الجمعة، 28 سبتمبر 2018

سبقٌ صحفيّ

تأليف : امل شانوحة


مذكرات رجلٌ بائس 

في عصر ذلك اليوم .. وقبل خروج الصحفية من مكتبها , أتاها اتصالٌ هاتفي :
- الو .. من معي ؟
فسمعت رجلاً يقول لها بصوتٍ مبحوحٍ خشن : أتريدين سبقاً صحفياً ؟
- بالتأكيد .. لكن من انت ؟
- سأعطيك العنوان , وحينها تعرفين من انا
وبعد ان أعطاها العنوان , أغلق الهاتف في وجهها ! 

فتردّدت الصحفية بالذهاب الى هناك وحدها , بعد ذهاب مصوريّ المجلة الى بيوتهم ..
لكنها رأت بأن العنوان لا يبعد كثيراً عن الفندق الرخيص التي نزلت فيه قبل شهرين .. 

فذهبت الى هناك .. لتصل مع غروب الشمس الى منزلٍ مهجور مكوّناً من طابقين , ومتواجد بأطراف حيٍّ هادىء !
وبعد نزولها من السيارة , أطلّت برأسها من خلال باب المنزل المخلوع , ونادت بعلوّ صوتها :
- هل يوجد أحدٌ هنا ؟!!! .. انا الصحفية التي كلّمتها اليوم عصراً
وحين تأكّدت من خلوّ المكان , قالت في نفسها : 
((من الأفضل ان أذهب الى الفندق , فقد حلّ المساء والمنزل مُعتم بالداخل .. كما أحسّ بشعورٍ مُقلق .. غداً أعود مع فريق عملي))

وقبل ان تستقلّ سيارتها , أُنيرت فجأة لمبةٌ صفراء مُعلّقة على الحائط الخارجي للمنزل الإسمنتي المُهدّم ! 
فقالت بنفسها بقلق : من أضاء تلك اللمبة ؟!
وتلفّتتّ حولها , لكنها لم تجد أحداً ! 

وحين اقتربت من النور , وجدت كلاماً مكتوباً على الحائط بالدهان الأحمر , كُتب عليه :
((مذكرات رجلٌ بائس : لمن يهمّه الأمر , إدخل الى منزلي وأقرأ مذكّراتي على جدرانه))
فأثار الأمر إهتمامها , خاصة انها مديرة تحرير مجلة إجتماعية .. فدخلت بحذر الى الداخل , بعد ان أضاءت نور جوالها .. 
فوجدت مكتوباً على جدران الصالة جزءاً من قصته , تحت عنوان:  
((طفولتي الحزينة)) .. قال فيها :

((كنت الإبن الوحيد لوالدين مُنفصلين , وكانت امي تعمل في النوادي الليلة , وابي بائع مخدرات صغير .. بداية موفقة اليس كذلك ؟ بالحقيقة هما لم يتزوجا أصلاً , لذلك أعتدّتُ على تلقيب اولاد الحيّ لي : بإبن الحرام ! كما انني لم أدخل المدارس , وأمضيت جلّ وقتي في الطرقات .. ومع الأيام تعوّدتُ على رؤية امي تعود كل مساء وهي تترنّح من السكر , او مصابة بكدمات بسبب زبونٍ ساديّ ! اما ابي .. فقد رأيته آخر مرة بعمر الخامسة , قبل ان يُقتل على يد أحد المدمنين بعد رفضه إعطائه حقنة مخدرات مجانية .. هذه كانت طفولتي .. اذا كنت تريد ان تعرف ما حصل لي في سن المراهقة ؟ فاصعد الى فوق .. ستجده مكتوباً على جدران الدرج))

فصعدت الصحفية الأدراج الإسمنتية المُكسّرة , لترى المكتوب هناك .. وكان فيه :
((قصة مراهقتي التعيسة : حين بلغت 13 من العمر , تفاجأت مساءً برجلٍ ضخم يقتحم غرفتي ! وحين استلقى بجانبي على السرير , قفزت منه مرتعباً , لأجد امي في الطابق السفلي تقول لي : (لا بأس يا جيم ستتعوّد مع الأيام , فهو دفع لي مبلغاً كبيراً بعد ان رآك البارحة وانت تأخذني من البار) .. ورغم صغر سني , الا انني فهمت قصدها .. فصرخت عليها : بأنها أمٌ سيئة , تبيع ابنها لتجبرهُ على دخول عالم الدعارة .. وحين رأيت الرجل ينزل الدرج غاضباً كيّ أرضخ لرغباته , هربت من المنزل ولم أعد اليه الاّ لاحقاً .. أتدري متى ؟ .. إكمل قصتي التي ستجدها مكتوبة على جدران غرفتي في الأعلى))
فقالت الصحفية في نفسها : يالها من حياةٍ بائسة بالفعل ! هل ممكن ان تسوء أكثر ؟ .. لأصعد وأرى 

وحين صعدت ..وجدت غرفتين إحدى بابيها مدهوناً بالأزرق , فعرفت انها غرفة الصبي .. فدخلت لتجد سريراً حديدياً صدأً , وخزانة مُهترئة يعلو ابوابها العفن والرطوبة .. فقرأت على الحائط ما يلي :

((بما انك وصلت الى هنا , فهذا يعني ان قصتي آثارت اهتمامك .. لأكمل لك ما حصل بعد هروبي من المنزل : لقد تشرّدت بالشوارع عشرين سنة , اشتغلت فيها بكل الوظائف الدونية : من تنظيف مطابخ المطاعم , الى عامل محطة بنزين , لبائع مناديل على الطرقات , لمساعد دهّان , لعامل نظافة .. لكن جميعها لم يكن يكفي راتبها لاستئجار منزلٍ او حتى غرفة ! لهذا كنت أعمل نهاراً .. وأتسلّل الى هنا لأنام في سريري , لعلمي بأن امي تزاول عملها القذر طوال المساء .. لكني كنت أحرص على الهرب من المنزل قبيل الفجر , حتى لا تراني وتبيعني من جديد ! ..وبقيت على هذه الحال لسنوات..وحين بلغت العشرين من عمري , لم أعد خائفاً منها وواجهتها : بأن لي حقاً في منزل ابي .. فابتسمت قائلة : (تأخّرت يا جيم , فقد رهنت المنزل منذ شهور , واليوم وصلني إنذارٌ بالطرد من البنك) .. فحصلت مشاجرة عنيفة بيننا , فدفعتها دون قصدي لتسقط من فوق الدرج وتكسر رقبتها وتموت بالحال .. لكن لسوء حظي رآني أحدهم وانا أهرب من المنزل بعد سماعه لمشاجرتنا , فأبلغ الشرطة .. أتريد ان تعرف ما حصل لي لاحقاً ؟ ستجده مكتوباً في غرفة امي بالغرفة المجاورة))

فدخلت الصحفية الغرفة الثانية , ووجدت بقيّة القصة مكتوبة على المرآة :
((لقد قبضت الشرطة عليّ , وسجنوني عشر سنوات بتهمة القتل الخطأ .. لأخرج فيما بعد وأعمل عند صديقي الذي شاركني الزنزانة , حيث كان يعمل كقاتل محترف .. فأصبحت أحصل على المال الوفير مقابل قتلي للناس الأبرياء ! .. أتريد ان تعرف أهمّ جزء في حكايتي ؟ .. أنظر وراءك))

فنظرت الصحفية خلفها , لتجد رجلاً مقنّعاً يحمل سكيناً كبيراً وحادّاً .. فارتعبت قائلة :
- أهذا انت ؟!
- نعم , انا من اتصلت بك لتأتي الى هنا وتقرأي قصتي .. فهل أعجبتك ؟
فسألته وهي ترتجف من الرعب : ولماذا تريد قتلي ؟!
- لأنك هربت من منزل زوجك 
- أهو من دفع لك ؟!
- نعم , يبدو انه رجلٌ ساديّ أغضبه هروبك من سجنه وعودتك الى العمل .. ومع إن شخصيته لم تعجبني , لكنه دفع لي مبلغاً كبيراً

فصرخت بعلوّ صوتها : أنقذوني !!
ليعاجلها هو بطعناتٍ متتالية , أسقطتها على الأرض جثةً هامدة .. ومن ثم حمل جثمانها ونزل بها الى قبو منزله المُهدّم , حيث يوجد قبرٌ محفور سابقاً ! .. وبعد ان قام بدفنها , قال مبتسماً :
- وهذه هي الضحية رقم 22 .. غريب ان كل ضحايايّ من النساء ! المهم انني جمعتهنّ في مكاني المفضّل .. فهذا البيت اللعين كان أيضاً مقبرة طموحاتي وأحلامي ! 

وهنا أتاه اتصال على جواله , فردّ قائلاً :
- كنت أتوقّع اتصالك .. نعم لقد تمّت العملية بنجاح .. وزوجتك الآن في طريقها الى الجنة .. اما انا وانت , فلقاءنا حتماً سيكون في الجحيم !!

وأطلق ضحكةً مجلّجلة تردّد صداها أرجاء المنزل المهجور ! 

الأربعاء، 26 سبتمبر 2018

الإنتقال عبر الزمن

تأليف : امل شانوحة


بين الماضي والمستقبل !

في أمسيةٍ هادئة , وعلى جسر البوابة الذهبية في كاليفورنيا تعطّلت حافلة صغيرة زرقاء تقلّ الشباب الستة الذين ارادوا القيام بنزهة لاسترجاع ذكريات مدرستهم الثانوية التي جمعتهم قبل سنوات ..
- اللعنة !! الم تتعطّل حافلتنا الا هنا ؟ 
- لننزل ونحاول إصلاحها ..

وأثناء محاولتهم حلّ مشكلة المحرّك المعطّل , صرخ أحدهم قائلاً :
- انظروا هناك !! دعونا نوقف العجوز قبل ان ينتحر !
وأسرعوا اليه , حيث كان يقفّ على الحافّة ..
- يا عمّ توقف !! لا تنتحر .. دعنا نتكلّم قليلاً
فقال لهم مبتسماً : لا تقلقوا يا شباب , فأنا لن اموت .. سأسترجع بعض ذكريات شبابي , ثم أعود إليكم .. انتظروني قليلاً 
وقفز فجأة من فوق الجسر ! 

فأطلّوا الشباب الستة برؤوسهم لرؤية جثته أسفل الجسر , لكنهم لم يجدوا سوى الضباب يغطي البحر , كما كانت الرؤية معدومة مع هذا الظلام
فقال أحدهم : دعونا نعود الى الحافلة ونُكمل إصلاحها , فقد انتهى أمره
- يبدو انه مشرّد وأتعبته الحياة !
- او مجنون , الم تسمعوا ما قاله ؟ المسكين , يظن انه سيعود! 
***

بعد مرور بعض الوقت .. إستطاعوا أخيراً إصلاح الحافلة .. وقبل ان يصعدوا اليها , سمعوا صوتاً من خلفهم يناديهم :
- يا شباب !!
فصرخ أحدهم برعب بعد رؤيته للعجوز يتقدّم منهم وهو سليم البدن وملابسه غير مبلولة : 
- يا الهي ! هذا جني , أهربوا بسرعة الى السيارة !!!
لكن العجوز عاد وناداهم محاولاً ايقافهم : لا , لا تذهبوا !! الا تريدون معرفة الى اين ذهبت ؟

في هذه اللحظات .. كان أحد الشباب يقول لصديقه السائق مرتعباً:  
- هيا قدّ السيارة بسرعة !! ما بك تجمّدت في مكانك ؟!
فأجابه : بصراحة ..اريد ان أعرف ما حصل له 
- لا يا مجنون !! لا تنزل اليه

وشاهد الأصدقاء الخمسة صديقهم وهو يذهب ناحية العجوز ليتكلّم معه , فنزلوا بتردّد من السيارة وتوجهوا اليهما..
وهنا أدار صديقهم وجهه اليهم , وهو يقول بحماس : 
- إسمعوا ما يقول ! لقد انتقل للماضي عن طريق شقّ زماني موجود  أسفل الجسر
أحدهم : هذا غير معقول !
العجوز : إن كنتم لا تصدقوني , فتعالوا معي .. 

وأخذهم قرب العامود الذي قفز منه .. وقال لهم :
- أترون هذه الاشارة المحفورة على عامود الجسر .. مكتوباً امامها حرف (ض) يعني الماضي .. اما هناك .. إمشوا معي قليلاً .. ستجدون محفوراً حرف (س) اي المستقبل .. وهذا يعني ان قفزتم من هنا ستذهبون الى المستقبل .. لكنني دائماً أقفز من العامود الثاني كيّ استرجع ذكريات شبابي مع زوجتي التي توفيت قبل أعوام ..
فنظروا الى بعضهم باستغراب ! .. فأردف العجوز قائلاً : 
- الم تروني بأعينكم وانا أقفز من فوق الجسر ؟ فكيف اذاً عدّتُ سليماً اليكم؟ 

فقال أحد الشباب : وكيف عرفت بشأن الشقّ والبعد الزماني ؟ 
العجوز : من كتاب تاريخي قرأته قديماً بالمكتبة .. ولم أصدّق ذلك حتى بعد ان رأيت الحرفين المحفورين على الأعمدة والتي ذُكرت في الكتاب الذي نُشر بعد أشهرٍ قليلة من افتتاح الجسر عام 1937م ! ..لكن بعد موت زوجتي أردّت الانتحار بعد ان مللّتُ العيش وحدي , فنحن لم نرزق بأولاد ..وفكّرت حينها طالما انني نويتُ الموت , فلما لا أجرّب القفز من الشقّ الزماني للماضي ؟

أحد الشباب باهتمام : وماذا حصل حين قفزت منه أول مرة ؟
فأجاب بسعادة : والله لم أصدّق عيني حين استيقظت بجانب زوجتي في بيتنا القديم , وفي شهر عسلنا ايضاً ! حيث كانت نائمة كالملاك بوجهها النضر , فأنا تزوجتها وهي في سن العشرين بينما كنت أكبرها بخمس سنوات 
شابٌ آخر : وفي تجربة قفزتك الأولى , كم بقيت معها ؟ 
العجوز : يومٌ واحد
الشباب بدهشة : يومٌ واحدٌ فقط ؟!
- نعم .. فالبعد الزماني يسمح لك بتمضية 24 ساعة مع كل قفزة
أحد الشباب : لكنك عدّت الينا خلال نصف ساعة تقريباً ؟!  
العجوز : بل بالضبط ثلاث أرباع الساعة , لكني عشت مع زوجتي يوماً كاملاً .. 
شابٌ آخر : ولما تخبرنا بهذا السرّ , الا تخاف ان نطلعه للعامّة ؟ 
فتنهّد العجوز : لقد كبرت في العمر وايامي في الدنيا معدودة , لذلك أردّت نقل السر لكم قبل وفاتي .. المهم الآن .. من منكم يريد تجربة الماضي ومن يريد رؤية المستقبل ؟

أحد الشباب باهتمام : وهل جربت المستقبل ايضاً ؟
- نعم مرة , وانتقلت الى..
أحد الشباب مقاطعاً بحماس : الى التطوّر والحضارة والحاسوبات الذكيّة والروبوتات التي سيطرت على العالم , اليس كذلك ؟
العجوز : بالعكس تماماً .. كان عالماً مليئاً بالحروب والمجاعات وانتشار الفسوق والفساد في كل مكان , حتى ان بلاداً عظيمة تدمّرت تماماً بعد ان سيطرت دولٌ فقيرة في زماننا على مجريات الأحداث في ذلك العالم .. أمورٌ لم يستوعبها عقلي ! لهذا عدّتُ سريعاً الى حاضرنا , لأن التجربة لم تعجبني بالمرّة
فقال ذات الشاب يائساً : هذا مؤسف ! كنت أتمنى ان تنجح إختراعاتي العلمية في تطوير المستقبل
العجوز : لا تيأس , فأنا لم أخبركم بعد بأمرٍ مهم 
الشباب باهتمام : ماهو ؟

فأجاب العجوز : حين تقفزون من الجسر تجدون امام اعينكم ارقام كالعدّادات , وأنتم تختارون التاريخ الذي تريدون الإنتقال اليه .. انا دائماً أحدّد يوم عرسي .. اما حين جرّبت المستقبل , فقد اخترت التاريخ ما قبل نهاية العالم
فقال الشاب : أتقصد ان باستطاعتي رؤية المستقبل بعد عشرين سنة مثلاً ؟
- نعم , التاريخ الذي تشاء
فقال الشاب متحمّساً , وهو يذهب اتجاه المكان المخصّص للقفز الى المستقبل : 
- جميلٌ جداً.. أمِن هنا عليّ القفز ؟
فصرخ أصدقائه برعب : ماذا تفعل يا مجنون ؟!!
فأجابهم الشاب وهو يقف عند الحافّة : 
- أحتاج لمعرفة بعض المعلومات من المستقبل لتحسين ذراع الليزر الطبّي الذي أصنعه كمشروع تخرّجي  
الشباب يصرخون بخوف : لا تقفز , لا !!!!
وبعد قفزه , قال لهم العجوز : 
- لا تقلقوا , سيعود بعد ثلاث أرباع الساعة .. ارتاحوا في حافلتكم لحين عودته

