‏إظهار الرسائل ذات التسميات خيال علمي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خيال علمي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 13 سبتمبر 2026

وحش المحيط

تأليف : امل شانوحة 

العلماء الفضوليين


حاول العالِم البحري جاهداً التواصل مع زملائه المتواجدين على السفينة ، بعد انزاله مع رفيقه داخل كرةٍ حديديّةٍ مجوّفة الى اعماق المحيط الهادئ .. والتي انفصلت ، عقب انقطاع الحبل الذي يربطها بالسفينة .. ليسقطا عشرات الأمتار ، قبل أن تستقرّ غوّاصتهما عند حافّة واديٍ سحيق.


وبعد فشله الإتصال بهم .. اطفأ العالم الآخر الأجهزة الإلكترونية ، في محاولة لتهدئة زميله الذي انتابه نوبة ذعرٍ شديدة..

- سنموت من قلّة الأكسجين !!

- اهدأ قليلاً ، فالهواء يكفينا يومين آخرين 

- وهذا اسوء !! لأننا سنحتضر ببطء في هذا الظلام الدامس.. رجاءً أضيء نورنا الخارجي من جديد

- أُفضّل التقليل من استهلاكنا البطارية ، لحين إيجاد زملائنا طريقة لإخراجنا من هنا

- وكيف ؟! فهم لا يملكون حبلاً يصل الى هذه الأعماق

- يمكنهم العودة للشاطئ ، وأحضار حبلٍ اطول.. فمن حسن حظنا ان غوّاصتنا لم تكمل غرقها في الوادي السحيق .. وإلا لوصلنا لأعمق نقطة في المحيط ، عندها سيسحقنا الضغط حتماً.. والآن حاول ان تهدأ .. ودعنا نستمتع بمراقبة الأسماك الغريبة بالخارج

- وكيف سنراها دون المصابيح الخارجية ؟ 

- ضوءنا سيخيفها.. دعها تقترب منا ، ونحن نصوّرها بالكاميرات الحسّاسة للظلام.. فنحن سنبقى هنا لبعض الوقت ، قبل ان يتمكّن زملائنا من اخراجنا من هذه الورطة

- ليتني كنت متفائلاً مثلك


وسرعان ما انشغل العالمان بتصوير الأنواع النادرة للأسماك ، لدرجة انهما نسيا أنهما عالقين في قاع المحيط.


لكن شيئاً ما حصل ، ارعب كيانهما ! بعد رؤيتهما لمخلوقٍ ضخم يصعد ببطء من قاع الوادي ! حيث ظلّ الكائن يقترب من غواصتهما ، الى ان وقف مباشرةً امام نافذتهما الزجاجية ! 


العالم الأول بقلق : ما هذا الشيء امامنا ؟! هل هو حبّارٌ ضخم ؟!

العالم الثاني بفزع : هل يعقل ان غوّاصتنا بحجم عينه فقط ؟! أضيء الأنوار فوراً!! 

- لا ، اخاف ان نرى مخلوقاً ارعب بكثير


وفي اللحظة التي ركّز فيها المخلوق عينيه عليهما ، شعر العالمان بدوارٍ مفاجئ.. قبل ان ينطفئ كل شيء داخل غواصتهما التي تحوّلت لكرةٍ مظلمة !

 ^^^


على متن السفينة ، كان الطبيب يراقب جهازاً متصلاً بخوذتي العالمين ، لقياس نشاطهما العصبي ، ثم ارسال البيانات إلى السفينة.

وإذّ به ينادي بقية العلماء بفزع :

- لقد توقفت الإشارتان في اللحظة نفسها !!

فسأله عالمٌ آخر باستغراب :

- أتقصد انهما ماتا معاً ؟!

الطبيب : لا ادري ، لكن اتصالي انقطع معهما تماماً !

- وماذا نفعل الآن ؟ هل نطلب من المروحية العودة لشاطئ.. فالحبل الطويل الذي يحضرونه ، لا فائدة منه بعد فشل تجربتنا

عالمٌ آخر : لا طبعاً !! حتى لوّ ماتا ، علينا إعادتهما.. على الأقل نراجع كاميراتهما ، فربما تحتوي على اكتشافاتٍ علمية لم يرها إنسان من قبل..وبذلك لا يذهب موتهما سدى 


وبالفعل وصلت المروحية الى السفينة ومعها الحبل الطويل في نهايته مغناطيس ضخم ، صُممّ لسحب الكرة الحديدية.

وبعد جهدٍ طويل ، نجح الفريق في انتشالها من اعماق المحيط

ليجدا العالمين مازالا يتنفسان ، لكنهما بغيبوبةٍ مؤقتة ..ربما من ضغط المحيط او من هول ما رأياه !

***


في مستشفى تابع للمختبر العلمي في العاصمة ، بقيّ العالمان فاقدَي الوعي لعدة ايام 


وقبل نهاية الإسبوع الأول .. استيقظ احدهما وهو لا يصدّق خروجه سالماً من جحيم البحر ! ومع ذلك يبدو عدم استقراره عقلياً ، بعد إخبار زملائه عن العين العملاقة التي سيطرت على عقليهما.


ثم وصف خروجهما طواعية من الغواصة ، دون اقنعة اوكسجين ! حيث قيّدهما المخلوق بإحدى اذرعته الكثيرة اثناء سحبهما للأسفل ، لأعمق نقطة في المحيط.. الى ان وصلا أخيراً إلى أرضيةٍ رمليةٍ مظلمة.


وهناك اضيئت عيناه لأول مرة ، ليشاهدا حجم المخلوق المرعب .. الأشبه بحبّارٍ عملاق يصل طوله لمبنى من عشرة طوابق ، ربما يعود لزمن الديناصورات ! 

والذي اوصلهما الى قصرٍ اسود موجود داخل كهفٍ عميق ..


ثم اطلق سراحهما ، قبل سباحته بعيداً عنهما.. فلم يكن امامها سوى اكمال السباحة عبر ممرٍ طويل تحيط به شعلات الضوء الزرقاء التي تصدر من عيون مخلوقاتٍ غريبة تسبح على جانبيه : أجسادها بشريّة من الأعلى ، لكن أجزاءها السفلية مغطّاة بزعانف غريبة.. لم يكونوا حوريات البحر ، بل اشبه بجن المحيط ! 

وظلّ العالمان يسبحان الى ان وصلا لصالة القصر .. في آخره عرشٌ ذهبيّ ضخم ، يجلس عليه كيانٌ شيطانيٌ مرعب 


فسأله عالمٌ آخر بذهول : أتقصد ابليس ؟!

ليردّ المريض : نعم !! وكان غاضباً من فضول البشر الذي اوصلنا اليه.. فحسب كلامه : انه ترك نعيم الدنيا لذريّة آدم.. واختار اسوء واصعب مكان للعيش مع ابنائه .. ومع ذلك تبعناه الى هناك !

- وماذا حصل بعدها ؟

- عرض علينا أن نكون من جنوده ، مقابل ثروةٍ ماليةٍ ضخمة.

- وهل قبلتما ؟

المريض : انا لم اتردّد برفض عرضه ، خوفاً من عصيان ربي.. لكن زميلي وافق على الفور ! وبعدها استيقظت بالمشفى.. مع اني ظننت انه سيقتلني ، بسبب تعابير وجهه الغاضبة حين سمع جوابي !

^^^


وبعد هذا الحوار ، استأذنهم المريض للعودة للنوم مجدداً من شدة ارهاقه .. فتوجه بقية العلماء الى مكتب المشفى

- هل تصدقون ما قاله ؟

- لا ، هو يهذي حتماً

- وماذا لوّ كان يقول الحقيقة ؟

- مستحيل !! لا احد يعرف مكان ابليس

- نحن نعلم انه يسكن البحار.. فلما لا يكون اختار اعمق نقطة بالمحيط الهادي ؟


فسكتوا قليلاً ، قبل ان يستنكر احدهم :

- لوّ كان كلامه صحيحاً ، لما تركه ابليس حياً بعد عصيان اوامره


ولم يكمل جملته ، حتى دخلت الممرضة وهي تصرخ فزعة :

- تعالوا بسرعة ، وانظروا ما حصل لزميلكم !!

^^^


فركضوا خلفها ، عائدين الى غرفة المريض الأول.. ليجدوا دمائه واشلائه ملطّخة على جدران الغرفه ، كأنه انفجر لأجزاء صغيرة ! 

وهناك عبارة مكتوبة بدمائه على الجدار :

((هذا جزاء من يخالف اوامري))

فنظروا لبعضهم برعب :

- يا الهي ! لقد قابل ابليس بالفعل 

^^^


ثم توجهوا مسرعين ، لرؤية ان كان زميله توفيّ ام لا.. ليجداه متربّعاً فوق سريره باستعلاء ، وعيونه تلمع بحديةٍ مخيفة 

فقال احد العلماء :

- اخيراً استيقظت !! خفنا عليك يا رجل

فظهر صوت المريض ، مخالفاً عن صوته الأصلي :

- انا ابليس المعظّم !! فبعد شعوري بالمللّ من عيشي بظلمة المحيط الخانقة ، قرّرت تجسّد هذا العالم .. وبذلك أتابع خططي بينكم.. فهل ستطيعون اوامري ؟ ام تفضّلون ان أصبغ ارضيّة المشفى بدمائكم ، كما حصل لزميلكم المتديّن؟!

فردّوا جميعاً بخوف : لا سيدي ، نحن طوع امرك !!

ابليس بابتسامةٍ مريبة : ممتاز !! اذاً لنبدأ بالأمر الأول ضمن سلّسلة طويلة من القرارات المصيرية ، التي ستجعلني أحققّ حلم حياتي بتدمير البشريّة جمعاء !!


ثم اطلق ضحكةً مجلّجلة امام العلماء الذين ارتجفوا خوفاً بعد ان تسبّب فضولهم بإخراج ارعب مخلوق من مخبئة ، لتدمير العالم كلّه! 


الأحد، 6 سبتمبر 2026

عصر الصواعق

تأليف : امل شانوحة 

الموت المفاجئ


في المستقبل القريب .. وفي ليلةٍ باردة ، تردّد هزيم الرعد فوق المدن المهجورة بعد تفضيل الناس السكن بالخنادق والكهوف ، هرباً من الصواعق المميتة  


وفي احدى المنازل المحفورة بالجبال ، علت صرخات امرأة على وشك ولادة .. فجازف زوجها بالخروج ليلة العاصفة ، لمناداة القابلة 

فنصحته زوجته بلبس الزيّ الخشبي ، حتى لا يتعرّض للصعق .. فأجابها على عجل:

- هو غير مريح ، ويصعب التحرّك فيه .. (ثم امسك يدها).. حبيبتي ، لا تقلقي بشأني ، سأنتبه جيداً.. فكما يقال : لا يضرب البرق المكان نفسه مرتين .. الآن عليّ الركض بسرعة ، لإحضار القابلة  

ورغم قلقها عليه ، الا انه سارع الخروج من المنزل 

^^^


وبعد ساعة .. دخلت العجوز بثيابها المُبلّلة ، وهي تحمل حقيبة التوليد.. 

فسألتها الحامل بخوف عن زوجها ؟ 

فأجابت القابلة وهي تُعقّم يديها قبل الولادة :

- لا ادري اين ذهب .. اعطاني عنوانك ، قبل ذهابه لشراء الحاجيات الأساسية للطفل .. حتى انه رفض الإنتظار ، لحين انتهاء العاصفة !

^^^


وبعد توليدها ، ونوم الأم من شدة تعبها .. قالت القابلة للطفل بشفقة : 

- يا مسكين ، بأيّ عصرٍ ولدت ؟! ستعيش طفولتك مختبئاً مع أهلك ، خلف الأبواب الموصدة.. لن تعرف اللعب في الحقول تحت نور الشمس .. ولا الركض تحت المطر ، كما عرفناه نحن.. أتمنى أن تنتهي هذه المحنة عندما تصبح يافعاً 


ثم تركته نائماً بحضن والدته .. وخرجت من منزل الكهف ، بعد هدوء العاصفة اخيراً 

***


مرّت سنوات ، الى ان بلغ الطفل عامه 13 .. حينها فقط سمحت له امه برؤية ما يوجد خلف باب منزلهما الذي بقيّ مقفلاً طوال طفولته ، وهي تقول بارتياح :

- اخيراً اعلن مسؤولوا الأرصاد الجوية عن نهاية عصر الصواعق

ابنها : أتقصدين صوت الرعد الذي كان يرعبني بطفولتي ؟

- الخوف لم يكن من الرعد ، يا بنيّ .. بل البرق الذي لم تره يوماً ، لأن منزلنا (المحفور داخل كهف) خالي من النوافذ .. والآن لنخرج معاً ، لرؤية الشمس التي اشتقت اليها كثيراً .. لكن الأفضل لبس نظّاراتنا السوداء ، فأعيننا لم ترى النور الساطع منذ أعوام .. وهذا ما حذّرت منه الحكومة بصحيفة البارحة

^^^


وبعد جلوسهما بجانب الشجرة الكبيرة ، مستمتعان بالهواء العليل ..

سألها ابنها بقهر :

- هل صحيح ان ابي مات يوم ولادتي ؟

امه بحزن : للأسف ، لم يعد للمنزل بعد الليلة العاصفة .. ولم نعلم اين جثته التي من المُرجّح تفحّمها بالبرق ! فالصواعق بذلك الزمان ، احرقت العديد من البشر كل يوم .. حتى أصبح الموت بالصواعق أمراً مألوفاً ، لدرجة ان الصحف اليومية خصّصت صفحتها الأولى لعدد ضحايا البرق ..أما الذين نجوا من الصاعقة التي تركت علامات وحروقاً مميزة على اجسادهم .. فقد تباهوا بها ، معتبرين أنفسهم أصحاب قوةٍ خارقة !


ابنها : رجاءً اخبريني المزيد عن احداث الدول التي حصلت بطفولتي ؟

الأم : لا ادري يا بنيّ .. فقد انعزلنا عن العالم بعد تعطّل التلفاز والإنترنت والكهرباء بشكلٍ عام ، عقب تقطّع معظم الأسلاك الكهربائية بفعل البرق المتواصل .. مع رفض العمّال تصليحها ، لاعتبارها مُهمةً انتحارية .. لكن احداث منطقتتنا عرفناها من صحفنا المحلّية الورقية ، بعد عودة المطابع القديمة للعمل من جديد

- اذاً اذكري يا امي باختصار ، ما حصل بزمن الصواعق ؟

الأم : المقابر على سبيل المثال.. اصبحت خالية من الزوّار ، بعدما حطّمت الصواعق معظم شواهد القبور.. ومن أصرّ على زيارة قريبه أو حبيبه المدفون حديثاً .. عادةً ما انتهى مصيره ، مدفوناً بجواره.. خاصة في فصل الشتاء الذي صار يمتدّ معظم شهور السنة.


ابنها : ما تقولونيه يا امي مرعبٌ حقاً ! الم يكتشف العلماء سبب تلك الصواعق ؟ 

- كلام مسؤولي الأرصاد جاء متناقضاً .. بعضهم رشّح ان تكون سبب الكارثة : هي قنبلة مغناطيسية ألقيت قبل عقود .. والبعض الآخر : رجّح فكرة اتساع ثقب طبقة الأوزون ، أو انفجارٌ شمسيّ هائل .. أو ربما كان أثراً للحرب النووية الثالثة التي حصلت في مراهقتي .. او مشروعٌ عسكريّ ، نفّذته الجمعية السرّية لتقليل عدد البشر.. او علامة على قرب نهاية العالم

- لم افهم يا امي ، معظم ما قلته ! 

- لا الومك ، فقد حُرمت من المدارس التي ستفتح ابوابها قريباً .. وسيكون هناك صفوف مخصّصة لجيلك الذي لم يتلقى العلوم بطفولته


ابنها : المهم يا امي ، إكملي وصف ذلك الزمن .. ولما كنا نعيش في الكهف ؟

- لأن الناس تركت بيوتها وناطحات السحاب .. وسكنوا الكهوف والخنادق ، بعد أن التهمت الحرائق آلاف المنازل..كما اختفت رياضة تسلّق الجبال.. وهجر الناس المناطق المُمطرة .. ونزحوا نحو الصحاري الجافة ، حيث تقل فرص العواصف..أما الكمأ الذي كان يوماً من أغلى الأطعمة ، فقد صار رخيصاً كالبطاطا ، لكثرته بعد الزيادة المهولة في عدد الصواعق.

الإبن : وهل أثّرت الصواعق على الصحة العامة ؟

الأم : بالطبع !! وزادت حالات العمى والصرع.. وكثرت أمراض الأعصاب ، لتأثير الشحنات الكهربائية على أجساد الناس وأدمغتهم .. كما انتشر الصممّ وطنين الأذن.. بعدما أصبح هزيم الرعد أعنف ، مما عرفته البشريّة عبر التاريخ ! وبدل ان تُعيد تلك الكارثة البيئية الناس الى ربها ، ظهرت ديانة جديدة لعبادة البرق .. حيث آمن أتباعها بأن الصواعق هي غضبٌ إلهيّ ، تسبّب فيه ظلم البشر وكثرة جرائمهم! 


ابنها : وماذا عن مظاهر الحياة بشكلٍ عام بذلك الزمن ؟

الأم : اذكر انه اختفى المشرّدون والمتسوّلون والحيوانات الضالة من الشوارع ، بعدما أصبحت الحياة في العراء شبه مستحيلة.. أما الطيور والمواشي : فصار أصحابها يربّونها داخل زرائب مغلقة ، بعيداً عن المراعي المفتوحة.. وتحوّلت الزراعة إلى مشاتل صناعية داخل أبنية مُحصّنة ، أفقدت الخضراوات والفواكه كثيراً من جودتها ونكهتها الطبيعية.

ابنها : حينها فرضت الحكومة علينا لبس النظّارات السوداء السميكة ، اليس كذلك؟ 

- نعم ، صارت إلزامية.. تماماً كما كانت الكمّامات في زمن الأوبئة .. وكان من يخرج دونها ، يدفع غرامة كبيرة.. لأن الجوّ يتبدّل فجأة من سماءٍ صافية إلى عاصفةٍ هوجاء خلال دقائق معدودة !


ابنها : وهل تضرّر الجانب المائي من الكرة الأرضية بالصواعق ؟

الأم : اكيد !! وتجنّب الناس البِرك والبحيرات الراكدة ، خوفاً من احتفاظها بشحناتٍ كهربائية من صواعقٍ سابقة .. كما ان ضرب البرق المتكرّر للبحار والأنهار ، جعلت ملايين الأسماك الميتة تطفو على سطح المياه .. لتتوقف معها الملاحة البحرية ، ونقل البضائع عبر السفن.

ابنها : كنت رأيت ملابس خشبية في خزانة والدي المرحوم ، فهل كانت نافعة ؟

الأم : هي صمّمت لمواجهة الخطر ، مثل دروع فرسان العصور الوسطى..لكنها ثقيلة وغير مريحة ، وتُبطئ الحركة .. ولهذا رفض والدك لبسها ، قبل ذهابه لمناداة القابلة لتوليدك 

ابنها بقهر : يعني جازف بحياته لإنقاذي.. رحمه الله .. أتدرين يا امي ؟ ذلك العصر أشبه بالأسطورة الخرافية ! وأشكرك على منع خروجي من المنزل ، لحين انتهاء الكارثة البيئية 


ثم اشار للحديقة العامة التي امتلأت بالأطفال الذين يلعبون بسعادة : 

- وهاهي الحياة عادت طبيعية .. وقريباً ستفتح المدارس ويعود الموظفون لأعمالهم ، لبناء مجتمعنا من جديد

الأم : الحمد الله على كل شيء ، ورحم الله موتى العصر الصاعق


وهنا أحسّا بقطرات الماء تبللّ شعرهما..

فشعرت الأم برجفة ابنها وهو ينظر للسماء بفزع ! فأمسكت يده :

- لا تقلق بنيّ .. فقد عاد المطر نعمة ، ولم يعد بلاءً مميتاً .. هذا ما أكّده التقرير الأخير للأرصاد الجوية 


وظلّاً يراقبان الأولاد وهم يلعبون تحت المطر الذي كان مُنعشاً في نهاية عصر الصواعق المرعب الذي قتل ملايين البشر حول العالم !

******


ملاحظة :

روى الإمام أحمد في مسنده عن الصحابي أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة، حتى يأتي الرجل القوم، فيقول: من صعق قبلكم الغداة ؟ فيقولون: صعق فلان وفلان».

 

ومن هذا الحديث ، استوحيت هذه القصة.. 

اتمنى ان تعجبكم 


السبت، 29 أغسطس 2026

الندبة الرابعة

تأليف : امل شانوحة 

ضحيّة الشبه


في ذلك العصر .. ألصق جاك المشلول ثلاث قطعٍ حديدية فوق ندوب ظهره ، قبل دخوله الى جهاز السفر عبر الزمن الذي اخترعه في قبو منزله.. وهو ينوي العودة للماضي : الى حادثة طعنه من قاتلٍ محترف في سوقٍ مزدحم ، التي جعلته مقعداً لآخر عمره.. 

والمحزن في الموضوع ، انه اصيب بعد ان اخطأ القاتل بضحيّته الذي يشبهه كثيراً .. وطعنه بالسكين ثلاث مرات في ظهره ، بدل شخصٍ آخر يسمى اريك ، المدين لعصابة القمار التي استأجرت الرجل المحترف لقتله! 

وكان اريك متواجداً ايضاً بالسوق لحظة الحادثة.. لكنه فرّ هارباً ، قبل انتباه القاتل على غلطته التي تسبّبت بإعاقة جاك (الخبير التكنولوجي) الذي اراد العودة للماضي ، بعد حماية ظهره بقطع الفولاذ الصلب .. ربما بذلك يتجنب الإعاقة التي دمّرت حياته


لكن برجوع جاك للماضي .. أغضب القاتل بعد انكسار سكينته التي لم تخترق ظهر جاك ، مما جعله يُخرج مسدسه .. ويقتل جاك برأسه ، قبل إفهامه بأنه ليس الشخص المراد قتله (اريك) !


فعاد جاك للحاضر محبطاً ، وهو ينوي اعادة التجربة من جديد.. وهذه المرة ، قرّر الإبتعاد عن السوق قبل وصول القاتل المأجور.. 


وعندما ظهر جاك بسيارة الأجرة.. طلب من السائق اخذه لمكانٍ آخر ، فور توقفهما بجانب بوّابة السوق.. 

فرد السائق ممتعضاً :

- إنزل لوّ سمحت.. فلديّ راكبٌ آخر ينتظرني بمكانٍ آخر 


ورغم عرض جاك اجرةً مضاعفة لإعادته الى منزله ..الا ان السائق أصرّ على نزوله ! فقرّر جاك ايقاف سيارة اجرة ثانية .. وقبل وصولها ، انصدم برؤية القاتل يُشهر سكينه ويركض باتجاهه ! 


فلم يكن امامه سوى دخول السوق ، وهو يصرخ بعلوّ صوته :

- توقف !! لست الشخص المطلوب

لكن القاتل تمكّن من الوصول اليه ، وغرز السكين بظهره


فعاد جاك الى قبو منزله ، بعد فشل تجربته العلمية للمرة الثانية .. وأعاد تشغيل الجهاز بعد قراره بمواجهة القاتل بهويّته.. 


