .. وفي حال جعنا ، نأكل السمك الذي سنصطاده .. فالقارب مزوّد بعدّة الطبخ

ضياء : وهل انت متأكّد من براعتك بالصيد ؟ ربما نمضي اليوم كلّه دون طعام 

نور : ولوّ حصل ذلك ، هل سنموت جوعاً خلال رحلتنا القصيرة ؟! ..لا ارى داعياً من إحضار اغراض الكشّافة..(ثم ضحك ساخراً).. وقاورتان كبيرتان يا رجل ! 

ضياء : انت تعرف حرصي الزائد .. وإن كنت ستقتلني بتهوّرك ، لا اريد الموت عطشاً 

فضحك نور : وسواسك سيقضي عليك يوماً ما .. المهم ، دعنا نضع الطُعم بالسنّارتين لبدء رحلة الصيد

***


بعد ساعتين ، لم يصطادا شيئاً !

ضياء : ارأيت !! شكّي كان في محلّه .. دعني أحضّر شطيرتا شوكولا

نور : بصراحة .. جعت كثيراً  


واثناء تناولهما الطعام ، هبّت عاصفةٌ فجائيّة ! 

ضياء بارتباك : ألسنا بفصل الصيف ، من اين أتت العاصفة ؟!

نور بقلق : لا ادري ! ... تمسّك جيداً بطرف السفينة !!

***


إستمرّت العاصفة الهوجاء لساعةٍ كاملة ، مرّت عليهما كأنها الدّهر .. حيث أرهقتهما الأمواج العاتية ، وهما يحاولان منع القارب من الإنقلاب وضياع الأغراض التي فيه .. 


وفور هدوء العاصفة ، وانتهائهما من إزالة المياه من قعر سفينتهما .. إنهارت قواهما ، واستلقيا بقعر الزورق .. وسرعان ما غرقا في نومٍ عميق ، فهما مستيقظان منذ الفجر ! 

***  


نهضا مرتعبين بعد شعورهما بارتطام سفينتهما فوق تربةٍ صلبة ! وظنّا أن الأمواج أعادتهما للشاطىء .. 

ليتفاجآ بوجودهما على جزيرةٍ صغيرة في عرض البحر .. والأغرب إن هذه الجزيرة التي لا تتجاوز عرضها بضعة ميترات ، مقسومة لجزئين بسبب الإضاءة القادمة من السماء !

فنصفها مضاء بالشمس ، ونصفها الآخر مُعتماً تماماً !


فنظرا لبعضهما بدهشة !

نور : ما أعرفه.. انه بسبب دوران الأرض توجد مناطق يكون وقتها نهاراً ، بينما الأخرى مساءً .. لكن وصولنا لمكانٍ تظهر فيه الشمس والقمر معاً ، لهو أمرٌ صعبٌ تصديقه ! 

ضياء : والأرعب إن منطقتنا بعيدة جداً عن منتصف الأرض ! 

- هل تظن الأمواج أخذتنا الى هناك ؟

- هل جننت ؟ هل سنعبر مئات الأميال خلال السّاعة التي غفونا بها .. لا طبعاً !! هذه الجزيرة هي لغزٌ علميّ ! ولوّ صوّرها الإعلام ، لاكتظّت بالعلماء لاكتشاف سرّها 

نور : ومالعمل الآن ؟


ضياء وهو ينظر للمياه التي عادت للتسرّب الى قعر السفينة ..

- دعنا نُنزل أغراضنا من الزورق ، فهو لم يعدّ صالحاً للملاحة


ثم قرّرا إكتشاف الجزيرة ، كونها صغيرة المساحة

نور : ترى اين نحن الآن ؟

- ألست انت من اقترحت نزهتنا دون جوّالات ؟ فكيف سنعرف موقعنا على الخريطة الآن ؟!

- وما الفائدة منها دون إنترنت ؟ 

ضياء : يا ذكي !! كنّا استخدمنا خطّ الطوارىء للإتصال بالأقمار الصناعيّة لتحديد موقعنا ، فأنا خبيرٌ بذلك .. ليتني أحضرت جوالي دون علمك  

نور : لا فائدة من العتاب الآن .. دعنا نكتشف الجزيرة .. فربما يجدنا احد الصيّادين قبل غروب الشمس

***


ومن حسن حظهما انهما وجدا حفرةً عميقة وسط الجزيرة (فاصلة بين خط النور والظلام) كأن نيزكاً قديماً أصابها ، أدّى لفجوةٍ عميقة إمتلات بمياه المطر.. حيث جازف نور بارتشاف بعضاً منها ، ليجدها صالحة للشرب


ضياء بارتياح : ممتاز !! كنت قلقاً من فقداني إحدى القارورتين اثناء العاصفة .. لكن ماذا بشأن الطعام ؟ فسنّارتي وقعت بالبحر !

نور : اولاً لنحمد الله على وجود هذه الشجرة .. ويمكننا تناول جوز الهند لاحقاً ، فأنا متعب لتسلّقها الآن 

- وانا ايضاً

- كما مازلت أحتفظ بسنّارتي التي سأصيد بها الكثير من الأسماك .. لا تقلق .. الآن إخبرني ، أيّة جهةٍ من الجزيرة ستختار ؟

ضياء : الجهة المُنيرة طبعاً ، لا اريد البقاء في جزيرةٍ مهجورة بالظلام

نور : اذا سأنتقل للجهة المقابلة ، فأنا مازلت نعساً واريد إكمال نومي .. أعطني احدى الوسادتين 

ضياء : خذّ !! ليتني أحضرت البطانيّات ايضاً

نور : الجوّ صيفي ، ولا حاجة لذلك .. اراك غداً ، تصبح على خير 

***


في اليوم التالي ، أيقظ ضياء صديقه بعصبية :

- هيا !! لقد نمت مطوّلاً 

نور : ماذا تريد ؟ .. هل رأيت سفينة من بعيد ؟

- لا لكني نعسٌ للغاية ، لم استطع النوم بالجهة المضاءة .. والجزيرة ضيّقة ، دعنا نتبادل الأماكن 

نور : حسناً نمّ مكاني ، وانا سأحاول إصطياد سمكة بجهتك المضاءة  

***


ومرّت الأيام .. قضى فيها نور معظم وقته في الظلام الذي جعل خياله يسرح بأحلامه المستقبليّة.. بينما قضى ضياء جلّ وقته وهو يراقب البحر بانتظار سفينة تنقذهما من هذه الورطة ، وهو قلقٌ من غضب والده بعد تأخّره بالعودة لمنزله ..

***


وفي أحد الأيام ، تناقش المراهقان حقائق علميّة :

نور : تخيّل لوّ لم تكن الأرض تدور .. وكان نصفها مُضاءً للأبد ، والنصف الآخر مُعتماً طوال الوقت .. كيف ستكون الحياة ؟

فقال ضياء : 

- هذا ما تخيّلته البارحة : بأن كل المدن من هذه الجهة ، مُضاءة بعد توقف الأرض عن الدوران ، لسببٍ غامض ! بينما المدن من تلك الناحية ، يعانون من الظلام الدامس

- ولما يعانون ؟! لا شيء اجمل من السهر 

- وماذا عن المزروعات ؟ هي تحتاج لنور الشمس لتنمو


نور : أتظن سكّان الظلام مُعرّضون للموت جوعاً ؟

- إحتمالٌ وارد ، فلا حياة دون شمس.. فنحن نحتاج نورها بكافة مجالات حياتنا .. فأشعّتها تمدّنا بالفيتامين (د) لتقوية العظام والعضلات والمناعة ، وتقليل الالتهابات وتحسين وظائف القلب .. كما تخفّف من الإكتئاب ، فالليل يُشعرنا بالوحدة .. وأيضاً تقينا من السرطان.. وحرارتها تساعدنا على تخفيف الوزن  

نور : لطالما كنت بارعاً بالعلوم ، لكنك لم تتكلّم عن أخطار التعرّض الدائم للشمس : مثل تصبّغات الجلد واحمراره وحروقه المؤلمة ، عدا عن تعتيم عدسة العين

- ومع ذلك يبقى دور الشمس كبيراً في حياتنا اليوميّة

- تتكلّم وكأن الليل لا فائدة له 

ضياء : مثل ماذا ؟ 


نور : الظلام ينتج عنه الميلاتونين المساعد للإسترخاء والنوم.. ويقينا من اضّطرابات الجوع ، ويحسّن الذاكرة والتفكير والتركيز.. فأنت نمت اكثر من مرة في منطقتك المُضاءة ، وهاهي حبوب الشباب زادت في وجهك ، كما عصبيتك وتوتّرك .. لهذا سنتبادل الأماكن ، فلا ننام إلاّ بالظلام ، ولا نصطاد إلاّ بالمنطقة المُنارة .. إتفقنا ؟

ضياء : إتفقنا !!


بهذه الأثناء .. قفزا من مكانهما فور سماعهم لبوق سفينةٍ من بعيد ، تقترب من جهة الظلام ! 

فتوجّها الى هناك ، ليشاهدا نورها وهي تبتعد عنهما .. فأسرع ضياء بإنارة كشّافه وإطفائه ، بإشارةٍ  تعلّمها من الكشّأفة (تعني المساعدة) .. بينما نفخ نور بالصافرة بشكلٍ مستمرّ .. 

لكن السفينة تجاوزت المنطقة المظلمة ، مُتجهةً للمنطقة المضاءة ! 