فانتظروا هناك بقلقٍ وارتباك , وهم ينظرون الى ساعاتهم من حينٍ لآخر ليتفقّدوا الوقت الذي مرّ عليهم ببطءٍ شديد .. 
وفجأة ! رأوه وهو يصعد الجسر مُبتسماً..
فركضوا اليه ليسألوه : ماذا حصل ؟!
فأجابهم بابتسامةٍ عريضة وبحماس : 
- لن تصدّقوا ما رأيت هناك ! فقد استغلّيت اليوم بأكمله الذي عشته بالمستقبل لدراسة التطور التقني الذي أُضيف الى إختراعي والذي أحدث ثورة في عالم الطب , تماماً كما فعل الإنترنت في زماننا .. لكني لن أخبركم عنه قبل ان أُعيد تصميمه من جديد 
فقال الشاب الآخر : وانا ايضاً اريد الذهاب للمستقبل ..فأنا تخرّجت من الفندقية السنة الفائتة وأعمل في مطعمٍ متواضع .. وأحلم باختراع وصفة طعام جديدة تكتسح العالم , كما فعل دجاج كنتاكي وبيترا هت والدونات .. ومن ثم أفتح سلسلة مطاعم لبيعها حول العالم

فقال صديقه : وانا ايضاً عندي نفس فكرتك , لكني سأذهب الى الماضي لأكون انا مخترع كل الوجبات السريعة 
فقال صديقه الطباخ : لكن هذه سرقة !
- لا يهم , طالما انني سأكسب المال والشهرة حين عودتي 
وهنا نبّهه العجوز قائلاً : في حال نسبت هذه الإختراعات لك , ستعود للحاضر وانت رجلٌ عجوز
- لا يهمني .. فأنا لديّ ولدين صغيرين واريد ان أترك لهما ثروة بعد وفاتي , حتى لوّ لم أعش فترة شبابي
العجوز : انت حرّ .. وماذا عنك ايها الشاب ؟ 
- انا أعمل ملّحن أغاني , لذلك اريد الذهاب للمستقبل لأختار الأغاني التي حصلت على الجوائز العالمية ورضى أكبر عددٍ من المُستمعين حول العالم

بينما قال الشاب الآخر : اما انا فسأختار الماضي , فأنا صحفي وأحب التصوير لذلك أرغب في كتابة سيرة حياة الأشخاص الذين انشهروا في عالمنا وكانوا مجهولين في زمانهم .. كما اريد تصوير بعض الشخصيات المهمّة لبيع صورهم لعائلاتهم في زماننا 
فقال صديقه : أعجبتني فكرتك , لذلك سأذهب معك للماضي لشراء لوحات أشهر الفنانين القدامى لأبيعها لاحقاً في مزاداتنا وبأسعارٍ خيالية

وهنا قال العجوز : طالما اخترتم ما تريدون فعله , فعليكم ان تسرعوا بالقفز لأن الشقّ سيُغلق بعد انتهاء الضباب الذي لا يحدث الا كل ستة أشهر 
شاب : سؤال أخير يا عمّ , كيف نعود الى هنا ؟
العجوز : تبحثون عن الجسر في أزمنتكم .. ستجدونه امّا قيد الإنشاء او مهدّمٍ ومهجور , ثم تقفزون منه .. فطالما الجسر موجود في حاضرنا فلا مشكلة بالعودة

وانقسم الشباب الى قسمين , ثم قفزوا على التوالي بين زمن الماضي والمستقبل .. بينما عاد العجوز الى منزله , بعد ان أخبرهم بسرّه الذي احتفظ به لسنواتٍ طويلة
***

في جنازة أحد الأثرياء , وبعد ذهاب المعزّيين .. اقترب شاب من عائلة المتوفي ومعه ظرف به عدة صور ..
ابنة المتوفي الكبرى : ما هذه ؟
الشاب : صور المرحوم والدك
- مستحيل ! فأبي كان يكره التصوير 
- إفتحي الظرف وتأكّدي بنفسك
وتفاجأت عائلته بعدة صور لوالدهم الذي كان نادراً ما يخرج من المنزل !
- كيف هذا ؟ وكيف حصلت على صور شبابه ايضاً ؟! 
الشاب : هو صديق والدي المرحوم الذي كان يحب التقاط الصور , وقد امتهنت التصوير من أجله .. وقبل ايام كنت أرتّب حاجياته القديمة فوجدت ظرفاً بإسم والدكم .. وحين قرأت خبر وفاة والدكم بالصحيفة , أحضرتهم معي لأسلّمها لكم
- كم جميل ما فعلته , فنحن لا نملك الا صورته في الهويّة .. شكراً لك
- آسف سيدتي , لكني مصوّر ..وكما تعلمين ..مهنتي تحتضر هذه الأيام بوجود الجوّالات , لذلك أحتاج..
- أه فهمت .. كم تريد ؟
الشاب مبتسماً : بقدر أهمية الصور اليكم , فأنا أعرف انكم من عائلة ثريّة  
فكتبوا له شيكاً بمبلغٍ جيد , وبدوره سلّمهم الصور ورحل..
*** 

في مكانٍ آخر .. كان يُجرى مزادٌ علني لأحد لوحات فنانٌ معروفٌ قديم .. الا انهم تفاجئوا بشاب يوقفهم قائلاً :
- توقفوا !! هذه اللوحة مزورة .. واللوحة التي معي هي الحقيقية .. 
ثم وضع ذات اللوحة أمامهم .. 
فقال أحد الأثرياء معترضاً : لحظة ايها الشاب ! لوحتك جديدة , ولا يمكن ذلك بعد كل تلك السنوات
الشاب : هذا لأن جدي المرحوم كان يعتني بها دائماً , فوالده اشتراها من الرسّام مقابل رغيفيّ خبز .. ان كنتم لا تصدّقوني , فدعوا خبرائكم يتأكّدوا بنفسهم 
وبالفعل بعد فحصها وجدوا ان كل شيءٍ مطابق للمواصفات , عكس لوحة المزاد الذي كان توقيعها مشوّهاً ! 
وقد تمّ بيعها بسعرٍ غالي , واستلم الشاب الشيك لأنه وريث جدّه الوحيد
***

اما الشاب الآخر فلم يفزّ فقط بمنحةٍ دراسية بسبب اختراعه لذراع ليزر قادر على قصّ الزوائد الدهنية من أجساد البدناء دون قطرة دمٍ واحدة , بل ايضاً على براءة الإختراع الذي كسب بسببه آلاف الدولارات بعد ان قام بعمليته الأولى على سيدة بدينة تزن نصف طن , مُستعيناً بالطابعة ثلاثية الأبعاد لنحت جسمها بالليزر , لتفقد 450 كيلو من العملية الأولى التي تمّت بنجاح وببثٍ مباشر عُرض في نشرات الأخبار حول العالم , لتستقبلها عائلتها بدموع الفرح بعد ان تغيّرت حياة ابنتهم بين يومٍ وليلة وكأنها ولدت من جديد ! وبعد هذا النجاح الغير مسبوق له , تدافع البدناء لإجراء هذه العملية التي لا تكلّفهم الكثير من المال والوقت , ولا حتى الى التدخّل الجراحي!  
***

في وسط البلد .. إفتتح الشاب الآخر اول مطعمٍ له لوجبة حلويات جديدة فاجأت الجميع ! وبسرعة البرق انتشر خبرها بكافة وسائل التواصل الإجتماعي ليصطّف الناس طوابيراً لتذوق منتجه الجديد ذو التكلفة البسيطة واللذّة الفائقة .. وتدافعت شركات الطعام على تقديم عروضاتها لتبنّي فكرته على نطاقٍ واسع .. وقد قبل الشاب عرض إحداها بفتح سلسة مطاعم له , بشرط ان يحتفظ هو بسرّ الخلطة
بعكس زميله بالفندقية الذي عاد من قفزة الجسر كبيراً في السن ومليونيراً بعد ان ملك سلسلة ماكدونالدز حول العالم , كالمخترع الأساسي لها !
***  

اما الشاب الآخير .. فقد ذاع صيته بين ملحنيّ الأغاني حول العالم بعد ان أنتج الكثير من الأغاني التي تجاوز عدد المستمعين لها أكثر من مليار على قناة اليوتيوب في مدةٍ زمنية قياسية , ليُصبح أكثر ملّحن حاصل على الجوائز الموسيقية جعلت أشهر المغنين يتهافتون عليه طلباً لتلحين أغانيٍ ناجحة لهم 
***

وبعد سنوات .. اجتمع الشباب مجدداً فوق الجسر في أمسيةٍ هادئة تخلو من زحمة السير ..
فقال أحد الشباب باستغراب : 
- لما لا توجد الكثير من السيارات هذه الليلة ؟!
فقال الشاب الوحيد الذي عاد من تلك التجربة عجوزاً : 
- بل لما يضعون أسلاكاً شائكة تقطع الطريق نحو الجسر ؟! فقد جعلونا نمشي لمسافةٍ طويلة .. وقد أتعبتني المسافة , بعد ان أصبحت عجوزاً !
- ربما هناك اصلاحات
- برأيّ هذا أفضل , فنحن لا نريد للفضوليين ان يمنعونا من القفز ظنّاً منهم اننا سننتحر 
- تقصد تماماً كما فعلنا نحن مع ذلك العجوز .. أعتقد انه مات الآن , اليس كذلك ؟ 
- المهم اننا عرفنا سرّه وانتهى الأمر
- والآن يا اصدقاء , هل سنقفز من جديد ؟
- طبعاً ..فأنا اريد المزيد من الألحان الناجحة 
- وانا اريد شراء المزيد من لوحات المشاهير .. المضحك انني اشتريتها بسعرٍ بخس , لأن أوضاعهم المادية بالفعل مزرية ! 
- اما انا , فأريد وصفة طعام جديدة ..ماذا عنك ؟ هل تريد امتلاك سلسلة جديدة من المطاعم ؟

الشاب العجوز : نعم , أفكّر بسلسلة ستاربكس لتزداد ثروتي
- أخاف ان يزداد عمرك أكثر 
- لا يهم , المهم ان أترك لعائلتي ثروة كبيرة بعد رحيلي
- مع انني أشعر انه لا يحقّ لك نسب تلك الإختراعات لك
الشاب العجوز غاضباً : وهل انا السارق الوحيد بينكم ؟!!
- آسف لم أقصد .. وماذا عنك ؟ هل ستكتفي بتصوير المتوفيين ؟
- أعرف انني أقل واحداً منكم كسب المال من هذه التجربة , لكنني أعشق التصوير كما بيع السير الذاتية 
- ولما لا تصوّر الفضائح السياسية ؟
فابتسم الصحفي قائلاً : كأنك تقرأ افكاري ! فهذه المرة سأذهب الى زمن إغتيال الرئيس جون كينيدي .. وسأقف قرب المكان الذي قُنّص منه , وساكتشف ان كان الذي قبضوا عليه هو القاتل الحقيقي ام لا  
- أرى انك ستتحوّل الى صحفي سياسي بعد ان كنت تهتم بالأحوال الإجتماعية فقط
- نعم , اريد ان أكون مصوراً سياسياً محترفاً 
- أخاف ان يغتالوك انت ايضاً 

الصحفي : ان حاولوا قتلي , أعود الى هنا فوراً 
- وماذا عنك ايها الطبيب المحترف ؟
- اريد الإنتقال للمستقبل لاكتشاف الدماغ البشري بشكلٍ أوضح , ثم أعود لأحصل على جائزة نوبل في الطب .. فهذا هدفي الجديد 
- احلامكم كبيرة يا أصدقاء , انا يكفيني ان اكتشف وصفات طعام جديدة لأفتتح بها المزيد من المطاعم .. مع انني هذه المرة اريد ان أجرّب الماضي
- لا أنصحك بذلك , فأنت .. (وسكت)
- ماذا ؟ إكمل 
- انت بشرتك داكنة , وربما ان ذهبت الى ماضي يستعبدونك
- لن يفعلوا حين يتذوقون طعامي اللذيذ 
- انت حرّ , لكنني نصحتك
- يبدو انه لكل واحداً منّا حلمه .. فهيّا للنقسم بين الماضي والمستقبل ولنقفز الى هناك سويّاً

وبعد ان وقف كل واحداً عند الحافة التي يريدها , قال أحدهم : 
- أراكم بعد ثلاث ارباع الساعة .. واحد !! اثنان !! ثلاثة !! 
وقفزوا جميعاً لينتقلوا بين الماضي والحاضر .. 
***

في هذه اللحظات .. وصل الفريق الهندسي لتفجير الجسر بعد ان تآكله الصدأ من العاصفة الأخيرة التي ضربت البلاد قبل أشهرٍ عدة , ولأن كلفة تصليحه كبيرة , ولأنه ايضاً تمّ إفتتاح جسراً آخر يبعد كيلومترين عنه .. لذا قرّرت الحكومة هدمه !
المهندس صارخاً لموظفيه : هل الجميع جاهز ؟!!
- نعم سيدي , المتفجّرات في مكانها
- لا اريد أحداً من المارّة ان يتقدّم نحونا
- أبعدناهم جميعاً الى خلف الحاجز .. الا اننا وجدنا حافلة صغيرة عند مدخل الجسر , لكن ليس فيها أحد ! 
المهندس : طالما المكان مُؤمّن , فلنبدأ التفجير .. 1- 2 – 3 !!
ودوّى إنفجارٌ ضخم , ليتساقط الجسر قطعاً حديدية صدئة في البحر
***

وبعد ان قام كل من اصدقاء الستة بالحصول على ما يريده من الماضي والحاضر ذهبوا اتجاه الجسر في عالمهم , لكنهم تفاجئوا باختفائه !
فقال الشباب الذين كانوا بالمستقبل : اين الجسر المتهدّم ؟!
وقال الشباب في زمن الماضي : اين الجسر قيد الإنشاء , الم يبنوه بعد ؟!

وكان أسوأهم حظاً هو الشاب ذو البشرة الداكنة الذي كان هارباً من تجّار بيع العبيد , بعد ان رفضوا الأغنياء تذوّق اختراعاته في الطعام وأرادوه ان يعمل في حقول القطن كبقيّة العبيد 
التاجر صارخاً : هاهو !! لقد وجدت العبد الهارب 
- اللعنة .. عليّ الهرب من هنا سريعاً
لكنهم اطلقوا نار على قدمه , ليقيدوه ويجرّوه معهم الى مركز بيع العبيد..
***

اما الشباب الذين علقوا في زمن المستقبل فقد شعروا بأن عليهم تعلّم الكثير لمجاراة الناس الأذكياء في عالمهم وكيفية استخدام التكنولوجيا المتطورة 

لكن شاباً منهم كان قد إختار زمن نهاية العالم ليعلق هناك مع الظواهر الطبيعية المخيفة من زلازل وبراكين وحروبٌ طاحنة , علق في خضمّ أحداثها لللأبد ! 
***

اما في زمن الحاضر ..فقد كان العجوز من ضمن الناس الذين تجمّهروا لرؤية إنفجار الجسر , فتمّتم قائلاً بعد ان رأى الحافلة الزرقاء للشباب متوقفة قرب المدخل :
- المساكين ! علقوا في زمن الماضي والمستقبل الى نهاية عمرهم .. جيد انه ليس انا 

وضحك العجوز ساخراً , وهو يترنّح من السِكر مُبتعداً عن بقايا الجسر المُتهدّم ! 

الأحد، 23 سبتمبر 2018

الولد الخارق

تأليف : امل شانوحة


سأساعد الأطفال اللقطاء في كل مكان

- امي .. رأسي يؤلمني
- إصابةٌ ثانية ! الم أقل لك ان تنتبه وانت تلعب مع أصدقائك ؟
- لما لست أشبههم ؟! فأنا لا استطيع بعد خرق الحواجز ولا الطيران ولا العودة الى الماضي , بينما جميع الأولاد في مثل عمري يستطيعون فعل أكثر من ذلك ؟!
الأم : هذا لأنك مختلفٌ عن الجميع
- أخبرتني ذلك عشرات المرّات , لكنك لا توضحين لي السبب !
- سأخبرك حين تصبح مراهقاً 
- لا !! اريد ان اعرف الآن , فقد بلغتُ 12 من عمري 
- لكن ..
الولد مقاطعاً بعصبية : امي !! ان لم تخبريني بالسرّ الذي تُخفيه عني فسأقفز من فوق الجبل ..
الأم مقاطعة بقلق : إيّاك ان تفعل !! فأنت لا تملك جناحين بعد .. 
فأمسك يدها , قائلاً بإصرار : إخبريني إذاً !!