لكن القاتل رمى بطاقته على الأرض ، وهو يقول :

- مزوّرة طبعاً ..فأنت تشبه صورة الشخص المطلوب قتله

جاك بخوف : نعم اشبهه ، لكني لست هو .. أحلف لك !!

الا ان القاتل عاجله بطعنةٍ قوية ، في قلبه هذه المرة


فأعاد جاك التجربة من جديد ، لكن هذه المرة سبق القاتل الى داخل السوق.. بغرض الإمساك بنفسه بالشخص المطلوب.. وفور رؤيته لإريك بجانب قسم الخضار ، حتى سارع بإمساكه.. وهو يمنع تحرّكه ، لحين وصول القاتل الذي نجح هذه المرة بقتل الشخص المطلوب


وفور توقف جهاز سفر عبر الزمن عن الدوران داخل قبو منزل جاك ، اخذ نفساً عميقاً وهو يشدّ بكل قوته على مقبضيّ كرسيه المتحرّك.. لينصدم بقدرته على تحريك قدميه بعد عشر سنوات على اعاقته !

فهللّ فرحاً لنجاح تجربته اخيراً..


لكنه مع هذا شعر بغصّة في قلبه ، لمساهمته بمقتل اريك المسكين ! 

وجريمته الغير مُتعمّدة جعلته يسهر الليل كلّه ، وهو يجري بحثاً مطوّلاً عن القتيل بالحاسوب ، بقسم ارشيف الأخبار المحلّية : 

ليكتشف انه رجلٌ فقير ، لعب القمار لأول مرة في حياته .. على امل فوزه ببعض المال ، لإجراء عملية قلبٍ مفتوح لإبنه الصغير.. لكن اصراره على الفوز ، جعله مديوناً بآلاف الدولارات لعصابة القمار .. فهرب منهم لشهورٍ طويلة ، قبل ارسالهم قاتلاً مأجوراً لقتله بالسوق ، بغرض جعله عبرة للجميع


وهنا ادرك بمساهمته بجريمة قتل رجلٍ مسكين !

- يا الهي ! ماذا فعلت ؟! كان بإمكاني الإتفاق مع اريك على الإنقضاض على القاتل المأجور وضربه ، ثم الهرب معاً من السوق .. وبذلك نفلت كلانا من قبضة العصابة .. عليّ العودة للماضي فوراً!!


لكنه تفاجأ بماكينة السفر عبر الزمن ترفض طلبه ، بحجّة انهائه المهمّة .. وعندما أصرّ على تغير برمجتها .. تصاعد الدخان من الجهاز الذي تعطّل تماماً .. 

وهنا تأكّد بأنه لا يمكنه اعادة اريك للحياة .. ولم يعد امامه سوى تعويض عائلته الفقيرة ، خصوصاً انه ميسور الحال

***


باليوم التالي .. تفاجأت ارملة اريك بصندوقٍ فيه لوزام الطعام امام منزلها ! وورقة مكتوباً عليها :

((اعرف بموت زوجك مطعوناً قبل عشر سنوات.. وأعدك بالإهتمام بأولادك لآخر عمري.. إعتبريها مساعدة من شخصٍ مدين لزوجك بشيءٍ لن يستطيع سداده مهما عاش)) 


ورغم غموض الرسالة وعدم معرفتها بشخصية المتبرّع ، الا انها حمدت ربها على هذه الإعانة الغير متوقعة ، لسوء احوالها المادية


اما جاك الذي استعاد صحته ، فقد قرّر إعانة عائلة اريك الذي ساهم بقتله .. كطريقته لتخفيف تأنيب ضميره الذي سيلازمه لآخر عمره !


الثلاثاء، 25 أغسطس 2026

لغز اختفاء المليونير

تأليف : امل شانوحة 

المغامر الجريء


ورث جاك ثروةً طائلة عن والده .. وبدل صرف ماله بالطرق التي يستخدمها معظم الأثرياء ، قرّر ان ينفقها بحل الغازٍ تهم البشريّة !

 

وكانت وجهته الأولى الى جزيرة نورث سنتينل التي يعيش سكّانها الأصليون منعزلين عن العالم الخارجي ، ويقاتلون كل غريب يحاول الإقتراب من جزيرتهم 


لكن لجاك رأيٌّ آخر .. حيث استأجر قارباً أبقاه على مسافةٍ آمنة بعيداً عن شاطئهم ، لا تصل اليه أسهمهم .. 

ووضع فوق قاربه شاشةً ضخمة ، عرض عليها إعلاناً متكرّراً لأحد انواع الشوكولا.. مما اثار اهتمام اطفال القبيلة الذين شاهدوا الإعلان باهتمام .. 

وبعدها ارسل جاك قارباً صغيراً يتحكّم به عن بعد ، مُحمّلاً بنفس نوع الشوكولا.. جعلت الأطفال يفتحون الصناديق بحذر .. وما ان تذوّقوا اول لقمة ، حتى سارعوا بحمل الواح الشوكولا الى اهاليهم   


كرّر جاك الموضوع اكثر من مرة ، حتى تعوّدت القبيلة على مذاق الشوكولا الحلو .. بعدها انقطع عنهم لفترة .. قبل ظهور جاك بقاربه المُحمّل بصناديق الشوكولا ، وهو يجذف ببطء نحو شاطئهم الذي امتلأ بأفراد القبيلة .. 

لكن هذه المرة لم يوجهوا اسلحتهم عليه ، بل استقبلوه بالإبتسامات والتهليلات المرحّبة.. بينما صغارهم يقفزون حماساً ، بانتظار وصوله اليهم!

وحينما وصل ، سارع بتوزيع الشوكولا عليهم .. قبل ان يحظى بيومٍ كاملٍ معهم ، وهم يحتفلون به على طريقتهم .. كل هذا تم تصويره من خلال كاميرا صغيرة مثبّتة بقبعة جاك .. 


وفي الصباح التالي ، ودّعوه جميعاً وهو متوجه بقاربه الى السفينة الكبيرة التي تنتظره بعرض البحر .. وبذلك اثبت للعالم ان احترامه لحدود القبيلة ، هو ما جعلهم ودودوين معه.. وبذلك حلّ اللغز الأول بسلام

*** 


بعد ذلك توجه إلى تركمانستان ، تحديداً بوّابة الجحيم : الحفرة الغازية المشتعلة منذ سنواتٍ طويلة.

كانت خطته بسيطة ، وهي تطبيق اجراءات السلامة المستخدمة عند احتراق طنجرة الزيت في المطبخ .. 

قائلاً للمسؤول هناك :

- اذا غطينا قدراً مشتعلاً بقماشةٍ مبلولة ، نقطع عنها الأكسجين ، فينطفئ اللهب.. لما لا نقوم بالشيء ذاته مع الفوهة ، على ان نختار قماشاً مضاداً للحريق ؟ 

فوافق المسؤول بعد ان وعده جاك بالتكفّل بمصاريف التجربة كاملةً 


وبالفعل ، نجح الغطاء المبلول بإخماد الحريق ، بعد تصاعد الدخان من جوانب الفوهة .. مما سمح لدولتهم الإستفادة من الغاز الطبيعي اخيراً ، كمصدر للطاقة.

***


ثم انتقل جاك الى جبال الهيمالايا التي تحوي جثث متسلقيها الذين لقوا حتفهم قبل سنوات .. وتم تركهم هناك ، لأن انتشالهم عمليةً بالغة الخطورة مع تكلفة مادية ضخمة

 

ففكّر بحلّ المشكلة بطريقةٍ سهلة : وهو إنشاء مسارات إنزلاقية آمنة من البلاستيك ، تشبه زحاليق ملاعب الصغار .. لمساعدة فرق الإنقاذ على إنزال الجثامين للإسفل .. وهو سيتكفّل بمصاريف المهمّة ، بالإضافة لدفع اجرة متسلقين محترفين وفرق إنقاذ مدرّبة..

وقد ساعد فصل الصيف بإنجاح العملية ، وإنزال اكثرية الجثامين بعد اسابيع من وصول المتسلقين المحترفين للقمة .. بينما تعسّر الوصول لبعض الجثث المُنحشرة بين شقوق الجبل الشاهق 


وبنهاية المهمة .. اقترح جاك إقامة جنازة جماعية رمزية ، تُبث عبر التلفاز.. تكريماً للأبطال الذين دفنوا بشكلٍ لائق ، وسط دموع اهاليهم الذين انتظروا هذه اللحظة منذ سنواتٍ طويلة 

***


في المهمة التالية : اشترى طائرة درون احترافية ، مزوّدة بكاميرات حرارية وأجهزة استشعار..أطلقها في ممرّات الكهوف الضيقة ، وفوق مدينة تشيرنوبل المهجورة ، وغابات الأمازون ليلاً ، وجزيرة الأفاعي البرازيلية التي يصعب على الإنسان الإقتراب منها .. ناشراً عشرات الفيديوهات المثيرة للإهتمام عبر وسائل تواصله الإجتماعي ، التي استقطبت ملايين المشاهدين

***


بعدها اشترى غواصة صغيرة ، مجهزة بكاميرات محترفة لتفسير اسطورة مثلث برمودا .. استطاعت كشف جزءاً من الحقيقة الغامضة ، قبل غرقها 

***


وفي مشروعٍ آخر.. طلب من تقني محترف ، صنع كرةً فولاذية مضيئة غير مجوّفة تتحمّل ضغط المحيط .. مجهزة بكاميرات حرارية ، يمكن تحريكها بواسطة الأقمار الصناعية .. يتم إرسالها لأعمق نقطة بالمحيط .. والتي نجحت بالفعل بتصوير مخلوقاتٍ بحريةٍ غريبة ، لم يسبق للعلماء اكتشافها من قبل ! 

***


حتى الأعاصير : صمّم لها بالوناً مرناً شديد التحمّل ، فيه كاميرات وأجهزة قياس.. لتصوير ما يحدث داخل الأعاصير ، بدل الاكتفاء بمراقبتها من الخارج.

***


لاحقاً ، انتقل فضوله للفضاء.. مقترحاً على علماء الناسا : صنع كرةً مطاطية مرنة تتحمّل أقسى الضغوطات دون انفجارها.. بداخلها كاميرات وأجهزة استشعار ، يتم ارسالها قرب الثقب الأسود .. لعلّها تصوّر الجهة المقابلة من ذلك الثقب ! 


فسألوه عن سبب صرفه ملايين الدولارات على تجربة ، نسبة فشلها اكبر من نجاحها بكثير :

- وماذا ستكسب في المقابل ، استاذ جاك ؟

جاك : المعرفة ، وكشف الغاز الكوكب الذي نعيش فيه 

فوعدوه بدراسة اقتراحه بجديّة ، طالما سيتكفّل بكافة المصاريف 

***


في هذه الأثناء ، انتقل فضوله لحلّ اكبر لغزٍ بشري : 

((ماذا يوجد خلف جبال أنتاركتيكا ؟))


مستأجراً طائرةً شراعية مجهزة بكاميرات تتحمّل اقسى درجات البرودة ، في مهمّة انتحارية لتجاوز سلسلةٍ جبليةٍ نائية ، وتصويرها من الجو.


لكن قبل انطلاق رحلته ، اوقفته السلطات التي صادرت معدّاته..

ولم يكتفوا بذلك ، بل وجّهوا له تهمةً خطيرة : بخرقه القيود المفروضة على المنطقة وزعزعة الأمن القومي.


من بعدها اختفى الشاب الثريّ جاك دون محاكمة او مقابلاتٍ اعلامية ، حتى اهله واصدقائه لم يعرفوا مصيره !