فأسرعا للجهة الأخرى من الجزيرة ..مُستخدماُ ضياء مرآته لعكس اشعة الشمس ، باتجاه السفينة .. 

ليسمعا بعد قليل ، صوت رُبّانٍ يحدّثهما من مكبّر الصوت :

- هل هناك احد على الجزيرة المهجورة يُعطينا اشاراتٍ ضوئيّة ؟!!

فصرخا بعلوّ صوتهما :

- نعم !! نحن هنا !! أنقذونا رجاءً !!


ولم تمضي لحظات .. حتى غيّرت السفينة مسارها ، مُتجهةً نحوهما .. فحضنا بعضهما ، وهما يقفزان بسعادة لانتهاء الأزمة الصعبة.. 

وفجأة ! سقطا نياماً قرب بحيرة الجزيرة 

***


إستيقظا بعد قليل على الشاطىء ، والمُصطافين حولهما ! 

فسألوهما عما حصل .. فأخبرهما الصيّاد : أنه وجد سفينتهما عائمة وسط البحر ، وكلاهما نائمين في قعرها دون حراك .. ويبدو انه أغميّ عليهما بضربة شمسٍ في وقت الظهيرة .. فربط زورقهما بسفينته ، وأعادهما للشاطىء .. 


وحين سألاه عن الجزيرة الغريبة ؟ ضحك المصطافون ، لظنّهم بأن حرارة الشمس أثّرت على سلامة تفكيرهما .. 

حيث أكّد الصيّاد بعدم وجود تلك الجزيرة الخياليّة .. وطلب منهما العودة الى منزلهما قبل غروب الشمس ، كيّ لا يقلق أهاليهم !


لكن ضياء ونور عرفا بوجود تلك الجزيرة الغامضة وسط البحر ، فمن المستحيل أن يشاهدا نفس المنام ، وبتسلّسل الأحداث ذاتها ! 

لكن فضّلا كتمان الأمر ، كيّ لا يسخر الناس منهما .. وحمدا الله على ظهور تلك الجزيرة التي علّمتهما أهميّة الليل والنهار بحياتنا اليوميّة كدرسٍ علميّ فريدٍ من نوعه ، أنهيا بها صداقتهما المدرسيّة بعد انتقالهما لجامعتين مختلفتين .. لتصبح الجزيرة الغامضة من أهم ذكريات مراهقتهما الشقيّة !


الخميس، 15 ديسمبر 2022

العشق المكروه

تأليف : امل شانوحة 

وحش الغابة


في قريةٍ ريفيّة .. إعتاد الشباب والصبايا العازبين على الإجتماع في حفلٍ سنويّ مع بداية الربيع ، للإتفاق على شروط الزواج قبل نهاية موسم قِطاف المحاصيل الزراعيّة 

وهو عيدٌ متوارث منذ أجيال ، أدّى لزيجاتٍ ناجحة إستمرّت طوال العمر ..حيث على الحبيبين الوقوف على منصّةٍ وسط الحفلة ..ودقّ الناقوس لإعلان خطوبتهما ، وسط تصفيق رفاقهما .. 


وفي المقابل يفرح الأهالي فور سماعهم الجرس من بعيد ، الذي يؤكّد قرب زفاف إحداهن .. أمّا التفاصيل ، سيعرفونها مساءً.. 

ولم يقلق الأهل من إرسال فتياتهم اليافعات للبحث عن نصيبهنّ ، لأن قانون الحفل يسمح للشباب بالتحدّث معهن دون تلامس ، بعد انتشار إشاعة : على اختطاف وحش الغابة لكل من يخالف شروط الحفل الحاسمة .. 

ورغم علم الشباب بأن الوحش من تأليف الأهالي للإلتزام بالعادات والتقاليد ، لكنهم التزموا بها إحتراماً لثقة اهاليهم بهم 

***


إلاّ انه هذه السنة ، ساءت الحفلة بشكلٍ مخيف ! 

فبعد دقّ الشاب وحبيبته الناقوس ، قبل لبس الخواتم.. خرج وحشٌ اسودٌ ضخم من الغابة ! تسبّب بهلع اليافعين الذين فرّوا هرباً باتجاه اكواخهم.. ليعود الوحش المخيف الى الغابة ، بعد إفساده الحفل دون سببٍ واضح !  

***


وكانت التلّة القريبة من الغابة ، هي الساحة الوحيدة التي يجتمع فيها الشباب والصبايا بعيداً عن الوادي المُكتظّ بالأهالي وكبار السن الفضوليين.. لهذا حزنوا على ضياع فرصتهم بإيجاد نصيبهم هذه السنة..

الى أن تطوّع أقوى شبابهم للصعود مجدّداً الى الغابة ، لاكتشاف مخبأ الوحش.. 


ليعود بعد ساعتين لإخبارهم بعدم إيجاده ، رغم تفتيشه الغابة مراراً ! فهل كان وهماً بسبب الإشاعة القديمة ؟! 

فاعترضت فتاة على قوله :

- نحن أكثر من ثلاثين شابٍ وصبيّة ، جميعنا شاهدنا الوحش وهو يهجم علينا .. وانت هربت معنا للوادي .. فكيف تهيّأ لنا ذلك ؟!

فردّ الشاب : يبدو أن صوت الموسيقى الصاخب ضايقه .. فما رأيكم لوّ اجتمعنا غداً بهدوء ؟ 


فوافق رفاقه على اقتراحه .. بينما اعترض الأهالي على ذهابهم مجدداً للمكان الخطر .. لكن العشّاق ارادوا التجمّع ، للإتفاق على مراسم الزفاف ..فشهر الربيع والصيف لا يتعدّيا الشهرين ، قبل عودة العواصف بمنطقتهم الباردة ، لهذا لم يرغبوا بتفويت الموسم الذي انتظروه لعامٍ كامل

***


في الصباح الباكر .. تجمّع الشباب والصبايا بحذر ، دون إصدار صوتٍ يزعج الوحش النائم في الغابة القريبة منهم 


وبعد ساعتين .. وقف شابٌ وصبيّة امام الجرس ، دون لمسه ..وهمسا للمتواجدين بأنهما سيضعان الخواتم .. فتجمّعوا حولهما .. 


وبعد تلبيسها الخاتم ، قبّل رأسها بحنان .. ليسمعوا صراخ الوحش من بعيد ، مُتجهاً نحوهم بغضب ! 

فتفرّقوا عائدين لقريتهم .. ليعود الوحش للإختباء بالغابة ، بعد إفساده الحفل !

***


لاحقاً ، باءت محاولاتهم للتجمّع ثانيةً بالفشل .. ففور إعتراف شابٍ لصبيّة بحبه ، حتى يجنّ جنون الوحش دون مبرّر ! 

ليستنتجوا بأنه يستشعر ذبذبات الحب من نظراتهم العاشقة وابتساماتهم الخجولة !

 

ورغم غرابة الموضوع ! لكنهم قرّروا لبس النظّارات السوداء التي تحجب نظراتهم الحنونة.. كما امتنعوا عن قول الشعر والغزل 


وتقابل الأحباب خلف الأشجار او على طرفيّ جدولٍ جاري يفصل بينهما .. لتنجح نظريتهم بعد عودتهم سالمين مع غروب الشمس ، دون أذيّة الوحش الحاقد الذي تغضبه مشاعر الحب الصادقة ! 


ومع هذا تضايق الشباب لقرب انتهاء الموسم ، دون إبداء مشاعرهم لحبيباتهم التي كتموها لأشهرٍ طويلة .. 

فاجتمعوا بالقرية لتأليف لغةٍ غريبة تعتمد على وضع حرفٍ مُكرّر بين كل كلمة ، كيّ لا يفهم أحد جملهم وعباراتهم ! 


واجتمع الشباب والصبايا لثلاثة ايامٍ متتالية في ساحة القرية الضيّقة ، مُحاولين تجاهل نظرات الفضول من الأطفال والعجائز ، حتى أتقنوا لغتهم المُستحدثة 

***


وفي اليوم التالي ..إجتمعوا فوق التلّة وهم يضعون نظّاراتهم السوداء ، مُشدّدين على عدم الإبتسام او الحديث إلاّ بلغتهم الجديدة من خلف الأشجار 

لتنجح خطتّهم بالبوح بمشاعرهم الفيّاضة ، دون شعور الوحش بحبهم الغامر

 

إلى أن تحمّس احدهم بعد إعتراف حبيبته أخيراً بحبها له ! مما جعله يركض كالمجنون باتجاه الناقوس ويدقّه بقوة ، مُعلناً خطوبتهما .. 

ليظهر الوحش من العدم ! مُنقضّاً على الشاب الذي مزّق جسده بأظافره الطويلة الى اشلاءٍ صغيرة .. جعلت بعضهم يفقد وعيّه ، بينما هرب الباقين الى منازلهم وهم منهارين بالبكاء .. اما حبيبته ، فوجودها منتحرة في ليلتهم الحزينة ! 

***


ما حصل أغضب اهالي القرية الذين ارادوا كشف لغز الوحش الغامض ! فهناك من إستغلّ إشاعتهم القديمة لتحويلها لحقيقةٍ مرعبة ، وهذا يعني إن من يعطي التوجيهات للوحش هو من اهالي القرية .. وظلّ كبار القوم يدقّقون بالأمر ، حتى تذكّروا جاكلين !


وأسرعوا للبحث عنها بكوخها القديم فوق الجبل الذي هجرته لسنوات .. 

لكنهم تفاجأوا بعد خلعهم الباب ، بتواجدها في الداخل ! حيث كانت تتواصل مع الوحش عبر بلوّرتها السحريّة ، التي حطّموها بغضب !! .. ثم أحضروها مُكبّلة بالسلال الى ساحة القرية ..

***


بعد وضع حبل المشنقة حول رقبتها ، طالبوا باعترافها .. 

وبعد تردّد ، أخبرتهم الحقيقة : فهي كانت صبية يتيمة لا تتمتّع بالجمال او الأخلاق الحميدة ، لهذا رفض شباب قريتها الإرتباط بها بجميع مواسم الربيع .. حتى تجاوزت الثلاثين ، وأصبحت عانساً بالنسبة لهم ! فمنعوها الإشتراك بالحفلات الموسميّة القادمة .. مما أغضبها لدرجة جعلتها تنتقل للقرية المجاورة لتعلّم السحر عند مشعوذهم العجوز .. وهو من علّمها الإستفادة من قرينها الحاقد الذي باستطاعته التشكّل بهيئة وحشٍ غاضب ! 


وأخبرتهم انها تواصلت معه عبر البلّورة ، اثناء مراقبتها الحفل من خلف الأشجار .. وكلما شعرت بنظرات الحب او سمعت عباراتهم الغزليّة ، أعطته الإشارة لإفساد فرحتهم.. وقبل إقتحامهم كوخها ، كانت تحاول مع قرينها فهم لغة العشّاق الغامضة !  


ثم قالت باكية ، وهي تترجّاهم أن لا يشنقوها : 

- قريني الغبي تجاوز حدوده بقتله الشاب ..فأنا اردّت إفساد فرحتهم ، لإجبار الأهالي على إلغاء العُرف القديم الذي يقهر الفتيات اللآتي لا يجدن نصيبهن .. لكن الأمور خرجت عن السيطرة مع قريني الشيطانيّ .. أعتذر منكم !!


فاقتربت صبية منها ، وهي تقول بعصبية :

- حاولتي إيقاف نصيبنا ، لكن القدر جمعنا بأحبّائنا غصباً عنك !! ..ورغم إفسادك فرحتنا بكل الطرق ..إلاّ أن خوف الشباب علينا من أذيّة الوحش ، جعلهم يخطبوننا جميعاً هذه السنة ، وهو رقمٌ قياسيّ لم يحصل بأيّ حفلٍ موسميّ سابق 

فردّت جاكلين بقهر : اللعنة عليكم ايها الشباب !! لما لم تختارونني ؟ الأنني يتيمة ؟

فردّ أحدهم : بل لأنك سيئة الطباع 

جاكلين بغضب : اذاً سأقتلكم جميعاً !!


وبدأت بتلاوة تعويذة ، جعلتهم يسمعون صراخ الوحش من الغابة !

فأسرع رئيس البلديّة بدفع الكرسي الذي تقف عليه .. ليسمع الجميع حشرجتها وهي تصارع الموت .. بالوقت الذي كان فيه الوحش مُنطلقاً بوحشيّة نحوهم .. لكنه تحوّل لدخانٍ اسود ، تلاشى بالهواء ! فور لفظ الساحرة أنفاسها الأخيرة  


وبذلك انتهى الكابوس بموت الساحرة مع قرينها .. لتعمّ الإحتفالات بعقد قِران جميع الصبايا والشباب ، بموسمٍ ربيعيّ إستثنائيّ !  


الثلاثاء، 13 ديسمبر 2022

إلهامٌ مُدمّر

كتابة : امل شانوحة 

 

تبادل الأرواح


بعد سنواتٍ من الكتابة المتواصلة بمدونته في الإنترنت ، وفوزه بعدّة مسابقاتٍ كتابيّة .. شعر بفقدان شغفه للكتابة .. ولم تعدّ تخطر بباله أفكاراً جديدة .. حيث جلس لساعاتٍ امام حاسوبه ، دون كتابة حرفٍ واحد ! 

مما جعله يتساءل :

- هل حلمي بالفعل أن أصبح كاتباً مشهوراً ؟ هل لديّ موهبة الكتابة ؟! أمّ عليّ إيجاد عملٍ آخر ، بدل تضيّع وقتي بشيءٍ لم ينفعني لسنواتٍ طويلة ؟


واثناء  سرحانه بأفكاره السوداويّة ، ظهر عنوان على صفحته الفارغة بحاسوبه :

((بطولة قرصان))


والذي حصل ، سيجعل أيّ إنسان يفكّر بأمرين : إمّا هاكر إخترق حاسوبه ، او جني يحاول التواصل معه ! 

ومع ذلك لم يرتعب الشاب من غرابة الحدث ، بل وضع يديه على ازرار حاسوبه .. 


وسرعان ما بدأ بطباعة سيناريو قصةٍ بحريّة ، حسب ما يمليه عليه الصوت الذي يسمعه بوضوح في رأسه ! وهو صوتٌ رخيم لرجلٍ يتكلّم الإنجليزيّة ببلاغةٍ قديمة ، كما لو كان بزمن شكسبير ! 

حتى إن معظم الجمل التي دوّنها ، لم يعرف الكاتب المُبتدئ معناها ، لقدمها وقلّة استخدامها بعصره .. 

لكنه تابع الكتابة ، وكأنه في حصة املاءٍ بمدرسةٍ إبتدائيّة ! ظنّاً بأنه الإلهام او ملاكه الحارس الذي يرشده بعد أن ضلّ طريقه 


وتضمّنت القصة الأحداث التالية : ((في القرن الماضي .. تقاعد قرصانٌ عجوز من عمله السابق ، بنهبه للسفن التجاريّة .. راكباً في سفينةٍ أخرى صغيرة ، بعد توديع رفاقه القدامى للعودة الى بلاده وأحفاده .. وفي تلك الليلة بعرض البحر ، إستيقظ العجوز بعد شعوره بالمياه تغمر مقصورته ! وسرعان ما ارتفع صراخ النّسوة والأولاد من المقصورات المجاورة .. فأسرع لسطح السفينة ، ليتفاجأ بالقبطان ومساعديّه يهربون بقارب النجاة الوحيد ، بعد تحطّم القوارب الخمسة المتبقيّة بسبب الأمواج العاتية ! ليجد نفسه مُجبراً على استلام القيادة ، طالباً من الركّاب الشباب مساعدته بتوجيه الشراع حسب توجيهاته .. آمراً النساء والأولاد بالبقاء في غرفهم ، لحين انتهاء العاصفة التي استمرّت طوال الليل .. الى أن هدأت أخيراً مع بزوغ الفجر .. لتظهر مشكلة أخرى بعد تسرّب المياه لقعر السفينة التي بدأت تغرق ببطء .. فأمر الشباب بخلع ابواب المقصورات ، وإحضارها للسطح .. ثم استخدام حبال الأشرع لربطهم سويّاً ، لعمل قاربٍ يكفي ثلاثين راكباً .. ووضع عليها : جرّة خزفيّة من المياه العذبة ، ومعلّبات غذائيّة ، وسنّارتين ، وبعض البطانيات ، وأربعة سكاكين حادّة ، ومقلاتين وطنجرة كبيرة ، وحقيبة إسعافات أوليّة من شاشٍ ومطهّرات .. ثم حشروا انفسهم فوقها ، بعد إنزالها برفق للبحر .. وبدأ الشباب بالتجذيف بناءً على توجيهات القبطان الذي استخدم بوصلته القديمة ، دون علمهم بأنه قرصانٌ قديم .. إلى أن وصلوا لجزيرةٍ نائية .. ولخبرته بالعيش في الأماكن الغير مأهولة اثناء هربه مع رفاقه من رجال القانون ، علّم الشباب بناء الأكواخ من اغصان الشجر .. وكيف يصطادون الأسماك ، بعد إشعاله النار .. بينما تقوم النساء بطبخ الطعام.. اما الأولاد فقضوا اجمل لحظات حياتهم باللعب على الجزيرة ، والتعرّف على الحيوانات البرّية والطيور المتنوّعة .. وأمضوا بالجزيرة شهرين ، قبل استيقاظهم مساءً على صراخ القبطان وهو يلوّح بورقة نخيلٍ مشتعلة ، بعد رؤيته انوار سفينةٍ من بعيد ! فشاركوه الصراخ ، وإشعال المزيد من النيران .. مما جعل السفينة تتوجه اليهم .. وبذلك إنقذهم من الموت ، بسبب خبرته الطويلة.. وفور وصول العجوز للعاصمة ، رفع قضية ضدّ قبطان السفينة الذي تخلّى عنهم اثناء نومهم ، مُخالفاً قانون البحر بالغرق مع سفينته ! لكن القبطان (الذي نجى وحده من العاصفة ، دون مساعديّه) إستعان بمحاميٍ جيد ، إستطاع كشف ماضي العجوز المشين .. وشهّر بجرائمه السابقة ، مع ذكر اسماء السفن التجاريّة التي استولى عليها .. طالباً من القضاء شنقه ، او حبسه لآخر عمره ! مما أثار غضب الناجين وعائلاتهم الذين لم يهتموا لماضيه ، بقدر إنقاذهم من موتٍ محتّم .. وبعد أن ادلى الجميع بشهادته .. حكم القاضي بالعفوّ عن العجوز ، آمراً السلطات المُختصّة بتنظيف سيرته الذاتيّة .. ومُعاقباً القبطان بطرده من وظيفته ، لإهماله مهنته .. ليس هذا فحسب ، بل عيّن العجوز لتعليم الملاّحين الجدّد اصول قيادة السفن بالظروف الصعبة الإستثنائيّة ، وكيفيّة النجاة في حال وصلوا لجزرٍ نائية .. ليهللّ الناجون فرحاً من حكم القاضي العادل الذي لاقى استحسان المجتمع !))