فتنهّدت الأم بضيق , ثم قالت : حسناً إجلس بجانبي وسأخبرك بالحقيقة .. (ثم سكتت قليلاً).. فورايّ حبيبي ..انت لست جنياً مثلنا , بل كائنٌ بشريّ
ونزل كلامها كالصاعقة عليه : ماذا ! كيف هذا , وأنت وابي وأخوتي جميعكم من الجن , فلما انا ..
مقاطعة : لقد وجدتك في بيتٍ مهجور حين كنت رضيعاً , بعد ان مررّتُ من هناك بالصدفة ورأيت امك تعود الى سيارتها مُنهارة وهي تشعر بالإعياء لتخلّيها عنك بعد ولادتك مباشرةً
- أيعني هذا انني لقيط ؟!
الأم الجنّية : نعم , للأسف .. وانا لم أكن اريد إخبارك بذلك .. 
- وانت أحضرتني الى عالمكم ؟! 

الأم الجنّية : هذا صحيح , وكان الأمر صعباً في البداية لأن الجميع رفضوا وجودك بيننا وطالبوني بإعادتك لتواجه مصيرك المحتوم .. لكني لم أقدر على رؤيتك تموت من الجوع في ذلك المكان الموحش , او ان ينهش لحمك كلبٌ ضال ! 
فصرخ الولد بغضب : هذا غير معقول !! انا لا أصدّقك , لأني جني مثلكم .. وسأثبت لك ذلك 
فنادته بقلق : فورايّ !! فورايّ !! الى اين انت ذاهب , بنيّ ؟!!

لكنه خرج من البيت راكضاً باتجاه أعلى جبال قرية الجن , فأرسلت خلفه أخاه الأكبر الذي بدوره نادى صديقا أخيه للّحاق به الى هناك , قبل ان يتهوّر أخوه البشريّ !
*** 

وبالفعل !! وصلوا اليه في الوقت المناسب بعد ان لبس أجنحته المزيفة (التي أهدته إيّاها امه في عيد ميلاده الفائت) محاولاً الطيران مثل بقيّة الجن .. لكن أخاه وصديقاه أمسكوا به قبل قفزه بثوانيٍ :
فصرخ فورايّ بغضب محاولاً الإفلات من بين ايديهم :
- اتركوني !! اريد الطيران !!
أخوه : لن تستطيع يا فورايّ .. فأنت لست .. (وسكت)
- إكمل أخي .. إكمل !! فقد أخبرتني امي بأنني بشريٌّ قذر
أخوه مهدّئاً : هذا ليس ذنبك , بل ذنب والديك !
فانهار فورايّ باكياً , بينما حاول الأولاد مواساته ..
***

بعد نصف ساعة .. هدأ غضب فورايّ قليلاً لكنه التزم الصمت , ممّا أقلق أخوه الذي سأله :
- بماذا تفكّر ؟
- اريد ان انتقم من والدايّ 
- وكيف ستعرفهما ؟
- اليس لديكم قدرات تفوق قدراتي البشريّة المحدودة ؟
- نعم
- اذاً اريد منكم خدمة .. اريدكم ان تروني ما حصل في الماضي .. فهل هذا ممكن ؟
أخوه : انا سأفعل ذلك ..
- أحقاً !
- نعم سأذهب الى البيت المهجور الذي وجدتك به امي , ثم اعود للماضي قبل 12 سنة لأعرف هويّة امك

فورايّ بقهرٍ وغضب : حسناً , ولا تنسى ان ترسل لي الفيديو كيّ أرى وجهها القبيح وهي تتخلّى عني 
أخوه : إهدأ قليلاً , فربما تكون مُجبرة
فيصرخ فورايّ بعصبية : ومالذي يُجبر أمّ على التخلّي عن رضيعها ؟!!
أخوه : العار أخي .. فأنت لا تعرف قوانين البشر , فهم لا يحبون الأطفال .. (ويسكت) 
- إكمل أخي .. اطفال الحرام , اليس كذلك ؟
فقال صديقه (دانو) : أعتقد ان والدك هو من أجبرها على ذلك
فورايّ : وهل تستطيع ان تعرف من هو والدي ؟
فأجاب صديقه الآخر (جودي) : انا استطيع 
- كيف ؟!
- علّمني والدي قبل أشهر طريقة إختراق العقل البشريّ لأرى شريط ذكرياتهم 
دانو : وأنا ايضاً تعلّمتها , لكني لم أتمرّن عليها بعد 

أخو فورايّ : يا لكما من محظوظان , كنت أتمنى تعلّم هذه القدرة منذ صغري .. إذاً جودي بما انك أتقنت الطريقة , فتعال معي .. وحين أجد امه , تدخل انت الى ذاكرتها لتعرف من هو والده 
جودي بحماس : يا سلام !! ستكون ذكرياتٌ مثيرة
أخو فورايّ معاتباً : كفّ عن تفكيرك السيء !! فنحن لا نريد لحظاتهما الجميلة , بل لحظة شجارهما بعد ان أخبرته بحملها
الصديق : آه فهمت 
فورايّ : وهل سترسلان صورتهما لي عبر مرآتي السحريّة ؟
أخوه : نعم , فأنا أهديتها لك بعيد ميلادك على أمل ان تستفيد منها لاحقاً .. هيا يا جودي , لنذهب سويّاً الى ماضي أخي 

ثم اختفيا فجأة ! تاركان الصديق الثالث (دانو) برفقة فورايّ لتهدأته في حال أثارت صور والديه غضبه
***

وتقدّم الجنيان ببطء نحو المنزل المهجور .. 
وهناك قال اخو فورايّ لصديقه :
- أذكر ان امي أخبرتنا انها وجدته هنا .. هل نبدأ ؟
جودي : نعم .. انت أعيد الماضي , وانا بدوري أستعيد ذكريات والدته ..

فقام الأخ بقراءة تعويذة أظهرت وميضاً قوياً أضاء المكان المُهدّم ! وبعد ثوانيٍ شاهدا الأم (حين كانت يافعة) وهي تحمل فورايّ الصغير داخل منشفة امتلأت بالدماء , ثم وضعته بحذر بين أنقاض المنزل وهي تبكي بألمٍ وندم :
- سامحني يا صغيري لكني مُضطرة لتركك هنا , فموتك أرحم بكثير من ان تكبر كلقيط بين وحوش البشر 
ثم عادت تجرّ أقدامها بإرهاقٍ شديد لتعود الى سيارتها .. 

فوقف الأخ امام الرضيع الذي كان يبكي من الجوع , وقال بدهشة: 
- ياه ! كم كان أخي صغيراً وضعيفاً
جودي : انتظرني هنا , سألحق بالأم
- حسناً , وانا سأرسل ما صوّرته لفورايّ 

وحلّق جودي مسرعاً خلف السيارة التي اخترقها دون ان تراه الأم التي مازالت تبكي بقهر وهي تلعن صديقها الذي رفض الزواج بها بعد ان أنكر نسب الولد له , رغم انه يعلم تماماً انها لم تعشق غيره! 
واقترب الجني منها قبل ان يدخل الى عقلها من خلال فتحة انفها , مما جعلها تعطس بقوّة !  

وبعد ان أصبح في الداخل , بحث في ملفّات ذاكرتها ليجد مستنداً اسوداً تحت عنوان : حبيبي القذر .. ودخل اليه ليرى ما حصل في الماضي .. فعلم انها تعرّفت على صديقها في الجامعة الذي كان شاباً غنياً رضي بصحبتها رغم فقرها , بعد ان أوهمها بحبه لها وبأنه سيتزوجها ويسكنها القصور وغيرها من الأكاذيب ! 
ثم ذهب جودي الى اللحظة التي غيّرت حياتها , وسمع الحوار التالي :

- سعيد لا استطيع , أهلي سيقتلونني
- لكن لا احد بالمنزل سوانا , وعلينا استغلال ذلك
- لا اريد , ليس قبل الزواج
- نحن سنتزوج بجميع الأحوال , فما المانع لوّ تعرفنا على بعضنا قبل مراسم الزواج الطويلة والمملّة ؟ الا تثقين بي حبيبتي ؟
بتردد : بلى , لكن ..
الشاب مقاطعاً بحزم : اذاً إثبتي لي ذلك 
وأمسك يدها ليصعد بها الى غرفته , لكنها سحبت يدها منه بقوّة :
- قلت لا اريد !!
فاستشاط غضباً :
- إذاً إذهبي الى بيتك فوراً , ولا تريني وجهك بعد اليوم !!
فقالت بارتباكٍ وقلق : ولما غضبت هكذا ؟!
- الا تدرين بأن عشرات الطالبات في جامعتنا يتمنينّ ان يكنّ مكانك , وانت تتمنعين بدلال
- ليس دلالاً , لكني من عائلة ملتزمة وقد يقتلني والدي ان عرف ..
مقاطعاً : أظنني اخطأت حين أحببت فتاةً فقيرة .. هيا اذهبي يا ناديا !! فأنت لست من مستوايّ
ناديا بدهشة : سعيد !
- انا لا اريد طفلة مُتخلّفة , أريد امرأة متحرّرة تعيش معي كل اللحظات الجميلة .. لكن يبدو انني اسأت الأختيار .. هيا عودي الى بيتك الشعبي الذي يبدو انك ستعيشين فيه طوال حياتك
وهي تمسح دموعها : سعيد ارجوك لا تتركني .. انا خائفة فقط ان يحصل حمل !
- يبدو انك جاهلة بهذه الأمور , فالحمل لا يحدث من المرة الأولى
- أحقاً ! 
- نعم , هل سأكذب عليك ؟
فقالت بتردّد : إذاً ..
- ماذا ..هل قبلتي ؟
فأومأت برأسها إيجاباً وهي تشعر بقلقٍ شديد , بينما ابتسم هو ابتسامةٍ خبيثة لإيقاعه بفريسته الجديدة ..

وهنا قال الجني جودي بحزن : 
- المسكينة ! وقعت بشباك الخبيث .. (يتنهّد بضيق) .. متى ستفهم النساء إنهنّ خرافٍ ضعيفة في عالم الرجال الثعالب ؟! .. المهم عليّ الإسراع بإرسال هذه المعلومات الى فورايّ لأنني وعدّته بذلك .. حسناً اين زرّ الإرسال .. هاهو .. تمام , هآقد أتممّتُ المهمّة بنجاح .. يا ترى هل يستطيع المسكين تحمّل كل هذا عن والديه ؟!
***

في عالم الجن وفوق الجبل .. وصلت رسالة جودي , بعد ان كان اخاه ارسل قبله : فيديو للحظة تخلّي امه عنه في الخَرِبة .. 
وبعد ان شاهد كيف أوقع والده الخبيث بإمه , قال صديقه الآخر (دانو) الذي كان بجانبه :
- ارأيت يا فورايّ .. كنت تشتمها قبل قليل , لكن والدك هو من استغلّ براءتها
فورايّ وهو يمسح دمعته : نعم , هي ليست المذنبة .. لذلك سألقّنه وحده درساً لن ينساه
دانو بقلق : وماذا تنوي ان تفعل ؟!
ففكّر قليلاً قبل ان يقول : هذه المرة اريد خدمة منك 
- وماذا تريدني ان افعل ؟
فورايّ : قبل عودة اخي وجودي الى هنا .. اريدك ان تذهب لتجد امي وابي , وكيف أصبحت حياتهما بعد مرور 12 سنة 
- هذه سهلة , فالحاضر أسهل من العودة للماضي .. سأذهب الآن
- ولا تنسى ان ترسل لي كل ما تراه على مرآتي
- بالتأكيد !!

وبعد ذهابه , عاد الصديقان : كيف حالك فورايّ ؟
- بخير , لا تقلقا
أخوه : اين دانو ؟
فورايّ : أرسلته بمهمّة جديدة 
فنظرا لبعضهما بقلق 
***

في هذه الأثناء .. وصل دانو الى منزل أمّ فورايّ الجديد بعد ان تزوجت منذ ست سنوات وأنجبت فتاة عمرها الآن خمس سنوات .. لكنه تفاجأ بأن زوجها يكبرها بكثير وكأنه والدها !
فتساءل دانو بنفسه باستغراب : لما تزوجت هذا العجوز ؟! سأدخل الى ذاكرتها لأرى , أتمنى ان أُجيد الطريقة مثل جودي .. سأحاول

وفي داخل عقلها إسترجع لحظة خطبتها , فرأى والدها وهو يضربها بقسوة , ويقول لها صارخاً : 
- ستتزوجي صاحبي غصباً عنك !! فهو الوحيد الذي قبل بالستر عليك بعد ان انفضحتِ بين الناس , ايتها القذرة !! 
وبعد ان رأى دانو ذلك , قال بشفقة : الآن فهمت .. المسكينة ! لكن يبدو انها سعيدة مع إبنتها الجميلة .. لأعود للحاضر وأشاهدهما معاً 

فرآها وهي تمشّط شعر ابنتها وتتمّتم بحزن , بينما كانت طفلتها مشغولة بلعبتها :
- أتدرين يا فادية انه كان لديك أخٌ جميل , أسميته فؤاد .. كم كان سيحبك لوّ بقي حيّاً
ثم مسحت دمعتها سريعاً , حين أطلّ زوجها الهرِم من الباب قائلاً :
- هيا إسرعي وحضّري لي الطعام !!
زوجته : حاضر سأفعل حالاً

قالتها بارتباك , فعلم دانو انه كان يعاملها بقسوة ويذلّها لأنه قبل الزواج بها , امّا هي فقد رضيت بحياتها البائسة لأجل طفلتها التي لم يُسجّلها بإسمه الا بعد ان قام بفحص الأبوّة , رغم انه حبسها في منزله منذ عرسها ! ممّا جرحّ مشاعرها بقوةّ , لكن كان عليها تحمّل طباعه الصعبة بعد ان تخلّت عائلتها عنها ! 
***

وبعد ان شاهد فورايّ هذه التسجيلات مسح دمعته بحزن , وقال لأخيه وصاحبه :
- لم أعدّ غاضباً من امي , فهي تحمّلت الكثير بسبب والدي الملعون الذي سأعاقبه بيديّ
- ماذا ستفعل ؟
- ستعرفان لاحقاً
ثم أوقف التسجيل على وجه أخته , وقال بابتسامةٍ حزينة :
- انها تشبهني , اليست كذلك ؟
أخوه : نعم , كلاكما لديه عينيّ أمكما الساحرة  
فواريّ : كم أتمنى لوّ ألعب مع الصغيرة .. (تنهّد بضيق).. ربما في حياةٍ أخرى .. على فكرة .. اسمي سيصبح منذ اليوم فؤاد , فهو الإسم الذي سمّتني به امي
أخوه وهو يربت على كتفه : كما تشاء عزيزي

ثم اتصل فؤاد بصديقه دانو عن طريق التخاطر الذهني وطلب منه ان يبحث عن والده الذي وجده بعد دقائق في مكانه المفضل وهو البار القريب من قصره , حيث كان ينتقي الفتيات الرخيصات من هناك 
فقال فؤاد وهو ينظر الى ما أرسله دانو اليه , حين فتح له البث المباشر :
- يا الهي ! أمازال تافهاً وفاشلاً كما في شبابه ؟!
ثم سمع والده وهو يتحدّث مع صاحب البار ..
- أعرف هذا .. لكني مللّت من الفتيات الرخيصات , وأريدك ان تبحث لي عن صبيّة محتشمة توهمها بأنني طبيب جراح واريد زوجة أسافر بها للخارج , ثم تعرّفني عليها .. فأنا مازلت أفضّل الفتيات البريئات 
***

في الجهة الأخرى من العالم .. كان فؤاد غاضباً جداً ممّا سمعه : 
- اللعين ! الا يكفيه ما فعله بأمي المسكينة ؟!
- إهدأ أخي , هذه طباعه .. فماذا يمكنك فعله ؟
- سأجعله يندم على اليوم الذي ولد فيه .. لكن عليّ اولاً الذهاب الى رئيس الجن لأحادثه بموضوعٍ مهم 
جودي بقلق : رئيس الجن ! هل جننت ؟
فؤاد : اريده ان يعطيني بعضاً من مميزاتكم 
اخوه : لكنك بذلك تخسر كينونتك البشريّة !
فؤاد بعصبية : الى الجحيم كل البشر ان كانوا يتصرّفون كأبي !! فأنا قرّرت ان أتخلّى عن هويتي في سبيل إنقاذ اللقطاء الأبرياء.. وهذا قراري النهائي , ولا اريد أحداً ان يجادلني فيه  

ثم أسرع الى قصر ملك الجن دون ان يرافقه اصدقائه لخوفهم من الذهاب الى هناك , حيث لا يذهب اليه سوى كبار الشخصيات من الجن .. وذلك بعد ان وعده اخوه واصدقائه بعدم بوح مخطّطاته لوالديه الجنيين  
***

وفي قصر ملك الجن .. أطلعه فؤاد على كل شيء
- أأنت مصرّ على قرارك ؟
- نعم سيدي .. اريدك ان تهبني بعضاً من صفاتكم الخارقة , وانا في المقابل أتخلّى عن كوني بشريّ ضعيف
- لكن هكذا لن تعود بشراً , ولا حتى جنياً !
فؤاد بإصرار : لا بأس ان أكون جنسٌ ثالث بين عالمين في مقابل تأديب المشاغبين من البشر
رئيس الجن : يبدو انك تريد ان تكون ولداً خارقاً
- نعم هذا ما اريده بالفعل 
- وما رأيّ اهلك بالموضوع ؟
فؤاد بقهر : عن أيّ أهلٍ تقصد ؟ أهلي الجن , ام البشريّان اللذان تخليا عني منذ ولادتي ؟!

الرئيس : حسناً فهمت قصدك .. اذاً تعال وقف بجانبي كيّ ألقي عليك التعويذة , لكن أولاً إخبرني بالصفات التي تريدها من عالمنا
- هل استطيع اختيار ما شئت ؟
الرئيس : نعم , لكن ثلاث صفات لا اكثر ..وأعتقد ان الطيران إحداها
- لا , هناك أهم من الطيران .. أولاً : لا اريد للبشر ان يروني مطلقاً .. وثانياً : اريد أن أجد اللقطاء لحظة التخلّي عنهم .. والأمنية الأخيرة : هي ان استطيع إختراق ذكريات البشر .. فبهذه الصفات الثلاثة أستطيع إعادة الأطفال الى ذويهم
- برأيّ لوّ كانوا يريدونهم منذ البداية لما تخلّوا عنهم 
فؤاد : معك حق سيدي .. لكني اريد معرفة الوالدين كيّ أعاقب المستغلّ منهما  
- وكيف ستعاقبهما ؟
- سأجد طريقة ..وإن لم أستطع فعل ذلك بنفسي , سأستعين برفاقي من الجن
الرئيس : فهمت .. اذاً ودّع بشريتك , لأنك ستصبح منذ الآن : نصف بشريّ ونصف جني 
ثم ألقى عليه التعويذة السحريّة التي أشعرت فؤاد بتغيرٌ جذري يحصل بداخله ! 
***

بعد أيام .. إلتقى والد فؤاد بفتاةٍ جميلة بالمقهى بعد ان دبّر صاحب البار اللقاء بينهما , وأخبره بأنها فتاة بسيطة من الريف تعيش في سكن الطلّاب بمنحةٍ جامعية وليس لديها خبرة في العلاقات العاطفية .. 
فعرّفها بنفسه تحت إسمٍ آخر , وبأنه طبيبٌ قادم من بلدته البعيدة ويعيش لوحده ويحتاج الى صديقة 
الفتاة بقلق : صديقةٌ فقط يا دكتور كمال ؟!
سعيد بابتسامةٍ خبيثة : من يدري ؟ في حال اتفقنا , ربما نتزوج 
فابتسمت بخجل .. وأردف والد فؤاد قائلاً :
- ما رأيك ان نذهب سويّاً في نزهة ؟
- الى اين ؟
- استأجرت كوخاً في أعلى الجبال , فمارأيك ان نمضي به عطلة الأسبوع؟
- موافقة 
ومع انه تفاجأ من سرعة قبولها لعرضه , لكنه ظنّ بأنها ساذجة ولا تدرك ما ينتظرها هناك 
***

ووصلا الى هناك بحلول المساء .. وعلى الفور أمسك بيدها ليأخذها الى غرفة النوم في الأعلى , وهي بدورها لم تعارضه !
وبعد ان رأت السرير الكبير , قالت له :
- لكن عندي شرط
- ماهو ؟
وأخرجت الفتاة الأصفاد من حقيبتها..
والد فؤاد بقلق : لحظة ! صديقي أخبرني بأنه ليس لديك خبرة سابقة في ..
الفتاة مقاطعة : هذا صحيح .. لكني أخاف من سيطرة الرجال , لذلك أفضّل أن أكون انا المتحكّمة في الموضوع 
فابتسم الرجل بخبث : يبدو انك تتعلمين بسرعة , حسناً لا بأس .. إفعلي ما ترينه مناسباً  

وبعد ان قيّدت الأصفاد في يديه , همست في إذنه بإسمٍ أرعب كل كيانه :
- هل تتذكّر ناديا يا سعيد ؟
فارتجف مرتعباً : ماذا قلت ! .. من ؟!
الفتاة : هل نسيتها ؟ هل نسيت كيف أجبرتها على التخلّي عن طفلكما ؟
بدهشة وغضب : وكيف عرفتي بهذه الأمور ؟! هل انت قريبتها ام صديقتها ؟ 
- لا يهم .. انا أتيت فقط لأعاقبك عمّا فعلته بها .. والآن وداعاً 
فصرخ سعيد بغضبٍ وخوف : الى اين تذهبين ؟!! لحظة ! لا تتركيني وحدي هنا .. عودي وفكّي قيودي بالحال !!! 

وصار يصرخ كالمجنون وينتفض محاولاً فكّ أصفاده المُقيدة بالأعمدة الحديدية الصلبة للسرير .. لكنه سمعها وهي تصفق باب الكوخ بقوة , ثم صوت محرّك سيارته تبتعد عن المكان (بعد ان أخذت المفاتيح من بنطاله المُلقى على الأرض) لتتركه وحيداً في الكوخ الذي يبعد كيلومترات عن أقرب مكانٍ مأهول في المنطقة ! 
***

في عالم الجن .. إقتربت ذات الصبية من فؤاد وهي تقول :
- أظنني أتقنت عملي
فؤاد بابتسامة : أحسنت يا صديقتي .. لقد عاقبتي والدي بما يستحق
- وهل ستتركه يموت هناك ؟ 
- لا مجرّد يومين , ثم أرسل له من ينقذه  
- حينها سيكون والدك بوضعٍ مزري وسيءٌ للغاية 
- مهما حصل له سيكون أسهل ممّا واجهته امي طوال السنوات الماضية , فقد دمّر حياتها تماماً بأنانيته وفسوقه .. دعيه يتربّى , كيّ لا يؤذي البنات الطاهرات من جديد
الفتاة : ليت امك تستطيع رؤية عقابه 
- ربما يوماً ما ستعرف كل شيء... المهم .. أشكرك يا صديقتي لتنفيذك المهمّة ببراعة .. سنبقى على اتصال , لربما إحتجتكِ في مهمّاتٍ لاحقة 
وهي تصافحه : انا في الخدمة دائماً يا صديق الطفولة 
***

لكن لم يكن هذا الإنتقام كافياً ليُشفى غليل فؤاد , فذهب بنفسه الى كوخ والده مُتخفيّاً (بعد ان ملك هذه الصفة حديثاً) .. وصار يرمي الأغراض حول والده المقيّد بالسرير والذي كان يصرخ كالمجنون وبرعبٍ شديد !! خاصة بعد ان كسر فؤاد القنديل الذي كان بجانبه ليعمّ الظلام الدامس في المكان ..فانهار والده بالبكاء بعد ان أيقن بوجود الجن في الكوخ :  
- ارجوكم لا تؤذونني !! انا نادمٌ جداً لما فعلته بناديا وبقيّة النساء .. كنت شاباً تافهاً واستغلالياً .. أعدكم ان أتغير .. ارجوكم دعوني وشأني !!

وبعد ان سمع ابنه ما قاله , أوقف وسائل تعذيبه النفسي .. واتصل بصديقه عن طريق التخاطر الذهني كيّ يذهب الى صاحب الكوخ ويطلب منه تفقّد المكان والذي فعل ذلك في صباح اليوم التالي ليجد الرجل في حالةٍ سيئة ..فقام بفكّ قيوده وإشرابه الماء وبعض الطعام ومساعدته في تنظيف نفسه , ثم طلب له سيارة أجرة ليعود الى قصره منهاراً وقد تغيّر تماماً ! بعد ان أمضى الليلة كلّها يستذكر كل ما فعله بحبيبته السابقة ناديا والبنات الأخريات !
***

وفي أحد الأيام .. وبينما كان فؤاد يتنزّه في عالم البشر دون ان يراه أحد , سمع صوت طفلٍ صغير 
- من يبكي ؟! انا لا أرى طفلاً امامي !

ثم تذكّر انه طلب من رئيس الجن ان يعلم بمكان اللقطاء فور التخلّي عنهم , فأغمض عيناه وركّز على مصدر الصوت .. وحين فتحهما , وجد نفسه امام طريقٌ عام , حيث لم يسمع أحد بكاء الطفل المُلقى على جانبه بسبب أصوات الشاحنات العالي التي كانت تمرّ من امامه !
فركض فؤاد اليه وأسرع بحمله ووضعه داخل معطفه لتدفئته : 
- لا تقلق يا صغيري , ستكون بخير معي  

وبثوانيٍ عاد الى عائلته في عالم الجن..
امه بدهشة : طفلٌ بشريٌّ آخر ؟!
- نعم امي , انتبهي عليه لحين معرفة والديه الملعونين

وعاد مجدداً الى عالم البشر , ليستخدم ميزته الثانية التي طوّرها مع الأيام : حيث رأى لحظة تخلّي الأم عن طفلها , قبل ان تعود الى سيارة حبيبها (والد اللقيط) الذي انطلق مبتعداً عن المكان .. 
فاستطاع فؤاد إقتحام ذاكرتهما ليجد إنهما مدمنا مخدرات وغير جديران بتربيته ! 
فتضايق لأنه لا يريد وضع الطفل امام ميتمٍ يسيئون معاملته .. 

وهنا ! وصلته مكالمة ذهنية من اخيه يقول له :  
- أخبرتني امي انك وجدت طفلٌ لقيط جديد ؟
فؤاد : نعم لكن والداه من حثالة البشر , فمالعمل ؟
أخوه : جيد انني اتصلت بك , فقد كنت قبل قليل أتنزّه في مستشفى بشريّ..ووجدت زوجين طيبين لهم أكثر من عشرين سنة يحاولان الإنجاب .. فما رأيك ان نعطيهما الولد ؟
- أتعرف عنوانهما ؟
- نعم سآخذ الطفل من امي , ثم آتي لآخذك الى عنوان منزلهما لأنني لحقتهما الى هناك 
***

ومع تباشير الصباح اليوم التالي .. تفاجأ الزوج الطيب حينما فتح الباب للخروج الى عمله بوجود طفلٍ على عتبة بيته ! .. فنادى زوجته بعلوّ صوته : 
- فوزية !! تعالي الى هنا فوراً
وحين قدمت لم تصدّق ما رأته :
- ماهذا ؟! طفل ! 
زوجها : نعم , يبدو انه مولود حديثاً .. لحظة , هناك ورقة داخل بطانيته
وكان فؤاد كتب فيها : ((مرحباً .. والدي ووالدتي شابان يافعان غير جديران بحمل مسؤوليتي , فهل تتبنونني لتكونا عائلتي الجديدة ؟ .. التوقيع : الملاك الصغير))
فمسحت الزوجة الطيبة دموعها : انه هدية من الربّ لنا
زوجها بحماس وفرح : إدخليه بسرعة قبل ان يتجمّد من البرد , وانا سأذهب فوراً الى الصيدلية لأحضر له الطعام والغيارات وكل مستلزمات طفلنا الجميل
*** 

في المساء .. جلس فؤاد في زاوية منزل الزوجين الطيبين (دون ان يرياه) وهو مستمتع برؤيتهما يعتنيان بالطفل الصغير وكأنه ابنهما بالفعل ! بينما كان فؤاد يبكي بمرارة على ان والده لم يكن حنوناً كهذا الرجل , وقال في نفسه : 
- ليتني كنت مكانك ايها الصغير .. ماذا أقول ؟ .. انا فعلاً مثلك .. ولدٌ لقيط , ربّتني عائلة طيبة غير أهلي الحقيقيّن  .. الفرق الوحيد بيننا : انك ستبقى بشريّاً , اما انا فلم أعد أعرف من أكون !

ثم خرج من المنزل بعد ان أخذ قراراً بأن يُسخّر حياته لمعرفة عناوين الأزواج الطيبين العقماء , كيّ يقوم لاحقاً بتسليم الأطفال اللقطاء اليهم .. 
وهذا ما حصل بالفعل في السنوات اللاحقة ..
***

وفي أحد الأيام .. كان فؤاد (المتخفّي) يجلس بجوار زوج امه العجوز في الحديقة العامة , وهو يراقب امه وهي تمرجح أخاه الجديد الذي أصبح في الثالثة من عمره , بينما كانت أخته (التسع سنوات) تلعب مع صديقاتها في الجهة الأخرى من الحديقة .. 
فقال فؤاد بنفسه بحزن :
- لقد كبرتي بسرعة يا اختي .. وانت يا أخي , كم أرغب الآن أن ألاعبك ..  أتمنى يا امي ان يعوّض هذا الصغير حرمانك لي.. ليتني فقط أستطيع ان أحضنك كما أفعل في مناماتي , لكن الأفضل ان أبقى بعيداً عنكم .. ومع ذلك أعدكم أن أزوركم دائماً يا عائلتي البشريّة 

وقبل ان يقوم من مقعده , سمع نبأً من المذياع الذي يحمله زوج امه العجوز , حين سألت المذيعة محلّلاً إجتماعياً :
- سيد أحمد .. لقد لاحظ المراقبون نقصاً ملحوظاً في أعداد الأيتام بالسنوات الماضية , وفي نفس الوقت إزدادت حالات أيجاد الأزواج العقماء للقطاء امام ابواب منازلهم ... فهل تظن ان هناك رابط بين الحالتين ؟
فأجاب المحلّل : لا ادري , لكن في حال كانت هناك جمعية سرّية تقوم بهذا العمل التطوعي فهي تستحق منّا كل احترام والتقدير , لكن لا ادري لما تصرّ على القيام بذلك في الخفاء ! كل ما يمكنني قوله : ان من يفعل هذا العمل الخيريّ لهو بطلٌ خارق

وبعد ان سمع فؤاد ذلك , ابتعد عن الحديقة العامة وهو يقول في نفسه : 
- نعم , هذا هو هدفي في الحياة .. فأنا ملكت صفة العالمين من البشر والجن , لأكون ولداً خارقاً يُنقذ اللقطاء في كل مكان .. وسأسمّي نفسي : ((مُنقذ الطفولة البائسة)) 

فجأة ! سمع صوت طفلٍ لقيط آخر يبكي في الجهة الأخرى من المدينة , فأسرع قائلاً :
- هآ انا قادمٌ يا عزيزي .. ملاكك الحارس في طريقه اليك

ثم اختفى فؤاد عن المكان دون ان يلاحظه أحد !  

الاثنين، 17 سبتمبر 2018

رغبة في الإنتحار

تأليف : امل شانوحة


لا أستحقّ هذه الحياة المرفّهة !

- اريد ان اموت
- وبأيّ طريقة تريد ان تُنهي حياتك ؟ الشنق ام المسدس او انك تفضّل قطع شرايين ..
الشاب الثريّ مقاطعاً بحزن : القفز من فوق سطح شركتي المزيّفة 
الطبيب النفسي : ولما مزيّفة ! وهي أشهر شركة طبّية تقنية بالعالم , فأنت اخترعت نظّارة للعميان ساعدت الآلاف منهم على الرؤية من جديد
- لا اريد التحدّث بالموضوع .. اريد فقط إنهاء حياتي
- هل السبب صدمة عاطفية ؟
- لا ابداً , لكنني ملكتُ كل شيء .. كنت متخرّجاً جامعيّ بسيط , وفي يوم وليلة أصبحت مليونيراً ! ..سعدّت كثيراً في البداية .. سافرت ولبست أغلى الماركات العالمية .. ونزلتُ في أفخم الفنادق .. وأكلت ما لذّ وطاب من أصناف الطعام بكل بلدٍ سافرت اليه حول العالم .. هذا عدا عن تجربتي لمفاسد الدنيا .. والآن وصلت لمرحلة التمنّي 

الطبيب مُستفسراً : لم أفهم !
- أتمنى لوّ أتمنى شيئاً .. فلا هدف عندي بالحياة .. ومللّت جداً من كل شيء 
- اذا كان الأمر كذلك .. فهيا بنا !!
- الى اين ؟!
الطبيب : الى سطح شركتك كيّ تقفز منها 
الشاب بدهشة : أحقاً ما تقول ؟!
- نعم وسأكون معك .. وان أردّت .. أصوّرك وانت تسقط , ثم أنشر الفيديو ليراه العالم .. ما رأيك ؟
فتنهّد الشاب بضيق : نعم .. أريدهم ان يشاهدوا موت الإستغلالي الحقير الذي بداخلي 

ومع ان الطبيب لم يفهم سبب إصرار الشاب على إهانة نفسه ! الا انه توقف عن طرح الأسئلة .. ليصعدا معاً الى سطح الشركة , دون ان يلاحظ أيّا من الموظفين والحرس ذلك 
*** 

وعلى سطح المبنى .. اقترب الشاب ببطء من الحافّة , وسرعة هبوب الهواء جعلت جسده المُرتجف يميل يمنّةً ويسرا .. بينما وقف الطبيب النفسي خلفه , رافعاً كاميرا جوّاله لتصوير لحظاته الأخيرة .. 
لكن بعد ان لاحظ تردّده عن السقوط , ناداه قائلاً :
الطبيب : لحظة تذكّرت !! لا يمكنك الإنتحار دون ان تُخبر الناس بسبب إقدامك على هذه الخطوة اليائسة .. فتعال لأصوّرك وان تعترف للعالم بذنوبك

فاقترب الشاب منه وهو يتصبّب عرقاً : لا , لا اريد
- لما يا رجل ؟ فأنت ميتٌ بجميع الأحوال .. كما لا اريد التورّط بعد نشر الفيديو بقضيّة تحريضك على الإنتحار , وبذلك أخسر وظيفتي ..وربما أسجّن ايضاً 
الشاب : بالحقيقة انت شجّعتني فعلاً ! فكل الأطباء الذين ذهبت اليهم حاولوا جاهدين إثنائي عن قتل نفسي , ما عداك ! فقد أتيت اليّ دون موعد لتشاهد موتي ! فلما فعلت ذلك ؟...او بالأصحّ .. (وجذب ذراع الرجل بقوة) .. من دفع لك لتقتلني ؟

فضحك الطبيب ساخراً : يبدو انك فعلاً فقدّت عقلك ! الم تكن فكرة الإنتحار فكرتك منذ البداية ؟ ..ولمّا رأيت أصرارك , لم أجد مانعاً بمرافقتك في رحلتك الأخيرة .. والآن لا تغيّر الموضوع .. سأفتح البثّ المباشر بعد قليل , وأريدك ان تُخبر العالم بسبب قرارك هذا .. هل انت مستعد ؟ حسناً .. 1, 2 , 3 .. تكلّم الآن !!

وبعد ان أخذ الشاب نفساً طويلاً , قال للمتابعين :
- مرحباً ... انا جون داريك .. صاحب أشهر شركة طبّية تقنية عالمية .. أردّت ان أودّعكم جميعاً قبل ان أُنهي حياتي .. فبعد قليل .. سأقفز من تلك الحافة , على علوّ 30 طابقاً من مبنى شركتي .. وأطلب من الإسعاف لمّلمة اشلائي ووضعها داخل تابوت تجدونه في مرآب قصري .. كما سيُخبركم محاميّ عن عنوان القبر الذي اشتريته منذ سنتين .. فأنا لي مدة أعاني بصمت من تأنيب الضمير .. وبما أني سأموت بعد قليل فأريد من محامي شركتي ان يُزيل اسمي عن الإختراع الطبّي لنظّارة العميان , من اسم داريك الى (أيّ سايت) فهذا ما اراده صاحبي جيمي باركل ..(ثم سكت قليلاً وهو يستذكر الماضي بحزن) .. فأنا وهو كبرنا في دار الأيتام الإنجليزية , وكنّا أذكى الأولاد ..وبعد تخرّجنا من ثانوية الميتم رمونا في الشارع .. فتعاهدنا سويّاً ان نكمل تعليمنا .. وصرنا نذهب للجامعة صباحاً ونعمل في المساء .. وكان حلمنا اختراع نظارة للعميان كمشروع تخرّجنا الجامعي .. لكني بالحقيقة كنت أضيّع جلّ وقتي بالترفيه عن نفسي , بينما يظلّ جيمي ساهراً عليه لساعاتٍ طويلة ..الى أنهى المشروع الجامعي لوحده , لكنه مع هذا وضع اسمي معه , وحصلنا على شهادة التخرّج .. 
وبما ان حالتي المادية كانت أفضل منه , فقد سرقت بحوث الإختراع من غرفتنا المشتركة في السكن الطلاّبي , وسافرت بها الى اميركا لأحصل على براءة الإختراع .. وكنت محظوظاً حين بعت اول نظّارة الى ابن المليونير الأعمى , فكافأني والده بأن فتح لي هذه الشركة التقنية , ومنها انطلقت وبعت آلاف النظّارات جعلتني خلال خمس سنوات من رجال الإعمال الناجحين

وهنا أوقف الطبيب التصوير لينتظره كي يمسح دموعه , ثم سأله :
- أخبرهم بما حصل لصديقك ؟ .. سأفتح البثّ من جديد .. هل انت بخير ؟
فأومأ الشاب رأسه ايجاباً بإكتئاب وحزنٍ شديد , ثم تابع قائلاً :
- علمت لاحقاً ان صديقي انتحر حين لم يجد أيّ اثبات يدلّ على إنه ساهم باختراع النظّارة , خاصة بعد ان دفعت لجامعتي رشوة لحذف اسمه من مشروعنا الجامعيّ .. في البداية لم أشعر بأيّ ذنب ! لكن بعد ان شبعت من متع الحياة الفانية , أحسسّت بتأنيب الضمير ينغّص عليّ حياتي .. فالمال الذي كسبته من الإختراع كثير وكان بإمكاني تقاسمه معه , فلما طمعت وانهيت صداقة دامت لسنواتٍ طويلة ؟!..(ثم ابتسم بحزن).. وأصبحت كل ليلة قبل ان انام أتذكّر ايام الميتم وكيف كان يقاسمني طعامه , ويهتم بي حين أمرض .. وكيف كانت لنا أهدافاً مشتركة .. وكم ذاكرنا سويّاً , وضحكنا وبكينا معاً .. كان بالفعل نعم الصديق .. صديقٌ يصعب تعويضه  

وحين لاحظ الطبيب انه على وشك الإنهيار , أسرع بسؤاله :
- إهدأ يا جون , واخبرنا .. ماذا كان حلم صديقك ؟
- ان يُهدي النظارة التقنية للعميان الفقراء .. فهو كان يملك قلباً كبيراً ومحبّاً للخير .. ليته هو من سرق مجهودي , كنت على الأقل سأنام دون ان أشعر بثقل هذا الذنب اللعين .. ولا ادري ماذا أفعل كيّ ترتاح روحه ويسامحني !
فقام الطبيب بحضنه لينهار الشاب باكياً بقهر , الى ان فجأة ! سقط مغشيّاً عليه
***

استيقظ جون في اليوم التالي , ليجد نفسه في فندقٍ رخيص ! 
وحين استفاق من شدّة الحرّ الذي لم تخفّفه المروحة القديمة بصوتها المزعج , رأى الطبيب النفسي مستلقي على سريرٍ مجاور .. فسأله وهو مازال يشعر بالتعب : 
- اين نحن ؟! 
- في افريقيا
الشاب بدهشة : ماذا ! 
- أتذكر حين كنت تبكي في أحضاني ؟ 
- نعم , ماذا حصل بعدها ؟ 
- حقنتك في كتفك بمخدرٍ قويّ , يُستخدم عادةً في ساحة المعارك 
- ماذا ! هل خطفتني ؟!! 
- دعني أكمل لك ما حصل .. بعد فقدانك للوعيّ , اتصلت من جوالك على قائد طائرتك الخاصة وطلبت منه نقلنا الى هنا .. ويبدو انه تعوّد على رؤيتك سكراناً , لذلك ساعدني بوضعك في كرسي الطائرة , بحجّة مؤتمرٍ مهم ستحضره في افريقيا 
الشاب باستنكار : انا لا أصدّق انني سافرت كل هذه المسافة دون ان أشعر بشيء !
- إذاً قمّ وافتح النافذة لتتأكّد بنفسك

وبالفعل شاهد سوقاً شعبياً بسيطاً للأفارقة , لا يبعد كثيراً عن هذا الفندق الرخيص ذو الطابقين ..
فغضب جون منه : لماذا أحضرتني الى هنا دون أخذ إذني ؟!!
- لتنفّذ وعدك لصديقك
- لم أفهم !
- انظر تحت سريرك وستفهم كل شيء
فوجد الشاب صناديق شركته , بها عشرات النظّارات التقنية ..
فسأله جون بدهشة : أتريدني ان أوزّعها على الفقراء فاقدي البصر ؟!
- الم تكن هذه رغبة المخترع الأصلي ؟

فسكت جون وهو مشوّش الفكر , ثم عاد وسأله : 
- وماذا عن الذين وعدّتهم البارحة بمشاهدة انتحاري ؟ 
الطبيب : لا تقلق , فأنا صوّرتك دون نشر الفيديو .. لأني كنت اريدك ان تعترف بما يؤنّب ضميرك ويجعلك تفكّر بالإنتحار على الدوام .. وأظن ان بوحك بذلك السرّ وبكائك بمرارة ساهم كثيراً في علاج مشكلتك .. لكن ضميرك لن يهدأ قبل ان تُحقّق أمنية صديقك 
فقال الشاب متردّداً : لكن..
الطبيب مقاطعاً : يبدو انك لم تلاحظ بعد الإسم المطبوع على النظّارات المئة ؟ 

فعاين الشاب الصناديق من جديد , ليرى ان اسمها تغيّر الى (أيّ سايت) كما كان ينوي صديقه تسميتها !
- كيف فعلتم كل هذا بساعاتٍ قليلة ؟!
الطبيب : ومن قال انها ساعات .. انت نائم منذ يومين 
الشاب بدهشة : يومين ! هل أعطيتني مخدّر فيل ؟! 
فضحك الطبيب : لا , هو مخدّر بسيط .. لكن بالعادة حين نبوح بسرٍ قديم يُزعجنا , ترتخي العضلات ونستسلم لنومٍ عميق .. لذلك لم أتفاجىء حين نمت كل هذه المدة , فأنت تحمل هذا الذنب منذ وقتٍ طويل 
- صحيح , إحدى عشر سنة وثلاثة اشهر منذ يوم سفري الى اميركا بالأبحاث اللعينة !! لكن هل غيّرتم جميع اسماء نظّارات شركتي بهذا الوقت القصير ؟

الطبيب : لا فقط المئة هذه , وساعدتني بذلك سكرتيرتك .. لكن حين عودتنا الى اميركا تقوم انت بتغير البقيّة إن أردّت .. وبرأيّ لا تخبر الصحافة عن السبب , فهذا سيضرّ بسمعتك وتجارتك 
الشاب وهو مازال يشعر بالذنب : وانا استحق هذا العقاب 
الطبيب : لا , لأنه لو انهارت شركتك لن تتمكّن من تحقيق حلم صديقك  
جون : وكيف سأفعل ذلك ؟ 
الطبيب بابتسامة : ستعرف بعد قليل 
*** 

وبعد ساعة .. دخل عليهما رجل ومعه ورقة من العمدة : فيها اسماء الأولاد والشباب العميان في القرية مع عناوينهم .. 
وقال لهم الرجل الأفريقي : انا السائق الذي سيأخذكما اليهم , فأين هي النظّارات لأضعها في السيارة ؟
الطبيب : ستجد الصناديق أسفل سريره .. (وأشار على جون) .. 
***

ثم توجهوا الى القرية التي ضجّت ببكاء الأهالي بعد ان رأوهم اولادهم العميان لأول مرة في حياتهم ! وانهالت الأمهات بالقبلات على وجنتيّ الشاب بعد ان عرفوا بأنها عطايا منه .. وأصرّوا عليهما البقاء للغداء .. ثم أقاموا وليمةً ضخمة اجتمعت فيها كل أفراد القرية للطبخ والغناء , وشاركهم الشاب الرقص وهو يشعر بفرحة تفوق فرحتهم بشفاء اولادهم !
***

في المساء .. عاد الشاب والطبيب الى الفندق ..
فاستلقى جون فوق السرير بارتياح , وهو يقول : 
- يا الهي ! لا تصدّق كم انا سعيدٌ الآن , كنت أبكي من الفرح حين أرى ردّة فعل الصغار بعد ان يروا أمهاتهم لأول مرة 
الطبيب بابتسامة : وهذه تسمّى فرحة العطاء , وهي أقوى من فرحة النجاح بحدّ ذاتها
- لا أعرف كيف أشكرك .. الآن بات لديّ هدفٌ بالحياة
- هل ستساعد شركتك الفقراء دائماً ؟
الشاب بحماس : بالتأكيد !! بل سأسافر كل فترة الى دولة فقيرة حول العالم لأشاركهم فرحتهم بنفسي 
- لكن بشرط .. ان تقسم ارباح شركتك الى ثلاثة أقسام : قسم للفقراء .. وقسم لتطوير النظّارة تقنيّاً بحيث تُصبح مُتاحة للجميع وبسعرٍ مقبول .. 

الشاب باهتمام : والقسم الثالث ؟
- لعائلتك
- لكني يتيم 
- أعرف هذا , أقصد عائلتك بعد ان تتزوج
- لكن لا اريد الزواج !
- هذا القرار ليس بيدك ..فإن كنت تريد الشفاء التام من اكتئابك , فلابد ان تشعر بحنان العائلة الذي تفتقده .. فلا فرحة أقوى من فرحة الأبوّة.. صدّقني 
الشاب : لا أظن انني من النوع الذي ينجح بتكوين عائلة
- الم يكن كلامي صحيحا حتى الآن ؟
- بلى
- اذاً عليك ان تقبل نصيحتي هذه ايضاً 
- ومن ستقبل برجلٍ مُعقّد مثلي أفسدته متع الحياة ؟

الطبيب بابتسامة : ابنتي
الشاب بدهشة : ماذا !
- ابنتي هي سكرتيرتك في الشركة
- أأنت والدها ؟! لم أكن أعرف ! .. آه !! الآن تذكرت .. في يوم أعطتني بطاقتك وأخبرتني بأنك طبيبٌ جيد سيساعدني في حلّ مشكلتي , لكني لم أهتم ! 
- هي طلبت مساعدتي حين كنت تردّد دائماً بأنك تنوي الإنتحار , لذلك قدمت الى شركتك ذلك اليوم لأستمع اليك
جون معاتباً : وكذبت عليّ وقتها وأخبرتني بأنني انا من اتصلت بك حين كنت سكراناً .. اليس كذلك ؟
- كان عليّ فعل ذلك لأنقذك , انا آسف
الشاب : على ماذا تأسف ؟ لقد أنقذتني بالفعل , والآن أشعر براحة لم أشعر بها منذ سنواتٍ طويلة ! على كلٍ , حين أعود الى اميركا سأشكر ابنتك بنفسي 
لكن الطبيب فاجأه برفع جواله قائلاً : 
- تعالي الينا !!
الشاب : بمن تتصل ؟! 

وإذا بإبنة الطبيب تدخل غرفتهما ..
مديرها بدهشة : هل أتيت معنا الى افريقيا ؟! 
فأجابته بابتسامة : لقد ألحّيت على والدي كثيراً ليقبل 
فقال الطبيب وهو يستلقي على فراشه : برأيّ إكملا حديثكما بمطعم الفندق , فأنا متعبٌ للغاية واريد ان انام قليلاً .. لكن لا تتأخرا بالسهرة 
- حاضر ابي
*** 

ونزل الشاب معها للأسفل .. وظلاّ يتكلّمان عن العمل وعن حياته الطفولية الصعبة , وهي تستمتع اليه بابتسامةٍ حنونة أراحت مشاعره وجعلته يشعر بشعورٍ لم يشعر به من قبل حين كان يقابلها بالشركة !  
فسألها بفضول : لما فعلتي كل هذا ؟
- لأنني خفت عليك حقاً 
- لم يخفّ عليّ أحدٌ من قبل !
- كنت أشعر بأنك تتعذّب من الداخل , فأنا بالنهاية ابنة طبيبٌ نفسي وكنت أحياناً أذهب معه الى عيادته واختبئ تحت طاولته دون علمه واستمع الى مشاكل الناس وانا اراهم من فتحة درجه , حتى صار لديّ خبرة بتعابير وجههم المُتعبة
- مشكلة ان كانت زوجتي تقرأ تعابير الوجه , فبذلك تفضحني في حال خنتها ! 
- لا تقلق , ان خنتني فسأحقّق أمنيتك
جون : وماهي ؟!
الصبيّة : ان أرميك من فوق سطح شركتك
وضحك جون ملء شدقيه ..ثم تتابعت الضحكات بينهما لآخر السهرة .. 
***

بعد عودتهم جميعاً الى اميركا .. تفاجأت موظفات شركته بزواجه من سكرتيرته التي فازت بقلبه , بعيداً عن مطامعهنّ الماديّة 
وهو بدوره زاد حبه لها حين قرّرت تمضية شهر عسلها في المناطق الفقيرة لتوزيع النظارات المجانية مع زوجها للفقراء فاقديّ البصر حول العالم , ليستمتعا معاً بفرحة العطاء , كما لسماع آلاف الدعوات من أفواه المساكين 

وقد ساهمت أعماله الخيريّة من زيادة شهرة شركته التي غيّر إسمها للأسم الذي حلِمَ به صديقه جيمي , آملاً أن تُريح تلك العطايا روحه الطاهرة كما أراحت ضميره . 