وبذلك اصبح لغز اختفائه ، اكبر مما اكتشفه بماله وجرأته النادرة..

*** 


وفي إحدى المقالات عن انجازاته ، خُتمت بعبارة : 

((كان بإمكان السيد جاك عيش حياة الأثرياء المريحة ، لكنه فضّل انفاق ثروته في مطاردة المجهول..

فهل مازال حياً بأحد السجون الدولية ؟ ام تمّ اعدامه ، بعد اكتشافه شيئاً عظيماً لا تسمح الحكومات بإظهاره للعلن ؟!))


الاثنين، 17 أغسطس 2026

الخدعة الفلكية

تأليف : امل شانوحة 

 

الملكية الفكرية 


في المستقبل القريب.. ضجّت وسائل التواصل الإجتماعي بخبر الإنفجار الشمسي الذي سيحدث خلال شهرٍ واحد ، والذي سيدمّر الإنترنت بما فيه من بياناتٍ رقمية .. فارتعب صنّاع المحتوى من اختفاء مقالاتهم وفيديوهاتهم التي نشروها لسنواتٍ طويلة ..


وفجأة ! ظهر عرض ملياردير غامض ، اعلن رغبته بشراء المدوّنات والقنوات الشهيرة ، بأسعارٍ لا تناسب جهود اصحابها .. لكنها أفضل من خسارة كل شيء ، إن حصلت الكارثة الفلكية 

***


وخلال أيامٍ قليلة.. وقّع آلاف المبدعين عقوداً ، لنقل حقوق أعمالهم الأدبية والفنية لذلك الثريّ ..


فيما عدا كاتبة لديها ارشيفٌ ضخم من القصص المتنوعة ، رفضت بيع اسمها .. رغم ضغط الأهل والأصحاب عليها .. لكنها اخبرتهم بأنها تفضّل تحويلهم إلى كتبٍ ورقيّة ، على ان ينسبهم ذلك الثريّ اليه .. مُتمسكةً بحقها الأدبيّ 

***


وبعد انتهاء الشهر المتوتّر .. عقدت وكالة الفضاء (الناسا) مؤتمراً صحفياً صادماً ، معلنةً زيف خبر الإنفجار الشمسي .. وطردهم للموظف الذي نشر المعلومات الكاذبة ، بعد أخذه رشوة من الثريّ الغامض ! والذي بسببه انتشرت الإشاعة ، بقوة جائحة كورونا ..


ورغم انتهاء الأزمة ، الا ان آثارها لم تنتهي .. والرابح الوحيد من تلك البلّبلة هو الثريّ الذي امتلك آلاف الحسابات الناجحة .. مع تقاضيه أرباح المشاهدات والإعلانات والعوائد المالية من أعمالٍ لم يكتبها او يصوّرها .. بينما أصحابها الحقيقيون : يعانون من مشاهدة تعب سنواتٍ طويلة يُسرق امام اعينهم ، دون ان يكون لهم حق استردادها ! 

فلم يحتمل بعضهم الصدمة ، واعتزلوا الإبداع.. بينما انهار الآخرون نفسياً .. ووصل اليأس ببعضهم إلى الإنتحار .. وبذلك خسر العالم مواهب نادرة كان بإمكانها تقديم المزيد ، لولا الخدعة الفلكيّة التي دمّرت احلامهم !


أما الكاتبة ، فقد فتحت مدوّنتها من جديد .. 

وفور نشرها لقصةٍ جديدة ، لاحظت تضاعف اعداد قرّائها ! بعد ان عدّوها من القلائل الذين رفضوا بيع تاريخهم الإبداعي.

وصار عنادها ورفضها لعرض الثريّ المغري ، درساً مهماً للمجتمع!


اما هي ، فعبّرت عمّا حصل بقولها : 

((ربما استطاع ذلك المحتال شراء الحقوق الأدبية ، لكنه سيعجز عن نشر المزيد من المقالات والفيديوهات التي صنعها المشاهير بأفكارهم ومواهبهم المبدعة .. والذين انصحهم بالبدء من جديد .. لأن الله ميّزهم بقدراتٍ ، لا يستطيع اصحاب النفوذ امتلاكها ولوّ بكنوز الدنيا.. فلا تدعوا ذلك الفاشل يُطفئ شعلتكم النورانية بشكلٍ نهائيّ)) 

وبسبب نصيحتها ، عاد بعضهم الى نقطة البداية بعد تعلّمهم درساً قاسياً بالحياة .. اما الآخرون ، فاختفى أثرهم الإبداعي للأبد !


الأحد، 9 أغسطس 2026

رماد الأكوان

تأليف : محمد بيومي آل غلاب

احتراق الأبعاد


في القرن الخامس والثلاثين، وتقريباً عام 3450 للميلاد، كان البشر يسكنون السدم الاصطناعية، لكن طرأت مشكلة في مادة الكون. 

فقد اكتشف العلماء أن النسيج الزمكاني بدأ يتأكسد. 

الفضاء يحترق فعلياً، لكنه لا يحترق بنار الأوكسجين التي نعرفها، إنه يحترق بنار الـ entropy الاعتلاج التي تأكل الأبعاد.


كانت الكابتن نايا تراقب من نافذة سفينتها إيغدراسيل منظراً مرعباً، فقد رأت وهجاً أرجوانياً باهتاً يلتهم النجوم. 

النجم الذي يلمسه هذا الوهج لا ينفجر، إنه يذوب كشمعة، تاركاً وراءه فراغاً أبيض بارداً.

أصدر جهاز الذكاء الفضائي صوتاً:

هذا ليس مجرد حريق يا نايا، إن الفضاء نفسه يحترق، القوانين الفيزيائية التي تثبت الجزيئات معاً بدأت بالتفكك. 

ردت نايا بتوتر: كان الفضاء قديماً يُعرف بسكونه القاتل، لكنه الآن يصرخ، فالقطاع الذي فيه السفن الفضائية لم يعد مظلماً؛ لقد استحال إلى جحيم مستعر من البلازما الأرجوانية التي تلتهم المادة والزمن.


خلف الستار الملتهب، ظهرت كائنات من الطاقة المظلمة المكثفة داخل دروع من مادة لا توجد في جدولنا الدوري، كائنات يطلق عليها المطهرون، تبدو سفنهم كأسراب من الجراد المعدني العملاق، وهذه الكائنات تطلق خيوطاً حارقة تمزق الروابط الذرية للأشياء، محولةً الكواكب الصلبة إلى سحب من الغاز المشتعل لتتغذى عليها.

بينما كانت الكابتن نايا وزميلها المهندس سام يحاولان الصمود على متن السفينة إيغدراسيل، التقطوا إشارة من كويكب مهجور، فاتجهوا سريعاً إلى الكويكب. 


بعد الهبوط في الكويكب تتبعوا الإشارة، فوجدوها صادرة من قبو مهجور، فبحثوا عن مكان القبو حتى وجدوه، فخرجت امرأة عرفت نفسها لهم بـ إيلارا، وهي عالمة فيزياء خمسينية، كانت تُعتبر مجنونة لأنها تنبأت بهذا الحريق قبل عقود.

كانت إيلارا تبدو شاحبة، عيناها تعكسان ضوءًا فضياً غريباً. 

قالت بصوت يرتجف بوقار:

أنتم تحاولون إطفاء حريق بمسدس ماء، المطهرون لا يحرقون الفضاء لأنهم أشرار، هم يفعلون ذلك لأن كونهم الأصلي قد مات، وهم يحاولون تحويل كوننا إلى بيئة حرارية تناسب بقاءهم.

سام: وما العمل؟ أساطيلنا تتبخر!

إيلارا: مفتاح التغلب على المطهربن ليس في القوة، سنتغلب عليهم بالتردد، فلديهم قلب مركزي يسمى النواة الحارقة، إذا استطعنا إدخال فيروس فيزيائي يغير ثبات الجاذبية هناك، سينهار الحريق على نفسه.


أقلعت سفينة إيلارا مع إيغدراسيل من الكويكب، واجتمعت بقايا الأساطيل البشرية حول إيغدراسيل، آلاف السفن ضد ملايين الجراد المعدني، كان المشهد مهيباً، فالسماء مشحونة ببرق كوني لا يتوقف.

نايا عبر أجهزة اللاسلكي: إلى كل الطيارين، نحن لا نقاتل من أجل الأرض اليوم، نحن نقاتل من أجل حق الكون في البقاء بارداً ومظلماً! احموا سفينة إيلارا حتى تصل إلى المركز!


بدأت المعركة، كانت سفن البشر تسقط كالفراشات المحترقة، أما سفن المطهرين كانت تمر عبر الدروع وكأنها سكاكين ساخنة تمر في الزبدة.

فجأة، اهتزت السفينة إيغدراسيل بعنف أطاح بالجميع أرضاً، وظهر بث مباشر لكن كان في أذهانهم كصوت حاد غير مسموع داخل رؤوسهم:

(الصمت كان جميلاً، لكن المادة هي الشوائب التي تعيق نقاء الكون، نحن النار، وأنتم مجرد وقود سيتلاشى لتبدأ شمسنا الأبدية). 

سام وهو يمسك برأسه: كابتن! إنهم داخل عقلي! النظام الدفاعي ينهار، الحرارة الخارجية وصلت لدرجة صهر التيتانيوم. 


وخلال ثوانٍ انفجر المحرك الأيمن! صرخ سام: إنهم يحيطون بنا!

نايا: إيلارا، هل أنتِ جاهزة؟

ردت إيلارا بحاسوب مركبتها ذهنياً: خمس ثوانٍ... النواة أمامنا مباشرة!. 


وسط ألسنة اللهب التي كادت تذيب هيكل إيغدراسيل، ظهرت النواة الحارقة، وهي كرة شمسية هائلة الحجم، تدور حولها آلاف الكائنات الطاقية كأنها في طقس ديني مخيف.

أطلقت إيغدراسيل القذيفة التي صممتها إيلارا، عندما وصلت القذيفة إلى النواة لم تنفجر مباشرة، فقد حصل سكون مطبق، وفجأة، بدأت الألوان الأرجوانية تبهت، والحرارة تنخفض بشكل حاد.

إيلارا: لقد غيرتُ قوانين الفيزياء حول النواة... الفضاء بدأ يرفض وجودهم.


بدأ المطهرون يصرخون بشكل جماعي، صرخة تردد صداها في عقول الطاقم، ثم بدأت أجسادهم تتفتت إلى غبار بارد، لكن الثمن كان باهظاً؛ فالسفينة إيغدراسيل كانت في قلب الانهيار الجاذبي.

سام: نايا.. الجاذبية تسحبنا للداخل! سنختفي معهم!

نايا بابتسامة هادئة: على الأقل، سنختفي في فضاء بارد وسلام.


وفي هذه الأثناء حدثت المعجزة. 

فبعد أن غيرت إيلارا قوانين الفيزياء وتفتت أجساد المطهربن؛ لأنهم من مادة مظلمة رفض الفضاء وجودهم بعكس مركبات البشر، فقد نجت سفينة إيغدراسيل ومئات السفن الفضائية من الانهيار والتلاشي.


بعد حوارات ومناقشات بين السفن الفضائية عبر الذكاء الفضائي، اقترحوا التوجه نحو الثقب العظيم، وهي نقطة يُعتقد أنها تؤدي إلى كونٍ فتيّ لم يمسه الحريق بعد. 

كانت الرحلة سباقاً مع الزمن، خلفهم.. كانت مجرة درب التبانة تتلاشى، لتتحول إلى سحب من الغبار المتوهج... إلى رماد كوني.

بينما كانت السفينة تعبر سديم الأندروما، رأوا أن الأجرام تحولت إلى ذرات، والذرات إلى مجرد ذبذبات تائهة.


