تأليف : امل شانوحة
العالم الآخر
قبل النطق بالحكم على أشهر مشعوذة في المنطقة ، طلب عالمٌ نفسي السماح له بإجراء تجربةٍ أخيرةٍ عليها..
فوافقت المحكمة ، ونُقلت العجوز تحت حراسةٍ أمنيةٍ مشددة إلى عيادته المتطوّرة.
كانت امرأة في أواخر الستينيات ، نحيلةً بشعرٍ ابيضٍ منكوش ، وثيابٍ رثّة تفوح منها رائحة العفن .. واضح من هيئتها إهمالها لنفسها ، رغم كسبها ثرّوة من زبائنها!
وفي غرفة المختبر .. وضع الطبيب الخوذة على رأسها ، بينما تستلقي على السرير الطبّي .. وحولها مجموعة من الأطباء ، في انتظار عرض ذكرياتها على الشاشة الكبيرة امامهم
فحاولت نصحهم بعدم رؤية ما واجهته طوال 30 سنة الماضية ، لأنه سيشيب شعرهم ، وربما تتوقف قلوبهم رعبا
لكن الطبيب المسؤول عن التجربة ، استهان بتحذيراتها .. وضغط زرّ التشغيل :
في البداية .. ظهرت المرأة بسن 37 ترتعش خوفاً في غرفتها المظلمة ، بعد انقطاعٍ مفاجئ للكهرباء .. وهي تقف خلف بابٍ أوصدته بالمفتاح وأحكمت سدّه بسريرها ، وهي تحاول إسكات طفلها (3 سنوات) الذي أرعبه الطرق العنيف على باب غرفتها الخارجيّ.
قبل صراخها برعب :
- ماذا تريدون مني ؟!! السحر الذي طلبته لمنع زوجي من تطليقي ، فشل بموته .. لما تصرّون على الظهور لي ، وإخافة ولدي ؟ ارجوكم عودوا للعالم السفليّ الذي قدمتم منه !!
فاختفت الأصوات بالخارج ! وتنفّست الصعداء ، ظناً باقتناعهم بما قالته .. لكنها تردّدت بفتح الباب ، لإحضار الحليب لإبنها الجائع من المطبخ .. فانحنت بحذر ، للنظر من فتحة القفل .. وإذّ بها تسقط للخلف برعب ، بعد رؤيتها لعينٍ حمراء .. قبل سماعها ضحكاتٍ مخيفة من الخارج ، من عدّة كائنات تتحدث فيما بينها:
- هل تظنين ان الإستعانة بقدراتنا مجّاناً ؟!
- ربما تظن انه لا يمكننا اختراق جدران غرفتها !
- او اذيّة ابنها
- نعم !! دعونا نتجسّد جسمه الصغير ، ثم الخروج بعنف من عينيه
فصرخت باكية :
- لا رجاءً !! لا تصيبوا ابني بالعمى.. الا يكفي الجنين الذي اسقطته بناءً على طلب المشعوذة اللعينة ، لمنع زوجي الأحمق من الزواج عليّ ؟ لا اريد خسارة ابني الوحيد ايضاً
- اذاً كوني امرأةً مطيعة ، وابدأي بأذيّة كل من حولك !!
المرأة باكية : لست خبيرة بالسحر
- سنعلّمك كل شيء ، حتى تصبحي اشهر مشعوذة بالمنطقة
((بهذه الأثناء ..كانت المشعوذة تستمع للحوار وهي مُغمضة العينين فوق السرير الطبّي ، وتبكي قهراً على ماضيها .. بينما يتابع الأطباء تجربتها باهتمامٍ ورعب))
ثم توالت المشاهد المخيفة على الشاشة .. حيث ظهر عالم الجن البدائي بعد سحبها اليهم ، عقب خسارتها حضانة ابنها لأهل زوجها .. وقد ساعد الجن على قهرها بهذا الموضوع ، كيّ لا تتحجّج بالصغير لتعلّم السحر عندهم !
وبعد 3 شهور ، اعادوها الى بيتها بعد اتقانها لتعويذات السحرية..
ثم عُرض على الشاشة : طريقة ظهورهم لها ، في حال ارادوا تنفيذها لمهمةٍ جديدة.. حيث يتعمّدون إفزاعها ، كنوع من مزاحهم الثقيل ..