الخميس، 13 سبتمبر 2018

كشّافة الصحراء

تأليف : امل شانوحة



مصير الأولاد بخطر !

في تسعينات القرن الماضي .. إنطلقت مع تباشير الصباح رحلة للكشّافة في بداية العطلة الصيفية بقيادة استاذهم الذي حلّ محلّ السائق الذي اعتذر عن الرحلة بسبب مرضه المُفاجىء , حيث تراوحت أعمار الطلّاب الثلاثون بين 11 و14 سنة , امّا أكبرهم فكان أحمد (عريف الطليعة) وهو طالب بالثانوية بعمر 16 سنة .. 

وكانت وجهتهم الوصول الى المحيط الأطلنطي لرؤية البحر لأول مرة في حياتهم .. وتستغرق الرحلة الى هناك قرابة يومٍ كامل على الطريق العام المحاذي للصحراء الغربية التي لا يسكنها سوى قبائل البدو الذين إعتادوا على العيش في ظروفها الصعبة !

وتضمّنت خطة الرحلة : التخييم على الساحل لمدة خمسة ايام قبل العودة الى منازلهم بنهاية الأسبوع , لهذا أخذوا معهم كل ما يلزم من ملابس وأثواب سباحة وطعام وشراب بالإضافة لخيمهم الصغيرة .
***

بعد ساعة من بداية الرحلة .. ضجّت الحافلة بتصفيق الأولاد مع الأناشيد الكشفيّة التي وضعها لهم استاذهم في المسجّل وهم يغنون كلماتها بكل فرحٍ وحماس , ماعدا ولدين لم يشاركا بقيّة الأولاد الإحتفال , لأنهما لا يتمتّعا بشعبيةٍ بينهم : أحدهم بسبب سمنته الزائدة , والثاني لإنطوائه بسبب تربية والده العنيفة , لذا فضّلا تأمّل المناظر الطبيعية من نافذتهما بصمتٍ وهدوء 
*** 

وحلّ المساء .. ونام الطلبة في مقاعدهم , بينما ظلّ استاذهم يقود رغم شعوره بالإعياء الشديد لإنه كان يأمل ان يفاجئهم بمنظر البحر فور استيقاظهم , لذلك رفض أخذ القيلولة بناءً على نصيحة العريف الذي نام بدوره من التعب بعد إشرافه منذ الصباح على بقيّة الطلاب .. 
*** 

وفي صباح اليوم التالي ..كان العريف اول من استيقظ منهم بعد ان أحسّ بارتجاجات الحافلة , ليتفاجأ بأنها توقفت عن السير بعد إنغرازها برمال الصحراء التي تُحيط بهم من كل جهة ! 
فأسرع ناحية استاذه ليجد إنه أسند رأسه للأمام بينما ارتخت ذراعيه على جنبيه , فظنّ بأن نومه على المقود جعل الحافلة تنحرف عن طريقها وتتعمّق في الطريق الصحراوي !

وبعد قليل .. إستيقظ الطلاب على صراخ العريف وهو يهزّ استاذه بعنف محاولاً إيقاظه , لكنه أدرك لاحقاً بأنه مات منذ ساعات ! ليدبّ الخوف في قلوب الأولاد بعد ان عرفوا بأنهم عالقون وحدهم في أطراف الصحراء الكبرى المعروفة بظروفها المناخية القاسية!

وكان على العريف أحمد مسك زمام الأمور بما انه كبيرهم , فصرخ عليهم بحزم :
- توقفوا فوراً عن البكاء !! فبإمكاننا حلّ المشكلة
فقال أحدهم بارتباك : الم تقل ان جوّال الأستاذ لا يعمل في هذه المنطقة المقطوعة ! فكيف سنتصل بالشرطة او بأهالينا لينقذوننا ؟!
العريف : بدايةً تعالوا وساعدوني في إزاحة الأستاذ , لربما استطعت قيادة الحافلة 
فقال الولد الثاني : وكيف ستعرف الطريق ؟!
أحمد : أتتبّع آثار الحافلة .. هيا بسرعة !! قبل ان تُخفي الرياح أثر العجلات

فأسرع بعضهم وهم حزينون على موت استاذهم المحبوب ليضعوا جثمانه في آخر الحافلة بعد ان غطّوا كامل جسمه بالملاءة , بينما جلس العريف امام المقود محاولاً تشغيل المحرّك ..لكن الحافلة كانت مغروزة بقوة في التراب ! 

فأمرهم ان ينزلوا جميعاً لدفع الحافلة من الخلف .. وما ان نزلوا من الحافلة المكيفة حتى شعروا بحرارة الشمس تحرق رؤوسهم فأسرعوا بتغطيتها بقبعاتهم .. ولم يستطيعوا لمس مؤخرة الحافلة لسخونتها الا بعد ان خلعوا قمصانهم لتغطية ايديهم , ومن ثم قاموا بالدفع معاً عند إشارة العريف الذي كان يصرخ لهم من الداخل : 
- الآن !! إدفعوا بقوة

وبعد محاولاتٍ كثيرة فاشلة لم تتحرّك الحافلة من مكانها ! 
فعادوا مُحبطين الى الداخل , لكنهم لاحظوا ان احدهم ظلّ بالخارج ..فنادى عليه العريف :
- سعيد !! إدخل قبل ان تُصاب بضربة شمس
فردّ عليه بصوتٍ عالي :
- اريد دخول الحمام !!
أحمد : حسناً , لكن لا تبتعد كثيراً 
- لا ادري الى اين أذهب , فالمكان مكشوف !!
- إذهب خلف الحافلة يا سعيد .. وانتم !! أغلقوا جميع الستائر  

وبعد قليل .. سمعوا صرخته !!!
فنادى العريف بصوتٍ عالي : سعيد !! ما بك ؟
فعاد الصبي الى الحافلة وهو يبكي ويترنّح بألم , فسأله العريف بقلق :
- ماذا حصل ؟!
- لدغني عقرب  
- ماذا !
وارتعب الجميع حين علموا بأنه كان يوجد عقرب في نفس المكان الذي كانوا فيه قبل قليل , ولسوء حظ سعيد انه لم يُلدغ غيره ! فأسرعوا بقفل الباب خلفه , خوفاً من دخول الحيّات والعقارب الى داخل الحافلة .. 

وبدأت قدمه تحمّر مكان اللدغة , كما بدأ يشحب لون وجهه ! 
فقال سعيد بتعب : أشعر بدوار والغثيان 
فعرف العريف ان عليه الإسراع بإسعافه .. فجعله يستلقي على ارضيّة الحافلة بعد ان فرشها بملاءة , ثم أخرج المعقّم من حقيبة الإسعافات وقام بتطهير الجرح .. فسأله أحدهم :
- الن تجرح ساقه لتخرج السمّ بفمك ؟ 
فقال أحمد وهو مازال يعالج سعيد : 
- لا , وايّاكم ان تصدّقوا ما تشاهدونه بالأفلام , فأنا درست الإسعافات الأولية وكل ما نستطيع فعله هو تهدئة المريض وإعطائه السوائل وتطهير الجرح حتى نقله للمستشفى
أحد الأولاد بقلق : الى ان يجدنا أحد وننقله للعيادة يكون سعيد ..
فقاطعه أحمد بنظرة معاتبة : كفى تشاؤماً !! بالنهاية هي لدغة بسيطة وسيُشفى منها .. اليس كذلك يا بطل ؟

لكن سعيد كان يتأّوه من الألم بعد ان ازدادت حرارته بشكلٍ ملحوظ , فوكّل أحمد صديق الولد المصاب بتغير الضمادات المبلولة على جبينه وهو يعلم انها ليست كافية لإنقاذ حياته , لكن ليس باليد حيلة! 
*** 

بعد ساعة .. قال أحد الأولاد للعريف بضيق : 
- اريد دخول الحمام ..لكني لن انزل الى هناك , كيّ لا أتأذّى مثل سعيد !
فأجابه العريف : أظننا جميعاً نريد دخول الحمام , لذلك سأنزل وأصنع واحداً لنا
فصرخ الطلاب بقلق : لا !! لا تذهب وتتركنا وحدنا
- لن أتأخر

وأخذ رفشاً صغيراً وعلبة قطران , وذهب الى خلف الحافلة وهو يلهج بالدعاء في سرّه : 
- ((بسم الله الذي لا يضرّ مع إسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم)) .. إلهي ساعدني ارجوك , فأنا كبيرهم ولا اريد الموت دون إنقاذهم فهم مسؤوليتي , فاحمني بقدرتك من شِرار الحيوانات والحشرات.. اللهم آمين

ثم بدأ بحفر حفرةً عميقة , غطّاها بلوحين من الخشب بعد ان باعد بينهما ليصبح كالحمام الأرضي , ثم وضع حوله الكثير من القطران الذي بالعادة رائحته تُبعد الزواحف الضارة عن المكان .. 


وبعد انتهاء هذه المهمّة بسلام , أتت مشكلة ثانية حين بدأ الجميع يشعر بالجوع مع منتصف الظهيرة .. 
فسألهم العريف : الم يتبقى معكم سندويشات نتقاسمها فيما بيننا ؟
لكنهم أجابوا بأنهم أنهوها في ليلة البارحة .. الا ان الولد السمين فاجأهم بإخراجه من مؤن رحلته شوالاً من البطاطا وزيت للقلي وطنجرة !
العريف بدهشة : ولما أتيت بكل هذا وانت تعرف بأنه يوجد مطاعم على الساحل ؟! 
فأجاب : امي قلقت ان يُجبرنا المعلم على الإعتماد على أنفسنا حين نخييم هناك , فأصرّت أن آخذهم معي لأنها تعرف عشقي للبطاطا
فابتسم العريف براحة : من الجيد انها فعلت .. وأذكر انني رأيت الأستاذ يشتري ثلاث ربطات من الخبز قبل تحرّكنا , سأبحث عنها في حقيبته 

وبالفعل وجد الخبز مع اربع معلّبات من الفاصوليا كانت كافية لإسعاد الجميع 
ثم سأل العريف الطلاب : من منكم سيطبخ لنا ؟
فأجاب الولد السمين بحماس : انا طبعاً !! لكني اريد أثنين على الأقل ليساعدونني بتقشير البطاطا 
العريف : لا اريدكم ان تقشّروا كل البطاطا , فنحن لا نعرف كم سنبقى هنا .. إطبخوا فقط علبة فاصوليا وعشر حبات بطاطا بحيث يحصل كل واحداً منا على صحنٍ صغير 
فسأله ولدٌ ثاني : وماذا عن الماء ؟
العريف : ليحافظ كل واحداً منكم على زمّزميّته
فردّ أحد الأولاد بقلق : لكنني أنهيتها البارحة !
ووافقه اربعة أولاد آخرون !

العريف بقلق : هذه مشكلة .. اذاً اريدكم ان تحضروا كل قناني الماء اليّ , وأنا أقسمها عليكم بالتساوي وبكمياتٍ صغيرة
وهنا سأله الولد المنطوي (مروان) الذي يُشاركهم الرأيّ لأول مرة منذ بداية الرحلة :  
- والى متى يا أحمد سنبقى هنا ؟ على أحدِنا ان يذهب ويطلب مساعدة
فردّ العريف أحمد بحزم : لا !! إيّاكم ان يبتعد أحدٌ عن الحافلة , فأهالينا حتماً سيقلقون حين لا يُطمئنهم أستاذنا المرحوم بوصولنا الى الساحل  وحينها سيطلبون من الشرطة البحث عنّا بحيث سيكون أسهل عليهم البحث من طائرة الهليكوبتر على حافلةٍ صفراء , على أن يبحثوا عنّا فرداً فرداً مشتّتون بالصحراء الشاسعة .. فهل استوعبتم المشكلة ؟!!

فسأله ولدٌ آخر : والى متى سننتظر هنا ؟
العريف : على أبعد تقدير ...اسبوع
فشهق الطلاب برعب : اسبوع !
العريف : قلت !! على أبعد تقدير , لأن أهلنا يتوقعون عودتنا بنهاية الإسبوع
فقال الولد السمين بقلق : لا أظن طعامنا سيكفي كل هذه المدة ! والمشكلة الأكبر هي الماء فنحن ليس معنا سوى ثلاثة قناني كبيرة وسبع عشر صغيرة , وأكيد الظمأ سيشتدّ مع هذا الحرّ القاتل بعد ان أطفأت المكيف 
العريف : أطفأته خوفاً على البطارية , فنحن بحاجة للإنارة في المساء.. كل ما اريده منكم ان تقلّلوا من شرب الماء قدر المستطاع وتحمّل العطش قليلاً  

فقال صديق المريض سعيد بقلق : وماذا عنه ؟ فهو نائم منذ ساعات وحرارته في ازدياد , كما تورّمت قدمه كثيراً !
فسكت العريف مُحتاراً .. فسأله الولد المنطوي :
- وماذا عن جثة الأستاذ ؟ ...اليس من المفترض دفنه قبل ان يتحلّل بالحرارة ؟!
العريف : معك حق مروان .. من الأفضل ان نفعل ذلك قبل حلول المساء 
فسأله ولدٌ ثاني بقلق : وماذا عن عائلته ؟  
العريف : في حال انقذونا نُخبرهم بشأنه , فينكشوا قبره ويرسلوا بجثته لأهله .. اما الآن سننقسم الى فريقين : فريق يطبخ لنا , وفريق يساعدني بعملية الدفن .
فقال أحدهم بحزن : انا لا استطيع رؤيتكم وانتم تلقوا التراب فوق وجه استاذي العزيز , لذلك سأساعد في تحضير الطعام 
وقال الثاني وهو يمسح دموعه : وانا سأكون معك 
***

بعد قليل .. قام البعض بمساعدة العريف في إخراج جثمان الأستاذ الى الخارج , ثم بدأوا بالحفر على بعد امتارٍ من مكان الحافلة مُستخدمين الرفش الصغير وأيديهم بعد ان خفّت حرارة الرمال عصراً ..

وقبل الدفن ..قام العريف بإخراج اوراق الأستاذ الثبوتية وحفظها داخل كيس بلاستيكي مع مفاتيح منزله ليُعيدها (ان حالفه الحظ) لأهله , كما أخرج القدّاحة للإستفادة منها لاحقاً ..
وهنا مازحه مروان قائلاً : 
- أعطني علبة دخانه لأجرّبها 
لكن العريف نظر اليه بعتاب بعد سحقه لعلبة السجائر بيده ورميها بعيداً , قائلاً له : 
- لا تُفسد رئتاك بهذه القذارة 

الا انه في هذه اللحظات إنتبه بأن المحفظة وكذلك جيوب الأستاذ كانت خالية من المال ! رغم انه رآه يشتري من الإستراحات التي توقفوا عندها البارحة ..  
فصرخ العريف غاضباً في وجه زملائه :
- من سرق الأستاذ ؟!! 
فاندهش الجميع من الأمر والتزموا الصمت ! فمعلمهم كان أخبرهم في بداية الرحلة إنه أحضر ربع معاشه ليعزمهم على مطعمه المفضّل عند الشاطىء .. 

وحينها عاتبهم العريف قائلاً :
- هل يُعقل ونحن في ظلّ هذه الأزمة الصعبة ! حيث الله وحده يعلم ان كنّا سننجو منها ام لا , يقوم أحدكم بهذه المعصية ؟! كيف اذاً سيُستجاب دعائنا وفينا من لا يخاف ربه ؟! .. إسمعوني جيداً !! سأعطي السارق فرصة حتى الغد , إن لم يُعيد المال داخل هذه المحفظة التي سأضعها فوق مقعد السائق , سأقوم بتفتيشكم الواحد تلوّ الآخر الى ان أجدهم , وحينها سأطرده خارج الحافلة لينام وحده بهذا الجوّ الحارق !! فهذه الأموال من حقّ عائلة الأستاذ .. وفي حال عدنا سالمين الى الديار , سأعيده لهم مع أغراضه الشخصية .. هل كلامي مفهوم ؟!! 

