الاثنين، 16 مايو 2022

صديقي الشاحب

تأليف : امل شانوحة 

 

براءة الطفولة


وقف حزيناً بعد فشله لمس الكرة الموجودة في غرفة الطفل آدم .. وأخذ يتأمّل منظر الألعاب المُنعكسة في المرآة التي لم تُظهر شكله كالعادة ! 

فتوجّه مُنكسراً نحو جدار الغرفة واخترقه للعودة الى عالمه ، وسؤال امه غاضباً :

- الى متى سنظلّ مخفيين عن البشر ؟!

الأم : قدرنا أن نعيش معهم دون أن يرونا


ابنها بقهر : هذا ظلم !! نحن عشنا على الأرض قبلهم بقرون ، فلما احتلّوا منازلنا الجميلة ، وحاصرونا في الأماكن المهجورة الرطبة ، وتركونا نعاني من رعب المقابر ووحدة أعماق البحار ، وحرارة الأرض السفليّة ؟! الا يحقّ لنا اللعب في البراري العشبيّة ، والسباحة بالأنهار الباردة مثلهم ؟

- ربما يوماً ما

- سمعت هذا سابقاً ، اريد فعلاً تغيّر حياتي !!

الأم بقلق : جوناس ! بماذا تفكّر ؟!

فأجاب بحزم : قرّرت الظهور لهم !!

الأم معاتبة : إيّاك فعل ذلك !! فالبشر لا يمكن الوثوق بهم ، قد يحبسوك في سيرك او يجعلوك فأر تجارب في مختبراتهم الكيماويّة .. عدّني الا تفعل يا صغيري ..

ثم حضنت ابنها بحنان ، بينما التزم جوناس الصمت بغيظٍ شديد

***


بعدها بإسبوع .. أُقيمت الإحتفالات في عالم الجن ، في اليوم الذي يصادف حكم ابليس لهم (بعد طرده من الجنة) .. 

وهذه المرة أصرّ جوناس على الذهاب مع ابيه ، لحضور خطبة تضمّ كبار الجن !

وكانت المحاضرة عن التعويذات النادرة التي سرقها اجدادهم في زمن النبيّ سليمان .. 


وبنهاية الخطبة .. أشار مشعوذهم الى خزانةٍ زجاجيّة في زاوية مجلسه ، وهو يقول :

- يحوي ذلك الكتاب السحريّ على أقوى وأخطر تعويذة ، وهي تجعلنا نظهر علناً للبشر ..لكن لا احد تجرّأ على تجربتها ، حتى ابليس نفسه


وقد أثار كلامه إهتمام جوناس الذي يحلم دائماً بمشاركة الطفل البشري (آدم) ألعابه المثيرة التي يعجز عن الإمساك بها بجسمه الأثيريّ..

وانتظر خروج كبار الجن من المجلس لتسلّل للخزانة ، غير مكترث بإقفال المجلس عليه من الخارج ! 

أمّا والده ، فظنّ انه سبقه للمنزل او ذهب للعب مع رفاقة الجن بعد ملله من الخطبة الطويلة ..


وبعد تأكّد جوناس من بقائه وحده ، كسر زجاج الخزانة لإخراج الكتاب السحريّ الذي تصفّح صفحاته المئة على عجل ، بحثاً عن التعويذة الخطيرة التي وجدها في نهاية الكتاب .. 

ثم تلاها بصوتٍ مسموع وهو مقتنع بنتيجتها .. لتظهر زوبعةٌ سوداء من بين صفحات الكتاب ، سحبته الى عالم البشر !


ولم يتأكّد من نجاحه إلاّ بعد رؤية الفزع بأعين الطفل البشري (الذي راقبه لسنوات من زوايا غرفته) والذي سأله بفزع :

آدم : من انت ؟! وكيف دخلت غرفتي ؟!

جوناس بدهشة : هل تراني ؟!

- نعم ، لما وجهك شاحباً هكذا ؟!

جوناس بحماس : هذا رائع !! كنت مُتحمّساً للعب سويّاً

- أخاف أن تغضب امي

جوناس : اعدك أن نلعب بهدوء


ولعبا معاً بعض الوقت ، قبل سقوط كوب الحليب من يد أم آدم بعد رؤيتها الجني ! 

فقامت بسحب ابنها من ذراعه بعيداً عنه ، وهي تسأله بفزعٍ شديد:  

- من ذاك الشبح الذي تلعب معه يا بنيّ ؟!

فأجاب الجني ببراءة : لا تخافي سيدتي ، فأنا لست مؤذياً .. اريد فقط اللعب مع آدم

فصرخت بعلوّ صوتها : أخرج من بيتي فوراً !!


فسمع زوجها صراخها ، وتوجّه الى غرفة ابنه .. ليتفاجأ بمنظر جوناس الغير مريح ! خاصة بعد رؤية قدميه المرتفعتان عن الأرض بضعة سنتيمترات .. 


فأسرع بإخراج عائلته ، وإقفال الغرفة على جوناس الذي حاول العودة الى عالمه .. لكنه هذه المرة لم يستطع إختراق الجدار او المرآة ، ليدرك انه علق في عالم البشر ! 

***


في هذه الأثناء ، إتصل والد آدم بالشرطة التي اقتادت جوناس الى السجن .. ليصل الخبر الى الصحافة التي نشرت صورة جوناس على كافة وسائل التواصل الإجتماعي ، ويضجّ العالم بخبر قبضهم على اول جني في التاريخ ! 


ولم يتجرّأ احد على التحدّث معه سوى مذيعة مُتمرّسة ، طرحت بضعة اسئلة عليه مثل : كيفيّة ظهوره ؟ واسباب ذلك ؟ ونيّته اتجاههم ؟ 

فأجاب جوناس حزيناً :

- حلمت دائماً بالتجوّل في عالمكم ، لذا جازفت بنفسي للظهور لكم .. واريد إعلامكم بأنني جني مسالم ، ولا اريد إيذاء أحد .. فلما تعاملونني كمنبوذ او كعبدٍ لديكم ؟!

***


وبعد المقابلة التي أُذيعت على الهواء مباشرةً ، والتي تناقلتها كافة وسائل الأخبار .. إنهالت الطلبات والضغوطات على مركز الشرطة : مثل عرض بعض الأثرياء مبالغاً مغريّة للحصول على جوناس ، بغرض عرضه بحفلاتٍ علنيّة للكسب المادي من فضول الناس .. والبعض الآخر أراد إستشارة الجني بتجارته المستقبليّة.. أمّا المشعوذون فسعوا لحكمته وعلمه ، لمساعدتهم بعقد اسحارهم ..كما رغب كبار الماسون بمساهمته في خططهم السياسيّة لإثارة الفوضى بالعالم !


وبعد سماع جوناس جميع العروضات ، صرخ غاضباً :

- انا ولدٌ صغير !! بعمر التاسعة في عالمكم .. وليس لديّ الخبرة لما تطلبونه مني !


لكن رجال السياسة أصرّوا على الجني لمعرفة الطريقة التي تنقلهم الى عالمه ، خاصة عبّاد شياطين الذين رغبوا برؤية ابليس !

فأجاب باكياً : لوّ كنت اعرف الطريقة لعدّتُ لعالمي ، لكني عالقٌ هنا ! .. رجاءً إطلقوا سراحي !!

***


وما كادت الضغوطات تهدأ قليلاً ، حتى شُنّت حملةٌ واسعة تطالب بحرق جوناس قبل تشجيعه بقيّة الجن لغزو عالم البشر ! 

واستطاع المتشدّدون حشد اراء الناس ، لحرقه علناً في ساحة البلد


ولم يحزن احد على مصيره ، سوى آدم الصغير الذي شاركه اللعب ذلك النهار .. والذي أسرع الى غرفته ، ليقف امام المرآة ويقول :

- لا ادري إن كنتم تسمعونني ، لكن ابنكم جوناس سيُحرق في الساحة بحلول المساء .. رجاءً ساعدوه !!


قالها دون علمه بأن والدة جوناس (التي تبحث عنه منذ ايام) سمعت حديثه في الجهة المقابلة للمرآة .. فأسرعت الى قائدها لإخباره بما حصل

رئيس مشعوذي الجن بحنق : اذاً ابنك من كسر خزانتي ؟!

الأم وهي تمسح دموعها : لا وقت للوم سيدي ، فهم سيحرقونه بعد ساعة

الرئيس بغضب : ونحن لن نسمح بذلك !!

***


بعد صلب رئيس البلديّة لجوناس في الساحة وسط حشدٍ شعبيّ ضخم ، وتغطية إعلاميّة واسعة .. بدأ بإشعال الحطب اسفل منه ، مع إرتفاع هتافات الناس وتشجيعهم للتخلّص منه .. 

قبل حصول هرجٍ ومرج بين المشاهدين فور رؤيتهم جيش الجن يخرج من اسفل الأرض كزوابع سوداءٍ هائجة ، جعلتهم يتدافعون بفزعٍ شديد للإبتعاد عن الساحة !  


وفي خُضمّ المعّمعة .. حلّقت ام جوناس نحو ابنها لفكّ قيوده قبل وصول النار الى جسمه ، وسحبه لباطن الأرض .. ليتبعها بقيّة جنود الجن بعد إتمامهم المهمّة بإنقاذ صغيرهم

***


في عالم الجن .. قرّر كبيرهم إخفاء كتاب الشعوذة في مكانٍ سرّي ، كيّ لا تتكرّر الحادثة من جديد (بعد حصوله على إنذارٍ غاضب من ابليس).. واكتفى بمعاقبة جوناس بحجّزه في عالمهم حتى سن الرشد!

*** 


اما في عالم البشر .. فتحدّث الناس عمّا حصل في الساحة لشهورٍ عديدة ، قبل انشغالهم بأخبارهم اليوميّة .. 


ومع الوقت تناسى الجميع الحادثة ، فيماعدا آدم الذي ظلّ يُحادث جوناس من خلال المرآة (فقط) وبسرّيةٍ تامة عن البالغين .. ليصبحا صديقين من عالمين مختلفين ، تجمعهما براءة الطفولة !


السبت، 14 مايو 2022

الطائر الإلكترونيّ

تأليف : امل شانوحة 

الحرب النوويّة


إستيقظ الإخوان الثلاثة باكراً على صوت مروحيّة وسيارات مُصفّحة تجوب قريتهم الروسية الصغيرة !

فنظرت الإخت (تاتيانا خرّيجة رياضيات) من نافذة الصالة العلويّة وهي تتساءل :

- مالذي حصل ؟! لما ارسلت الحكومة دوريات عسكريّة الى قريتنا؟

فردّ أخوها سيرغي (برمجة كمبيوتر) : كأنهم يبحثون عن شخصٍ ما !


وهنا لمحت شيئاً يتحرّك قرب سطح منزلهم ، فسألته :

- هل ذلك طائرٌ حقيقيّ ؟!

سيرغي : لا ! تبدو كلعبةٍ إلكترونيّة .. سأصعد السطح وأحاول مسكها


وبعد إحضارها منزلهم ، أخبر أخويّه بأنه وجد جهاز تنصّت في اللعبة المتطوّرة ! 

فأخذ أخوه الثاني (ديمتري ، خرّيج هندسة إتصالات) الطائر الإلكترونيّ لفحصه :

- يا الهي ! انه مُوصّل بالأقمار الصناعيّة

تاتيانا بقلق : أمتأكّد من ذلك ؟!


ديمتري : أظن العساكر تبحث عن اللعبة ، لقدرتها على تحديد الأماكن بدقة ، تماماً كرادار المخابرات

تاتيانا : إن كان كلامك صحيحاً ، فلما أرسلوها الى قريتنا الزراعيّة؟ 


فردّ أخوها سيرغي :

- وما يدريكِ إن اللعبة لم تتعمّد الوصول الينا بعد انتهاء بطاريتها .. فنحن المتعلّمين الوحيدين في هذه المنطقة النائية .. ولوّ لم نقرّر العودة لزيارة قبر والدينا ، لما حصلت هذه الصدفة ! 