بعد انتهاء الكاتب من قصته .. نشرها ضمن مسابقةٍ كتابيّة ، وهو يشعر بالفخر مما كتبه ..

***


بنهاية الشهر .. ظهرت نتيجة المسابقة ، بفوزه بالجائزة الأولى : وهي طباعة كتابه وتوزيعها على المكتبات .. لتصلّ لناقدٍ سينمائيّ ، قام بترشيحها لصديقه المخرج العالميّ الذي اتفق مع الكاتب المبتدئ بإعطائه نسبة من ارباح الفيلم الذي نجح بجميع دور السينما 

*** 


بعد انتهاء المقابلات الصحفيّة .. عاد الشاب الى حاسوبه ، محاولاً كتابة قصة اخرى ، بناءً على طلب مخرّجين جدّد .. لكنه لم يجد فكرة جديدة لأيامٍ عدّة ! مما اعاد اليه شعور اليأس والقلق ، جعله يصرخ بغرفته بعصبية : 

- اين انت يا إلهامي ؟!! .. لما لا تساعدني ؟! أحتاجك الآن !!


لتظهر جملة على حاسوبه :

- هل ظننت انك كتبت القصة السابقة ؟

فطبع الشاب بيدين مرتجفتين :

- من انت ؟!

فظهرت الإجابة : 

- كاتبٌ من العالم الموازي

- وماذا تريد ؟

- الحصول على التقدير الذي استحقّه.. ومكافئتي عن الشهرة التي منحتها لك 

الشاب بقلق : وما المقابل الذي تريده مني ؟! 

- أغمض عينيك

- لماذا !

- نفّذ طلبي ، دون معارضة !! 


فأغمض الشاب عينيه .. وفتحهما بعد قليل ، ليجد نفسه في زنزانةٍ ضيّقة وقذرة ! فنظر من نافذتها الصغيرة ، ليرى بحراً هائجاً في الخارج !


وقبل أن يصيبه الهلع ، سمع صوتاً في اذنه يقول :

- عشت بهذه الزنزانة لعشرين سنة ، بسبب قصة سخرت بها من الملك .. فعاقبني بالسجن المؤبّد في جزيرةٍ نائية .. ومع الأيام إستطعت تطوير مهارتي بالتخاطر .. لأتفاجأ بقدرتي على التواصل مع كاتبٍ مبتدئ يعيش في المستقبل

الشاب بفزع : المستقبل ! وبأيّ زمنٍ أعيش الآن ؟!

- بعصر الجهل والتخلّف ، في القرن السادس عشر

- 16 ! .. لا رجاءً !! أعدني لعالمي 

الصوت : وهذه موهبة أخرى طوّرتها بنفسي ، وهي تبادل الأرواح 

- تقصد الأجساد ؟

- بل الأرواح .. أنظر لنفسك من زجاج النافذة


فنظر الشاب لانعكاسه على الزجاج ، ليرى وجه عجوزٍ بلحيةٍ وشعرٍ طويل

- هذا ليس انا ! لست قبيحاً لهذه الدرجة

الصوت : وانت ايضاً لست بهذه الوسامة ، لكني سعيد بجسمك الرياضيّ .. وطالما انتقلت لعصرٍ يُقدّر فيه الكتّاب ، ويعطونه حرّية الرأيّ ..سأصبح من المشاهير بعد تدويني عشرات القصص التي ألّفتها في السجن ، بعد حرماني من الأوراق التي طلبتها مراراً من الحرّاس الملاعين !!

- انت جاهل بأمور الحاسوب ، فانقلني اليك .. ويمكنك الإحتفاظ بجسدي .. دعني أعلّمك التكنولوجيا .. لا تجعلني أتعفّن وحدي هنا ، رجاءً سيدي !!

الصوت : جسدك كفيل بتعليمي ما فاتني من حضارات .. اما انت !! فلن تعيش طويلاً ، فطبيب السجن أخبرني بإصابتي بالسلّ بسبب رطوبة السجن

- السلّ !


وفجأة ! بدأ الشاب يسعل بقوة ، الى أن بصق الدماء

- لا !! لا اريد الموت هنا

الصوت : لن يهتم أحد بوفاتك ، فأنت فقدّت موهبة الكتابة بعد نفاذ افكارك المستهلكة البالية .. أما انا ، فلديّ موهبة حقيقة .. وسأدهش العالم بأفكاري الرائعة .. الى اللقاء ايها التافه !! فورائي عملٌ كثير ، ومالٌ وشهرة بانتظاري


ثم انقطع الصوت .. ليعمّ الصمت بزنزانة الشاب الإنفراديّة ، المتواجدة بقبو سجنٍ مهجور !

وترتفع أصوات الفئران وحركتها المزعجة مع غروب الشمس 

بالإضافة لما ينتظر الشاب في الأيام القادمة : من طعامٍ رديء ودورة مياهٍ قذرة ، ومعاملة قاسية من الحرّاس ، وموتٌ بطيء دون علاج في اسوء مكانٍ على الأرض ! 


بينما الكاتب المحترف ينطلق بسرعة نحو الشهرة مع كل كتابٍ يؤلّفه ، يصدم به القرّاء والنقّاد .. ليحصد الجائزة تلوّ الأخرى .. ويصبح من أشهر كتّاب العصر الحديث !


الأحد، 11 ديسمبر 2022

الرجل المُقنّع

تأليف : امل شانوحة 

 

تهديدٌ غامض


كان عليها البقاء وحدها في المنزل ، بعد سفر زوجها لعمله في المدينة المجاورة .. 


وفي تلك الليلة ، إستيقظت في منتصف الليل على صوت المطر مع بداية فصل الخريف ..

فأسرعت الى الشرفة لإزالة الملابس من المنشر قبل تبلّلهم من جديد ..

لتلاحظ رجلاً مُقنّعاً يقف تحت عمارتها ، وينظر الى شرفتها المُضاءة وبيده شيءٌ حادّ كالسكين !


وما ان التقت عيناهما ، حتى مرّر السكين على رقبته بإشارةٍ تعني ذبحها.. ثم ركض باتجاه البوّابة ..

مما أرعبها ، لدرجة أسقطت الملابس من يدها.. مُسرعةً باتجاه باب شقتها ، للتأكّد من إقفاله جيداً ..


ثم أخرجت سكيناً ضخماً من مطبخها .. وحبست نفسها في غرفة نومها وهي تمسك الجوّال ..


وتنصّتت على باب غرفتها بانتظار سماعه يقتحم شقتها (بالطابق الثالث) ، للإتصال بالشرطة .. 


لكنها مرّت ربع ساعة دون سماعها شيء ! 

وتساءلت إن كانت مزحة ثقيلة من أحد معارفها او اصدقاء زوجها الذين يعلمون بسفره ؟ 


ثم انتابها خوفٌ آخر : بأن يكون القاتل مُنشغلاً بتسلّق قسطل المبنى للوصول لشرفتها ، بعد أن وجد بوّابة العمارة مُقفلة .. 


وبدأت تتوهّم بسماعها خطواته بالصالة !

ومن شدّة رعبها ، أُغميّ عليها .. فهي تعاني من مشاكل قلبها منذ طفولتها 

***


إستيقظت قبيل الفجر على صوت سيارة إسعاف متوقفة اسفل المبنى!

لتعلم لاحقاً ، بأن جارتها بالطابق الثاني ذُبحت اثناء نومها !

ففهمت أن القاتل إلتبس بينها وبين جارتها .. وبعد صعوده المبنى ، توجّه للشقة التي يقصدها ، الواقعة أسفل منها !

وشعرت بذنبٍ كبير لعدم اتصالها بالشرطة ، لربما أنقذوها ..


لكنها عادت لتهدئة ضميرها : بعدم تمكّنهم الوصول لعمارتها ، بالوقت القصير الذي استغرقه القاتل بصعود الأدراج نحو شقة المغدورة


وتردّدت كثيراً لإخبار المحقّق بما رأته ، فهذا سيجعلها شاهدة اساسيّة  بمقتل جارتها .. وهي بالحقيقة لم ترى سوى رجلٍ مقنّع بثيابٍ سوداء .. وخافت لوّ شهدت ضدّه ، أن تُصبح ضحيّته التالية ..


كما قلقت من زوجها الشكّاك الذي يُتعبها بغيرته الزائدة : فربما ظنّ انها تخونه بغيابه ، وأن القاتل هو حبيبها !

فكتمت الموضوع .. واكتفت باستقالتها من عملها في اليوم التالي ، وانتقالها للسكن مع زوجها بالمدينة المجاورة

***  


بعد ايام من وجودها في العمارة الجديدة التي يسكن فيها زوجها بالطابق الأول .. قال لها قبل نومه :

- انا سعيدٌ جداً لاستقالتك اخيراً من عملك ، والعيش معي .. فبُعد المسافة بين عملينا ، أتعبني في الخمس سنواتٍ الماضية


فلم تخبره أن سبب إنتقالها ، هو فقدانها الأمان بشقتها القديمة .. فهي مازالت تحلم بالكوابيس عن إقتحام المقنّع منزلها ، حاملاً سكينته الحادّة !