وسكت العريف قليلاً محاولاً تمالك أعصابه .. ثم نادى الجميع ليصطفّوا بجانب الجثة :  
- والآن دعونا نصلي صلاة الجنازة , ومن ثم ندفنه ..
فسأله أحدهم : وكيف ستعرف اتجاه القبلة ؟!
- معي بوصلة الأستاذ , وهي تشير الى هذا الإتجاه .. فهيا تيمّموا بالتراب لأننا سنترك ماء الإستخدام للشرب , فهي حتى لوّ كانت غير معقّمة تبقى أفضل من الموت عطشاً
*** 

وبعد الدفن وقراءة الفاتحة عليه .. ألقوا السلام الكشفيّ امام قبره وهم ينشدون له أغنية الكشّافة ويبكون حزناً لفراقه .. 
ثم عادوا مُكتئبين الى الحافلة ليجدوا الولدين يحاولان مساعدة الولد السمين في إشعال موقد الغاز الصغير لقلي البطاطا , فعاتبهم العريف :
- أتريدون حرق الحافلة ؟! هيا انزلوا وأقلوها في الخارج !! 
الولد السمين بقلق : وماذا عن العقارب ؟!
ففكّر العريف قليلاً , قبل ان يقول :
- لك الحق ان تخاف .. لكن بجميع الأحوال سيحلّ المساء بعد قليل ولا يمكننا النوم طوال الوقت فوق مقاعدنا فهذا سيؤذي عظامنا , لذلك سنقوم بالتخييم في الخارج بعد ان نضع القطران حول خيمنا لتحمينا من الحشرات .. فهيا جميعاً !! إنزلوا حقائبكم وابدأوا بنصب الخيم , فالجوّ بدأ يبرد قليلاً 

فرضخوا لأوامره رغم تفضيلهم البقاء داخل الحافلة مع سعيد الذي كان يستيقظ من وقتٍ لآخر للخروج من الحافلة بمساعدة صديقه لتقيؤ او لإصابته بإسهال , ممّا أقلق العريف على صحته التي تدهوّرت بشكلٍ ملحوظ بعد فقدانه لشهيته وتورّم قدمه بشكلٍ خطير! 
*** 

في الخارج .. أسرع الأولاد بنصب خيمهم وتجميع الحطب لإيقادها مساءً في حال ازدادت برودة الجوّ , كما انهم أنهوا آخر علبة قطران في مكانٍ آخر امام الحافلة ليكون مطبخهم حيث وضع فيه الولد السمين خالد أغراض المطبخ لقليّ البطاطا وتسخين المعلبات .. 

فاقترب منه العريف ليجده غاضباً :
- ما بك يا خالد ؟
خالد وهو يلوّح بيده بعصبية : الذباب اللعين !! لقد أتعبني ..والحرارة هنا مرتفعة أمام النار .. كما انني خائف من انتهاء عبوة الغاز الصغيرة قريباً 
- المهم ان تُنهي بها القلي , وغداً نطبخ على الحطب ..خذّ إمسك ..هذه ولاعة الأستاذ ستحتاجها غداً لإيقاد النار , وحاول ان لا تضيعها 
- لا تقلق , سأحافظ عليها 
- سأتركك لتُكمل عملك , لكن استعجل قليلاً فقد جعنا كثيراً
- أوشكت على الإنتهاء مع انني أجد الكمية قليلة جداً , وبالكاد تكفيني وحدي
- لا رجاءً ! عليك التقليل من شهيتك , فنحن بحالة طوارىء
- لا تقلق , سأتخيّل نفسي أقوم بحميّةٍ غذائية .. لكن بعد خروجنا من هذه الورطة , أحلف انني سأغزو مطاعم الوجبات السريعة
فضحك العريف : في حال خرجنا من هنا سالمين , أعدك أن أعزمك على المطعم الذي تختاره من مصروفي الخاص 
الولد السمين خالد مبتسماً : إتفقنا إذاً 
***

وبعد انهائهم للطعام , جلسوا يتحادثون سويّاً قرب خيمهم ..فلاحظ العريف الولد الإنطوائي فوق سطح الحافلة يبحث في الإرجاء .. فناداه بصوتٍ عالي :
- مروان !! ماذا تفعل فوق ؟!
فأجابه : الرياح ازدادت مع اقتراب المساء وأخاف ان تُمحى آثار عجلات الحافلة , لذلك أقترح ان يتتبّعها أحدنا الى ان يصل للطريق العام , ويُوقف أحد السيارات المارّة لتنقذنا
العريف بغضب : قلت ألف مرة !! لا أحد سيبتعد عن الحافلة
فقال مروان بعناد : إذا كنت خائفاً من المخاطرة فسأذهب وحدي لإيجاد المساعدة , فأنا لن أبقى هنا الى ان ينتهي الطعام والماء ونأكل بعضنا البعض من شدة الجوع !
العريف بعصبية : ماهذه الدراما التي تعيش فيها ! بالتأكيد أهالينا لن يسكتوا على غيابنا , وربما يتصلون غداً بالشرطة .. وأظن انه بإمكاننا تدبّر أمورنا في اليومين التاليين .. فلا تنشر التشاؤم بيننا , فنحن بألف خير 

وهنا ! سمعوا جميعاً صرخات صديق سعيد من داخل الحافلة حين دخل لإطعامه بنفسه ..
- تعالوا بسرعة !!
العريف بقلق : ماذا هناك ؟
فوقف عند باب الحافلة وهو يبكي :
- إسرعوا !! سعيد يحتضر !

فأسرعوا جميعاً الى الداخل ليجدوا سعيد يلفظ أنفاسه الأخيرة !
فتمّتم العريف في نفسه بضيق : يا الهي ! جثةٌ أخرى
بينما انهار صديق سعيد بالبكاء : سنموت جميعنا هنا !!

ولم يعد في مقدور مروان الإنتظار أكثر .. فقام بأخذ قنينة ماء كبيرة وعلبة فاصوليا ..كما وضع كشّافاً صغيراً في جيبه , بعد ان لفّ غترة الأستاذ على رأسه ..
العريف بقلق : ماذا تظن نفسك فاعلاً ؟!
مروان بتصميم : انا لن أبقى هنا أنتظر دوري لأموت , سأذهب حالاً لإحضار المساعدة لكم ..أعدكم بذلك !!
أحدهم صارخاً بخوف : لا تفعل يا مجنون !! 

لكنه خرج من الحافلة مُبتعداً وهو يتتبّع ما تبقّى من آثار الحافلة التي حُفرت بالأراضي الصلبة , بينما أختفى معظمها بالرمال !
فقال ولد وهو يراقبه من النافذة بحزن : وهآقد مات شخصٌ آخر !
العريف صارخاً , ومتجاهلاً قرار مروان الذي عصى أمره : 
- كفّوا عن التشاؤم !! ولنعود الى خيمنا , فبعد قليل سيعمّ الظلام .. لكن علينا اولاً دفن سعيد
***

وبحزنٍ وببكاء دفنوه بجانب الأستاذ , ثم ناموا في خيمهم .. الا ان بعضهم أصرّ على النوم داخل الحافلة 
***

في منتصف الليل .. استيقظوا على نباح كلاب يقتربون من المكان مع اشتداد البرودة
فرفع العريف صوته : استيقظوا جميعاً وتوجهوا للحافلة بسرعة !!

فأسرعوا للداخل وأغلقوا الباب والنوافذ خلفهم , ليتفاجئوا بثلاث كلاب ضّالة إحتلت المكان .. حيث قام أثنين منهم بتمزيق الخيم بحثاً عن الطعام , بينما اشتمّ الثالث رائحة الجثتين وبدأ ينبش قبرهما !

فأسرع العريف بفتح شقّ من نافذته وبدأ برمي عليه بعض قناني الماء الفارغة وهو يصرخ بعلوّ صوته كيّ يخيفه ... 
فابتعد أخيراً عن القبرين لينضمّ الى الكلبين اللذان ظلاّ ينبحان أسفل النوافذ التي اجتمع خلفها الطلاب وهم يراقبون الوضع بخوفٍ شديد !
 فقال أحدهم برعب :
- انظروا كيف تُضيء أعينهم ! هل هم من الجن ؟!
الا ان العريف فاجأهم قائلاً :
- لا , بل هم كلاب حراسة مدرّبة
الطباخ خالد : أتقصد اننا قريبون من إحدى القرى ؟!
العريف : ليست قرية , بل أظن ان قبائل البدو لا تبعد كثيراً من هنا .. فهذه الكلاب عادةً تستخدم في الصيد لكن ربما تاهوا عن صاحبهم او استغنى عنهم بعد ان كبروا في السن لذلك أصبحوا شرسين من الجوع 
فقال خالد : أتظن ان مروان سيجد قبائل البدو ليساعدونا ؟
العريف : ان سار باتجاه خيمهم , فسيجد أحدهم حتماً .. فهذه الكلاب جعلتني أتفاءل بالنجاة من هذه المصيبة , رغم تمزيقهما لخيمنا !
***

بعد ساعة .. ابتعدت الكلاب عن خيمهم الممزقة للبحث عن الطعام في مكانٍ آخر ..
فقال أحدهم : أرأيتم !! كان قراري صائباً في النوم داخل الحافلة , فالوضع بالخارج غير آمن خاصة مع ازدياد البرودة
فردّ الآخر : لكننا على الأقل بالخارج إستطعنا إشعال النار للتدفئة , اما هنا ماذا سنفعل لتجنب هذا البرد القارص ؟
العريف : إلبسوا جميع غيارات الملابس التي أحضرتموها معكم , لكن إخلعوها صباحاً قبل ارتفاع الحرارة
فتنهّد أحدهم بضيقٍ ويأس : ما هذه الحالة التي نحن فيها ؟! جحيمٌ في الصباح وزمهريرٌ في الليل !  

وهنا فاجأهم أصغرهم قائلاً وهو ينظر نحو السماء من نافذته : 
- تعالوا وانظروا الى القمر !!
العريف : ماذا هناك ؟!
وتجمّعوا الطلاب حول النوافذ ليروا القمر ..
فقال الصغير بحماس : انظروا كم هو واضحٌ وجميل ! كما ان اعداد النجوم بالمئات .. بل بالملايين !! 
فعاتبه أحدهم : هذا ليس وقت الشاعريّة ايها الصغير 
وقال الثاني ساخراً : أظنه متأثّر برسوم الكرتون
لكن العريف فاجأهم قائلاً : لا معه حق , فالمنظر جميلٌ جداً وعلينا جميعاً تأمّل جمال الطبيعة  

فعمّ السكون الحافلة بعد ان انبهروا بمنظر السماء الذي أضاءت ظلمته النجوم والقمر المنير 
وأثناء مشاهدتهم لإبداع الخالق , إستغلّ الولد السارق إنشغالهم ليقوم بإعادة مال الأستاذ الى المحفظة (الموضوعة فوق كرسي القيادة)..وكان العريف الوحيد الذي لاحظه , لكنه فضّل تجاهل الأمر كيّ لا يفضحه .. 

وبعد ان عاد الطلاب الى مقاعدهم ليرتّبوا نومهم , قام العريف بوضع المحفظة الممتلئة بالمال مع بقيّة الأغراض الشخصية للأستاذ في درج القيادة .. 
ثم سألهم العريف :
- هل ستنامون فوراً , ام أخبركم بقصة جميلة ؟
فأجابوه بحماس : إخبرنا بقصة !! 
لكن الطباخ قال له : لكن رجاءً لا نريد قصص جن وأشباح فوضعنا لا يحتمل المزيد من الخوف 
العريف مبتسماً : بالطبع لن أفعل يا خالد .. بل هي قصص جميلة أخبرني بها جدي حين كنت صغيراً .. وحكايتنا الأولى عن صديقه البخيل .. بالحقيقية هي مضحكة قليلاً .. اسمعوا ..

وبدأ يسرد لهم القصص : بعضها أضحكتهم , وقصصٌ أخرى كانت فيها دروساً أخلاقية سامية , أعجبتهم كثيراً .. 
وقبل ان يُنهي قصته الأخيرة , نام آخر ولدٌ فيهم .. ليعود العريف الى مقعده وهو يتمّتمّ :
((وهآقد إنتهى هذا اليوم الطويل .. كم أتمنى من الله ان يوفقك يا مروان بإيجاد المساعدة .. وكان الله في عونك بنومك وحدك بالعراء ايها البطل الشجاع))
*** 

في جهةٍ إخرى من الصحراء .. وبعد ان أكل مروان علبة الفاصوليا باردة , نام متكوّراً على نفسه وهو يتألّم من شدّة البرد , ويستيقظ مع كل حركة يسمعها بجواره ..
فتمّتم قائلاً بتعبٍ وقلق : 
((ماذا فعلت بنفسي ؟! كان الأفضل لوّ واجهت مصيرهم بدلاً من الموت وحدي في العراء لتأكل جثتي السباع ولا يجد اهلي شيئاً من أثري ليدفنوه .. (ثم مسح دمعته) .. لا !! كفّ يا مروان عن التشاؤم .. اساساً لا أحد من الطلاب يحبني .. حتى والدي .. 

ثم فجأة ضحك بألم , وقال بصوتٍ مسموع : ابي !! هل تسمعني ؟ لطالما عاملتني بقسوة بحجّة انك تريدني ان أصبح رجلاً , وهآ انا الآن مُجبر على مواجهة مصيري لوحدي .. لكنني أعدك ان أجعلك فخوراً بي وأنقذ الجميع .. ربما حينها تُحبني كما كنت تفعل قبل وفاة امي ! .. ستحبني , اليس كذلك يا ابي ؟ ام انني أهذي .. 
وظلّ يبكي الى ان غفى من شدّة التعب والإرهاق  
***

في الصباح الباكر .. استيقظ الكشّافة على اهتزاز الحافلة بسبب عاصفة رملية مفاجئة , فأسرعوا بالتجمّع في الوسط وهم يدعون ربهم ان تمرّ العاصفة بسلام !
*** 

وفي الجهة المقابلة من الصحراء .. كان وضع مروان اسوأ بكثير حيث حاول التشبّث بجزع شجرةٍ يابسة كيّ لا تطيّره العاصفة .. وقد أوشك على الهلاك بعد ان أبعدت الرياح قاروة مياهه ! 
فصرخ بعلوّ صوته وهو مُغمض العينين لحمايتهما من الرمال المتطايرة : 
- يارب ساعدني !!!!!  
***

بعد ساعة , هدأت العاصفة .. ولم يُصبّ من الأولاد الا ولداً واحد أصابته حجرة صغيرة إخترقت زجاج نافذته لتشجّ رأسه , لكنه لم يُدرك ذلك الا بعد ان لاحظ الولد الذي بجانبه تلوّث قميصه من الخلف بالدماء .. فقام العريف بتضميد جرحه وهو يهدّئه قائلاً : 
- هيا كفّ عن البكاء , انه جرحٌ بسيط
- لا اريد ان اموت , كما مات الأستاذ وسعيد ..ومروان ايضاً
العريف : مروان لم يمت بعد , بل عندي احساس إنه وجد من يساعدنا .. فقط إدعوا له  
فقال ولدٌ آخر بيأس : أحقاً تظن انه نجى من هذه العاصفة الهوجاء؟!
فسكت العريف بعد ان أدرك معهم ان نجاته مستحيلة , لكنه لم يكن يرغب في فقدان الأمل ! 
***

بعد انتهاء أزمة العاصفة .. نزل الطلاب من الحافلة لتجميع الحطب اللازمة لتدفئة المساء كما لطبخ ما تبقّى من البطاطا .. 
وقام العريف بإرسال إثنين من الطلاب للبحث عن المياه في الجوار , او عن أيّ شيءٍ يؤكل سواءً صبير او ارنباً برّي مثلاً ..

فجأة ! سمع الجميع صراخ الطباخ خالد على صديقه الذي كان يساعده بتقشير البطاطا ..  
- يا غبي !! لقد أحرقت الطعام  
فردّ عليه صاحبه : انت تأخّرت في الحمام كثيراً
- أصابني اسهال..الم أخبرك ان تُبعد الطنجرة عن النار بعد دقيقتين ؟!  

وهنا اقترب العريف منهما , ليسأل الطباخ بقلق :
- ماذا حصل يا خالد ؟!
فأجاب بعصبية : كما ترى .. لقد إسودّت البطاطا بالكامل أثناء إنشغال الغبي بالحديث مع صديقه 
العريف بغضب : اللعنة !! الا تدركان انه كان طعامنا الأخير ؟!
ووسط معاتبة الأصدقاء لهما , صرخ أحدهم من بعيد قائلاً :
- ضبّ !! هناك ضبّ تحت الحجر .. انه كبير !!

فأرسل العريف اليه ولداً آخر , إختاره لهذه المهمّة : لأنه يعلم بأنه عادةً ما كان يذهب لصيد البرّ مع والده , فهو لديه الخبرة بهذه الأمور.. 