ديمتري : لا ادري إن كان كلامك صحيحاً ! .. بجميع الأحوال دعونا نفحص اللعبة جيداً .. فهل تستطيع توصيلها بحاسوبك ، لمعرفة المعلومات المحتفظة في ذاكرتها ؟ 

سيرغي بحماس : سأفعل ذلك الآن 


في هذه الأثناء .. راقبت تاتيانا الوضع المتوتّر من النافذة ، قبل أن تقول بقلق :  

- تتوجّه الدبّابات الى هنا ! أتظنان إنهم يلاحقوا اللعبة بأجهزتهم اللاّسلكية ؟! 

سيرغي : إن كان كذلك ، فالأفضل الإستعجال بكشف المعلومات قبل وصولهم الينا !


لكن المعلومات لم تظهر على الحاسوب ، لوجود مسألةٌ رياضيّة مُعقّدة كمفتاح دخول (كلمة السرّ) .. 


وهنا جاء دور اختهم التي قامت بحلّ المسألة ببراعة ، وبزمنٍ قياسيّ ! 

ليكتشفوا بعدها السرّ الخطير الذي يحمله الطائر الإلكترونيّ : وهي إحداثيات القنبلة النوويّة الروسيّة ، الأضخم في العالم !


وقبل إستيعابهم ما حصل ! .. رأوا نوراً احمراً يخترق شرفة منزلهم ، ليصرخ الأخ الأكبر بفزع : 

- القنّاصة ! لنهرب للقبو فوراً !!


وماهي الا ثواني .. حتى تطايرت اغراض منزلهم ، بوابلٍ من الرصاص إنهال عليهم من جميع الجهات ! كسّرت معها النوافذ والأبواب .. وبالكاد هربوا وهم يحملون اللعبة والحاسوب المحمول الى القبو !

*** 


وما أن وصلوا هناك ، حتى سمعوا اقدام الجنود تجوب منزلهم الخشبيّ ! وهنا اشارت اللعبة بشعاعٍ اخضر نحو خزانةٍ حديديّة ، وهي تقول :

- بابٌ سرّي خلف الخزانة 


ولم يكن هناك وقتاً للتفكير ! وأسرع الأخوان بجرّ الخزانة .. ليتفاجأوا جميعاً بوجود سردابٍ تحت الأرض ، رغم سكن اهلهم في الكوخ منذ زواجهما (فهل علما بوجود السرداب ، ام حفراه لسببٍ ما ؟!).. 


وأنار الإخوة جوّالتهم ، قبل ركضهم في السرداب (بعد إعادة الخزانة مكانها) .. 

وفي منتصف الطريق ، تذكّر سيرغي انه نسيّ حاسوبه بالقبو ! لكنه مُضطّر لمتابعة المسير ، بعد إقتحام الجنود المكان ..

***


بحلول الظهر ، خرجوا من باب السرداب الطويل الى منتصف الغابة .. وقرّروا الإختباء فيها حتى المساء ، قبل هروبهم من القرية المحاصرة بالجنود والعسكر .. وسط رعب الأهالي ، والتكتّم الكبير من قبل المسؤولين والصحافة عمّا يجري هناك !

***


ما أن حلّ المساء ، حتى أشارت اللعبة بليزرٍ اخضر الى عمق الغابة .. فتتبّعوها وهي تحلّق فوق رؤوسهم ، الى أن حطّت على الأرض !

وحين اقتربوا منها ، شعروا أن الأرضيّة اسفل منهم حديديّة وليست ترابيّة! 

فأخذوا يحفرون ، ليجدوا بوّابة اخرى سرّية : بداخلها غرفةٍ صغيرة تحوي اجهزة كمبيوتر قديمة ! 

وهناك نطقت اللعبة : أوصلوني بالجهاز  !!


وفور توصيلها ، ظهر فيديو مُسجّل لرجلٍ في منتصف العمر يقول: 

((انا مدير المحطّة النوويّة الرئيسية لروسيا .. في حال لم يصل الطائر الإلكتروني لحرّاس الحدود ، فهذا يعني إن بطاريتها فرغت قبل إتمامها المهمّة .. وعليكم شحنها بالحال ، وإطلاقها من جديد .. وإن وجدتموها مُعطّلة ، فعليكم نسخ معلوماتها ورقيّاً .. قبل انتشار الفيروس الذي سيدمّر جميع الحواسيب العالميّة ، فيضيع مجهودنا لأعوامٍ طويلة)) 


وانتهت الرسالة ، لتقول اللعبة : 

- إضغطوا كلمة ابدأ (التي ظهرت على الشاشة) ..


وما أن فعلوا .. حتى ظهر العدّ التنازلي ، لمدة أقل من ساعةٍ واحدة! 

سيرغي بخوف : ماذا يعني هذا ؟ هل سينفجر شيء ؟!


وبعد مرور دقيقتين ، ظهر بثٌّ مباشر لرجلٍ يبتسم بخبث : 

((انا جاسوس امريكي ، فشلت في اقتحام المفاعل الروسيّ الرئيسي .. لهذا تعرّفت على مديرها العجوز وعزمته على بار .. وأهديته الطائر التقنيّ ، ونصحته بنقل جميع المعلومات المتعلّقة بالقنبلة النوويّة على ذاكرتها ، خوفاً من الإشاعة الكاذبة التي نشرها إعلامنا حول العالم عن فيروس الهكرز المدمّر .. ومن مراقبتي لتحرّكات الطائر ، علمت إن الغبي لم يشحنه جيداً ! لهذا لم يصل لعميلنا الخائن على الحدود .. لهذا وجّهت الطائر نحو بيتكم ، بعد أن أجريت بحثاً سريعاً لمعرفة المتعلّمين في القرية المتخلّفة .. وقد أدّيتم المهمّة جيداً بعد تشغيلكم المنصّة الروسية التي ستُطلق عدة صواريخ نوويّة دفعةً واحدة باتجاه مصانع النوويّ حول العالم مثل : كوريا الشمالية والهند والصين ، وبعض الدول الأوربيّة.. لتصبح روسيا المذنبة الوحيدة بتدميرها القارّة الآسيويّة والأوربيّة معاً ، والتي حتماً سيُعلن حكّامها الحرب البرّية والبحرية والجوّية على دولتكم ، بينما تبقى اميركا على الحياد .. وبعد تدميرهم روسيا تماماً ، نُصبح الدولة الوحيدة العظمى في العالم .. وآخر ما اريده منكم هو ...)) 


وقبل إكمال كلامه ، فصل ديمتري الطائر عن الشاشة .. لينقطع الإتصال 


تاتيانا باستنكار : لما فعلت ذلك ؟!

ديمتري بغيظ : سأسلّم اللعبة اللعينة لجيشنا !!

سيرغي بخوف : سيقتلوننا !

ديمتري : على الأقل نحمي العالم من حربٍ نوويّة مُدمّرة


وإذ بغازٍ سام يخرج من اللعبة دون علمهم ، لكونه غازٌ شفّاف !

وخلال ثواني ، سقط الإخوة الثلاثة موتى على الأرض .. 


وفور تأكّد الجاسوس الأمريكي بأن الصواريخ أُطلقت فعلاً من المصنع النوويّ الروسي باتجاه آسيا واوروبا ، حتى قام بتفجير الطائر الإلكرتوني داخل الحجرة السرّية في الغابة ، لتدمير الأدلّة المُدينة لأميركا .. دون علم الدول الكبرى بأنهم على موعدٍ مع الإبادة الجماعيّة خلال دقائق معدودة !


الأربعاء، 11 مايو 2022

الكتاب السحريّ

فكرة : حسين الهاشمي
كتابة : امل شانوحة 

مَلِكات العناصر الأربعة


فور دخول عادل الى المكتبة التي أخذته اليها صديقته الجديدة مرام والمتواجدة في زقاق منطقةٍ شعبيّة ، سألها بقلق :

- كيف اكتشفت هذه المكتبة القديمة ؟

مرام : لا ترفع صوتك هنا ، كيّ لا تُضايق الموظف العجوز .. إبحث بين الخزائن عن كتابٍ يلفت انتباهك ، وسألقاك بعد قليل

وتفرّقا في ارجاء المكتبة الصغيرة .. وأخذ يقرأ عناوين الكتب على عجل ، قبل إصابته بدوارٍ مفاجىء ! 


وحين فتح عيناه .. وجد نفسه امام مكتب العجوز ، بعد أن دفعت صديقته ثمن الكتاب الذي بيده ! وهو في حالة ذهول لعدم تذكّره كيف إختار الكتاب ، والأغرب كلام العجوز الذي قال :

- في مكتبتي تختار الكتب صاحبها ، فهنيئاً لك يا بطل 

***


بعد خروجهما من المكتبة ، قالت صديقته :

- رجاءً لا تسألني عن شيء .. كل ما استطيع قوله : إنه بعد قراءتك الكتاب ستصبح سيدهم ، وهذا ما نسعى اليه

عادل باستغراب : لا أفهم شيئاً ! 

مرام : سأوصلك منزلك ، وغداً نتكلّم عن محتوى الكتاب

***


وصل عادل متأخراً الى منزله .. وبعد إيجاد امه نائمة ، صعد الى غرفته لقراءة الكتاب القديم الذي يتحدّث عن علم النجوم والمعاهدات القديمة بين العالمين ، دون فهمه مضمون الكتاب ! 

كل ما هناك انه شعر بضيق أنفاسه ، فور إنتهائه من قراءة سطورٍ تحوي عدّة مرادفات لا معنى لها ! 


من بعدها غفى بجانب الكتاب ، ليرى حلماً غريباً : ((شاهد فيه اربعة نساء تلبسن زيّ الملِكات ، بأيديهنّ سيوفاً مضيئة يوجّهونها نحوه بغضب!))


ليستيقظ بعدها على صراخ الإطفائي وهو يكسر باب غرفته ، والدخان يتصاعد من خلفه ! والذي سارع بشدّ ذراع عادل وسحبه من فراشه .. وإخراجه من المنزل الذي احترق بالكامل ، ماعدا غرفته ! 

وحين وجد امه خارجاً ، إحتضنها مُرتجفاً وهو يحمد الله على سلامتها ..

***


تلك الليلة ، اضطّر هو وامه المبيت عند خاله الذي سقط منه ابريق الماء  بعد رؤيته ذراع عادل المُشعرّة وحوافر قدميه !

ولم يفهم عادل سبب خوف خاله الذي ترجّاه أن لا يؤذيَه ! قبل لمح شكله بالمرآة بعد تغيّر هيئته لشيطانٍ بقرونٍ حادّة وعيون قطط ! 

وقبل استيقاظ امه على صراخ اخيها ، قفز عادل من نافذة المنزل الأرضيّ باتجاه شارع المنطقة الفقيرة..


ليُسرع الخال الى جاره الشيخ ، ويخبره بما حصل ! وبدوره اتصل بتلاميذه الخمسة من حفظة القرآن للّحاق بالخال الذي قاد سيارته بحثاً عن ابن اخته .. حيث تلقّوا إتصالاً منه قبيل الفجر ، بعد إيجاده لعادل يبكي في زقاقٍ ضيّق !

 

وحين وصلوا اليه ، وجدوه يضرب خاله بقوة ! فرفعوا أصواتهم بتلاوة المعوّذات ، مما أفقده الوعيّ .. ليقوم احدهم بسحب الخال المُصاب ونقله للمستشفى


بينما حمل التلميذان عادل المُغمى عليه الى منزل الشيخ الذي تلا عليه سورة البقرة .. 