*** 


بعد اسبوع ، إستيقظت في آخر الليل على صوت الرعد .. وارتعدت بخوف بعد رؤية باب شرفتها مفتوحاً (فهي مُقابلة لسريرها) 


فطلبت من زوجها إغلاقها .. فأجابها بنعاس :

- الجوّ مازال دافئاً ، وهواء المطر يُنعشني .. دعيه مفتوحاً


ثم عاد للنوم دون علمه بأن المطر إرتبط بعقلها الباطن بالقاتل ، والتي تشعر بمراقبته مبناها الجديد تحت المطر ! 


وتسمّر نظرها باتجاه الشرفة بخوف ، وهي تترقّب رؤية يدين القاتل بعد تسلّقه الطابق الأول 


وظلّت مُرتعبة ، حتى ضاقت أنفاسها .. ونامت من شدّة إرهاقها النفسيّ

***


لتستيقظ قبيل الفجر على صوت حشرجة مخيفة لزوجها ! فأدارت ظهرها ، ظنّاً بأنه يختنق بريقه.. 

لتشاهد الرجل المقنّع يتوجه للشرفة ، وسكينته تقطر دماً ..

فانتبهت بأن رقبة زوجها مذبوحة تماماً !


وقبل صراخها ، قال لها القاتل :

- زوجك خانك مع زوجتي .. فقتلت جارتك اولاً ، ثم هو .. نوماً هانئاً 


وقفز من الطابق الأول ! 

ليُغمى عليها بعد تدمير القاتل لشعور الأمان لديها ، والتي عليها أن تتعالج من عقدته في مصحٍّ نفسيّ لسنواتٍ طويلة !


السبت، 10 ديسمبر 2022

بطولة العالم

كتابة : امل شانوحة 

حلمٌ طال انتظاره


تجمّع العرب في الاستاد الرياضيّ لحضور المباراة النهائيّة بين المغرب والأرجنتين وقلوبهم تخفق بشدّة ، بانتظار الضربة الترجيحيّة الأخيرة التي ستحدّد بطل العالم بكرة القدم 2022..


ليُفاجئ قائد المنتخب المغربي الجميع ، بتوجّهه لمدرّجات الجماهير المغربيّة والعربيّة ، طالباً منهم الترديد خلفه :

- النصر لفلسطين !!

وبثواني ! ضجّ الملعب القطري بهتافات العرب من جميع الجنسيات :

- النصر لفلسطين !!.. النصر لفلسطين !!

بينما كتم الجمهور الأرجنتيني والإعلام الأجنبي غيظه من عبارتهم التي تهدم مخطّاطاتهم التدميريّة !


ثم اقترب القائد من الكرة ، رافعاً نظره للسماء : 

- يارب انصرنا


وبلحظة تخطف الأنفاس ..سدّد الكرة بكل قوته ، لتخترق الشباك ..مُتزامناً مع صراخ المشجّعين بعلوّ صوتهم ، بعد فوز اول دولة عربيّة ببطولة العالم !!!!! 


وامتدّت السعادة لكل منزلٍ عربيٍ ومسلم ، بعد نصرٍ طال انتظاره .. مئة عام من الذلّ والهوان ، إنتهت بتسديدة البطل الذي أعطى جرعة أمل بنصرٍ قريب ، وصلاةٌ بالقدس كما تمنّينا دائماً .. فالإسلام سيُعزّ بعزّ عزيزٍ او ذلّ ذليل


فشكراً قطر التي جمعت شتات العرب الذين تمنّوا من الله أن لا يحرمنا الإنتصار بجميع مجالات الحياة .. اللهم آمين !!


الجمعة، 9 ديسمبر 2022

رحلة اللّاعودة

تأليف : امل شانوحة 

 

العروس الحزينة


تلقّى شيخٌ جليل دعوة لحضور مؤتمرٍ دينيّ في المدينة المجاورة .. 

وبعد صعوده القطار ، توجّه للمكان المحجوز له.. ليتفاجأ بوجود عروس تبكي بقهر ! 

وعندما رأته ، سألته بارتباك :

- عفواً ! أهذه مقصورتك ؟

فنظر الشيخ مجدّداً للرقم على تذكرته :

- أظن ذلك  

العروس وهي تمسح دموعها : 

- آسفة ، أعاني من يومٍ سيء .. سأخرج حالاً 


لكن الشيخ أوقفها ، وجلس في المقعد المقابل وهو يسألها :

- هل هربت من عرسك ، يا ابنتي ؟

فانهارت بالبكاء :

- ابي يريد تزويجي من رجلٍ لا احبه

الشيخ : لكن هروبك لا يحلّ المشكلة ، بل يُزيدها تعقيداً.. وستقلق عائلتك من رحيلك المفاجىء 

- لم اجد طريقة اخرى ..فأنا رفضته أكثر من مرة ، لكن والدي يصرّ على تزويجي منه !

الشيخ : وما عيب العريس ؟

- لا اعرفه جيداً


الشيخ معاتباً : عذرك غير مقبول ! فالبيوت تُبنى على العشرة الحسنة بعد الزواج .. ومشكلتك كانت ستُحلّ لوّ أطلتم فترة الخطوبة ، للتعرّف على طباعكما .. ثم لا تصدّقي ما يقال بالأفلام الرومنسيّة ، فمعظم المشاهير تطلّقوا قبل إكمال عامهم الأول .. عدا عن فضائحهم التي تملأ وسائل التواصل الإجتماعي

العروس بقهر : كان حلمي الزواج من شخصٍ أعشقه بجنون

- انت فتاةٌ يافعة ، ومتأثّرة بآراء صديقاتك .. لكن والدك أدرى بمصلحتك .. فقد يعجبك شاب لوسامته او لسانه العذب .. بينما يستطيع والدك كشف ألاعيبه بمقابلةٍ واحدة .. صدّقيني يا ابنتي ، حلم كل والد هو رؤية ابنته سعيدة مع زوجها ..وكابوسه : عودتها اليه مطلّقة ومكسورة الخاطر .. لهذا لن يحب احد مصلحتك كأبيك ، فثقي باختياره


العروس بتردّد : أهذا ما تراه ، شيخي ؟

- طبعاً !! .. إستعيذي من الشيطان وعودي لعرسك ، قبل إطلاق المعازيم لشائعاتٍ تضرّ بسمعتك وصيت أهلك

- أخاف أن يضربني والدي ، فهو شديد العصبيّة

الشيخ : بأيّةِ منطقة تعيشين ؟

- في بلدةٍ لا تبعد كثيراً عن محطّة القطار

- اذاً دعينا ننزل ، قبل تحرّكه

العروس بدهشة : هل ستأتي معي ؟!

- سأحاول التوسّط لك ، لعودة المياه لمجاريها

- أخشى أن أؤخّرك عن عملك

الشيخ : لا تقلقي ، سأركب في القطار التالي .. هيا بنا !!

***


واستقلّتهما سيارة الأجرة .. وكلما مشوا في طريقٍ فرعيّ ، أخبرت السائق أن منزلها في الشارع التالي.. حتى وصلوا لعمارةٍ من ثلاثة طوابق متواجدة بأطراف منطقةٍ شعبيّة ..


وبعد نزولهما من التاكسي .. سألها الشيخ :

- لما تعيشون منعزلين عن الناس ؟!

العروس : ابي طباعه صعبة ، ولا يحب الإختلاط معهم..

فنظر مجدّداً للمبنى : 

- أخاف أن نكون تأخّرنا ، فلا ارى مظاهر الزفاف .. ولا صوت لزمرٍ وطبل !

العروس : العمارة لأبي ، والإحتفالات والإجتماعات تُقام في الطابق السفليّ.. 

- اذاً لننهي الموضوع سريعاً

***


نزلا معاً للطابق السفليّ .. ليجدا المعازيم يتناولون طعامهم .. والعريس يرقص مع اصحابه ، كأنه لم ينتبه احد على اختفاء العروس !


وبعد قليل .. أمسكت العروس يد الشيخ ، وهي تقول فزعة : 

- أخبرتني امي أن ابي نزل للقبوّ ، وهذا يعني انه غاضبٌ جداً .. انا خائفة من رؤيته وحدي .. رجاءً تعال معي

الشيخ : حسناً ، هيا بنا

***


ونزلا بضعة ادراج ، حتى وصلا للقبوّ.. 

ليرى بداخله رجلاً خمسينيّ يجلس وحده ، ووجه للحائط !

فاقتربت منه ابنته ، وهي تقول :

- ابي .. لقد عدّت

لكنه لم يجيبها.. فأكملت قائلة : 

- أقنعني الشيخ بإتمام الزواج


فأدار الأب رأسه .. وما أن رأى الشيخ ، حتى ابتسم ابتسامةً عريضة ! وهو يقول لإبنته :

- لم اظنك قادرة على فعل ذلك ! انا فخورٌ بك

وقبّل رأسها .. لتقول بغرور :

- أخبرتك إن المهمّة سهلة 

فقال الأب للشيخ بمكر : 

- اهلاً بك في الجحيم !!