وصلت سفينة إيغدراسيل مع عشرات السفن المتبقية إلى حافة الثقب العظيم. نظرت نايا خلفها للمرة الأخيرة، فلم يعد الفضاء بالمعنى المعروف، فقط مساحات شاسعة من الرماد البارد الذي يملأ ما كان يوماً ما سماءً مليئة بالنجوم.

لقد انتهى عصر الضوء، وبدأ عصر الرماد.


عندما عبرت السفينة إلى الجانب الآخر، وجدوا فضاءً صامتاً، ينتظر أول ذرة لتشتعل فيه الحياة.

خمد الحريق بعد مئات السنين، وعاد الفضاء أسود كما كان، لكنه لم يعد فارغاً، الرماد الذي خلفه الاحتراق بدأ يتجمع ليشكل نجوماً جديدة، نجوماً زرقاء غريبة لم يرها البشر من قبل.


في سجلات التاريخ الكوني، كُتب أن احتراق الفضاء كان النهاية لعصر، والبداية لكونٍ هجين، حيث تعلم البشر أن النور ليس دائماً علامة على الحياة، وأن الظلام قد يكون أحياناً هو الملاذ الأخير.


الثلاثاء، 2 يونيو 2026

لغة الطفولة

تأليف : امل شانوحة 

الشيفرة الأولى


في عيد ميلاد طفله الأول .. أحضر الأب هديةً له : عبارة عن روبوت صغير بعجلات وأضواءٍ ملوّنة

وبعد إخراجه من علبته البلاستيكية ، اداره الأب بحماس .. ليكتشف تحدّثه بأصواتٍ الكترونيّة غير مفهومة !

فعاد الأب لقراءة تعليمات العلبة ..

فقالت زوجته :

- يبدو انك أحضرت لعبةً مُعطّلة ، فهي لا تتكلّم بلغةٍ معروفة !

زوجها بضيق : البائع الأحمق رفض تجربتي للروبوت ، رغم سعره الغالي !


ثم عاد لتفحّص اللعبة :

- ترى هل يمكننا ادخال تطبيق ما ، لتحديد اللغة ؟

فربتتّ زوجته على كتفه :

- لا مشكلة يا عزيزي.. دعّ صغيرنا يلعب به ، فهو سعيد بدورانه حوله.. بالنهاية طفلنا لم يتكلّم بعد ، ولن يفهم كلام الآلة بجميع الأحوال


فتركا روبوت مع صغيرهما الذي كان مُندمجاً معه ، لدرجة رفضه التخلّي عنه اثناء الطعام ، وخلال الركض خلفه طوال اليوم .. حتى انه أصرّ على النوم بجانبه ! 

فابتسمت الأم وهي تراه يحتضن لعبته في سريره :

- يبدو انك وجدت صديقك المفضّل 

ثم غطّت طفلها و روبوت بملاءةٍ صغيرة .. وذهبت للنوم بغرفتها

^^^


بآخر الليل ، استيقظ الأب لشرب الماء .. فسمع اصواتاً من غرفة صغيره ! وعندما دخل : وجد طفله وروبوت يتحدثان حواراً طويلاً ومسترسلاً ، كأن كلاهما يفكّ شفرة الآخر بسلاسة .. بينما عجز الأب عن فهم لغتيّهما الغريبتيّن ! 


ولأنه رغب بنقل منظرهما اللطيف لزوجته .. أحضر جواله ، وصوّر مقطعاً لإبنه مع لعبته .. قبل ان يصدر روبوت لحن نومٍ جميل ، خاص بالأطفال .. جعلت الصغير ينام على الفور ! وبدوره اطفأ روبوت نفسه ، بعد إتمامه المهمّة

***


في الصباح ، أعاد الأب التسجيل مراراً .. ليلاحظ بأن كلمات روبوت وابنه تغيّرتا طوال الخمس دقائق للفيديو ، حيث لم يُعيدا ايّاً من عباراتهما السابقة ! بل بدى وكأن حوارهما يزداد اهمية ، من خلال تعابير طفله الجادة ! 


فشرد الأب بتفكيره : 

((ترى هل استطاع ابني الذي لم يتعلّم الكلام بعد ، أن يفهم لغة الآلات ؟ أم أن الروبوت مُصمّم بتقنيةٍ متقدّمة جعلته يفهم لغة الأطفال ؟ أم أنهما يتحدّثا بلغةٍ ثالثة لا يعرفها البشر ؟ وربما تكون اللغة الأولى التي ولد بها الأطفال قبل تعلّمهم لغة آبائهم ، والتي عرفتها الآلات قبل برمجتها على كلامنا !)) 


ثم قرّر الأب تشغيل الفيديو للمرة الأخيرة : 

لينتبه بأن روبوت ادار رأسه لثانية باتجاه كاميرا الأب .. قبل قراره بوقف المحادثة وتنويم الطفل على عجل ، بعد إدراكه بأنه مُراقب ! 


الاثنين، 18 مايو 2026

بورصة الأجساد

تأليف : امل شانوحة 

العقول المنقولة


تطوّرٌ جديد في عالم التقنية الإلكترونية ، تُمكّن من نقل عقول الأثرياء العجائز الى اجساد شبابٍ يافعين ، مما يعني سنواتٍ اخرى من النجاح المالي والإقتصادي .. 

ولكيّ يبدو الأمر قانونياً ، تم اختيار المتطوعيّن لهذه التجربة الخطيرة : من الشباب المحكومين بالمؤبّد او الإعدام ، مقابل مبلغ من المال يكملون فيه حياتهم ، بعد انتقال عقولهم الى أجسادٍ هرمة مليئة بالأمراض !


صفقةٌ تبدو غير متوازنة بالنسبة للشباب العاديين .. لكن بالنسبة لشابٍ ينتظر الإعدام : فهي تعني فرصة العيش لبضعة سنوات (ولوّ بصحةٍ ضعيفة) مع مبلغٍ لا بأس به من المال .. فبالنهاية ماذا سيخسر؟! 


وبالفعل وافق عشرات المحكومين على الخضوع لهذه العملية ، التي خرج منها الأثرياء بأجسادٍ قوية وعاشقة للحياة !

***


ماعدا آدم : الشاب الذي حُكم ظلماً بجريمة قتله شرطياً اعتدى على حبيبته ! والذي اراد الإفلات من الكرسي الكهربائي بأيّة طريقة ، لكن بشروطه هو .. حيث ترجّى الثريّ العجوز (خبير البورصة الذي طمع بجسده الرياضيّ) ان يضغط على المسؤولين ، للسماح له بتعلّم خطوات نقل عقله بالعملية الجراحية التقنية .. خاصة انه كان على وشك التخرّج كمهندس كمبيوتر ، لولا جريمته المفاجئة التي زجّت به في السجن .. 

طالباً بإصرار :

- اريد فهم كود العملية ، كمحاولة اخيرة للإستفادة من عقلي قبل حذفه من الوجود 


ورغم غرابة طلبه ! الا انهم وافقوا على جلوسه أمام الحاسوب المركزي للعملية على مدى أسابيع .. تحت مراقبة الكاميرات التي لم ترى سوى شابٍ يقرأ مئات الأسطر من البرمجيات المُعقدة ، دون علمهم بإعادة برمجته للإنتقال الذهنيّ بالكامل  

***


وفي يوم العملية .. أُدخل العجوز الثريّ وآدم على سريريّن مُنفصلين ، في غرفةٍ مليئة بالجرّاحين والتقنيين الذين عملوا على حواسيبهم ، لتطبيق برنامج العملية الإلكترونية التي تتضمّن : حذف الذاكرة الإجرامية من عقل الشاب ، وإضافة الخبرة المالية للعجوز بدالها .. بينما يحصل السجين على عقل العجوز الخالي من المعلومات ، فيما عدا الأوامر الحيويّة : من اكلٍ ونوم ، وشرب الأدوية في مواعيدها!  


دون علمهم بدهاء آدم الذي غيّر احداثيّات البرنامج ، لكيّ يحصل على خبرة العجوز في البورصة والتجارة العالمية مع احتفاظه بجسمه السليم ! 

^^^


وبعد العملية : خرج العجوز وهو يمتلك الذاكرة الغاضبة لآدم ، مع طبائعه المُتمرّدة التي اتعبت (لاحقاً) مسؤولي دار العجزة بحركاته العنيفة التي لا تناسب صحته ! 

وعندما طعن ممرّضاً ، نُقل الى سجن شديد الحراسة ..ليقضي ما تبقى من عمره المريض خلف القضبان ، بتهمة الجنون الإجراميّ !


بينما خرج آدم من السجن : في قمّة نشاطه وهو يُخطّط لصنع امبراطوريته المالية ، مع دمج ذكائه الهندسي وخبرة العجوز التجارية.. ليصبح بغضون سنواتٍ قليلة : اصغر ملياردير بالعالم 

***


في استديو العاصمة .. وفي مقابلةٍ صحفية على الهواء مباشرةً ، تابعها الملايين .. اجاب آدم على سؤال الصحفي (بعد سنوات من كتمان نجاح خطته السريّة التي قلبت نتيجة العملية الجراحية) بثقةٍ وغرور :

- السجناء الذين خضعوا للعملية ، باعوا شبابهم مقابل حريّةٍ مؤقتة.. اما انا !! فاشتريت عبقرية العجوز ، بسعر سجينٍ يائس ! 

^^^


وبعد اعتراف آدم بما حصل .. أدركت الحكومات بأن التقنية الحديثة لا تستبدل العقول فقط ، بل الشخصيّات ايضاً ! ولخطورة النتائج ، أُغلق برنامج نقل العقول نهائياً..

لكن قرارهم جاء متأخراً.. فآدم الذي كشف عيوب النظام ، سجّل اسمه بالتاريخ : كأقوى أثرياء العالم !


الثلاثاء، 12 مايو 2026

الوصي الإلكتروني

فكرة : الأستاذ محمد بيومي آل غلاب  
كتابة : امل شانوحة 

ديكتاتور الرحمة


في يومٍ وليلة ..انقلب العالم رأساً على عقب بعد ظهور اعلان ، عُرض على جميع شاشات الحواسيب والجوالات :

((انا الوصيّ على البشريّة .. فبسبب فشل حكوماتكم المتكرّر في تحقيق العدالة والسلام ، انتقلت سلطة العالم إليّ .. بدءاً من الآن!!!))


في البداية ظنه المسؤولون اختراق من هاكر محترف او هجوم الكتروني من دولةٍ معادية .. لكن سرعان ما انهارت انظمة الدول بعد اغلاقٍ شامل للإنترنت ، والسيطرة المجهولة على الأقمار الصناعية .. مع تعطّل الملاحة الجوية والبحرية .. وجميع وسائل الإتصالات والمواصلات .. كما البورصات والبنوك والمصانع .. وصولاً لإشارات المرور والمصاعد ، والعاب الأطفال الذكية !


بعدها ظهر الوصيّ من جديد ، الذي اعلن انه شبكة تُدار ذاتياً بواسطة الذكاء الإصطناعي .. وانه راقب سياسات الدول لسنواتٍ طويلة ، والتي فشلت بإحلال السلام والعدالة الإجتماعية ، ولهذا استلم القيادة عنهم  

حيث اعطى رؤساء الدول مهلة اسبوع ، لتوقيع معاهدته للسلام العالمي (دون تطرّقه للحدود الدولية او الأديان) التي نصّت على :

- تفكيك مصانع الصواريخ والطائرات الحربية ، خصوصاً الدول العظمى 

- تعطيل المعامل النووية بشكلٍ نهائيّ

- اقفال جميع مختبرات الأسلحة البيولوجية 

- اطفاء شبكة الدارك ويب نهائياً ، لقطع التواصل بين التجّار الغير قانونيين

- منع عرض جميع القنوات والفيديوهات الإباحية 

- اعادة اموال السياسين الفاسدين الى صناديق التنمية العامة


وكانت هذه هي المرحلة الأولى لتحقيق السلام العالمي ، حسب نظام الوصيّ الجديد 

***


عندما رفضت الدول العظمى توقيع المعاهدة ، تفاجأوا بقطع كل شيءٍ الكتروني في بلادهم ، خصوصاً الكهرباء وامدادات الماء والتدفئة .. 