ورغم فقده الوعيّ إلاّ انه صدر منه ضحكاتٍ ساخرة ، سرعان ما تحوّلت لصراخ طفلٍ خائف ! 


فظهر الرعب بأعين التلامذة الشبّان ، ليأمرهم الشيخ بحزم : 

- إكملوا معي التلاوة دون النظر اليه !! 

فتابعوا القراءة ، الى أن سمعوا عويل امرأة تصرخ غاضبة : 

- توقفوا حالاً !! كيّ أخبركم سبب تشويهنا منظر عادل الى مخلوقٍ شيطانيّ 

 

فتوقف الشيخ وتلامذته عن قراءة القرآن ، لتقول بعد أن هدأ صوتها: 

- سأتكلّم بالنيابة عن زميلاتي ، ملِكات العناصر الأربعة 

الشيخ : أتقصدين عنصر التراب والماء والهواء والنار ؟

فردّت المرأة بفخر : نعم !! نحن أقوى سحرة العالم السفليّ .. لكن للأسف ليس لدينا سلطة في عالمكم .. بينما تهابنا جميع الجن ، بما فيهم ابليس وشياطينه  


الشيخ : الم تخدمنّ النبي سليمان ؟

- هو استطاع السيطرة علينا بخاتمه السحريّ ، الذي رميناه في بئرٍ عميق بعد وفاته كيّ لا يستعبدنا غيره .. لهذا حاول المشعوذون البشريّون الأغبياء على مدى قرون إيجاد تعويذة مناسبة لاستحضارنا لعالمكم والإستفادة من قوتنا الغير محدودة .. وبدورنا أحرقنا جميع كتبهم التي ذكروا فيها التعويذة النادرة .. لكن يبدو ان عادل وجدها في كتابٍ قديم ، وقرأها بصوته الروحانيّ البريء الذي وصل صداه لحرّاس بوّابة عالمنا الخامس ، فأخرجنا عنوةً من عزلتنا ! لهذا سنعاقبه على إزعاجنا بقتل جميع اقاربه وأحبائه !!

الشيخ بخوف : إنتظري قليلاً ! عادل شابٌ بسيط ، وحتماً لم يدرك فداحة ذنبه .. الا يوجد تسوية يمكننا العمل عليها لإعادته سليماً الى امه ؟ فهو ابنها الوحيد 


فظهر صوت تمّتمات لنساءٍ أخريات ، قبل قول المرأة التي تحتلّ جسد عادل النائم :

- حسناً .. تشاورت مع الملِكات الثلاثة ، وقرّرنا سحب عادل الى عالمنا لنريه قوتنا على الجن ، كيّ لا يتجرّأ على استحضارنا ثانيةً .. وسنعيده لكم في منتصف الشهر ، لكن بشرط !! عليك انت وتلامذتك اخذه الى الغابة ، وقراءة جزءاً من الكتاب الذي اشتراه .. حينها تُفتح بوّابتها من جديد ، لنعود من حيث أتينا .. الى ذلك الحين ، سيكون عادل عبداً لنا 

 

وقبل إستيعاب الشيخ كلامها ، إختفى عادل امام عينيه وأعين تلاميذه ! 


وبعد دقائق من الصمت المرعب ، سأله تلميذه :

- ماذا ستقول لعائلة عادل ؟

الشيخ مُنبّهاً : إيّاكم إخبارهم بما حصل ، سيبقى الأمر سرّاً بيننا .. وسأدّعي انه في ضيافتي حتى منتصف الشهر .. 

- وماذا عن الكتاب السحريّ ؟

الشيخ : سأتصل بإبن خاله ، ليحضره حالاً ..

*** 


لاحقاً ، تمكّن ابن الخال (بطلبٍ من الشيخ) الذهاب الى منزل عادل المحترق .. وإحضار الكتاب من غرفته الذي وجد صفحاته تتقلّب وحدها فوق سريره ، رغم النافذة المغلقة ! 

ولم يسمح له الشيخ بدخول الغرفة للإطمئنان على عادل ، مُدّعياً انه تحوّل الى مخلوقٍ شيطانيّ مرعب ! وانه قيّده بصعوبة في السرير ، وسيحتاج وقتاً للعودة الى طبيعته ..

*** 


في هذه الأثناء ، بالعالم السفليّ .. صُفّد عادل بالسلاسل ، وضُرب بالحجارة اثناء اقتياده الى ساحة المحاكمة ، امام آلاف الجن السعداء بخطفهم لبشريّ ، وهم يكتمون حماسهم لرؤية قدرات الملكات الأربعة اللآتي لطالما سمعوا بقوتهنّ من كبار القوم الذين عاشروا زمن النبيّ سليمان ! 


وبعد صلبه في منتصف الساحة ، تقدّمت منه ملكة الماء وهي تقول بفخر :

- سأريك بعض قدراتي ايها البشريّ الفضوليّ 

ورفعت يدها للسماء .. لتظهر غيمةٌ صغيرة فوق رأسه ، قبل سماعه هدير الرعد ! 


وماهي الا دقائق ، حتى أمطرت عليه ماءً بارداً وهو مقيّد بالصليب .. وكان امراً مزعجاً للغاية ! فصار يترجّاها أن توقف المطر .. فقالت له :

- أتدري انني حين أظهر للبشر في زمن الدجّال سيبكون إمتناناً وفرحاً ، بعد جفاف ثلاث سنوات في بلادكم .. لكني بالحقيقة أمطر مطراً لا فائدة منه ، أوهم به أعين ضعفاء الدين


ثم نادت زميلتها ملكة التراب التي اقتربت منه ، وهي تشير بعصاها للتراب المبتلّ تحت قدميه .. لتظهر نبتةٌ ضخمة إلتفت بقوة حول جسده ، حتى كاد يختنق .. وهي تقول بحماس :

- وانا ايضاً سأكون نعمة في ذلك الزمن ، بعد إخراجي النباتات والمزروعات تحت اقدام الدجّال كلما مشى نحوكم ، بعد جدب ارضكم لسنواتٍ عديدة .. لكن لن تستفيدوا منها ، بعد فشلكم بالإمتحان الربّانيّ

 

فصار يترجّاها أن تُبعد النبتة الشائكة عن جسده الذي امتلأ بالجروح والندوب ، وبعد ضيق صدره من ضغطها عليه .. 

فأشارت إليها ، لتختفي على الفور ! 


من بعدها اقتربت ملكة الهواء ، وخلفها زوبعةً سوداء كادت تقلع ملابس عادل من شدّة هبوبها ، وهي تقول :

- أمّا انا !! فسأمهّد لقدوم الدجّال بعد اقتلاعي أسقف بيوتكم ومزروعاتكم ، كيّ تنتظروا معجزاته بفارغ الصبر .. فهل آمنت بقوتي الآن ؟

عادل بخوف : سأفعل ما تشائين !! فقط أوقفي الهواء ، فالتراب يؤذي عينايّ !


فأوقفت هبوب الهواء ، مع وصول ملكة النار التي اشعلت النار في الصليب الذي خلف ظهره .. ليصرخ عادل بألمِ شديد ، قبل أن تُطفئها بإشارةٍ من يدها وهي تقول :

- انا أقوى الملكات !! أتدري لماذا ؟ لأني سأظهر بزمن الدجّال على كوني جهنم .. لكني بالحقيقة أُخفي نعيم الجنة عن أعينكم ، ولن يعلم بخدعتي سوى القليل من المؤمنين .. 

عادل باكياً : رجاءً لا تحرقينني 

- لا اريد حرقك ، فقط اريد إستعبادك لحين إعادتك لعالمك


عادل : وماذا تريدون مني ؟ 

ملكة النار : سنخبرك بعد انتهاء الحفل الجماهريّ

ثم توجّهت للجن وهي تقول بصوتٍ جهوريّ : 

- إنتهى الحفل !! عودوا لعملكم ايها الحثالة !!  

فأسرع الجن الى مزارعهم وبيوتهم خوفاً من غضب الملكات الأربعة (أقوى سحرة الجن)


بينما واجه عادل مصيره المؤلم في الأيام التالية ، بعد استعباده من الملكات الأربعة .. حيث أمرته ملكة الماء : بالإصطياد لها من بحر الجن اللزجّ .. وملكة النار : بجمع الحطب الشائك لقصرها .. وملكة الهواء : بتثبيت خيم الجن التي تطاير كلما مرّت بجانبهم .. وملكة التراب : بحصاد مزارع الجن بنباتها العفن .. وهكذا حتى حلّ منتصف الشهر العربيّ ، موعد تحوّل القمر الى بدر 

***


وفي الموعد المحدّد .. عثر الشيخ (في غرفة منزله) على عادل نائماً فوق السرير ، وآثار الجلد والجروح واضحة على جسده ! 

فاستغلّ فقدانه الوعيّ لمناداة تلامذته وحمله الى السيارة ، ثم أخذه للغابة بعد حلول المساء 

***


في وسط الغابة ، وبعد ظهور البدر .. رسم الشيخ النجمة الخماسيّة (حسب طلب ملكات الجن الأربعة) ووضع عادل النائم داخلها .. ثم جلس تلامذة الشيخ في زوايا النجمة ، وبدأوا بقراءة القرآن بصوتٍ منخفض .. بينما تلا الشيخ تعويذة من الكتاب السحريّ مُجبراً ، لاستحضار الملكات الأربعة اللآتي ظهرنّ هذه المرة ومن خلفهنّ بابٌ مضيء ! 


وابتدأت ملكة التراب الكلام :

- أحسنت يا شيخ !! تمكّنت من فتح بوّابتنا من جديد .. الآن يمكننا العودة الى عالمنا ، لحين ظهورنا العلنيّ بزمن الدجّال ..

الشيخ بقلق : وماذا عن عادل ؟ 

الملكة : هو شابٌ مسكين ، إستغلّته صديقته المُنضمة سرّاً لجمعية عبّاد الشياطين بعد علمها بطهارة روحه التي ساعدته على استحضارنا بسهولة .. لهذا قرّرنا عقابها هي وصاحب المكتبة الذي تجرّأ على بيع الكتاب السحريّ المحظور في كلا العالمين ، فهو كتاب یعود لزمن النبي سلیمان الذی سرقها الشیطان (بافومیت) ابن ابلیس وأعطاها لفرسان الهيکل .. لهذا دمّرنا جميع المكتبات التي باعت نسخاً منه طمعاً في الكسب الماديّ ، غير آبهين بمدى ضرره على القارئ واهله ! فنحن حتماً لن نسمح لأحد أن يستعبدنا بعد اليوم .. بل سنبقى أحراراً الى اليوم الذي نقرّر فيه مساعدة صديقنا الدجّال بمهمّته تدمير البشريّة .. والآن !! علينا العودة من حيث اتينا 


وراقب الشيخ وتلامذته الملكات الأربعة وهن يدخلن الباب السحريّ ، قبل اختفائه ! ليستيقظ عادل بعد عودته الى شكله الطبيعيّ .. 

وبعد إخباره بما حصل ، أعادوه الى منزل خاله الذي احتضنه باكياً وهو يعتذر عن ضربه العنيف دون وعيٍّ منه !

***


بعد ايام .. عاد عادل الى جامعته ، مُخبراً صديقه بما حصل والذي قال معاتباً :

- الم أحذّرك من مرام غريبة الأطوار ؟  

عادل : هذا ذنبي ، لم أصدّق الإشاعة بأنها من عبّاد الشياطين  

صديقه : المهم انها نالت عقابها

عادل باستغراب : ماذا تقصد ؟!

- الم تسمع بما حصل لها ؟! وجدها رجال الأطفاء جثةً مُتفحّمة بجانب رجلٍ عجوز ، بعد احتراق مكتبته بالكامل 


عادل بدهشة : يبدو أن الملكات الأربعة وفّوا بوعدهن ، وانتقمن منها !