ثم تلا تعويذةً غريبة ، نفخها بوجه الشيخ .. جعلته يسقط على الأرض ، فاقداً الوعيّ !

***


إستيقظ الشيخ بعد ساعة ، ليجد نفسه مُكبّلا اليدين والقدمين ! والمعازيم مجتمعين حوله بالقبوّ .. 


وقبل أن يسألهم ما حصل ، شعر بهزةٍ أرضيّة .. أرعبته وحده دون الحضور الذين التفتوا جميعاً لزاوية القبوّ بحماسٍ شديد ! 

قبل خروج عرشٌ ذهبيّ من تحت الأرض ، يجلس عليه مخلوقاً مخيفاً بقرونٍ وذيلٍ طويلة ..والذي ضحك ساخراً ، وهو يُشير للشيخ:

- من البطل الذي استطاع إحضاره الى محفلي ؟

فتقدّمت العروس بفخر :

- انا ، سيد ابليس !!

ابليس : يعني نجحت خطتك !


العروس : نعم !! أحضرته الى هنا ، ليكون قرباناً لك .. فقد راقبته لشهرين ، لحين معرفتي بمؤتمره الدينيّ.. فجلست في مقصورته بالقطار .. والمسكين وقع بالفخّ فور رؤيته لعروسٍ يافعة .. فهل ستفي بوعدك سيدي وتزوّجني أحد ابنائك ، لرفع مقامي بين عبّاد الشياطين ؟ 

ابليس بمكر : وكيف سأجيبك وأنا لم أتذوّق بعد ، قلب الشيخ الورع؟ 

العروس بحماس : سأحضره لك فوراً !!


واقتربت من الشيخ المُقيّد ، رافعةً سكينها الحادّ.. 

وقبل إنهاء تشهّده ، غرزت السكين في قلبه .. وسط هتافات المعازيم ، وتراتيلهم المرعبة !


الخميس، 8 ديسمبر 2022

العقار المُميت

تأليف : امل شانوحة 

 

الكيميائيّ المتهوّر


قبل شهر من نهاية العام .. إقترب شاب من أمينة الصندوق في السوبرماركت ، لحساب مشترياته.. 

فلاحظت الموظفة شرائه اللُّبان بجميع انواعه !

فقالت ممازحة :

- ستزور طبيب الأسنان قريباً ، بعد هذه الكميّة من اللُّبان !

فقال بوجهٍ خالي من التعابير : سأحتاجهم لاحقاً

- هل انت استاذ إبتدائي ، وهذه مكافآت للطلاّب المتفوقين بنهاية الفصل الدراسيّ الأول ؟

فردّ بجفاء : عليّ جمع اكبر كميّة ممكنة

ووضع اللُّبان في اكياس ، متوجهاً لسيارته في الموقف العام.. تاركاً الموظفة بحيرة من إجابته الغامضة !

***


لم يذهب الشاب مباشرةً لمنزله .. بل تنقّل من بقالةٍ الى أخرى لشراء اكبر كميّة من اللُّبان (من مدّخرات والديه المتوفيّن)

وبحلول المساء .. امتلأت سيارته بأكياس اللُّبان التي خزّنها في صناديق بقبو منزله !

***


بعد إنتهاء حفلة رأس السنة بأيام ، إنفجر مصنع اللُّبان لسببٍ مجهول.. ولم يمضي اسبوع ، حتى احترق مصنعٌ آخر لصنع اللُّبان!


وبانتهاء الشهر الأول من السنة الجديدة ، أُغلقت جميع المصانع العشرة المخصّصة لصنع اللُّبان !

ورغم غرابة الخبر ! لكنه لم يكترث احد لخلوّ المحلاّت التجاريّة من اللُّبان ، الذين استعاضوا عنه بغسول الفم ..

***


في الشهر التالي .. بدأ ظهور اعراض مرضٍ غريب إنتشر بين الأطفال ، من بعدها انتقل لكبار السن .. ثم للشباب والمراهقين !

حيث بدأ المرض بطنينٍ مزعج بالأذن ، ثم اشتدّ ألمه بعد شعور المريض بضغطٍ هائل في اذنه ، كأنه في طائرة اثناء إقلاعها !


ويزيد الضغط بمرور الأيام ، حتى تنزف الأذن دماً ! بعدها يبدأ الشخص بفقدان سمعه تدريجيّاً مع دوخةٍ مستمرّة ، وعدم توازن بالحركة والإغماء المتواصل .. 

ويبدو إن فيروساً يتغذّى على صمغ الأذن .. وبعد أكله بالكامل ، يبدأ بالتهام طبلة الأذن ! 

***


في البداية نصح الأطباء بعدم تنظيف الأذن ، فشمعه يحمي السمع لحدٍّ ما .. لكن المرضى ظلّوا يشتكون من الضغط الهائل داخل آذانهم ، الذي يخفّ ألمه اثناء الطعام ! 

فاكتشف احد الأطباء إن المضغ يساعد على تحريك عضلات الأذن ، مما يعيق نشاط الفيروس ! لهذا اقترح مضغ اللُّبان لأطول وقتٍ ممكن 

***


فور انتشار الخبر بالإعلام ، توجّه الناس للمحال التجاريّة لشراء اللُّبان الذين تفاجأوا باختفائه ! خاصة بعد إغلاق حدود دولتهم عقب انتشار مرضهم الغريب ، وتوقف استيراد البضائع من الدول المجاورة ..

كما أثبت تقرير الشرطة إن الحرائق بمصانع اللُّبان مُفتعلاً ، بعد تعطيل كاميرات المراقبة فيها !


والوحيدة التي شكّت بالفاعل : هي أمينة صندوق السوبرماركت التي تذكّرت الشاب الغامض الذي اشترى جميع صناديق اللُّبان قبل رأس السنة 

وأخبرت الشرطة بذلك ، التي قامت بمراجعة كاميرات السوبرماركت .. ولحسن حظهم لم يُحذف فيديو الشاب اثناء توجّهه لسيارته البيضاء في الموقف ، حيث التقطت الكاميرا الخارجية للسوبرماركت لوحته الخلفيّة..


وسارعوا بالبحث عنه .. ليعلموا بعرضه اللُّبان بأسعارٍ مضاعفة على الإنترنت .. وبيعه صناديق كثيرة ، جعلته يكسب مليون دولار خلال ايامٍ معدودة !

***


توجّهت الشرطة فوراً الى منزله (بعد مراقبة كاميرات الطرق) .. ليجدوا مخزن اللُّبان في قبو منزله الخالي من السكّان .. مع عثورهم على سيارته البيضاء في مرآبه !

كما وجدوا في قبوه ، غرفةً سرّية لمختبرٍ طبّي ! 

فاتصلوا بخبراء كيميائيين ، حضروا بثيابهم الواقية لمعرفة ما يحضّره الشاب في مختبره السرّي ..

 

وكما توقعوا ! فهو من استحدث الفيروس الغريب الذي فقد السيطرة عليه بعد سقوط عيّنة منه على فروّ كلبه الذي هرب منه .. ليعود بعد ساعة وأذنه تنزف دماً ! (حسب ما ذكره في حاسوبه) .. وقد عثروا على هيكل كلبه العظميّ محفوظاً بزجاجٍ واقي في مختبره ! 


وحسب مذكّراته : يشكّ أن كلبه نقل المرض لكلبة الجيران التي ماتت بعده بأيام ، بعد نقلها العدوى لأبناء الجيران الذين نقلوها لأصدقائهم بالمدرسة ، قبل انتقالها لأولياء امورهم ! 

ويظن أن الفيروس ينتقل بملامسة الجلد المصاب او فروّ الحيوانات .. وهو يظهر بالمجهر الضوئي : كدودةٍ صغيرة تنتقل تحت الجلد ، متوجهة لشمع الأذن اولاً ..ثم تتكاثر في الجسم بعد اختراقها طبلة الأذن !  


ورغم عدم إنهاء الشاب لدراسته الثانويّة ، إلاّ انه عبقريّ بالمجال الكيميائيّ .. فهو علم مسبقاً بأن المضغ يُعيق اداء الفيروس اطول مدةٍ ممكنة .. لهذا احتكر اللّبان عنده ، لبيعها بإسعارٍ خياليّة ! 

وبسبب نشره للمرض الخطير ، وزّعت صوره بكافة مراكز الشرطة للقبض عليه ..

***


بنهاية الإسبوع .. تمّ القبض على الشاب الغامض مُختبئاً في الغابة ، بعد هربه من الشرطة التي رآها من بعيد تقتحم منزله ..


وبعد التحقيق معه ، أخبرهم بشيءٍ أفزعهم .. فهو من نشر مرض الكورونا ، وليس الصين كما عرف للعالم قبل سنتين ! 

وذلك بعد مشكلة مع والده الذي عيّره دائماً بفشله الدراسيّ .. لهذا استحدث المرض في مختبره (فهو منع والديه الإقتراب من غرفته بالقبو) لكن الأمور خرجت عن السيطرة بعد موت والديه بالكورونا .. ولم يستطع دفنهما بالغابة (كما خطّط) بعد ملاحقته من سيارة شرطة لتجاوزه السرعة ، فاضّطر لرميهما في النهر .. وكان هناك سائحيّن آسيويّن يسبحان وهما يغنّيان بسكرٍ واضح ، ويبدو التقطا المرض قبل عودتهما للصين ! 