وبالفعل !! قام الصبي باصطياد الضبّ بمهارة , وأحضره اليهم .. 
فقال أصغرهم بقرف : وهل بتنا نأكل السحالي ايضاً ؟!
فأجابه العريف مُعاتباً : وهل تفضّل الموت جوعاً ايها الصغير ؟!
فسكت بضيق .. ثم قال العريف للجميع :
- إسمعوني جيداً !! نحن في ظروفٍ استثنائية ولا وقت لدلال .. إعتبروا أنفسكم في ساحة حرب وعلينا ان ننضج بسرعة .. لذلك نحن مضّطرون لأكل أيّ شيء يتحرّك في سبيل البقاء أحياءً .. هل فهمتم ؟!!
***

وفي الجهة الأخرى من الصحراء .. وصل مروان أخيراً الى بئرٍ قديم بعد ان لحق سراباً ظنّه واحة .. لكنه صرخ يائساً حين رآه مُتهدّماً وجافاً تماماً ..ولم يعد باستطاعته تحمّل المزيد , ورفع أصبعه مُتشاهداً بعد ان أدرك قُرب أجله .. ثم انهارت قواه , ليقع على الأرض دون حراك ! 
***

في هذا الوقت .. اقترب العريف من خالد الذي كان ينظّف الضبّ بقرف , وقال له مُمازحاً : 
- الم تقل ان حلمك ان تصبح طباخاً ؟
فأجابه بعصبية : نعم في فندقٍ فخم ..فهل رأيت أحد الأغنياء يأكل ضبّاً ؟
- الا يأكلون الكافيار والأخطبوط والسلطعون ؟ إعتبره أحد طبخاتهم الغريبة
خالد وهو يتنهّد بضيق : حسناً .. سأحاول 
وقام بتنظيفه , ومن ثم شويه .. فأكل الأولاد بضع لقيمات منه وهم مُتقرّفين , ما عدا الولد الذي اصطاده حيث كان مستمتعاً بطعمه الذي لم يكن غريباً عليه ! 
***

لكن بعد ساعة .. أُصيب أصغرهم بتسممٍ غذائي حيث تقيّأ أكثر من مرة وارتفعت حرارته .. وصار يلوم العريف وهو يبكي بغضب :
- قلت لك انني لا اريد أكل الضبّ !! لكنك أجبرتني على تذوقه .. والآن سأموت بسببك 

وخاف الجميع ان يمرضوا مثله , لذلك أبعده العريف عنهم بوضعه داخل الحافلة حيث حاول هناك علاجه قدر المستطاع ..
العريف : جيد ان الأستاذ أحضر معه الشايّ الأخضر .. هيا اشربه ليخفّ ألمك
الصغير وهو يمسح دموعه بخوف : عدّني انني لن اموت هنا , فأنا أخاف من البقاء وحدي بالصحراء 
فقال له مُهدّئاً : لا تخفّ , لن يموت أحداً ثاني هنا

وقبل ان يُكمل جملته , سمع صراخاً من خارج الحافلة !!! 
فركض العريف الى هناك ليرى من بعيد أحد الأولاد الذي أرسله للبحث عن الماء غارقاً الى نصفه بالتراب ! 
بينما وصل صديقه الآخر اليه لاهثاً : 
- أحمد !! ساعده ارجوك 
العريف بقلق : ماذا حصل له ؟! 
- رأى أرنباً برّي وأسرع باللحاق به , لكنه غرق في الرمال ولم أستطع سحبه !
العريف بقلق : ربما هي رمال متحرّكة .. لا أحد يقترب منه !!
صديق ذلك الولد : لكنه يغرق !
فصرخ العريف آمراً : ليُسرع أحدكم ويحضر لي الحبل من داخل الحافلة .. هيا بسرعة !!

فأحضر أحدهم حبلاً طويلاً , قام العريف بربط حجرة في طرفه .. ومن ثم ذهبوا جميعاً قرب الوحل .. ورماها بكل قوته للولد الذي أمسكها في المحاولة الرابعة , بينما حاول رفاقه سحبه من الجهة الأخرى قبل وصول الرمال الى فمه .. الا ان ثقله تضاعف بسبب الوحل ! لكنهم ظلّوا يشدّونه بكل قوتهم الى ان أخرجوه من هناك بصعوبة .. لينهار باكياً بعد ان رأى الموت بعينيه !

فقام العريف بتهدئته , بينما ساعده صديقه بتغير ملابسه المُوحلة ..
ثم قال العريف للجميع :
- إيّاكم ان يبتعد أحد عن الحافلة !! فنحن لا نعرف الصعوبات التي بالجوار .. فأنا لا اريد موتى آخرين ..

وبهذه اللحظات .. سقط أحد الأولاد أرضاً : 
العريف : يا الهي ! ماذا به ايضاً ؟ 
وحين لمس جبينه , وجد حرارته مرتفعاً ..
العريف : ضربة شمس .. كنت متوقعاً ان أحدنا سيُصاب بها .. هيا إحملوه الى داخل الحافلة .. والأفضل ان ندخل معه , لأن الحرارة الآن في ذروتها مع انتصاف الظهيرة ..
***

وفي الداخل .. وضعوا قماشة مبلولة على رأسه , بالوقت الذي كان فيه الصغير استفاق من نومه بعد ان خفّت أعراض تسمّمه ..
وبعد ان إطمئن عليهما العريف , تهالك فوق مقعد السائق وهو يقول في نفسه : 
((يارب ..عجّل بالفرج , فالأمور خرجت عن السيطرة.. ولم أعدّ استطيع تحمّل كل هذه المسؤولية لوحدي ... كم أتمنى ان تكون يا مروان بخير , وفي طريقك لإنقاذنا .. فجسمي يكاد ينهار من التعب !)) 
*** 

وبهذه اللحظات , وفي مكانٍ آخر من الصحراء ... نادى شاب بدوي على صديقه : 
- تعال الى هنا !! واحضر معك الماء فوراً  
وأتى صديقه ليجد مروان يحتضر , فقاموا بإشرابه الماء على مهل  

وفور استيقاظه حاول إخبارهم بشأن الكشّافة , لكن لسانه كان ثقيلاً من شدة الإعياء .. فقال له البدوي :
- لا تتعب نفسك في الحديث , ستُخبرنا كل شيء بعد ان نصل الى خيمنا ..
ثم حملاه فوق ناقتهما متوجهان الى خيم البدو
***

استيقظ مروان مساءً ليجد الطعام بجانبه , فانقض عليه يأكله بشراهة بعد أن هدّه الجوع .. 
وبعد انهائه للطعام , حمد ربه على بقائه حيّاً بعد هذه المغامرة المجنونة .. 
ثم دخل عليه الشاب البدوي وهو يقول : 
- الحمد الله على السلامة .. والآن إخبرني , ما اسمك ؟ ومالذي أحضرك وحدك الى  الصحراء ؟!
مروان : هل انت من الطوارق ؟
- نعم ..نحن من قبائل الأمازيغ والبربر , وهناك قسمٌ منا يسمّى الصحراوة... لكن هناك شعوباً أخرى تعيش الصحراء غيرنا مثل : التبو ، النوبيون ، الزغاوة ، الكانوري ، الهوساوة ، السونغاي ، والفلان او الفولاني.. فالصحراء الكبرى هي أكبر صحاري القارة الأفريقية وتمتدّ كثبانها في معظم شمال افريقيا .. المهم الآن .. إخبرني ماهي قصتك ؟

فأخبره مروان بما حصل لفريق الكشّافة , وطلب منه إخبار بقيّة البدو للإسراع بمساعدتهم .. 
فردّ عليه : سنفعل ذلك ان شاء الله مع تباشير الصباح 
مروان باستغراب : غداً ! ولما ليس الآن ؟!
- لأننا نحتاجك معنا لتدلّنا على طريق الحافلة , وجسمك مازال ضعيفاً .. لذا حاول ان ترتاح قليلاً .. وانا سأذهب لإخبار الجميع بتجهيز الطعام والشراب لرفقائك لأخذها معنا على ظهور أحصنتا ..فهيا عدّ للنوم , لأننا سننطلق لرحلتنا باكراً
***

اما الوضع في الحافلة فكان سيئاً بعد ازدياد البرودة عن الليلة السابقة ! .. فاضّطر العريف لإنزال الجميع الى خارج الحافلة وإشعال الحطب لتدفأتهم .. فجلسوا في حلقة حول النار مُستفيدين من القطران التي وضعوها سابقاً حول خيمهم , وهو يتغطّون بلحافاتهم الخفيفة التي بالكاد تدفئهم .. 
وصاروا يردّدون سويّاً بصوتٍ واحد : آمين !!! خلف أدعية العريف وهو يستغيث الله طالباً النجاة له ولأصدقائه من هذه المصيبة.. 
ومن ثم ناموا جنباً الى جنب محاولين الحصول على التدفئة قدر الإمكان 
*** 

في صباح .. استيقظ الأولاد على صوت صهيل الأحصنة الثلاثة للطوارق وصلوا اليهم برفقة مروان الذي ناداهم بفرح وبنبرة المنتصر :  
- هآقد عدّت بالمساعدة كما وعدتكم يا اصدقاء !!
فهجموا عليه يحتضنونه بفخر وامتنان ..وكان العريف أكثرهم فرحاً برؤيته سالماً , وقد هنّأه على شجاعته النادرة 
- أحسنت يا بطل , انا فخورٌ جداً بك .. ووالدك ايضاً سيفخر بك 
مروان بابتسامةٍ مُنكسرة : أتمنى ذلك يا أحمد 

وقد قام الطوارق بإشرابهم الماء وإعطائهم اللحم المقدّد الذي أكلوه بنهمّ ..في الوقت الذي أطلعهم فيه العريف على مكان الجثتين .. 
فقال له البدوي :
- يبدو ان موت استاذكم كان من فرط الإجهاد .. امّا موت الولد سعيد فمحزنٌ حقاً , لأن لدغة العقارب بالعادة غير مميتة ويمكن علاجها بوضع نوع من الأعشاب على الجرح , لكن يبدو اننا تأخّرنا عليه 
فقال البدوي الآخر لصاحبه :
- ولا تنسى عامل الخوف الذي ساعد في إسراع نبضات قلب الولد 
العريف بدهشة وحزن : أتقصد ان خوف سعيد من لدغة العقرب كان المُتسبّب في موته , وليس السمّ بحدّ ذاته ؟!
فأجابه البدوي الثالث : 
- نعم , لأنه لم يقاوم بل استسلم لقدره .. رحم الله الفقيدين .. المهم الآن .. بعد ان اطمأنيت عليكم , سأذهب فوراً الى قسم الشرطة للقدوم اليكم .. فعددكم أكبر من أن نحملكم على أحصنتنا .. وانتم ..(موجهاً كلامه الى صديقيه البدو).. ابقوا معهم الى حين عودتي بالمساعدة
***

وبعد ذهابه .. تجمّعوا الأولاد حول البدوين اللذان أخبروهما بالكثير من قصص البدو الغريبة التي حصلت في الصحراء , وهم بدورهم استمعوا اليهما باهتمامٍ وذهول ! ولم يشعروا بمرور ثلاث ساعات كانت كافية لوصول الشرطة اليهم مع حافلة جديدة لإعادة الأولاد فيها الى منازلهم .. 
حيث استقبلهم الأهالي بالبكاء والأحضان بعد معرفتهم بما واجهه اولادهم في اليومين الصعبين بعد موت استاذهم ! 
لكن أشدهم حزناً كانت عائلة المعلم والطفل سعيد اللذان طالبا الشرطة بإعادة جثتهما لدفنها بشكلٍ لائق في عزاءٍ كبير أُقيم بعد أيام , حضره جميع الأولاد الكشّافة لتوديعهما من جديد 
***

وبعد العزاء ..إقترب العريف من والد الصبي سعيد حزيناً : 
- والله حاولت المستحيل لإنقاذ ابنك , لكنه ..
الأب مقاطعاً وهو يربت على كتفه : لا تشعر بالذنب يا بنيّ , فأنت قمت بعملٍ جبّار وبطولي لإنقاذ 29 طالباً .. 
فقال العريف أحمد وهو ينظر الى مروان الذي اقترب ايضاً لتقديم العزاء لوالد سعيد : 
العريف : والله ما كنّا لننجوا لولا البطل مروان .. 
فسلّم ابو سعيد على مروان بفخر : وانت ايضاً أحسنت , ايها المغامر الشجّاع
مروان وهو يشعر بالذنب : مع اني كنت أتمنى أن أنقذ ابنك , فهو كان محبوباً من الجميع
والد سعيد : لا عليكما فهذا قدره .. وسأظلّ فخوراً به وبكما 

وهنا اقترب ابو مروان منهم بعد ان سمع الحوار ووضع يده فوق رأس ابنه , قائلاً لوالد سعيد : 
- وانا ايضاً فخوراً بإبني البطل
فاندهش مروان لأنها المرة الأولى التي يمدحه فيها والده منذ مدةٍ طويلة ! بينما اكتفى العريف بالإبتسامة لصديقه وهو فرحٌ لانتهاء التوتّر بين الأب وابنه الذي دام لسنوات بعد وفاة زوجته ..  
***

مع بداية السنة الدراسية الجديدة .. تفاجأ الطلاب 29 بحفلٍ مدرسيّ ضخم تكريماً لبطولاتهم ..حيث حصل العريف أحمد على الدرع التكريمي لتحمّله كامل المسؤولية , كما لقراراته السديدة في تلك الرحلة التي ساهمت بإنقاذ حياتهم ..
كما أعطوا مروان شارة الشجاعة , لأنه خاطر بحياته لإنقاذ اصدقائه.. 

اما الطباخ خالد فقد ازدادت شعبيته بين الطلاب , خاصة بعد ان فاجأهم بعودته الى المدرسة وقد نقص كثيراً من وزنه بعد إتخاذه قرار الإنضمام لنادي رياضي في شهرين العطلة الماضية

اما بقيّة أعضاء الكشّافة فقد ازدادوا نضوجاً وتحمّلاً للمسؤولية بعد تلك التجربة , وقد لاحظ ذلك عائلاتهم ومعلميهم الذين كانوا فخورين بهم 
***

بعد انتهاء حفلة استلام شهادات التقدير .. اقترب الولد السارق من العريف وهو مازال يشعر بالذنب :
- كلكم ابطال ما عدايّ ! لكنني والله أخذت مال الأستاذ رحمه الله لأعطيه لأمي , لكنني نسيت انه من حقّ عائلته .. انا اعتذر عن تصرّفي وأعدك انني لن أسرق ثانيةً .. وأشكرك من جديد لأنك لم تفضحني امام اصدقائي
العريف مبتسماً : جميعنا تعلّمنا دروساً مهمّة في الحياة بعد تلك الحادثة .. المهم عندي ان تخاف الله في أفعالك , وليس فقط من كلام الناس
فأومأ الولد برأسه موافقاً..
*** 

ولاحقاً لقّبت الصحافة هؤلاء الأولاد الشجعان (بعد ان ذاع صيتهم في البلاد) : بكشّافة الصحراء , ليصبحوا قدوة للطلاب في جميع مدارس المغرب .
******

ملاحظة :
اولاً أشكر الأستاذ (حسين هاشم زاده) الذي أوحى لي بالفكرة .. 

وانا بدوري حاولت الإستفادة من قصة حقيقية رأيتها سابقاً في قناة ديسكفري حصلت لعائلة أجنبية : 
((حين رفض الأب الإنجليزي دفع المال لسائقٍ مغربي مُتخصّص بالأماكن السياحية , وفضّل استئجار سيارة بنفسه .. 
ليظنّ لاحقاً بأن باستطاعته اختصار الوقت باجتياز الصحراء , دون ان يُدرك بأنها من أكبر صحاري العالم ! 
وبعد ان غرزت سيارته هناك .. ودّع زوجته وولديه الصغار على أمل ان يجد قبيلة بدو تساعده .. 
ومشى ليومين كاملين , الى ان وجد بئراً جافاً ..فانهار باكياً , ليسمع بكائه بدوي كان يمرّ من هناك بالصدفة ..
وبعد إنقاذه , دلّه على مكان سيارة عائلته ..ليتفاجأ بأنها مدفونة بالكامل بالرمال , بعد ان ضربت زوبعة رملية المكان.. 
وحين فتحا باب السيارة بصعوبة , وجد عائلته جميعهم ميتون ! 
فأعاده البدوي الى الطريق العام , ومن هناك عاد الى الفندق وهو يلعن نفسه على  بخله الذي كلّفه حياة عائلته)) 

فهي قصة مستوحاة من أحداث حقيقية , أتمنى ان تعجبكم

الحنان الأمومي

تأليف : امل شانوحة الإبن العاقّ في ظهر ذلك اليوم , واثناء إنشغالها في المطبخ .. دخل عليها ابنها الشاب بلباسه القوطيّ , بعد ان كانت ...