فأمسك الصديق يده : عدّني أن لا تقرأ كتب الشعوذة من جديد ، فقد أوشكنا على خسارتك !

عادل : لن أتجاوز الحاجز الفاصل بين عالمنا وعالمهم المخيف ثانيةً ، فقد تعلّمت درسي جيداً ولله الحمد ! 


الأحد، 8 مايو 2022

الإخوة الأشرار

كتابة : امل شانوحة 

الفدية المشبوهة


ضجّت الصحافة بخبر إختطاف الشاب جاك ، الوريث الوحيد للثريّ إدوارد الذي فُجع هو وزوجته بفيديو مصوّر لخاطفٍ مُقنّع يخبرهما بنيّته قتل ابنهما الوحيد في حال لم يستلم الفديّة الماليّة الضخمة خلال ثلاثة ايام! 


وتناقلت وسائل الإعلام مجريات ما يحصل داخل القصر الذي ازدحم برجال الشرطة والمحقّقين ، منهم الشرطي إريك (الإبن الغير شرعي لإدوارد الذي رفض لأعوامٍ طويلة إثبات نسبه من امه الخادمة) والذي اجتمع مع والده وحده في مكتبه ، قائلاً :

- اعرف انك لا تحب أن اناديك ابي ، لكن جاك اخي ومن مسؤوليتي إيجاده وإنقاذه حتى لوّ فديته بنفسي 


فردّ إدوارد وهو ينفث سيجارته بعصبية :

- في حال أنقذته ، سأنسبك لعائلتي

إريك بسعادة : أحقاً ما تقول !

فأومأ العجوز برأسه إيجاباً..

إريك : كان هذا حلم امي المرحومة.. (ثم لبس قبعة الشرطة) .. سأجد جاك مهما كلّفني الأمر

إدوارد بفخر : إنقذ اخاك يا بطل !!

***


في آخر الليل ، وفي كوخٍ صغير بالغابة .. دخل الخاطف المُقنّع الى غرفة جاك المقيّد بالكرسي .. وأزال الّلصقة عن فمه ، قبل أن يدير كرسيه نحو التلفاز الذي اضاءه ، ليريه آخر الأخبار عن سحب والده مال الفدية من عدّة بنوكٍ داخل وخارج البلد لجمع المليار دولار للخاطف ! 


وخلال مشاهدتهما الحدث ، وصل خبرٌ عاجل للمحطّة الإخباريّة التي عرضت تصويراً مباشراً من جانب القصر : عن إستقبال العجوز إدوارد لشابٍ فور نزوله من سيارة الأجرة ، واحتضانه وسط بكاء امه !


فذُهل جاك وخاطفه بما شاهداه ! قائلاً جاك بصدمة : 

- من ذاك الشاب الذي يدعي شخصيّتي ؟!

الخاطف بقلق : ألديك أخٌ توأم ؟!

- لا ! الشبيه الملعون يستغلّ خطفي لإحتلال مكانتي الإجتماعيّة  

- أمعقول أن والديك لم يلاحظا الفرق ؟!

جاك بقهر : كيف سيلاحظان ؟ فأبي جلّ اهتمامه صالات القمار ، وامي مهووسة بالتسوّق ، بالكاد تتواجد بالقصر .. وآخر مرة اجتمعنا فيها كان بعيد ميلادي 16

الخاطف باستغراب : الم ترهما منذ عشر سنوات ؟!

- كنت اتواصل معهما هاتفيّاً ، لانشغالي بالسفر مع اصدقائي  

الخاطف بسخرية : ما هذه العائلة المتماسكة !


ثم عادا لمتابعة الحدث الغريب بالتلفاز ، حيث أخبر الشبيه النصّاب الإعلام بطريقة هروبه البطوليّة من الخاطف ، وركضه لأميال للخروج من الغابة الموحشة ، ووصوله للشارع العام الذي استقلّ منه سيارة الأجرة التي أعادته للقصر


وهنا أدرك الخاطف فشل خطته ، فنزع قناعه امام جاك الذي شهق متفاجئاً:

- أأنت من خطفتني ؟! كيف هُنت عليك يا اخي  

إريك معاتباً : الآن اصبحت اخاك ! أنسيت كم ترّجيتك لسنوات ان نتواصل معاً ، لكنك كأبيك تشكّ بنسبي لكم

جاك : أخطفتني لأجل المال ؟!

- مُطلقاً !! كنت اريد النسب فحسب .. ووعدني والدك بذلك في حال انقذتك ، لكن الشبيه اللعين أفسد كل شيء

جاك بغيظ : وانا منذ صغري انتظر موت ابي ، وهاهو اللعين سيرث كل ماله .. رجاءً دعني اذهب ، لفضحه امام الجميع


فقال إريك في نفسه بقهر :

((ابي رفضني رغم أمنيتي بخدمته ورعايته كإبنٍ بارّ ، فعاقبه الله بإبنٍ عاقّ ونصّابٌ آخر يريد سرقة ماله !))


وقطع تفكيره كلام والده بالتلفاز وهو يقول بارتياح امام كاميرات الصحافة:

- جيد ان ابني عاد قبل خسارتي ملايين الدولارات ثمن الفديّة ، وقبل نسبي ابن الخادمة لعائلتي العريقة 

وهنا تغيّرت ملامح الشرطي بعد علمه بوعد ابيه الكاذب ، واستحقاره لأمه!


جاك : ماذا تنتظر يا اريك ؟ فكّ وثاقي كيّ أسارع بإخبار عائلتي والصحافة بخطّة النصّاب الماكر

إريك : وما يدريك إنه نصّاب ، ربما كان أخاً ثالثاً لنا .. الا ترى الشبه بينه وبيننا ؟

جاك بدهشة : أتظن ذلك حقاً ؟!

إريك بنبرة استحقار : اليس معروفاً عن السيد إدوارد بعلاقاته المتعدّدة ، ورفضه نسب العديد من الأولاد الغير شرعيين 

- وكيف سنعرف الحقيقة ؟

- سنكتشفها لاحقاً ، الآن في بالي خطّةً جديدة 


جاك باهتمام : وماهي ؟

- سأذهب للقصر بهيئة الشرطيّ ، واجتمع مع النصّاب وحدنا .. وأريه صورتك وانت مقيدٌ هنا ، وأخبره انني اعرف لعبته الذكيّة ..وبأني سأسجّنه بتهمة انتحاله شخصيتك إلاّ في حال نفّذ اوامري

جاك : وبماذا ستأمره ؟

إريك : اولاً سأتعلّم من مجرمٍ قبضت عليه قبل ايام طريقة فتح الخزائن ، وأعلّمها للشبيه كيّ يسرق ماله .. من بعدها نتقاسم ما يجده في الخزنة ، بيننا نحن الثلاثة .. ثم آمره بقتل والدنا عن طريق تسميم سيجاره المفضّل الذي سأعطيه إيّاه بمساعدة مجرمٍ محترف ، بهذا نرثّ ما تبقى من ماله


وابتسم الأخّان بخبثٍ ومكر !


الثلاثاء، 3 مايو 2022

الكوكب الموحش

كتابة : امل شانوحة 

النيزك المدمّر


داخل مركبةٍ فضائيّة ، إستيقظ الرائدان على صوت زميلتهما وهي تصرخ فزعة :

- نيزك سيضرب الأرض !!

فأسرع احدهما للنافذة ، بينما راقب الآخر شاشة الرادار التي تؤكّد قرب موعد إصطدام نيزكٍ ضخم بالأرض ، والذي ظهر من العدم!


فأسرع بالإتصال بمحطّة الناسا ، رغم علمه بعطلة الموظفين في ليلة رأس السنة ! ومع ذلك ظلّ يردّد باللّاسلكي :

- نيزك يقترب من الأرض ، هل يسمعني أحد ؟!!


وبعد دقيقتين ، ردّ احدهم :

- انا عامل النظافة ، لا يوجد احدٌ هنا .. هل ما قلته صحيح ؟!

فأجاب الرائد : 

- إتصل فوراً بأحدهم !! النيزك سيضرب الأرض خلال ساعة .. عليهم إطلاق قنبلةً نوويّة باتجاهه لتفتيته قبل وقوعه في المحيط ، مُسبّباً تسونامي هائل قد يغرق معظم الدول الساحليّة بالعالم !! 

الموظف برعب : سأتصل بالمدير فوراً 

***


بعد دقائق ، سمعوا الموظف يقول :

- أخبرتني زوجة مدير الناسا انه في سكرٍ تام ! فاتصلت بمساعده ، وهو في طريقه الى هنا

الرائد : لم يعد هناك وقت ، سيصل النيزل في أقل من نصف ساعة .. رجاءً إخبرنا بالمستجدّات اولاً بأوّل

 

وبعد قليل .. سمعوا صوت مساعد مدير الناسا يقول معاتباً :

- في حال أطلقت القنبلة النوويّة ، ستتناثر أجزاء النيزك فوق دول العالم .. لقد تأخرنا كثيراً ، لما لم تخبرونا سابقاً ؟ هذا خطؤكم!!

الرائد : لم نره من قبل ! كأن الثقب الأسود قذفه كالصاروخ باتجاهكم .. إطلق القنبلة الآن !! لا يوجد حلٌّ آخر ..


وإذّ بالرّواد الثلاثة يسمعون صراخه من اللاّسلكي :

المساعد بفزع : الحرارة ترتفع هنا ! المبنى الحديديّ ينهار فوق رأسي .. النيزك يحرق الغلاف الجويّ !!


قبل دويّ إنفجارٌ هائل ، قطع الإتصال بينهم وبين الأرض ! 

فأسرعوا الى نافذة المكّوك ، ليجدوا نصف الكرة الأرضيّة الشمالية مدمّراً بالكامل !


وتجمّد الثلاثة لدقائق من شدّة الصدمة ! قبل أن تقول زميلتهما ديانا:

- مالعمل الآن ؟! لا يمكننا الإعتماد على سكّان النصف الجنوبي من الكرة الأرضيّة لمساعدتنا في الهبوط بسلام .. فمعظمهم دول العالم الثالث ، الفقراء والجهلاء بعلم الفضاء 

فردّ جاك : وهل تظنّي انهم مازالوا احياءً بعد أن رفع النيزك حرارة الجوّ ؟ أكيد أذابهم جميعاً 


ديانا بخوف : وماذا سنفعل ، ووقودنا بالكاد يكفي لرحلةٍ واحدة ؟!

فتنهّد الرائد آدم بضيق : ليت إدارة الناسا لم تؤجّل هبوطنا لما بعد رأس السنة ، وأعادونا فور انتهاء مهمّتنا على المريخ

جاك : لوّ فعلوا ، لكنّا ميتون معهم 

ديانا بقلق : سنموت بجميع الأحوال بعد نفاذ وقودنا

جاك : يبدو لا حلّ امامنا سوى العودة الى المجمّع الذي بنيناه في المريخ


آدم : أتظنه صالح للسكن ؟

جاك بعصبية : أأنت تقول هذا ؟! ألم تبعث تقريراً للناسا بنجاح مهمّتنا بعد توفيرنا الأكسجين والمياه للمجمّع ، قبل رحلة المتطوّعين المئة الذين سيرسلونهم للعيش على المريخ ؟!! 

ديانا : يبدو اننا الوحيدين الذين سنجرّب المجمّع الجديد !

آدم مستفسراً : أهذا يعني انكما متفقين على العودة الى هناك ؟!

جاك بضيق : وهل هناك حلٌ آخر بعد انتهاء الحياة على كوكب الأرض ؟


ديانا بقلق : برأيّ السؤال الأهم ، ماذا سنفعل وحدنا على المريخ ؟!