***


وبعد ساعتين من التحقيق معه .. أثار بروده ، غضب المحقّق الذي شدّه من قميصه بعنف (حيث يدا الشاب مُكبّلتين للخلف) صارخاً في وجهه ، وهو يمضغ اللُّبان بعصبية :

- إسمع ايها النكرة !! انت أحدثت مرض الأذن ، فماهو علاجه؟

الشاب : ألهذا تمضع الّلبانة تلوّ الآخرى طوال التحقيق ؟ متى أصبت بالطنين المؤلم ؟ 

- أجبّ سؤالي يا لعين !!

الشاب : إخبرني اولاً .. كيف حللّت المشكلة اثناء النوم ؟

- أضبط المنبّه للإستيقاظ كل ساعتين لتناول اللُّبان ، الذي أصبح أغلى من اللحم بسببك .. واعتزلت عائلتي ، حتى لا يصابوا بالعدوى


الشاب معاتباً : ورغم إصابتك ، أحضروك لتعديني بمرضك ؟!

- أعديك ايها التافه !! وانت من أصبت البلاد بالمرض القاتل.. هيا تكلّم !! ماهو العلاج ؟

- مازلت ادرس الموضوع

- لم تجده بعد !

الشاب بغرور : عليكم إطلاق سراحي لأكثّف أبحاثي قبل تطوّر المرض ، فلا حلّ آخر امامكم

*** 


وكان القاضي (الذي توفيّ حفيداه بسبب المرض الغامض) يريد إعدام الشاب المتهوّر .. لكن المحقّق والمحاميين (الذين أصيبوا عائلاتهم بالمرض) أقنعوه بحجزّ الشاب في مختبرٍ طبّي متطوّر مع نخبة من الكيميائيين ، لإيجاد العلاج بأسرع وقتٍ ممكن .. 

فالمرض شلّ إقتصاد البلد بعد توقف العمل بها ، وإغلاق المدارس والجامعات .. وطالما الشاب خبير بهذا المجال ، فعليه إيجاد العلاج لأنه أدرى بتركيبة الفيروس التي رفض إخبارهم بها !


فوافق القاضي مُرغماً .. وتمّ تقيّد الشاب بسلاسل طويلة لا تعيق عمله داخل المختبر المراقب بالكاميرات ، مع مجموعة من أفضل المخبريين للعثور على العلاج اللازم ..

***


وبعد اسابيع من العمل الجاد.. رفع الشاب محلولاً احمراً امام المخبريين الخمسة وهو يقول بحماس :

- وجدّت العلاج اخيراً !! 

- أحقاً ! 

الشاب بفخر : نعم ، تعالوا لرؤية الفيروس وهو يموت بقطرتين من هذا المحلول


وتجمّعوا امام الشاشة المخصّصة لتكبير شريحة المجهر ، وهم غير مصدقين كيف لشابٍ عشرينيّ لا يملك شهادة ثانويّة من إيجاد علاجٍ أربكهم لشهورٍ عدّة ! حيث قضى محلوله السحريّ على المرض تماماً


وعلى الفور !! أُرسل العلاج لمصنع الدواء لتحويله الى قطرة أذن ، توزّع على جميع المستشفيات وعيادات البلد 

***


لم تمضي اسابيع على نشرهم العلاج الذي أُعطي إجبارياً لكل منزلٍ فيه شخصٌ مصاب ، حتى اختفى المرض تماماً 


من بعدها طالب الشاب بالعفو عنه بعد إيجاده العلاج ، لكن القاضي رفض طلبه قائلاً :

- وماذا عن الثلاثين طفلاً وعجوزاً الذين ماتوا بعد انفجار طبلة اذنهم ، مسببةً نزيفاً داخليّاً ؟ هل ندعك تهرب بذنبك ، لتنتج فيروساً جديداً يقتلنا جميعاً ؟!!

الشاب : انت غاضب سيدي لموت حفيديك ، لذلك لا تفكّر بمنطقيّة.. فأنا وجدّت العلاج بوقتٍ قياسيّ ، وإطلاق سراحي هو مكافئةً عادلة

- وأنت من أحدثت المرض في بادىء الأمر ، لتحتكر اللُّبان لربحك الماديّ 

- انا كشاب عاطل عن العمل قضيت وقتي بالتجارب الكيميائية ، لكن الأمور خرجت عن السيطرة دون ارادةٍ مني 

القاضي بعصبية : وماذا عن ملايين الدولارات التي خسرتها دول العالم بسبب الكورونا ؟!!

- وذلك المرض انتهى ايضاً .. على الأقل علّمت البشريّة أهميّة النظافة


وهنا دخل شرطي الى قاعة المحكمة ، ومعه شريط فيديو :

- سيدي !! عليك رؤية ما صوّرته كاميرا المراقبة ، لحسم قضيّة الشاب


وظهر بالفيديو (ما صوّرته كاميرا محطّة البنزين ، القريبة من مصنع الّلبان) رقم سيارة الشاب البيضاء وهي تبتعد عن المصنع مساءً ، قبل انفجار المصنع بقليل !

فصرخ القاضي غاضباً :

- يا لعين !! أأنت من أحرقت مصانع الّلبان ، لاحتكار المنتج؟!


فتنهّد الشاب بضيق بعد انكشاف جرائمه : 

- يبدو انني بورطةٍ كبيرة ! فهل ستحكم عليّ بالمؤبّد ؟

القاضي بعصبية : قتلت ملايين البشر بمرضين قاتلين ، وأفلست شركاتٍ كبرى وأوقفت العالم على قدمٍ واحدة لسنتين ، وأحرقت مصانع اللُّبان ، وتسألني عن عقابك ايها تافه ؟.. صحيح إن بلدنا ألغى حكم الإعدام ، لكني سأقوم باستثناء لفداحة ذنبك ..وسأحكم بشنقك علناً بساحة المدينة ، لتكون عبرة للجميع !!

الشاب : بذلك تخسرون عالماً كيميائياً عبقريّاً

- بل سنخسر شيطاناً عديم الإحساس والضمير

الشاب بتهكّم : اذاً لتجد ملائكتكم علاجاً لمرضي الجديد الذي استحدثته اثناء وجودي بمختبركم المتطوّر


وفتح فصّ خاتمه الكبير ، لشرب قطراتٍ منه !

قبل سقوطه على الأرض وهو يتلوّى بألمٍ شديد ، بعد انتفاخ بطنه بشكلٍ مرعب ، تسبّب بتمزيق قميصه امام انظار الحاضرين في المحكمة الذين تجمّدوا بأماكنهم ! 

قبل انفجار بطنه الى اشلاء ، لطّخت الجالسين قربه .. والذين ركضوا هاربين لدورة المياه ، لغسل وجوههم من الفيروس الجديد الذي ابتلعه الشاب ولوّثت ثيابهم ! دون علمهم بأنه مرضٌ مضاعف للجذام ، ستجعل جلودهم تتفسّخ خلال ايامٍ معدودة .. 


وبموت الشاب ، لن يعلم احد مركّب المحلول الغامض الذي ابتلعه ..والذي سيصعب وقف انتشاره ، ليبيد ملايين البشر حول العالم بوقتٍ قياسيّ ! 


الاثنين، 5 ديسمبر 2022

الحاكمة الفعليّة

كتابة : امل شانوحة 

 

الملكيّة الأوروبيّة


إلتزمت العائلة الملكيّة في إحدى الدول الأوروبيّة بالظهور بأبهة حلّتها امام شعبها بالعيد الوطني السنويّ ، بحضور الملك برفقة ابنتيه المراهقتين وزوجته .. وأمه (آن) التي سلّمت تاج زوجها المرحوم ، لإبنها الوحيد ..


وفي هذا اليوم .. إجتمع الشعب لمشاهدة تتويج ابنته البكر (إليزابيث) كوريثة للعرش .. بينما لم تُكرم اختها التي تصغرها بعام (ماري) بأيّ لقب ، عدا عن كونها أميرة عادية !


وكان على الملك أخذ صورة تجمعه بزوجته وابنته إليزابيث امام الملأ.. 

فشعرت الجدة بحزن حفيدتها ماري التي دفعتها إليزابيث للوراء ، كيّ لا تظهر بالصورة ! 

مما اغضب الجدة آن التي طالبت بصورةٍ جماعيّة ، كعائلةٍ واحدة 


لتتفاجأ بكنّتها تسحب إليزابيث من يدها ، وتأخذها للملك لإلتقاط الصورة المطلوبة.. 

فاكتفت الجدة بحضن ماري ، وهي تكتم غيظها من تصرّف كنّتها السيء امام الكاميرات ! 

***


بعد شهر .. إنتشرت بوسائل التواصل الإجتماعي : فيديوهات قديمة للعائلة الملكيّة .. مُرفقة بموسيقى حزينة ، تُظهر المعاملة الجافّة للوالدين مع ماري ، وإهتمامهما بإليزابيث فقط ! 

مما أثار شفقة الشعب الذين طالبوا بتعيّن ماري بإحدى المراكز المهمّة بالدولة ، فهي معروفة لديهم بهدوئها ولباقتها .. بعكس إليزابيث المُحبّة للظهور والمتغطرسة بتعاملها معهم ! 

***


في مكتب الملك .. جنّ جنون إليزابيث بعد رؤيتها الفيديوهات التي تُظهرها كأختٍ لئيمة ! 

واستنكرت والدتها الأمر :  

- من نشر تلك الفيديوهات القديمة ؟ ولما التركيز على كوننا والدين سيئين ؟!