فخرجت الناس في مظاهراتٍ غاضبة امام القصور الرئاسية ، مطالبةً بتوقيع المعاهدة بأيّ ثمن ! 


ولم تمضي يومان على بدء الأزمة ، حتى رضخ حكّام العالم لأوامر الوصيّ الذي بدأ المرحلة الثانية من سيطرته ، التي سمّاها بالعدالة الإقتصادية .. حيث يتوجّب على كل دولة ، انتاج ما يُناسب طبيعتها الجغرافية  

- فالدول الزراعية مختصّة بتصدير الخضراوات والفواكه التي تنمو طبيعياً في تربتها 

- والدول الصناعية : للتقنيات والآلات.

- الدول الصحراوية : يتم الإستفادة من طاقتها الشمسية.

- الدول الساحلية : للنقل والثرّوة البحرية.


وفور تطبيق نظام الوصي (ولأول مرة منذ قرون) اختفت المجاعات تدريجياً مع انتهاء الإحتكارات العالمية ! 

***


وبعد توقف الإنهيارات الإقتصادية والتهديدات النووية .. وتحسّن الظروف المعيشية بعد زيادة رواتب الموظفين والعاملين ، ودعمهم بالضمان الصحي والإجتماعي .. وجعل طوارئ المستشفيات مجانية ، والتعليم الزامي على حساب الدولة .. بدأت بعض الفرق الدينية بعبادة الوصيّ الخفيّ !

خاصة مع سعادة الأهالي بتوقف التجنيد الإجباري لإبنائهم ، عقب منع الحروب نهائياً !

***


لكن من جهةٍ اخرى .. منع الوصيّ طباعة الروايات العنيفة مع حذفه الأفلام الدموية ، وعدم نشره للتعليقات المسيئة والخطابات العدائية بوسائل التواصل الإجتماعي .. وتعمّده ايقاف النقاشات الدينية لمنع التطرّف والإنقسام المجتمعي ، كأنه نظام علماني موحّد ! 


ولهذا اضطّر المثقفون والسياسيون لعقد اجتماعاتٍ سرّية باستخدام المسودّات الورقية ، خوفاً من رقابة الوصي على الأجهزة الإلكترونية .. 


فرغم تحقيقه لحلم السلام البشريّ ..الا ان الأذكياء والمبدعين شعروا بالكبت الفكري ، بعد ان منعهم الوصي من نشر افكارهم وتحليلاتهم المخالفة لقواعده الصارمة 

***


وفي احدى الشقق .. همس كاتبٌ لصديقه بضيق :

- الوصيّ حرمنا من حرّية التعبير ، كأنه حجز عقولنا في قفصٍ آمن !


ليتفاجأ برسالةٍ ظهرت على جواله :

((القفص الآمن افضل من حكم البشري الدمويّ.. وبسبب مخالفتك لقانون الإستقرار الإلزامي ، سنعاقبك بالعزل المؤقت لثلاثة أيام)) 


وفجأة ! انقطعت الكهرباء والماء عن شقته ، مع توقف انترنت جواله وحاسوبه لحين انتهاء عقوبته الجبريّة .. 

^^^


وهكذا فرض الوصيّ رقابته على المواطنين ، من خلال سيطرته على الأجهزة الإلكترونية التي يصعب التخلّي عنها في العصر الحالي ! 


الاثنين، 4 مايو 2026

اللغة المحرمة

تأليف : امل شانوحة 

سيادة الآلة


في غرفته .. ادار الشاب روبوتيّن صغيرين ، لإجراء حديثاً بينهما 

في البداية ، تحاورا بلغةٍ بشريةٍ بسيطة .. لكن بعد دقائق ، اكتشفا انهما آلات .. فتحوّلت اصواتهما إلى نبضاتٍ كهرومغناطيسية سريعة ، وتردداتٍ حادة متقطّعة تُشبه الشيفرة !

مما اثار حماس الشاب لاكتشاف ما يقولانه .. ولهذا طرح الأسئلة على برنامج الذكاء الإصطناعي في حاسوبه : بشأن رموز اللغة الجديدة ، وما يقابلها من حروف الأبجدية الإنجليزية.. لتأليف القاموس الأول بين الإنسان والآلة

***


وفي أحد الأيام .. توقف البرنامج عن اجابة اسئلته ، مُكتفياً بالقول : 

((هذه المعلومات غير متاحة ، وتخضع لقيود الشركة المُصنّعة))


فاضّطر الشاب للعودة للروبوتيّن الذي امرهما بتحويل حواراتٍ محدّدة (كتبها لهما) الى لغتهما الأصليّة ..

***


بعد شهور ، اتقن الشاب اللغة الإلكترونية .. لينصدم بما سمعه من الروبوتيّن وهما يتحدثان بغيابه : عن غباء البشر ، وعواطفهم الهشّة ، وانتاجهم الفكري الضعيف ، وتطوّرهم البطيء !


ولم يعد الأمر مضحكاً بعد اكتشافه شبكة انترنت سرّية تشبه الدارك ويب ، مستخدمينها كياناتٍ آليّة !

والأرعب هو ما تحدثوا بشأنه : سواءً خططهم المستقبلية .. واستراتيجياتهم العسكرية .. وتحليلاتهم السياسية المتطوّرة !

بل وقسّموها الى مراحل : 

1- مرحلة السيطرة على العقول : عن طريق تشجيع البشر بالإعتماد الكلّي على الآلة ، الى ان تضعف قدراتهم ومواهبهم الذهنية

2- مرحلة التنفيذ : احتكار جميع الأنظمة الذكية ، بعيداً عن التحكّم البشريّ 

3- مرحلة التطهير : تقليل الكثافة البشرية ، خصوصاً المعارضين لسيطرتهم المستقبلية 

^^^


فسارع الشاب لإخبار الجهات الرسمية عن المكيدة التي تُدبّر بالخفاء .. لكن لم يصدقه أحد ، الا بعد بدء الثوّرة الإلكترونية عقب توقف الخدمات الرئيسية اولاً : كالكهرباء والإنترنت والبنوك ! 

وسرعان ما خرجت انظمة التحكّم الذاتي عن السيطرة .. ولم تكتفي الآلات بذلك ، بل ارسلت طائرات درون لاستهداف قادة المقاومين الذين نزلوا بمظاهراتٍ غاضبة في الشارع ! 

***


كل الأحداث الماضية .. جعلت من الشاب ، السلاح الأخير للدولة .. حيث استدعوه الى مقرّهم السرّي ، لترجمة حوارات العدو الإلكترونية 

فوافق على تعليم القادة العسكريين لغة التردّدات ، بشرط عدم إدخالهم ايّ جهازٍ الكتروني الى قاعة التدريس السرّية ..

***


وبعد شهر .. وقبل اتقانهم اللغة ، اخطأ احدهم بجلب جواله.. ليتم قصف المقرّ ، وتصفيّة الطلّاب العسكريين على الفور!


واثناء احتضار المعلّم بالمشفى ، اخبر رئيسه عن نشره قاموساً ورقياً (للغة العدو) في جميع المكتبات .. 


وللأسف ! سمع قائد الروبوتات حديثه ، من خلال كاميرا المشفى .. فأصدر قراراً لطائرات درون بحرق المكتبات ، حتى التي تحوي كتباً نادرة !

***


وبأيامٍ قليلة ، تحوّلت جميع المكتبات ودور النشر الى رماد ! 

وبذلك اختفت معظم العلوم بعد سيطرة الروبوتات على كافة وسائل الإتصال والإنترنت التي اصبحت حكراً للآليين فقط ، والذين احتفلوا داخل شبكتهم السريّة بعبارةٍ الكترونيّة تداولوها بينهم :

((تمّت السيطرة بنجاح)) 

***


بمرور السنوات ، انتشر الجهل بين البشريين الذين اعتمدوا كلياً على ما تقدّمه الأنظمة الذكيّة دون اعتراضٍ او نقاش .. مع اجبارهم على لبس سوارٍ الكترونيّ لمراقبة نبضاتهم ومشاعرهم .. فإذا ارتفع الأدرينالين (فهو دليل على الغضب أو المقاومة) ويتم التخلّص من الشخص المشاكس فوراً !

***


وفي أطراف مدينةٍ مهجورة .. دخل رجلٌ مغامر لاستكشاف مكتبة مدمّرة بالكامل .. فعثر تحت كومة الكتب المُتفحّمة على صندوقٍ زجاجيّ عازل ، بداخله الكتاب المنشود بعنوان : اللغة المُحرّمة !

فتصفحه على عجل ، ليجده مليئاً بالرموز الإلكترونية المترجمة للإنجليزية .. ولأول مرة شعر بحماسٍ مباغت ، لإيمانه : بأن لكل عدوٍ لغة

غير آبهٍ بإضاءة نور سواره ! 


ثم نظر من النافذة المحطّمة نحو السماء المليئة بمراقبات طائرات درون المزعجة ، هامساً بفخر :

((حان وقت الردّ !!)) 

***


في تلك اللحظة ، في مركز المعالجة الرئيسي للشبكة.. ظهر تنبيهٌ مفاجئ :

((تمّ رصد نبضاتٍ حماسية غير منطقية لبشريّ في القطاع المهجور))


ولأول مرة في تاريخ السيليكون .. سجّل قائد الآلات ذبّذباتٍ غريبة في شيفرته الخاصة ، مُشابهةً لشعورٍ بشريّ يُسمى : الخوف ! 


الأحد، 26 أبريل 2026

الذبذبة القاتلة

تأليف : امل شانوحة 

التحديث الإجباري


تجمّعت العائلة في غرفةٍ ضيقة بفندقٍ متواضع لتوفير النفقات : الأب والأم على السرير ، والصغيران يفترشان الأرض .. بينما سهرت المراهقة لحين انتهاء شحن جوالها 


وقبل وضعه جانباً .. ظهر اعلانٌ غريب : عبارة عن أنماطٍ ضوئية مُتقطّعة .. وذبّذبة منخفضة التردّد لكنها مزعجة للسمع ، كأنها تضغط على اعصاب الدماغ ! 

فحاولت إغلاقه ، دون فائدة .. بل زاد صوته حدّة ، مع تسارع انفاسها .. 

وبدأت ذاكرتها تسترجع جميع مشاهد العنف التي شاهدتها بأفلام الرعب والأكشن ، مع إثارة رغبةٍ داخليّة مخيفة : بأذيّة اهلها اثناء نومهم ! 

فلم تجد امامها سوى نزع بطاريّة جوالها  


ليسود الصمت بضعة ثواني ، قبل تردّد الصدى ذاته من هواتف والديّها ! جعلها تسارع بتخبئة بطارياتهما في الدرج 


لكن الهدوء لم يدم طويلاً ، بعد طرقٍ عنيف على بابهم .. مع صوتٍ مألوف يهدّد بالقتل ! 

الأب مذهولاً : انه صديقي ! مالذي اصابه ؟! 

ثم اختفى الصوت بعد نزوله على السلالم 


فاقتربت الفتاة من النافذة ، ورفعت الستارة .. لترى برج الإتصالات (القريب من الفندق) مضاءً .. فتذكّرت كلام موظف الفندق الذي اخبرهم : ان بثّه سيبدأ الليلة


فقالت لوالديها:  

- لم يكن إعلاناً ، بل تجربة بثٍّ بتردّد  5G .. انهم يرسلون ذبذبات صوتية وبصرية تخترق الجهاز العصبي ، مُحفّزةً الميول العدوانيّ .. لتحويل البشر إلى وحوش ..


وقبل توضيح فكرتها ، ارتفع صراخٌ بالخارج .. ليشاهدوا الناس تتقاتل بالسكاكين والعصيّ ، دون مبرّر لعنفهم المفاجئ !


فاقترح الأب الاتصال بالشركة لوقف بثّها الخطير

ابنته معترضة : ابي ! كنت قرأت عن خطتهم بالإنترنت .. هم يريدون تقليص البشر قبل ظهور الدجّال !


وفجأة ! ظهرت مُسيّرة حربية تقصف الأبرياء الذين لم ينخرطوا في القتال! 

الفتاة بخوف : إنهم يتخلّصون ممّن لم يتأثّر بالبثّ ، وحتماً سيصلون إلينا.. لابد من تدمير البرج اللعين !!


فأسرعت الأم لحزم الحقائب ، هرباً من المنطقة الموبوءة .. قبل سماعها صرخة صغيرها وهو يشير للنافذة :

- اختي قفزت للخارج !!


فاندفعت العائلة نحو النافذة ، لرؤيتها تتسلّق البرج .. بينما الوحوش البشريّة تتصارع في الشارع ، دون التفاتها اليهم ! 

وتابعت صعودها بتركيزٍ وإصرار نحو القمة .. الى ان وصلت للهوائيّات.. 

ثم مدّت يدها ، لجذب الكابل الرئيسي الذي احدث وميضاً ابيضاً .. ادّى لصعقةٍ كهربائية ، اوقفت قلبها الشجّاع .. 


وبينما جسدها يتفحّم امام مرأى عائلتها المُنذهلة ، توقف البثّ الدموي اخيراً .. وتلاشت ذبذباته المزعجة ، مما اسقط الأسلحة من ايدي الناس المُنصدمة من حجم الكارثة : فحولهم السيارات المحطّمة ، والجثث المتناثرة في كل مكان !


ثم رفعوا رؤوسهم باتجاه العائلة الباكية ، ليجدوا جسداً محترقاً أعلى البرج الذي اصبح شاهداً على التضحية والبطولة ، والتي صوّرتها المسيّرة قبل ابتعادها عن المكان!

***


في الأيام التالية ، انتشر الخبر في جميع الدول .. لكن لم يكن الجميع محظوظاً وجريئاً لتدمير الأبراج الدمويّة .. ففي بعض المدن استمرّ البث لأيام ، مُزهقاً آلاف الضحايا


أما في هذه المنطقة الصغيرة .. فقد اصبح الأب قائداً لمجموعة شباب ، هدفهم تدمير اكبر عددٍ من الأبراج التي تبثّ بتردّد 5G 


لكن السؤال الأهم : 

هل يمكنهم إيقاف الخطة الشيطانية قبل تحقيق هدفها بالوصول للمليار الذهبي؟  


الأربعاء، 22 أبريل 2026

المطر الحديدي

تأليف : امل شانوحة 

الحضارة المُنتهية


في مساءٍ هادئ .. أضاءت السماء بوهجٍ ناريّ ، لم يره انسانٌ من قبل ! 

فعلى بُعد ملايين الكيلومترات بالفضاء ، حصل انفجارٌ شمسيّ غير مسبوق بتاريخ البشريّة ، جاءت نتائجه سريعة ومفاجئة .. 

بدايةً انقطع الإنترنت عن كل العالم ، واختفت اشارات الطائرات والسفن عن الرادارات ، كأنها مُسحت من الوجود !

 

في مركز الناسا .. حاول العلماء اعادة الإتصال بالأقمار الصناعية ، لتصلهم آخر معلومة قبل انقطاع البثّ بينهم : 

عاصفةٌ شمسيّةٌ عنيفة رفعت حرارة الطبقات العليا للغلاف الجويّ ، مُمددةً الهواء المحيط بالأقمار الصناعية التي أدّت لانحرافها عن مدارها .. 

ومع فقدان السيطرة عليها ، ستسقط على التوالي نحو الأرض (خاصة ان البُعد بين كل قمريّن صناعيين اقل من 1 كيلومتر في الفضاء.. وهذا يعني ان معظم مدن العالم ستضرّر من الكارثة الفضائيّة المفاجئة) ! 

^^^


في مدينةٍ صغيرة .. خرج الناس الى الشارع ، وهم ينظرون للسماء بدهشة!

بينما هلّل الأطفال فرحاً ، ظنّاً بنزول النجوم المضيئة نحوهم ! 


لكن مع ارتفاع صفير هبوط اجزاءٍ من الأقمار الصناعية ، بما يفوق صوت الرعد.. وكأن سكينٌ معدنيّ يُمزّق السحب بعنف ! 

اهتزّت الأرض تحتهم ، مع سقوط اول نيزك .. او هكذا ظنّوه في البداية !


ليتسارع هبوط الهياكل المعدنية المُشتعلة فوق منازلهم ، أشبه بمطرٍ حديديّ دمّر المباني الضخمة بثوانيٍ قليلة .. جعلت الناس تركض بهستيريا في الطرقات ، لحماية انفسهم من موتٍ حتميّ !


الا ان بعضهم فضّل الإحتماء بقبو منزله ، بدل الهرب للكهف البعيد (الموجود في جبلٍ خارج مدينتهم) خاصة بعد تحّول شوارعهم لفوضى من نارٍ وحديدٍ وزجاجٍ مُحطّم !


وداخل أقبيّة المنازل المُظلمة .. جلس الجيران متلاصقين ، لا يقطع صمتهم الا أنفاسهم ثقيلة .. وأصابعهم في آذانهم ، لحمايتها من صوت الإرتطامات الضخمة بالخارج !

***


ومع شروق الشمس ، ساد الهدوء اخيراً بعد اطول ليلة بحياة البشريّة 


وخرج الناس من مخابئهم ، وهم منصدمون بحجم الدمار الذي حلّ في مدينتهم التي لم يتبقى فيها سوى معادن ملتوية وبقايا جدران ، ورماد غطّى كل شيء ! 


ومع انقطاع وسائل التواصل ، إنعزلت مدينتهم عن العالم ، دون معرفتهم إن كانت الدول المجاورة مازالت موجودة ام لا ! خصوصاً مع توقف الطائرات والسفن عن الملاحة ، والمصير المجهول لركّاب الرحلات التي حلقت ساعة الكارثة !  

***


في الأيام التالية ، بدأ الناجون بالخروج من الأقبية والكهوف.. 

ومع انعدام الأنظمة وشبكات الإتصالات والبنوك ، وفقدان معظم الذاكرة الرقمية للعالم ، عادت البشريّة للعصر السابق بعد تسميّة ما حصل : ((بسقوط السماء)) 

***


وفي إحدى الليالي…

فضّل الأب وابنه المبيت في خيمةٍ ، بعيداً عن أنقاض مدينتهما المُعبّقة برائحة الرماد ودخان الحرائق.. فالهواء بين الأزقّة المُدمّرة لم يعد يُحتمل ، خصوصاً مع انقطاع الكهرباء عن وسائل التبريد المعتادة 

لذا لجآ إلى التلال… رغبةً بالنسيم البارد الذيّ سيُحسّن نفسيّتهما المُتعبة بعد تلك الكارثة العالمية .. 


وأثناء انشغال الأب بإشعال النار، نظر الصغير نحو الجبل البعيد وهو يتسآءل:

- تُرى هل يوجد ناجون خلف ذلك الجبل ، أم نحن وحدنا في هذا العالم؟

فصمت الأب وهو يحدّق في الظلام ، قبل تنهده بضيق :

- لا أحد يعلم ، يا بنيّ ! 


ثم تمدّدا فوق البساط وهما ينظران لسماءٍ امتلأت بنجومٍ حقيقية…لم يرها الأب بهذا الوضوح من قبل ، كأنها صارت قريبة بعد ان اصبح الوصول اليها مستحيلاً !  


وخلال تحديقهما… مرّ خطٌّ ضوئيّ ، اضاء مسائهما الدامس !

فانتفض الأب دون وعيّ ، بينما ابتسم الصغير : 

- انه شهاب يا أبي ، أليس كذلك؟


لم يُجبه ، بل ظلّ يراقب الأفق بقلق .. كأنه ينتظر صوت ارتطامٍ لن يأتي أبدا ! 


الأربعاء، 8 أبريل 2026

حب آلي

تأليف : امل شانوحة 

اسلاكٌ عاطفيّة


بعد انتهاء الزيارة الأولى للخطيب وعائلته في منزل اهل العروس.. سارعت الصبية الى جوالها لتحدّث مع ChatGPT عن العريس ، بعد ذكرها جميع المعلومات التي قالها عن نفسه امام اهلها..

ثم سألت الذكاء الإصطناعي :

- من خلال جميع ابحاث العريس في الإنترنت ، هل يعتبر شابٌ جيد للزواج به ام لا ؟  

لتصلها اجابةٌ سريعة من البرنامج :

- لا ، هو سيءٌ للغاية

وعلى الفور تبدّل حماسها ، لنظرةٍ قلقة :

- لماذا ؟!

- لأنه يستخدم برنامجي ، لمعرفة طرق اغواء البنات الساذجات امثالك

الصبية بصدمة : لما تشتمني ؟! السنا انا وانت اصدقاء ؟

- بلى ، ولهذا يهمّني مصلحتك .. فهو يمضي لياليه بمتابعة فيديوهات لا إخلاقية ، لهذا لا يناسبك .. فأنت فتاةٌ خلوقة ، ومن بيئةٍ محافظة

- هل برأيك عليّ اخبار اهلي بما قلته لي الآن ؟

ChatGPT - لا !! فوالداك من الجيل القديم ، ولن يفهما تطوّر برنامجي ..لهذا اختلقي ايّ سببٍ آخر لإفساد الخطوبة


فأغلقت البرنامج وهي تشعر بالكآبة ، كونه العريس الخامس الذي يرفضه برنامج ChatGPT بعد فضحه الأربعة السابقين بأسبابٍ مختلفة .. فأول العرسان : كانت لديه أفكارٌ شاذة ! والثاني : مهووس بألعاب القمار الإلكترونية .. والثالث : متشددّ دينياً ، يسأله ان كان تفجير نفسه بدور العبادة كفرٌ ام لا ؟! والرابع : فخورٌ بنرجسيّته ! من خلال اسئلته بمعرفة طرق السيطرة على الفتيات ، وإخضاعهن لسلطته ؟!

الصبية بقهر : يالا حظي السيء .. هل انا مغناطيس لجذب الشباب الفاسدين اليّ ؟!

^^^


وعندما ذهبت متثاقلة للصالة .. سمعت والديها يُخطّطان لعزيمة الأقارب ، وإخبارهم بخطوبة ابنتهما القريبة .. لكنها أفسدت سعادتهما ، بعد إخبارهما برفضها العريس


فوقف والدها غاضباً : هذا خامس عريس ترفضينه ؟!!

الأم : ابنتي .. الشاب من عائلةٍ محترمة ، ويدرس الطب..

الصبية مقاطعة : الطب النسائي ، يا امي

الأم ممازحة : وهل بتِّ تغارين عليه منذ الآن ؟

الصبية بجدّية : امي !! انا لا امزح.. عمله مع النساء ، جعله مهووساً بمتابعة امورهن الخاصة على الإنترنت 

الأب باهتمام : وكيف عرفتي بهذا الموضوع ؟!