جاك : الأفضل أن لا تفكّرا بالمستقبل ، ولنكتفي بخروجنا احياء من هذا المأزق المخيف 

***


ثم قادوا مركبتهم عائدين الى كوكب المريخ .. وهبطوا عليه ، مُتزامناً مع إرتفاع صوت جهاز التحكّم في المكّوك الذي يؤكّد نفاذ الوقود !


وخرج الثلاثة وهم يلبسون أقنعة الأكسجين ، قبل خلعها فور دخولهم المجمّع الزجاجيّ (بعد نجاحهم بتحويل الغاز الموجود بالجوّ لأكسجين نظيف ، يُضَخّ بشكلٍ تلقائي وآمن في فروع المجمّع الثلاثة : المكتب ومهجع النوم ، ومزرعتهم الصغيرة) 


فتنهّدت ديانا بارتياح : نجونا بأعجوبة !

آدم بقلق : والآن ما العمل ؟!

جاك : لا شيء .. نعيش هنا ، حتى آخر يومٍ في حياتنا

ديانا بحزن : ستكون حياةً مملّة في هذا الكوكب الموحش

***


وعاش الثلاثة بشكلٍ روتنيّ : يزرعون ويحصدون ، ويتابعون إكتشاف مناطق جديدة بالمريخ .. ويكتبون التقارير ، رغم علمهم بأنه لن يقرأها احد !

***


بعد شهور .. تطوّرت العلاقة بين ديانا وآدم ، مما أغاظ جاك الغيّور الذي حاول جاهداً إستمالة قلب زميلته (لكونها الأنثى الوحيدة هناك) .. 


وذات يوم ، لاحظ آدم تحرّش جاك بحبيبته ! فنشبت مشادةٌ كلاميّة بينهما ، سرعان ما تحوّلت لعراكٍ بالأيديّ .. ولم تستطع ديانا إنهاء النزاع الحادّ بينهما .. قبل هجوم جاك بالعصا على رأس حبيبها ، وضربه بشكلٍ متتابع حتى الموت ! 

فانهارت باكية وهي تشتمه ، وتؤكّد كرهها الشديد له .. لكن هذا لم يردعه من محاولة الإعتداء عليها ! 

فلم يكن امامها سوى طعنه بالسكين في خاصرته لإبعاده عنها ، لتفجع بموته بعد تمزيقها كبده عن طريق الخطأ ! 


وأمضت ليلتها بدفن الرائدين وهي تبكي بقهر ، بعد إدراكها أنها ستبقى وحدها في هذا الكوكب الكئيب !

***


في اليوم التالي .. خرجت حزينة الى خارج المجمّع الزجاجيّ بزيّها الفضائيّ ، وهي تنظر بعيونٍ دامعة لما تبقى من كوكب الأرض المدمّر ! 


وبقيت سارحة لدقائق ، قبل صراخها بعلوّ صوتها من داخل القناع :

- إنقذوني !! .. هل يسمعني احد ؟!!

- نسمعك جيداً


وكان صوتاً أجشّ ظهر من خلفها ! فالتفتتّ برعب ، لتجد آلاف الكائنات الخضراء المرعبة ذوات الأعين الخمسة والذيول الطويلة  

وكادت تقع مغشيّاً عليها ، بعد رؤيتها سكّان المريخ الأصليين المتشابهين فيما بينهم بشكلٍ مخيف ! 


فأخذت تتمعّن فيهم بارتباك ، قبل سماعها قائدهم يقول :

- لا تحاولي البحث عن أنثى ، فجميعنا ذكور

وابتسم مع شعبه إبتسامةً مرعبةً وخبيثةً للغاية !  


الخميس، 24 مارس 2022

فريق إيلينا

كتابة : امل شانوحة 

 

الموهوبون الصغار


في حيٍّ شعبيّ في إيطاليا ..عاشت إيلينا الستينيّة وحدها في منزلٍ أرضيّ قريب من ملعب كرة القدم التابع لإحدى الأنديّة الرياضيّة ، التي عملت فيه ببيع الشطائر والمشروبات الباردة والحلوى لفِرق الأولاد المُشاركين بالنادي..

***


ذات صباح ، سمعت شجاراً بين ثمانية اولاد وحارس الملعب الذي رفض إدخالهم النادي ..

فلاعب أحدهم الكرة امامه ، وهو يقول :

- أنظر كيف أتحكّم بالكرة !! انا وأصدقائي لاعبين محترفين ، وعليك إدخالنا لنُري المدرّب براعتنا

فردّ الموظّف بنبرة تهديدٍ واستحقار : انتم فقراء ، ولا تملكون ثمن الإشتراك بالنادي ..لذا ابتعدوا من هنا ، قبل استخدامي العصا !!

فقال أحدهم بيأس : صدّقنا يا رجل .. يوماً ما سنصبح أفضل لاعبي إيطاليا ، فقط أعطنا فرصة واحدة لكيّ..

فقطع كلامه بهجومه عليهم بالعصا ، ليسارعوا بالهرب ! 


فلحقتهم العجوز دون أن يروها ، لتسمع كبيرهم يقول بحزن : 

- يبدو علينا نسيان حلمنا يا اصدقاء 

فردّ صاحبه بعصبية : هل جننت ؟!! أملنا الوحيد في الحياة هو الإحتراف والنجوميّة 

- وكيف سنفعل ذلك ، ونحن لا نملك ثمن كرة جديدة ؟! اساساً اين سنتدرّب بعد طُردنا من شارع المحلاّت التجارية ، لخوفهم على واجهاتهم الزجاجيّة .. كما طُردنا من الحيّ الهادىء ، لأننا نوقظ المرضى والأطفال .. حتى الشارع العام ، وضعوا الحواجز لمشروع النفق السريع .. لا أحد سيقدّر موهبتنا لأننا فقراء ، علينا تقبّل ذلك  


فنادتهم إيلينا وهي تجرّ عربتها بتعب :

- يا اولاد !! إقتربوا مني

- ليس معنا المال لشراء الحلوى يا خالة

إيلينا : اريد إخباركم شيئاً مهماً 


وحين اقتربوا ، قالت لهم :

- سأدعكم تتدرّبون في حديقة منزلي الأرضيّ

الأولاد بدهشة : أحقاً !

إيلينا : صحيح ليس كبيراً لكنه بعيد عن بقيّة المنازل ، بذلك لن تزعجوا الجيران .. (ثم نظرت لكرتهم) .. ذكّروني أن أشتري لكم كرةً جديدة 

- ولما تساعدينا يا خالة ؟!

إيلينا : لأني أعيش وحدي منذ سنواتٍ طويلة ، وسيكون جميلاً سماع أولادٍ يلعبون في حديقة منزلي .. والآن ساعدوني بجرّ العربة ، لأني منذ الغد سأكون مدرّبة فريقكم


الأولاد بدهشة : أتريدين تكوين فريق ؟!

إيلينا : نعم بشرط !! كلما أدخلتم هدفاً ، عليكم الهتاف : ((لافيكيا سنيورا)) أيّ السيدة العجوز 

فردّوا بابتسامة : كما تشائين يا خالة

إيلينا بحزم : لا تظنوا انني سأتساهل معكم لأني كبيرة في السن ، فأنا افهم جيداً بكرة القدم ..فوالدي كان مدرّباً محترفاً للشباب .. كما راقبت لسنواتٍ عديدة تدريبات الفرق بالملعب الكبير .. لهذا سأدرّبكم بقسّوة !! ومن يتقاعس منكم ، يُحرم من طعامي اللذيذ بالإضافة للحلوى المجانيّة

فضحكوا بسعادة ..


فأكملت قائلة : وحين تتقنون جميع التدريبات ، وتصبحون بارعين بتسجيل الأهداف ، حينها أسجّلكم بالنادي الرياضيّ

- لكنهم يحتاجون مالاً كثيراً !

إيلينا : أتركوا الموضوع لي .. وهآ نحن وصلنا المنزل !! اريدكم ان تساعدوني بإزالة بعض الأغراض من الحديقة ، لتوسيع ملعبكم  

***


أمضى الأولاد الثمانية ساعتين في تنظيف حوش منزلها ..

وحين دخلت العجوز الى بيتها ، تهامس الأولاد فيما بينهم :

- أظنها تتلاعب بنا ، لتنظيف حديقتها بالمجّان ! 

فخرجت وهي تقول معاتبة :

- سمعتك يا ولد !!

وكانت تلبس زيّ رياضي قديم ، وهي تضع الصافرة في عنقها ..

فأضحكهم مظهرها .. فقالت مبتسمة :

- أتسخرون مني ؟

- من اين أتيت بهذه الملابس القديمة ؟


إيلينا : كانت لأبي المرحوم الذي حلم دائماً بإنجاب صبيّ وتدريبه ليصل لبطولة العالم .. لكنه لم ينجب غيري ، لهذا اريد تحقيق حلمه .. والآن دعونا نرسم حدود الملعب 

- أهذا طبشور ؟!

إيلينا : بالطبع لن أفسد حديقتي بالدهان .. هيا ابدأوا برسم حدود المرميين  


وبعد إنهائهم من رسم حدود الملعب .. سألها احدهم : 

- متى تبدأ المباراة الأولى ؟

إيلينا : غداً ، اليوم تعبتم بما فيه الكفاية .. وأريدكم الحضور باكراً للقيام اولاً بتمارين الإحماء .. أمّا الآن ، فسندخل المنزل لتناول المعكرونة.. هيا بنا !!


وقد أسعدهم مذاق طعامها اللذيذ ، فمعظمهم من عائلاتٍ فقيرة بالكاد تجد قوت يومها ! 


وبعد الطعام ، أعطتهم الحلوى .. ليعودوا سعداء الى بيوتهم  

***


في الصباح الباكر .. إستقبلتهم بفطورٍ صحيّ ، قبل بدء التمرينات (التي شاهدتها اثناء بيعها في مدرّجات الملعب على مدى سنوات)

ولم تتساهل معهم ! بل راقبتهم بدقّة وهي تحمل صافرتها ..وتأمرهم بتكرار التمرين ، لحين إتقانه تماماً .. 

فقال أحدهم بإرهاق :

- رجاءً خالة إيلينا ، تعبتُ كثيراً

إيلينا بحزم : أتريد الإنضمام للنادي ام لا ؟

- بلى 


إيلينا : اذاً عليك إنهاء تمارين الضغط 50 مرة ، كما يفعل اللاعبون الصغار المحترفون .. هيا إكمل العشرة المتبقية دون تذمّر .. ومن بعدها تركضون جميعاً حول منزلي 40 مرة 

- 40 مرة ! هذا كثير يا خالة 

إيلينا : مدرّب فريق الأولاد يأمرهم بالدوران حول الملعب 20 مرة ، ومنزلي أصغر بكثير من الملعب .. ولا استطيع التساهل معكم اكثر من ذلك 

- ومتى تبدأ المبارة ؟

إيلينا : بعد إنهاء تمارين الإحماء ، كيّ لا تصابوا بشدٍ عضليّ

***


بعد مرور ساعة من التمرينات المرهقة ، أخذت تراقبهم من داخل مطبخها بعد إطلاقها الصافرة لبدء المباراة (عقب تقسيمهم لفريقين) وهي تحمل ساعة التوقيت 


وفي المباراة ، طبّق الأولاد ما اتفقوا عليه سابقاً .. فكل هدفٍ يدخلونه (من كلا الفريقين) عليهم التوقف امام نافذة مطبخها ..ورفع ايديهم نحوها ، وهم يهتفون بصوتٍ عالي : 

- ((لافيكيا سنيورا)) !!

فترفع يدها معهم ، وهي فخورة ببراعتهم في تسديد الكرات !  

لتنتهي المبارة الأولى بالتعادل هدفين لكلٍ منهما ..

***


ومضت الأيام .. والأولاد الثمانية يحضرون في موعدهم الصباحي لبدء تمارين الإحماء التي لم تعدّ تتعبهم ، بل تُحمّسهم لبدء المباراة الوديّة بينهم ، والتي تغيّرت نتيجتها مع كل مباراة .. 

كما اعتادوا بنهاية اليوم على تناول الغداء معها ، والحصول على الحلوى المجانيّة قبل عودتهم بيوتهم

***


وفي أحد الأيام .. لم يأتي احدهم ، وأكملوا اللعب دونه ! 

وبعد رحيلهم ، رأته إيلينا يجلس خلف منزلها حزيناً .. فسألته عن غيابه؟ 

فردّ بقهر : منعتني أمي من زيارتك

إيلينا باستغراب : لماذا ؟!

- لأني أتعبها بغسل ملابسي الرياضيّة كل يوم ، كما أكلّفها ثمن مسحوق الغسيل وصابونة الإستحمام 

إيلينا بحزم : أراك غداً في ملعبي ، مفهوم !! 

- الم تسمعينني يا خالة ؟ نحن فقراء جداً  

إيلينا : غداً بعد ذهاب اصحابك ، تستحمّ عندي .. وانا أغسل ملابسك ..فقط إحضر غياراً معك كل يوم 

- لا اريد إتعابك !


إيلينا : اذاً لا تخذلني ، فأنت ورفاقك وعدّتموني بالوصول لبطولة العالم 

فقال بارتياح : بأمرك سيدتي ، سأحضر غداً على الموعد

فابتسمت بفخر : أحسنت يا بطل !! إيّاك التخلّي عن حلمك ، مهما ضغطت عليك ظروف الحياة 

***


واستمرّت التدريبات كل صباح ، مع إلتزام إيلينا بعملها كمدرّبة مُحترفة ! 


وفي ذلك العصر ..إجتمعت الأمهات في بيتها ، مطالبات بإزالة فكرة كرة القدم من رؤوس أبنائهن ..

إيلينا باستنكار : ولما أفعل ذلك ؟!

- لأنهم لن يحترفوا كما يحلمون ، فنحن فقراء معدمين

إيلينا : معظم مشاهير الكرة نشأوا في بيئةٍ فقيرة ، وكذلك اثرياء العالم 

- اولئك محظوظين

إيلينا : بل اجتهدوا لتحقيق حلمهم ، وأبنائكن يملكون المهارة الكافية لدخول دوري المحترفين

فقالت أم بنبرة إستحقار : وما ادراك انت بهذه الأمور ؟


فردّت إيلينا بحزم : إن بقيت تحبطين ابنك ، فلن يكترث لك حين يصبح مليونيراً .. (ثم قالت للأمهات) .. الأفضل أن تدعمنّ اولادكن بدل إحباط حلمهم الوحيد بفوز إيطاليا ببطولة العالم 

فسألتها أم : أتظنين بإمكانهم الوصول لدوري فرق الصغار ؟

إيلينا : صدّقوني سيصبحون من مشاهير الكرة ، فقط توقفن عن نقدهم وثقوا بهم قليلاً !! 

فخرجنّ من بيتها وهن مختلفات الرأيّ بين إبقاء إبنائهنّ معها ام لا! 

***


بعد سبعة شهور من التدريبات المتواصلة ، فاجأتهم إيلينا بإحضارها ملابس موحّدة للاعبيها الثمانية ، مطبوعاً على قمصانهم : ((فريق إيلينا)) 

فقفزوا فرحين لأنها المرة الأولى التي يحصلون فيها على زيِّ رياضيّ جديد ، مع أحذية مريحة .. فقالت لهم :

- إلبسوها فوراً !! لأننا ذاهبون الى النادي الرياضيّ ، بعد دفعي إشتراككم السنويّ


فسألها احدهم بدهشة : ومن اين حصلت على المال ؟!

إيلينا : بعت ذهب أمي

- هو ذكرى قيّمة لك ، فلما بعته ؟! 

إيلينا : ليس لديّ أغلى منكم .. فالربّ لم يرزقني الأولاد ، لكنه رزقني بثماني احفادٍ محترفين

فحضنوها بامتنان ..

إيلينا : لا وقت لدينا للعواطف .. هيا إسرعوا بتجهيز أنفسكم ، فالمدرّب يريد إختباركم قبل تسجيلكم بفريقه .. وإيّاكم أن تخذلوني!!

- لن نفعل !!

***


توجّهوا جميعاً للنادي الوحيد بالمنطقة ، وهم يلبسون زيّهم الأزرق الموحّد.. ليقفوا مندهشين من ضخامة الملعب الذي يرونه لأول مرة من الداخل ، بعد موافقة الحارس على إدخالهم 


لتبدأ على الفور الإمتحانات الدقيقة من المدرّب للاّعبين الجدّد ، حسب تسديهم للكرة والتمرير ، وكذلك حراسة المرمى


وبعد ساعتين .. أخبر المدرّب إيلينا عن موافقته لضمّ إثنين منهم لفريقه ، لتنتفضّ بعصبية : 

- بل ستضمّهم جميعاً لفريقك !! 

المدرّب : لا استطيع ! فقدراتهم متفاوتة 

إيلينا : أنا أعرف قدراتهم جيداً ، ولن أسمح بتفريقهم عن بعضهم  

فهمس الأولاد لها : لا بأس يا خالة أن يختار بعضاً منّا ، فهذا قراره 

إيلينا بحزم : إمّا أن تحترفوا جميعاً او لا !! .. (ثم قالت للمدرّب) .. اريدهم أن يكونوا لاعبين اساسيين بفريقك ، وليس لاعبي إحتياط 


فقال المدرّب : هذا سيكلّفك مبلغاً إضافيّاً 

إيلينا : سأدفعه مقابل لعبهم جميعاً في مباراتك القادمة

المدرّب : المباراة القادمة حازمة ، فمن يفوز يتأهّل للعب بدوري الصغار 

إيلينا بثقة : سينجحون لا تقلق ، فأحفادي لن يخذلوني ابداً

المدرّب : يالك من سيدة عنيدة ! حسناً إحضري المبلغ قبل نهاية الإسبوع ، وإلاّ سأختار اثنين فقط 

***


بعد خروجهم من النادي ، سألوها بقلق :

- اين ستحضرين المبلغ الكبير ؟!

إيلينا : سأسافر غداً لقريتي لبيع ارض والدي 

- رجاءً لا تبيعي املاكك لأجلنا ! 

إيلينا : سأبيع كل شيء في سبيل تحقيقكم حلمي بالفوز بكأس العالم ، كما وعدتموني.. ما بكم تنظرون لبعضكم هكذا ! ألن تنفّذوا اتفاقنا؟ 

- بل سنصل للعالميّة ، لكن الأمر يحتاج لسنوات .. فأصغرنا بالعاشرة وكبيرنا في 13 من عمره ! 

إيلينا : وانا لست عجوزاً لهذه الدرجة ، سأظلّ حيّة لحين ظهوري في الصحف الدوليّة وانا أحمل كأس العالم 

فقالوا بابتسامة : نعدك أن نحقّق حلمك يا خالة إيلينا 

وحضنوها وهم يبكون إمتناناً لإيمانها الكبير بموهبتهم !

***


وبالفعل تمكّنت إيلينا من تسجيلهم معاً ضمن الفريق ، للعب ببطولة اليافعين .. حيث تمرّنوا مع مدرّبهم الجديد ، بالإضافة لتمرّيناتهم مع إيلينا في حوش منزلها في عطلة الإسبوع .. 

***


لم تفوّت إيلينا مباراة واحدة اثناء صعودهم بدوري الصغار ، كما لم ينسى الثمانية الهتاف لها مع كل هدفٍ يسددّونه :

((لافيكيا سنيورا)) !!

وبدورها ترفع يدها لتحييهم من المدرّجات ، وهي فخورة بهم 

***


وكما توقعت إيلينا ، حصلوا على كأس بطولة اليافعين بكل سهولة .. وبعد تصوّرهم معها وهي تحمل الكأس ، أخذوا يودّعونها بحزن 

فسألتهم : أتظنون بهذا الكأس الصغير نفّذتم وعدكم لي ؟

- نحن ربحنا الدوري !

إيلينا : كنت اتفقت معكم منذ البداية على بطولة العالم

- لكننا سنفترق في عدة فرقٍ إيطاليّة ، ونحتاج عشر سنوات لنصل لبطولة الشباب !


إيلينا : لا تهمّني السنوات ، طالما بالنهاية ستجتمعون ضمن الفريق الوطني المُشارك ببطولة العالم .. (ثم حضنتهم) .. نصيحتي لكم : إيّاكم والغرور ، ولا تسمحوا للشهرة والمال أن تفرّقكم عن بعضكم 

- نعدك بذلك ، بشرط اهتمامك بصحتك

إيلينا : لا تقلقوا ، لن اموت قبل تحقيق حلم والدي

***


ومرّت السنوات .. برع كل واحداً منهم في فريقه ، والذين اعتادوا على الهتاف بإسمها كلما أدخلوا هدفاً .. ليصبح هتاف ((لافيكيا سنيورا)) حديث الصحافة والجمهور !!


إلى أن تأهّلوا جميعاً لبطولة العالم ، بعد اختيارهم ضمن الفريق الوطني بسبب براعتهم في فرقهم المتعددة .. ماعدا شاب منهم ، لم يتم اختياره بعد إنخفاض مستواه إِثر إصابةٍ تعرّض لها سابقاً

وحين زارها الشباب السبعة لإخبارها بسفرهم القريب للخارج ، طلبت منهم الإتصال بصديقهم الثامن للقدوم الى منزلها ..


فوصل بعد ساعة .. ودخل بيتها عارجاً ، فصرخت في وجهه :

- إمشي جيداً يا ولد !!

- عُطبت ركبتي يا خالة 

إيلينا (السبعينية) : انت تمثّل ذلك ، لأنك خائف من اللعب في الخارج

- لست بقوّة رفاقي لأصل للعالميّة

فصفعته بقوة ، وسط دهشة زملائه ! 

إيلينا بغضب : جميعكم مدينون لي !! ولن أسمح لأيٍّ منكم بالتخاذل عن وعده لي .. جميعكم ستلعبون معاً ، لترفعوا إسم إيطاليا عالياً .. 

- لكن يا خالة ، المدرّب لم يختارني 

ايلينا : اذاً على رفاقك إجباره بذلك 

الجميع : وكيف ! 

إيلينا : هدّدوه بالإنسحاب من الفريق إن لم يضمّ صديقكم معكم 

- وماذا عن إصابتي ؟ 


إيلينا : لطالما كنت بارعاً بالحراسة ، فكنّ مسؤولاً عن صدّ كرات الفرق الأخرى .. (ثم نزلت دمعتها) .. رجاءً لا تخذلوا جدّتكم إيلينا ، فقد لا تسنح لي فرصة أخرى لتحقيق حلم حياتي  

- سنحاول يا خالة ، ولا تنسي مشاهدة مبارياتنا بالتلفاز

إيلينا : التلفاز ! بل سأراقبكم من المدرّجات ، فقد بعت ما تبقى من املاكي للسفر معكم ، بشرط أن لا تنسوا مع كل هدف .. 

فأكملوا قائلين : نهتف لك !! 

إيلينا بابتسامة : نعم ، اريد العالم أن يعرف من هي إيلينا العجوز 

فحضنوها بسعادة

***


وبالفعل انضمّ صديقهم الثامن ، بكونه حارس إحتياط .. والذي شارك اخيراً رفاقه بعد وصولهم للدور الربع النهائي ، بعد إصابة حارسهم الأساسي .. ليُفاجئ الجمهور ومدرّبه ببراعته بصدّ الأهداف !


وبسبب هتافهم لإيلينا (التي شاركت فريقها فرحتهم من المدرّجات) أجرت الصحافة حواراً معها ، أخبرتهم فيه : عن ثقتها بمهارة صغارها الثمانية ، وبدورهم عبّروا عن إمتناتهم لدعمها المتواصل لهم ... 

***


في المباراة النهائية ، أخفت إيلينا مرضها عن فريقها .. وجلست في مكانها المعتاد فوق مقاعد المدرّب .. وهذه المرة لبست الزيّ الرياضي القديم لوالدها ، بعد أن قاربت على تحقيق حلمه..

 

ووصلت المباراة الى ركلات الترجيح .. وبقيّ هدفٌ واحد : إن أدخلها الفريق المنافس ، خسرت إيطاليا البطولة .. وإن صدّها حارسهم ، ربحوا الكأس ..

فنادت إيلينا حارسها بعلوّ صوتها !! فتوقفت المباراة ، لحين ذهابه لمكانها القريب من الملعب .. لتهمس في اذنه :

- سيضع الكرة على اليسار ، فهو عسراويّ

- هل انت متأكدة يا خالة ؟!  

إيلينا معاتبة : أتشكّ بكلامي يا ولد !

- حسنأ سأتوجّه يساراً .. فإن خسرنا ، لا تلومينني 

إيلينا بثقة : لن نخسر .. فحلمي وحلم ابي ، أصبح بين يديك يا بطل!! 


وبالفعل توجّهت الكرة بقوّة لليسار ، ليصدّها الحارس ببراعة ! 

لتعلن صافرة الحكم فوز إيطاليا ببطولة العالم ، لتتفاجأ إيلينا وفريقها بهتاف الجمهور بصوتٍ واحد :  

- ((لافيكيا سنيورا)) !!! 

بعد أن حقّقت العجوز حلم الشعب بأكمله !

***


بعد تتويجهم بالميدليّات الذهبيّة ، تصوّرت إيلينا مع فريقها التي عادت معه بالطائرة الخاصة الى إيطاليا .. لتُحمل على أكتاف المشجّعين بسبب دعمها لمواهب اللاعبين الثمانية منذ صغرهم .. 

***


بعد إنتهاء الإحتفالات .. ذهب الشباب الثمانية معها الى المقبرة فور عودتهم من العاصمة .. وأعطوها الكأس ، لتضعه فوق قبر والدها .. ووقفوا خلفها ، ليسمعوها تقول له : 

((ابي .. سمعتك يوماً تقول لأمي إنها خذلتك بإنجابها لي ، بدلاً من صبيّ يحقّق حلمك بالحصول على كأس العالم ..فهل انت راضي عني الآن ؟))

***


ثم توجّهوا معها الى بيتها الصغير .. لتجد اهالي الشباب الثمانية وأهالي حيّها الشعبيّ ، قد زيّنوا بيتها ورتّبوه خلال غيابها ! كشكرٍ على دعمها لأطفالهم الموهوبين ..

 

لتعيش إيلينا شهراً كاملاً من الإحتفالات المتتالية ، قبل أن تسوء حالتها الصحيّة ، وتُنقل للمستشفى !

فزارها الشباب الثمانية (الذين أصبحوا من مشاهير الكرة العالميّة)..

فسألتهم وهي تضع قناع الأكسجين :

- سمعت إن كل واحداً منكم حصل على عقد احتراف في الخارج

- هذا صحيح يا خالة ، وكلّه بفضلك


إيلينا : اذاً انتهى عملي معكم .. وآخر طلبٍ لي : أن تحوّلوا بيتي الصغير لملعب تدريب لأولاد الفقراء ، بشرط أن تدعموهم ماديّاً ومعنويّاً كما فعلت معكم 

- هذا ما كنّا نخفيه عنك .. فقد خطّطنا لفتح نادي لدعم المواهب الصغيرة بالمناطق الفقيرة 

إيلينا بفخر : لقد أحسنت تربيتكم بالفعل ، ويمكنني مقابلة روح والدي وانا مُعتزّه بإنجازي معكم .. تذكّروني دائماً يا أحفاديّ الأعزّاء 

وكانت هذه آخر كلماتها ، قبل مفارقتها الحياة !

*** 


وفي عام 1897 .. تمّ إنشاء نادي يوفنتوس (جوفنتوس) الإيطاليّ بدعم مادي من المشاهير الثمانية .. بشعار السيدة العجوز ، تكريماً لروح الجدّة إيلينا ! 


الاثنين، 21 مارس 2022

ظلمني زماني

فكرة : أختي اسمى
كتابة : امل شانوحة 

 

ردّ الجميل 


واجهت سارة إحباطاً شديداً بسبب ضغوطات طليقها ، ومديرها في العمل ..وزادت انطوائيتها لدرجة جعلتها تشترك في مجموعة علاجيّة لطبيبةٍ نفسيّة محترفة .. 

وخلال العلاج الجماعي ، شارك معظم المرضى مشكلته امام رفاقه .. بينما رفضت سارة وإثنين آخرين البوح بمتاعبهم ! 


فأعلنت الطبيبة بنهاية الجلسة عن برنامج يسمح لهم بالتواصل مع المجرمين المحكوم عليهم مؤبّد او ينتظرون حكم الإعدام 

شارحةً لهم :

- يمكنكم إختيار احد المساجين للبوح له بمكنونات قلبكم ، فهو لن يفضحكم بسبب بقائه في السجن لآخر يومٍ في حياته


وأعطتهم الإيميل الذي يمكنهم من خلاله التواصل مع إدراة السجن التي جهّزت قاعة للمحادثة مع المساجين الذين تخلّوا عن عنفهم وإجرامهم بمرور السنين ..

***


في المساء .. شعرت سارة برغبة للتحدّث مع أحدهم.. ففتحت البرنامج لتجد خمسة اشخاص محكوم عليهم بالإعدام ، وعشرة محكومين بالمؤبّد  ضمن برنامج المحادثة المفتوحة ..

 

فاختارت سجيناً محكوماً مؤبّد ، سمِح الوجه ونظراته بريئة ! 

وقرأت ملفّه ، لتجده متهم بقتل زوجته ! 

وكان الوحيد المتصل بالإنترنت في هذا الوقت المتأخر .. 


فبدأت المحادثة بالتعريف عن نفسها : بأنها مريضة نفسيّة توشك على الإنتحار

فطلب منها إخباره بما يشغل تفكيرها ؟

فكتبت عن شخصيتها المحطّمة منذ الطفولة بسبب والدها المسيطر ، الذي أجبرها على الزواج من رجلٍ نرجسيّ دمّر ما تبقّى من ثقتها بالنفس ! وحين قرّرت الإعتماد على نفسها بالعمل في دار النشر , واجهت مديراً حازماً يقلّل من شأنها امام الموظفين كلما سنحت له الفرصة !


وبعد ساعتين من حديثها عن مأساتها ، نصحها قائلاً :

- لا تكوني الشخص الطيّب في المجتمع ، فالجميع سيستغلّك كما حدث معي

سارة باهتمام : وماذا حصل ؟!


فحاول السجين (آدم) التهرّب من سؤالها .. لكنها أصرّت على معرفة ملابسات جريمته ..

سارة : هل خانتك زوجتك ، أم فقدّت اعصابك بسبب عنادها ؟ أم كانت المشكلة بتدخل الأهل والأصدقاء ؟

آدم : لا شيء ممّا قلته .. ففي ذلك الصباح ، ذهبت لشراء دواءٍ لإبني..

سارة مقاطعة : ألديك اولاد ؟!

- طفلين ..أقصد كانا طفلين يوم الجريمة ..الآن بلغ ابني سن 11 ، والصغيرة أتمّت التاسعة

- إكمل رجاءً


آدم : بعد عودتي من الصيدليّة ، وجدّت شقتي مليئة بأفراد الشرطة ! وولدايّ يبكيان بفزع في الصالة .. وحين دخلت المطبخ ، كانوا يغطّون جثة زوجتي التي قُتلت برصاصة في قلبها ! 

- اذاً انت لم تقتلها ؟!

- حاولت إفهام المحقّق بما حصل ، وأريته الأدوية التي معي ..لكنه لم يصدّقني ! وأخبرني إن باب الشقة غير مخلوع ، وهذا يعني انني أعطيت مفتاحي للمجرمين بنيّة قتلها ، والدليل انهما لم يسرقا شيئاً ! وأدوية الصيدليّة حجّة لإبعاد الشبهات عني


سارة : واين ولديك الآن ؟

- في قصر جدّهم 

سارة باستغراب : قصر !

- نعم هو ثريٌّ جداً ، لهذا كرهني منذ البداية .. فأنا لست بمستواهم المادي ، رغم إنّي خرّيج محاسبة وموظّف دولة 

- ولما لم تدافع عن نفسك ؟!


آدم : لأن حمايّ وكّل أبرع محامي في المدينة .. ولسوء حظي لم يعثروا على اللصيّن لتعطّل كاميرا العمارة .. فاتهموني بالتخطيط لقتلها ، لحصولي على التأمين على حياتها ! .. أيعقل أن أقتلها امام طفليها الصغيرين ؟! 

- كان عليك استئناف حكم المؤبّد 

فتنهّد آدم بيأس : لم يعد يهمّني شيء بعد وفاة زوجتي الحبيبة ، بل صرت أتمنى الموت كل يوم

- وماذا عن ولديك ؟

- هما يعيشان بنعيم عند جدهم ، كما أخبرني المحامي الذي طلب مني إيقاف طلباتي برؤيتهما ، كيّ لا أدمّر نفسيّتهما .. خاصة أن جدهم أخبرهم انني متّ مع امهم بحادث سير ! فهما كانا صغيران يوم الجريمة ، ولا يتذكّران ما حصل لأمهما ..


وأخذت تحدّثه طوال الليل .. قبل توديعه ، وهي تعده بالتواصل معه في يومٍ آخر.. 


ولأوّل مرة غفت سارة دون أرق ، بعد فضّفضتها عن آلامها ومشاكلها التي تعتبر بسيطة بالنسبة لمصيبة السجين المظلوم ! 

***


في الصباح .. إستيقظت سارة وهي تشعر بالنشاط والتفاؤل على غير عادتها ! وقرّرت اثناء توجّهها لوظيفتها بتطبيق نصيحة آدم : وهي إبعاد الأشخاص السلبيين عن حياتها.. 


فدخلت مباشرةً الى مكتب مديرها لتقديم استقالتها ، بسبب سوء معاملته لها .. فتفاجأ من تصرّفها الجريء ! فهي أهم موظفة لديه (دون إخبارها بذلك) .. وحاول تغيّر رأيها برفع راتبها ، لكنها أصرّت على ترك العمل ..


وخرجت من هناك وهي تتنفّس الصعداء بعد إزاحة همٍّ كبير عن قلبها .. فآدم أخبرها : إنها لن تُنتج في بيئةٍ متوتّرة ، التي ستضعف مناعتها وتحطّم نفسيّتها ..

***


في الطريق .. أتاها إتصال من طليقها الذي اعتاد على ابتزازها بنشر صورهما الزوجيّة ، في حال لم تعدّ اليه !

فاستجمعت قواها ، لتقول بلا مبالاة :

- كنت حينها زوجتك ، فإن اردّت الظهور كعديم الشرف امام عائلتك ، فانشرهم .. وأعدك أن لا تجد امرأة تقبل الزواج بشبيه الرجال 


وأقفلت المكالمة في وجهه ، بعد أن صدمته بقوتها المفاجئة ! فهو كان على يقين بسيطرته التامة عليها .. ولولا ضغط اهلها ، لما طلّقها ابداً.. ولكان احتفظ بها كلعبةٍ يُفرغ فيها عقده النفسيّة وطاقته السلبيّة !