وهنا دخلت الجدة وهي تقول :

- عرفت من هو ، وطردّته فوراً من الإعلام

ابنها : من تقصدين ؟

الجدة : الصحفي الذي أثار البلّبة بالبلاد 

ابنها بعصبية : أعطني اسمه فوراً !!

الجدة : لا تقلق بشأنه ، فقد طردّته الى خارج الحدود 

ابنها معاتباً : امي ! كيف تتصرّفين دون اخباري ؟

الجدة : وهل سأنتظرك لحين تفاقم المهزلة ؟ 

فقالت زوجته بلؤم : متى ستدركين انك لم تعودي ملكة البلاد ؟

الجدة بقهر : هذا بدل أن تشكريني لمعاقبتي الشخص الذي أهان وريثة العرش ؟

إليزابيث بلؤم : رجاءً جدتي ، لا تتدخلي بأموري ثانيةً 

الجدة وهي تكتم غيظها : كما تشائين .. يا ملكة المستقبل


وخرجت الجدة من المكتب ، وهي تقول في نفسها بغضب :

((عليّ تربيتكم من جديد))  

***


بمرور الأيام .. بدأت الناس تميل لماري التي تُمنع من الظهور بكاميرات الإعلام ! 

وأشفقوا عليها بعد سماعهم خادمة القصر تعترف : بأن معظم المناسبات التي لم تحضرها ماري ، لم يكن بسبب مرضها (كما قيل للشعب) .. بل لمنع إليزابيث اختها من التواجد معها تحت الأضواء.. 

مما استفزّ الناس الذين أصرّوا على وجود ماري بكافة المناسبات المستقبليّة ، وإلاّ لن يحضورها ثانيةً .. 


وبذلك أُجبر الملك على أخذ ماري معه ، رغم تركيز إهتمامه على إليزابيث كونها وليّة العهد التي علّمها اللغات الأجنبية والبروتوكولات الدوليّة .. بعكس ابنته ماري التي رغم تفوّقها الدراسيّ ، إلاّ انه لم يكترث بتنميّة قدراتها السياسيّة .. بعكس جدتها الحنونة التي تدرّسها بالخفاء ، لنيّةٍ تضمرها في قلبها !  

***


وذات يوم ، واثناء الإحتفال الملكي بإحدى المناسبات الوطنيّة .. جلست إليزابيث مع والديها في عربةٍ مُذهّبة ، وهي تلوّح بغرور للجماهير .. تاركةً أختها ماري تمشي خلف عربتها مع الجنود ، كأنها من الحاشية !

 

وهنا انتبهت ماري على سيدة عجوز تناديها بين الجمهور ، وتشير للإقتراب منها !

ولعفويّة ماري وطيبة قلبها ، توجّهت اليها .. ليُسارع الشعب بالتقاط الصور معها .. وسرعان ما أطلقت العجوز شعاراً مدويّاً :

- تحيا الملكة ماري !!!

وقبل أن تصحّح ماري خطؤها .. ردّد الجمهور بصوتٍ مرتفع :

- تحيا الملكة ماري !!!


ووصل صدى هتافاتهم لأسماع إليزابيث التي اغتاظت كثيراً ، وطلبت من والدها حلّ المشكلة .. 

فأوقف عربته ، آمراً ماري بالركوب فوراً.. 


ثم اسدلوا الستائر ، وبدأوا بنقدها بعنف .. حتى انهارت باكية وهي تحاول التوضيح بأنه ليس ذنبها ! 


وقد استطاع احد المصورين إلتقاط دموعها بين الستائر الشبه مفتوحة ، ونشرها بوسائل التواصل تحت عنوان :

((تعنيف الملكة ماري ، لمحبّة الناس لها))


مما زاد غضب الشعب الذين رفضوا أن يكون والدها ملكهم بعد اليوم ..فظلمه لإبنته البريئة ، تؤكّد أنه ليس حاكماً عادلاً ! 

ولتخفيف غضب الشعب .. طلب الملك إجتماعهم بيومٍ محدّد ، لتنازله عن الملك لوليّة العرش

*** 


وفي اليوم المنشود .. إكتظّت الساحة بالشعب الذي فاجأوا الأسرة المالكة  برفعهم صور ماري ، مُطالبين بتسلّمها الحكم ! 


وعلى المنصّة المرتفعة .. راقبوا الملك وهو يزيل التاج عن رأسه ، محاولاً كتمان حزنه .. 

وكلما اقترب من إليزابيث ، إستهجنوا بصوتٍ مرتفع ! 


فنصحه وزيره بعدم إغضاب شعبه .. فربما يُسقطون ملكه بثورةٍ غاضبة ، في حال عاند قرارهم الإجماعيّ !


وبالوقت الذي جلست فيه إليزابيث بغرور على العرش ، بانتظار تولّيها الحكم .. صدمها والدها بوضعه التاج على رأس ماري التي جلست بالصفوف الخلفيّة للطبقة المخمليّة من الأمراء !


ووسط دهشة اقارب الملك من تصرّفه الغير متوقع ! 

سارعت الجدة (آن) بالتصفيق ، وهي تُحيّ الملكة الجديدة .. مما أجبر البقيّة على تقليدها .. 

ليشاهد الجميع على الهواء مباشرةً : إنسحاب إليزابيث غاضبةً من الحفل ، وهي تتوّعد اختها بالإنتقام !


ورغم تردّد ماري بقبولها التنصيب الملكي ، إلاّ ان جدتها شجّعتها للإقتراب من مقدّمة المنصّة.. لمشاهدة الملايين وهم يحيّونها بحماسٍ وفرح ..

هامسةً الجدة بأذنها :

- انت الملكة بقرارٍ شعبيّ موحّد 

ماري بقلق : وماذا عن اختي ؟

- إنسي امرها الآن ، ولوّحي لهم


واعتصر الحزن قلب ماري الطيب ، لقهرها اختها دون ذنبٍ منها .. خاصة مع نظرات الغضب من والديها الّلذين لم يباركا لها ، كبقيّة الطبقة الحاكمة ! بل انتظرا انتهاء الحفل ، ليسارعا بدخول القصر وتهدئة ابنتهما المفضّلة .. بينما منعتها جدتها الإقتراب من غرفتها ، لحين هدوء الوضع

*** 


بعد اسابيع من تولّي ماري الحكم .. عيّنت اختها إليزابيث كسفيرة للبلاد ، لإتقانها عدّة لغات ومعرفتها الواسعة بالبروتوكولات الدوليّة  

ومع ذلك رفضت الأخت الكبرى مصالحتها ! وسافرت فوراً لاستلام سفارتها بدولةٍ مجاورة ، بينما انتقل والداها لفلّتهما الريفيّة 

ولم يبقى بالقصر ، سوى الجدة والملكة ماري التي تطيعها بجميع اوامرها

***


في إحدى الليالي .. إجتمعت الجدة سرّاً بالعجوز ، لتكريمها برزمةٍ من المال وهي تقول : 

- شكراً لاهتمامك بنشر الفيديوهات (التي سلّمتك إيّاها) للملأ

العجوز : لا شكر على واجب .. فجميعنا نتفق بأن ماري الطيبة والرزينة تستحق الملك اكثر من اختها المتغطرسة ..لهذا شجّعت الشعب على مناداتها بالملكة ، لإجبار والدها للرضوخ لطلبنا .. لكن عندي سؤال : هل وقفتِ بجانبها لأنها مظلومة ، أم تخطّطين لشيءٍ اكبر ؟ فأنا صديقتك منذ الطفولة ، وأعرفك جيداً

الجدة آن : فعلت ذلك ، لتلقين كنّتي درساً لن تنساه .. فهي قلّلت من شأني امام الإعلام الداخلي والعالمي 

- الم تسامحيها على ذلك التصرّف المتعجرف ؟


آن بعصبية : لا !! فأنا لم اوافق يوماً على زواج ابني من امرأة من عامّة الشعب .. عدا عن حلمي القديم بحكم البلاد .. لكن زوجي قبل وفاته أعطى المُلك لإبنه الذي أبعدني عن سلطاتي السابقة .. وجعل عودتي مستحيلة مع ابنته المغرورة 

العجوز : ألهذا اخترتِ ماري ، لضعف شخصيّتها ؟

- نعم ، فبسببها أصبحت الحاكمة الفعليّة للبلاد .. وابني وزوجته لا يستطيعان إيقافي ، بعد اعتزالهما السياسة

- وماذا عن إليزابيث ؟ ربما تطالب بحكمها مستقبلاً


الجدة : لهذا أرسلتها كسفيرة للبلاد ، فبقائها بالخارج أفضل لي

- أكان هذا قرارك ايضاً ؟!

- كل قرارات الدولة منذ تولي ماري الحكم ، هي من تخطيطي .. فأنا لديّ خبرة واسعة بهذا المجال .. ومع حفيدتي البسيطة ماري ، أكون حقّقت حلمي الكبير : بحكم البلاد أخيراً

العجوز : اذاً عليّ القول ... لتحيا ملكتنا آن !! 

وابتسمتا بمكر


الطريق المستقيم

كتابة : امل شانوحة    الهداية الإلهيّة - اخيراً وصلت الى ايطاليا ، بلد الحرّيات !! وبعد ترتيب اغراضه في غرفة الفندق ، بدأ الشاب العربي بتخ...