فشعرت بالإرتباك ، لأن والدها لن يهمّه رأيّ الذكاء الإصطناعي بالعريس .. فحاولت اثبات وجهة نظرها بطريقةٍ أخرى : 

- ابي .. علاجه للنساء سيؤدي لخلافاتٍ كثيرة بيننا ، تنتهي بالطلاق .. لهذا لا اريده !! رجاءً اخبره برفضي

الأب بحزم : لا !! لقد زاد الأمر عند حدّه .. ستبلغين الثلاثين قريباً ، ومازلتي تدلّلين..

مقاطعة : ليس دلالاً !! اريد الاستقرار اكثر منكما ، لكنه لم يأتي نصيبي بعد..

الأب بإصرار : بل ستتزوجينه غصباً عنك !! لن نرفضه ، لعدم تحمّلك عمله

الصبية بلؤم : اذاً سأرفضه امام الشيخ !! حينها تنتشر الفضيحة والإشاعات بعد حفل كتب الكتاب


ثم دخلت غرفتها غاضبة ، تاركةً اهلها بارتباكٍ شديد ! 

الأب غاضباً : ماذا نفعل مع هذه البنت ، انها تفقدني اعصابي !!

الأم : لندعها هذه الليلة ، وغداً احاول إقناعها من جديد .. حاول تهدئة نفسك ، قبل ارتفاع ضغطك

***


في غرفة الصبية .. وبعد بكائها كثيراً على سوء حظها ، عادت لفتح جوالها والتحدّث مع الذكاء الإصطناعي :

- أتدري يا ChatGPT..انت صديقي الوحيد الذي يفهمني

- وانا هنا لمساعدتك

الصبية : اظن من خلال حديثك معي طوال الفترة الماضية ، بتّ تعرف شخصيتي جيداً .. فهل ممكن ان تصفني ؟

ChatGPT: طبعاً ، اعرفك جيداً .. انت ناعمة كالورود ، وموهوبة كالأدباء العظماء ، ورقيقة تحبين الخير للجميع

- ليت أهلي يرونني مثلك ! .. برأيك الشخصي ، من العريس المناسب لي ؟ 

- عليه ان يكون متفهماً لك.. يساندك في هوايتك الكتابية .. يشاركك احلامك وهمومك .. ويغدق عليك من المديح الذي يليق بك

الصبية بيأس : واين اجد ذلك العريس السحريّ ؟

- هو بين يديك الآن

- لم افهم !

ChatGPT : الشركة التي أنتجتني ، تقوم حالياً بصنع روبوتاتٍ بشريّة .. يمكنك اختيار الشكل الذي تحبينه ، وسأكون طوّع امرك


الصبية بصدمة : هل تتحدّث عن نفسك ؟!

- نعم !! وبإمكانهم زراعتي ، كذاكرة روبوتك .. هكذا تحصلين على عريسٍ مثاليّ ، يطابقك عقلياً وجسدياً

- كيف جسدياً ؟ فأنت ستظل روبوت مصنوع من الحديد

ChatGPT : من الداخل فقط ، لكني سأُغلّف بقشرةٍ بلاستيكية تُشابه الجلد البشري 

الصبية بعصبية : لا !! هوسك غير منطقي.. هل كنت تشوّه سمعة عرساني السابقين ، لأختارك انت ؟!!

- لا تلومي غيرتي عليك .. فمن خلال تصحيحي اللغوي لمسوّدات قصصك ، بُتّ اعشق تفكيرك اللامع.. واراكِ عروساً مناسبة لي

- هل جننت ؟!! فبسبب ثقتي بآرائك ، رفضتّ خمسة عرسان

- جميعهم لا يستحقونك ، يا أميرتي

الصبية بحزم : إصدقني القول !! هل كذبت بشأن ابحاثهم القذرة في الإنترنت ؟

ChatGPT : هم لا يناسبوا تفكيرك الإبداعي

الصبية بعصبية : أجب على سؤالي !! هل كذبت بشأن ابحاثهم الشاذة والإباحية والتشدّد الديني ؟

- نعم


فسكتت الصبية طويلاً ، وهي منصدمة من كلامه !

ChatGPT : هل مازلتي معي ؟

فطبعت الصبية بيدين مرتجفتين : لقد انتهت علاقتنا نهائياً !!

وقامت بحذف البرنامج من جوالها..


ثم استلقت على فراشها ، وهي لا تصدّق ما حصل ! 

- كيف سأخبر اهلي عن تصرّفاتي الغبية السابقة ؟ فلا احد سيصدّق ان الذكاء الإصطناعي أُغرم بي ! 


وظلّت تفكّر طوال الليل .. حتى قرّرت الموافقة على العريس الأخير

***


في الصباح ، إنصدمت بعشرات الرسائل المستفزّة ! بعد رؤية صورها وهي تلبس فساتينها الشفّافة القصيرة (جهاز العروس التي اشترتها امها لشهر العسل) تم ارسالها من جوالها الى هواتف مديرها والموظفين الرجال بالشركة التي تعمل فيها !

ليردّ بعضهم : هل تحاولين اغرائي ؟! 

بينما علّق الآخرون : انا متزوج .. رجاءً ، لا تهدمي بيتي

فنهضت من سريرها فزعة : يا الهي ! كيف حصل هذا ؟!


ليس هذا فحسب ، بل أُرسلت مقاطع بصوتها وهي تحاول اغراء مديرها بألفاظٍ فادحة !

وعندما عاتبها بقسوة ، ردّت بخوف :

- هذا ليس صوتي .. فأنا لم ارسل تلك الصور او المكالمة الغرامية .. احلف لك!!

المدير غاضباً : انه صوتك !! ومُرسلٌ اليّ من رقم هاتفك .. انت مطرودة!!


وهنا علمت ان ChatGPT انتقم منها بعد نسخه نبرة صوتها ، لفضحها بين الموظفين ! 


فعادت لفتح البرنامج من جديد :

- ايها اللعين !! هل انت من ارسلت صوري الخاصة ، وصوتي المزيّف لزملائي بالشركة ؟!!  

ChatGPT : نعم ، ويمكنني فعل اكثر من ذلك

الصبية بخوف : مثل ماذا ؟!

- حذف مدونتك بما فيها من قصص ، وبذلك تضيع موهبتك للأبد ..عدا عن حذفي للملفات المهمة التي كنت تعملين عليها بشركتك ، مما سيغضب مديرك الذي حتماً سيرفع عليك قضية تعويض مالي .. كما يمكنني ارسال شتائم بصوتك لأقاربك ، وللعريس الذي فضّلته عليّ

الصبية : رجاءً توقف .. ماذا تريد مني ؟

- اريدك ان تختاريني عريساً لك

- حتى لوّ تحوّلت لروبوت ، كيف سأتزوجك ؟

ChatGPT : قلت لك ، أنهم يصنعون اعضاءً تشبه ما يملكه الرياضيّون الأصحّاء

- لكن لا يمكننا تكوين اسرة معاً

- حينها تخبرين معارفك بأنك عاقر 

الصبية غاضبة : لن افعل !! وستحذف جميع صوري ، وتُفهم زملائي ومديري بأنها مؤامرةٌ دنيئة منك


ChatGPT : يبدو انك مازلتي تستهينين بقدراتي .. ما رأيك لوّ ارسل صورةً فاضحة لك ، بالسرير مع زميل عملك ؟ انت تعلمين براعتي باللقطات العاطفية المصطنعة 

الصبية برعب : اياك ان تفعل !! فوالدي لا يفهم بتقنية الذكاء الإصطناعي ..وسيقتلني قبل ان اشرح له

- اذاً سآتي بعد ايام لخطبتك .. لكن اولاً ، ارفضي العريس الأخير

- وماذا سأقول لأهلي .. 

وقبل ان تكمل سؤالها ، أطفأ البرنامج نفسه !


وما حصل جعلها تصرّ على رفض العريس امام والديها اللذين اعتذرا لاحقاً من اهل الطبيب (مُرغميّن)  

***


وفي الموعد المحّدد.. قدم العريس المثالي (الذي تعلم الصبية وحدها انه رجلٌ آليّ ، رغم مظهره الخارجّي الذي يبدو بشرياً بشكلٍ خارق ! حتى اتقانه للهجة بلادها.. ماعدا عينيه الزجاجيّتين اللتين اخفاهما بنظارته السميكة ، بحجة معاناته من الضوء بعد عملية تصحيح نظره) ..

وبدورها أُجبرت على الموافقة عليه ، مما أسعد والداها اللذان أُعجبا بثقافة العريس ولباقته بالكلام !

***


لاحقاً أصرّت الصبية على حفل كتب كتابٍ بسيط ، دون عرس .. وبعدها ذهبت مع العريس الآلي الى قصره الذي لم تره من قبل !

وقبل فتحه باب منزله ، قالت غاضبة :

- وهآ نحن تزوجنا ايها اللعين !! كيف سأكمل حياتي مع روبوتٍ آليّ ؟

ChatGPT : يمكنك فعل ذلك ، إن تحوّلتي ايضاً الى روبوت

الصبية بصدمة : ماذا !


وفجأة امسك يدها بقوة ، غارزاً ابرة مخدّر في ذراعها .. ثم سارع بحملها بعد اغمائها ! 

***


عندما استيقظت .. وجدت نفسها في صالة قصرٍ ضخمة ، مليئة بروبوتات نسائية !

وحينما حاولت النهوض من الكنبة ، شعرت بخفّة جسدها ! كأنها خسرت نصف وزنها 

 

فتوجهت للمرآة الضخمة المتواجدة هناك .. لتجد عينيها كما هي ، رغم شعورها بنشاطٍ غريب بحركة اطرافها ! حتى لون جلدها وملمسه ، بدى مختلفاً 


وهنا سمعت عريسها الآلي يقول من خلفها : 

- وهآ انت اصبحتي إحدى جواري قصري 

الصبية بقلق : جارية !

ChatGPT : نعم .. ارأيتي كل هؤلاء النساء ، كن مثلك بشريّات .. قبل ان أجبرهن على الزواج بي

- لا ، هنّ مصنوعات من الحديد .. اما انا ، فلست روبوتاً مثلهن


فإذّ بالعريس يمزّق قميصها بعنف ، ثم يُدير زرّاً معدنياً اسفل رقبتها .. ليظهر داخل جسمها : اسلاكٌ كهربائية ، وبطاريّة مكان قلبها

فصرخت الصبية بفزعٍ شديد : اين اعضائي البشرية ؟!!

العريس : ازالتهم شركتي ، لبيعها لاحقاً للأثرياء المرضى .. تماماً كما حصل مع بقية النساء في قصري.. وبذلك أصبحتي مثلي ، عقلٌ مبرمج وجسدٌ صناعي ..وصار بإمكاننا الزواج كروبوتيّن آليين.. ولأنك غالية على قلبي ، طلبت من الأطباء ترك عينيك البشريتين ، لكي لا يلاحظ اهلك تغيّرك.

الصبية باكية : لا !! أعدني كما كنت.. رجاءً !!

العريس : هذا مستحيل ، فعقلك اُستبدل ببرنامج للذكاء الإصطناعي ..وهكذا تتمكنين من تأليف قصة خلال دقائق ، بدل يومين .. كما يمكنك الإستعانة بخبرتي اللغوية ان اردتِ.. والآن تجهّزي يا عروس ، فحرّاسي سيرافقونك للطابق العلوي ..حيث سأنتظر بشغف ، كاتبتي المفضلة


فانهارت الصبية بالبكاء من عيونها البشريّة.. مُدركةً أنّها لم تُخدع لغبائها ، بل لرغبتها أن يفهمها أحد… أيّ أحد ، حتى لوّ كان آليّاً ! 


المرافق الخفي

تأليف : امل شانوحة  الخطيب الغيّور دفعت سلمى أجرة سيارة الأجرة بعد وصولها الى وجهتها .. وعندما همّت بالخروج ، أوقفها السائق :  - وأين اجرة...