وظهر بالتلفاز : أصابع طويلة سوداء تجرح نافذتها بأظافرٍ خشبية ، قبل ظهور انسانٍ شاحبٍ بعينيه البيضاوتين وشعره الأسود الطويل الذي غطّى نصف وجهه ..والذي تمكّن من اختراق غرفة نومها ، والطفو فوقها .. قبل هبوطه المفاجئ فوقها ..مما ايقظها مرتعبة على ضحكاته الساخرة .. فهو قدم لإطلاعها على المهمّة القادمة
ثم شاهدواً مشهداً آخر : لمجموعة من الجن تتنزه في المقبرة ، من نساء ورجال وأطفال بأشكالٍ مختلفة .. بشعورٍ تصل الى خصورهم ، وملابس بيضاء فضفاضة تتحرّك رغم انعدام الرياح.. بعضهم يزحف على اطرافه الأربعة ، وبعضهم يطير، وبعضهم يمشي بطريقةٍ عكسية .. بينما أعناق معظمهم تلتفّ بكل الزوايا ، كالبومة !
جميعهم يراقبون المشعوذة وهي تدسّ سحرها بفم ميتٍ دُفن حديثاً ، بناءً على توجيهات الجن.. وكان واضحاً ارتجاف يديها ، والدموع التي تنسكب من عينيها لإتمام مهمّتها الأولى .. لكنها مجبرة على طاعتهم ، كيّ لا يأذوا ابنها الوحيد !
ورغم اشكالهم الكئيبة ، الا انها تعوّدت عليهم بمرور الأيام .. لكن التجارب الأرعب بالنسبة لها ، هي تعاملها مع الشياطين التي تتميّز بطولها التي تصل للسقف .. واجسادها المُشعرّة .. وقرونها الملتوية .. وذيولها التي تجرّ لأمتارٍ خلفها !
واستمرّ عرض ذكرياتها المرعبة على الشاشة بصورٍ شبه معتمة .. لأنها عادةً ما تلتقي مع تلك المخلوقات قبيل الفجر أو عند غروب الشمس.
وطريقة كلامهم مُبطنة تصل ذبّذباتها للعقل ، دون ان تتحرّك شفاههم!
وقد تفاوتت أوامر الشياطين : بين إمراض المسحور او فشله الدراسيّ او خسارة عمله او إصابته بالعقم .. لكن اكثر ما يهمّهم هو الطلاق بين الأزواج ، خصوصاً العرسان الجدّد !
وكلما نجحت في تنفيذ إحدى رغباتهم ، كافؤوها بكيسٍ مليء من عملاتهم الذهبية.
اما اوامر الجن ، فتعتبر بسيطة مقارنةٍ بالشياطين :
فهم يطالبونها بمنع الناس من دخول الأماكن المهجورة ، او الإقتراب من الأشجار المُعمّرة في الغابة ، لأنها بيوتهم .. كما يأمروها بتخويف الصغار من اللعب ليلاً ، لأن اصواتهم وضحكاتهم العالية تزعجهم .. وايضاً إرهاب النساء من الإقتراب من المقبرة ، لأنها منتزهم المفضّل ..
ثم توالت صوراً سريعاً ، تظهر براعتها بالسحر .. لدرجة انها اصبحت بعد عدة سنوات ، من اشهر مشعوذيّ المنطقة
وبعد اطفاء الشاشة .. اقتربوا الأطباء منها ، لسؤالها :
- كم شخص طلّقته من زوجته حتى الآن ؟
فأزالت الخوذة عن رأسها ، وعدّلت جلستها فوق السرير .. وهي تقول بلا مبالاة :
- توقفت عن عدّهم بعد مساهمتي بتطليق نصف معارفي ، وتنفّذي لطلبات النسوة اللآتي قدمن الى بيتي لتخلّص من ضرائرهن ..كما نجح الجن الذين يتعاملون معي ، بإصابة المسحورين المساكين بأمراض الجلد والصرع وإسقاط الأجنة والعقم ، بالإضافة لمشاكل الرزق والتعليم .. حتى ان بعضهم اوصله السحر للإنتحار او الموت قتلاً !
- ولما فعلت كل ذلك ؟
المشعوذة بعتاب : أمازلت تسأل بعدما شاهدت انت وزملائك خطورة تلك المخلوقات التي حاصرتني طوال حياتي ، والتي هدّدتني بسلامة ابني الوحيد ؟!