***


وقفت سارة امام الشاطىء ، وهي تشعر بحرّيةٍ وسعادةٍ لم تشعر بها من قبل ! كل هذا بفضل نصائح آدم التي مازالت ترغب في مساعدته .. 

فخطرت ببالها فكرة ، وأخرجت جوالها للبحث عن إسم حماه الثريّ (الذي  أطلعها به ضمن سياق حديثه) .. ولم يكن صعباً العثور على عنوان قصر أغنى اثرياء المدينة .. 


فتوجّهت مباشرةً الى هناك .. وحين وصلت ، رأت ولدين يلعبان في حديقة القصر ، بجانب الخادمة التي نادتها لتسألها :

سارة : هل وضعتم إعلاناً لوظيفة مربيّة ؟

الخادمة : هل ارسلك المكتب ؟

فسعدت سارة بهذه الصدفة الغريبة ! فأسرعت قائلة :

- نعم !! أرسلوني اليكم ، هل يمكنني مقابلة السيد ؟

فطلبت الخادمة من الحارس فتح الباب لها .. 

***


تجوّلت سارة في اروقة القصر ، وهي منبهرة من فخامته ! قبل وصولها لمكتب الجد الذي استقبلها بغطرسة :

- كان على المكتب إخباري بقدومك !!

سارة : إن كنت مشغولاً ، آتي غداً سيدي

الجد : لا ، الأفضل إتمام الموضوع بأسرع وقتٍ ممكن .. فأنا مسافر بنهاية الأسبوع في جولةٍ تجاريّة بأوروبا ، ولا اريد ترك حفيدايّ مع الخدم .. والآن إخبريني ، ماهي مؤهلاتك ؟

سارة : انا خرّيجة تربية الطفل .. وأعرف لغتين الفرنسية والإنجليزية ..وتعلّمت دورات تمريض ..وأجيد العزف على البيانو ..والأهم من ذلك ، أعشق الأطفال وعالمهم البريء

الجد بحزم : أرني شهاداتك !!


فشعرت سارة بالإرتباك ، بسبب كذبتها فهي خرّيجة آداب .. لولا أن الحظ حالفها للمرة الثانية ، حين وصله اتصال عملٍ مهم .. فنادى الخادمة لتُريها غرفة المربيّة القريبة من غرفة الولدين .. 


فشعرت سارة بالسعادة لتوظّفها في القصر ، فهذا سيسهّل حلمها بجمع آدم بولديه .. كنوع من ردّ المعروف بعد مساعدته ، بتخلّصها من الأشخاص الذين دمّروا شخصيّتها لسنواتٍ طويلة !

***


في اليوم التالي .. حزمت سارة حقيبتها ، بعد إخبار اهلها بسفرها في رحلة عمل لشهرٍ على الأقل دون إعطائهم التفاصيل !


وبعد استقرارها في غرفتها بالقصر ، تقرّبت من الصغيرين الّلذين يشبهان والدهما بالشكل وطباعه الهادئة

***


في المساء وقبل نومها ، أرسلت رسالة لآدم تسأله فيها :

- ما رأيك لوّ عملت مربيّة لأبنائك ؟

ففتح كاميرا حاسوبه وهو يجيبها بعصيية : إيّاك الإقتراب من حمايّ !! فهو رجلٌ شرير .. وأكاد أجزم انه هو من خطّط لقتلي وخطف اولادي ، لتُقتل زوجتي بالخطأ اثناء دفاعها عنهما !

سارة باهتمام : وهل أعطت زوجتك نسخة من مفاتيح شقتك لوالدها؟!

آدم : بل أضاعتهم حين زارته .. 


سارة معاتبة : ولما لم تخبر القاضي بذلك ؟

- لأنه ليس دليلاً قاطعاً ، فبإمكان محاميه إقناع المحلّفين انها أضاعت المفاتيح بالشارع ، لأبقى المتهم الأول بقتلها

سارة : اذاً سأحصل لك على دليلٍ قوي ، يُدين حماك

آدم بعصبية : قلت لا تقتربي من قصره !! فأنا رضيت بقدري وانتهى الأمر 


فأرسلت صورتها مع ولديه (إلتقطتها هذا الصباح)..

فانتفض من مكانه ، وهو يسألها بدهشة :

- كيف التقيت بهما ؟!

فصوّرت غرفتها الفخمة ، وهي تقول بفخر :

- انا الآن في قصره

فانهارت دموع آدم ، وهو يتمعّن بصور ولديه اللّذين كبرا في الخمس سنواتٍ الماضية !

سارة : والآن ، هل استسلمت ؟


فسكت قليلاً ، قبل أن يقول بيأس :

- رجاءً ساعديني لإيجاد دليلٍ يُخرجني من السجن ، كيّ أعود لأولادي

سارة : سأفعل !! كنّ صبوراً.. فحماك سيسافر بعد ايام ، وحينها أحاول تفتيش مكتبه

آدم محذراً : إنتبهي من الخدم

- لا تقلق ..معظمهم سيستغلّ غيابه ، لأخذ عطلة لنفسه .. وستبقى معي الخادمة العجوز التي تكره السهر .. كما سأتقرّب من ولديك في الأيام القادمة ، حتى أخبرهما عنك في الوقت المناسب 

- سارة ، لا ادري كيف أشكرك !

سارة : بل انا أشكرك على مساعدتي باستعادة شخصيّتي القويّة .. سأتصل بك لاحقاً لأخبرك بالمستجدّات

***


قبل يوم من سفر الجد ، فاجأته سارة بإحضارها الدواء والماء !

فارتبك لدرجة رميه المستند في الخزنة ، قبل إقفالها.. ليصرخ عليها بعصبيّة :

- كيف تدخلين مكتبي دون استئذان ؟!!

سارة : طرقت الباب مرتين ! يبدو لم تسمعني لانشغالك بالعمل ..أعتذر منك سيدي

الجد : ولما أحضرت الدواء ؟ اين الخادمة ؟

- مشغولة بتحضير العشاء

- سأعاقبها لاحقاً

سارة : لا داعي لذلك ، فأنا درست التمريض وأعرف ادوية كبار السن .. فإن كنت تشعر بارتفاع ضغطك ، الأفضل تأجيل سفرك


الجد : سأكون بخير غداً ، اين الأولاد ؟

يارة : ناما قبل قليل

الجد : جيد !! اريدهما أن يعتادا على النوم باكراً ، فالعطلة الصيفيّة على وشك الإنتهاء .. والآن يمكنك الذهاب لغرفتك 

فخرجت ، بعد معرفتها مكان الخزنة السرّية

***


بعد سفره .. قامت بتصوير الخزنة الموجودة داخل خزانة على شكل ثلاّجة صغيرة ! وأرسلت الصورة لآدم الذي قال لها :

- زميلي في الزنزانة خبير بفتح أقفال الخزن الحديديّة .. سأتعلّم منه الطريقة ، ثم أخبرك بها 

سارة : إستعجل !! فحماك سيعود بعد اسبوع 

***


وبالفعل علّمها طريقة فتح الخزنة .. وفي المساء ، إستغلّت نوم الخادمة العجوز (الوحيدة المتبقيّة من الخدم) لفتحها ، وإخراج المستند الذي صوّرت جميع صفحاته لآدم وهي تهمس بالجوّال :

- هل هذه الأوراق تنفع قضيتك ؟

آدم : لا لكنها تسّجنه ، لتلاعبه بضرائب الدولة لسنواتٍ طويلة ! ماذا وجدّت ايضاً ؟

سارة : رزم المال

- رجاءً لا تأخذيها .. فهو رجلٌ بخيل ، وأظنه حفظ الأرقام التسلّسلية لنقوده

- لست سارقة يا آدم ، ولا أهتم بالمال الحرام

- آسف سارة ، لم أقصد إزعاجك .. هل يوجد شيءٌ أخر في الخزنة؟


سارة : شريحة جوّال !

- لابد انه استخدمها للإتصال بقتلة زوجتي

- اذاً سأضعها في جوّالي لنسخ المكالمات والمحادثات القديمة ، ثم ارسلها لك

آدم : أتمنى العثور على مكالماته بتاريخ الجريمة 

سارة بفزع : لحظة ! هناك صوتاً بالخارج

- إختبئي فوراً !!


فأغلقت الخزنة بهدوء ، ثم اختبأت اسفل المكتب .. لتفتح الخادمة الغرفة قبل إغلاقها من جديد ، ظنّاً بسماعها حركة في الداخل ! 


وبعد ذهابها ، سأل آدم سارة :

- أكان الحارس ؟

- لا ، الحارس في إجازة .. كانت الخادمة العجوز  

آدم : هل رأت نور المكتب ؟ 

- انا استخدم إضاءة جوالي الذي اطفأته قبل دخولها

- أحسنت !! الآن إنسخي الشريحة في الحال..

***


وخلال ساعتين ، نقلت سارة كل شيء على جوالها .. ثم أعادت الشريحة مكانها ، بعد تنظيف ما لمسته بالمطهّر لإخفاء بصماتها 

ثم تسلّلت الى غرفتها قبيل الفجر ، بعد إرسالها كافة المعلومات على إيميل آدم

***


في اليوم التالي ، إستيقظت على صوت الخادمة تعاتبها :

- سارة !! أصبح الوقت ظهراً ، والأولاد أتعبوني بطلباتهم .. إهتمي بعملك ، لحين تجهيزي الطعام .. 

- آسفة ، لم أنم جيداً بسبب كوابيسي المتتالية.. سأغسل وجهي .. ثم آخذ الأولاد للحديقة العامة ، لحين إنهائك الغداء

***


بعد خروج الخادمة من غرفتها ، وجدت رسالةً صوتيّة على جوالها من آدم يقول سعيداً :

- وجدّت مكالمة الحقير وهو يتفق مع القاتلين للتخلّص منّي وإعادة ابنته وحفيديه للقصر !! ومكالمة أخرى وهو يهدّدهما بالتعذيب لقتلهما ابنته بالخطأ ! وأنه سيقطع لسانهما إن اعترفا للشرطة.. سأقوم بإرسال التسجيلين لمحاميّتي ، لاستئناف الحكم من جديد ..انا مدينٌ لك بحياتي يا سارة !!


وقد أسعدها الخبر لدرجة مشاركتها اللعب مع الصغيرين في الحديقة ، لعلمها بلقائهما القريب مع والدهما اللذين يظنّان بوفاته بسبب أكاذيب جدّهم عديم الرحمة ! 

***


لاحقاً ، تمّ استئناف الحكم بناءً على الأدلّة الجديدة التي صدمت الجد بعد قدوم الشرطة الى قصره للقبض عليه ! فأخذ يهدّد بدفعهم التعويض المالي لإهانته امام جيرانه الأثرياء .. 

لكن غطرسته انهارت ، بعد سماع مكالماته القديمة في مكتب المحقّق ..فلم يستطعّ الإنكار بسبب نبرة صوته المميزة الواضحة بالتسجيل ..

واكتفى بطلب محاميه الذي عجز ايضاً عن نفيّ التهمة عن موكله الذي حصل بعد شهور من المحاكمات المتواصلة على حكم المؤبّد لقتله ابنته وسجن صهره ظلماً ! بينما حصل آدم على البراءة ، مع التعويض المالي  

***


في الموعد المحدّد .. خرج آدم من بوّابة السجن ، ليجد سارة في انتظاره برفقة ولديه الّلذين أسرعا لاحتضانه ، وهما يبكيان شوقاً : 

- ابي !! اشتقنا اليك

بينما اكتفت سارة بابتسامةٍ حنونة ! 


صديقي الشاحب

تأليف : امل شانوحة    براءة الطفولة وقف حزيناً بعد فشله لمس الكرة الموجودة في غرفة الطفل آدم .. وأخذ يتأمّل منظر الألعاب المُنعكسة في المرآة...