فسألها طبيبٌ آخر :
- ولما ظهر منزلك متهالك ، رغم المكاسب المالية التي حصلت عليها من تلك المهنة الخبيثة ؟
المشعوذة باشمئزاز :
- الجن تعشق المنازل شبه المهجورة برطوبتها العفنة ، وأجبروني على التعايش مع ذوقهم المزري .. كما منعوني من الإغتسال كثيراً ، فالطهارة تحرقهم.. حتى نقودهم الذهبية لم تفيدني ، فجميع الصاغة رفضوا اخذ عملاتهم بنقوشها الغريبة ! فلم يكن امامي سوى تخزينها في صندوقٍ كبير
- واين هي الآن ؟
- استعادوها الملاعين لباطن الأرض ، بعد قبض الشرطة عليّ .. حتى ابني الذي عانيت لأجله ، سافر للغربة هرباً من صيتي السيء .. يعني باختصار ، لم استفد شيئاً من العالمين !
الطبيب : لا ادري كيف تحمّلتي تلك الحياة المتعبة ، طيلة 30 سنة ؟
فتنهدت بقهر : روحي ماتت في اليوم الذي سلّمت فيه جنيني لتلك المشعوذة .. ليتني تركت زوجي اللعين يتزوج عليّ ، فهو اهون من قيام اللعينة بإزالة الحاجز بين عالمهم وعالمي للأبد !
- الم تفكّري بالإنتحار ؟
- كل يوم !! لكن الشياطين كانت تظهر بآخر لحظة ، لمنعني بطريقةٍ ما .. فهم لا يريدون موت من تؤذي اعدائهم البشر.. لهذا لا حلّ امامكم سوى إعدامي .. وأتمنى ان تصدر المحكمة هذا الحكم قريباً.. لربما ارتاح من ذكرياتي المخيفة التي حرمتني راحة البال لسنواتٍ طويلة
وفجأة ! نظرت العجوز لزاوية سقف المختبر برعب
الطبيب بقلق : ماذا رأيتي ؟! إخبرينا ؟
فأشارت للسقف ، وهي تقول بصوتٍ مرتجف :
- هآقد ظهر احدهم ، وهو يريد مشاركتكم ما صوّره بعينيه !
وهنا اضيء التلفاز لوحده :
ليظهر اطباء المختبر من زاويةٍ مرتفعة !
وخلف كل واحدٍ منهم ، وقف ظلٌ أسود طويل بعيونٍ حمراء وقرونٍ ملتفّة
قبل أن تنقضّ الظلال وتخترق أجسادهم دفعةً واحدة!
فأطلق الأطباء صرخاتٍ مذعورة بعد رؤيتهم للفيديو المرعب ! بينما انفجرت العجوز بضحكةٍ مجلّجلة لا تشبه صوت البشر !
مما افشل تجربة الأطباء الذين سمحوا للشرطة بنقلها للحجز ، بانتظار محاكمتها
***
بعد ايام ، صدر قرار القاضي بحبسها 20 عاماً .. متجاهلاً صرخاتها الهستيرية بالقاعة ، وهي تطالب بإعدامها وإراحتها من عذابها
واثناء اقتيادها الى سيارة الترحيل لسجن النساء ، خرج احد الضحايا من المحكمة .. وهو يركض باتجاهها ، مُفرغاً قارورة البنزين فوق ثيابها .. وهو يصرخ بجنون :
- لقد تسببتِ بموت عروستي .. ايتها اللعينة !!
وحاول الشرطيان إيقافه ، لكنه تمكّن من رميّ الولاّعة عليها
وبثواني تحوّلت العجوز إلى كتلة من اللهب.
بينما كان الشرطي يُثبّت الرجل بعد إسقاطه ارضاً ، وهو مازال يصرخ غاضباً :
- إحترقي .. دنيا وآخرة !!
والأرعب ان صراخها لم يشبه المرأة البشرية ! بل مزيجاً مرعباً من عويلٍ ونباح عدة كائناتٍ متألمة .. قبل أن تخمد جثتها ، وتتفحم تماماً.
***
اما الرجل الذي احرقها ، فكان يصرخ كل ليلة في زنزانته وهو يستغيث بالشرطة لإنهاء حياته .. هرباً من تعذيب الشياطين والجن الذين تركوا آثار اظافرهم بكل جزءٍ من جلده المسلوخ ، مُعلنةً أن سِجل اللعنة لن يغلق أبدا !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق