تأليف : امل شانوحة
انتقام لقيط
إقتحمت الشرطة منزل الشاب الغامض ، اثناء جلوسه بهدوء في غرفته .. فطلبوا منه الإستسلام :
- جاك اندرسون !! انت موقوف بتهمة قتل امرأتين
جاك بدهشة : امرأتان فقط !
- ماذا تقصد ؟
جاك : قتلت اكثر من عشرين امرأة ، وثلاثة رجال .. وكتبت تفاصيل الجرائم في مذكّراتي .. سأعطيها لك الآن
وعندما حاول فتح درج مكتبه .. صرخ الشرطي عليه ، وهو يوجّه سلاحه نحوه :
- إيّاك ان تتحرّك !!
فرفع جاك يديه ، بينما يبحث الشرطي عن دفتره داخل درجٍ مليء بأغراضه العشوائية..
فغافله جاك بشرب سمٍّ محفوظ في فصّ خاتمه الكبير ، جعلت جسمه ينتفض بحركاتٍ لا ارادية .. الى ان خرجت رغوةً بيضاء من فمه !
وحاولت الشرطة إسعافه ، لكنه مات قبل وصولهم للمشفى
***
في مركز الشرطة .. قرأ المحقّق مذكّرات جاك التي فيها اهم الأحداث التي حصلت في حياته القصيرة ، بعد انتحاره بسن 25 !
كاتباً في صفحتها الأولى :
((كبرت في الميتم وانا راضي تماماً بقدري ، بعد وفاة والدايّ بحادث سير وانا طفلٌ صغير .. لهذا لم اكن معقّداً كبقية رفاقي ، بل عشت منطلقاً ومحبّاً للحياة .. وكنت انتظر بفارغ الصبر بلوغي سن 18 لأسرّح من الدار .. بعكس اصدقائي الذين تمنّوا ان يتم تبنيهم من قبل العائلات التي زارتنا بشكلٍ دوريّ
في عمر 9 سنوات ، فقد المدير اعصابه من كثرة شقاوتي وشكاوي المعلمين ضدي .. فأخرج صندوقاً من الأرشيف ، عليه اسمي (جاك اكس) .. موضحاً أن (أندرسون) مجرّد لقبٌ وهمي ، يُمنح لأطفال الميتم
ومن داخل الصندوق المُغبرّ ، أخرج شريط فيديو قديم ..
وقبل ان يُديره ، قال بلؤم :
- على فكرة يا جاك .. والداك لم يموتا بحادث سيارة
فأجبته بدهشة : ماذا تقصد ؟!
- أنظر الى الشاشة .. هل ترى السيارة الحمراء ؟ .. فيها والديك .. انظر كيف نزلت امك وهي تحملك داخل بطانية ، وترميك في حاوية النفايات قبل ابتعادها مع ابيك ..
فقلت بصدمة : حاوية نفايات !
- نعم ، التي بجانب الدار .. رمتك عصراً .. وفي آخر الليل ، عثر عليك الحارس بعد سماع بكائك.. كنت شبه متجمّد من البرد والجوع.
فصرخت وانا انتفض غضباً :
- لا !! انت تكذب .. ذلك اللقيط ليس انا
- بلى انت !! ارأيت يا جاك .. حتى والديك لم يطيقانك منذ ولادتك ، وكأنك ابن شيطان .. فكل مشاغباتك اليوم تدلّ على ذلك .. ليتنا تركناك تموت تلك الليلة
وتركني منهاراً بالبكاء في القبو حتى الصباح ، بعد قتله لكل آمالي وأحلامي.. فبعد اكتشافي الحقيقة تحوّلت من طفلٍ شقيّ ، إلى كائنٍ كئيب فقد شهيته وشغفه بالحياة..
سنواتٌ طويلة كرهت فيها المدير ، وتمنيت لوّ انني انتقمت منه ، لكن اجله سبقني.. الشيء الوحيد الذي خفّف عني هو العائلة الطيبة التي تبنّتني ، والتي أشعرتني بالمحبة والأمان اللتين افتقدتهما طويلاً
لكن والدايّ بالتبني لم يعيشا طويلاً .. ماتت امي بسني 13 بعد معاناتها مع السرطان .. ووالدي توفيّ بسني 19 بعد حادثة في ورشة عمله .. ليعود إليّ شعور اليتم المرير من جديد !
ومع ذلك ورثت منهما مالاً ، ساعدني على إكمال دراستي... وكانت اموري على ما يرام .. الى ان حصل شيء غيّر مسار حياتي ، وأعاد شبح الماضي من جديد .. وحصل ذلك بعد عودة جارتي الحامل من مشفى التوليد دون طفلها !
لم اعرف ما حصل ، الا بعد سماعي بالصدفة صديقتها تتحدّث عن بيع طفلها ، لشراء سيارة جديدة.. مما اشعل داخلي نيران الذكريات ومرارة حاوية النفايات.
في تلك الليلة ، ارتكبت أول جريمة في حياتي.. بعد تسلّلي إلى منزل جارتي وهي نائمة .. وتعمّدت ترك غازها مفتوحاً ، ثم عدت بهدوء إلى منزلي.. وفي الصباح ، أعلنت الشرطة بأن وفاتها حادثٌ منزلي.
الغريب انني لم اشعر بالندم ! بل شعرت بإنجازي لعدالةٍ مؤجلة.
كانت تلك ضحيّتي الأولى ، فهل ستكون الأخيرة ؟ .. حقاً لا ادري!))
***
في الصفحة التالية ، وبتاريخٍ مغاير (يدلّ على مرور سنة كاملة على تلك الجريمة)
كتب جاك : ((لم اكتب منذ وقتٍ طويل بسبب انشغالي بالدراسة .. وإن كنتم تتساءلون ؟ فقد تخرّجت اخيراً من اختصاص المحاسبة .. واحاول ايجاد عملٍ في شركةٍ محترمة .. لكن للأسف ، لم أتوظّف حتى اليوم .. لهذا احرص على عدم صرف الكثير من ثرّوة والدايّ التي اوشكت على الإنتهاء.. ومن الضروري إيجاد دخلٍ جديد قبل نهاية العام .. اراكم قريباً))
***
في الصفحة التي تليها ، والتي دوّنها بعد ثلاثة اشهر من نصّه الأخير ..قال فيها :
((ارتكبت قبل قليل جريمتي الثانية .. أتدرون ما حصل ؟ .. قبل اسبوع رأيت بالصدفة إحدى زميلاتي بالثانوية حاملاً بشهرها الأخير .. وعندما باركت لها .. شكت همها ، برفض حبيبها للطفل.. فأخبرتها بأنني على استعداد لتربيته .. لكنها لم تأخذ كلامي محمل الجدّ !
وبعد ولادتها ، قرّرت زيارتها وانا مصمّم على اخذ الولد منها .. لكن قبل ركن سيارتي ، وجدتها تقود سيارتها بعيداً .. فلحقت بها ، الى ان وصلت الى منزلٍ كبير .. دخلت اليه مع طفلها ، وخرجت بعد قليل من دونه ! فاتجهت اليها ، بالوقت الذي كانت تتحدث فيه بجوالها مع حبيبها .. وسمعتها تطمئنه على بيعه لعجوز تتسلّى به ، بدل كلبها الميت ! فشعرت بنارٍ تحرق جسدي .. وعاد إليّ شعور اليتم القديم.. فأنا لم أعد أرى طفلها بيدين عجوز بالكاد تستطيع الإعتناء بنفسها ، بل رأيت نفسي ارتجف داخل بطانيتي في حاوية النفايات !
وبدأت بمراقبة الأم المهملة لأيام ، الى ان ذهبت لمنزل حبيبها .. وفي آخر الليل ، وبعد تأكّدي من نومهما .. سكبت البنزين حول المنزل الذي اشعلته من الخارج ، وأسرعت بالهرب .. لأعلم في الصباح التالي ، بعثور الأطفاء عليهما متفحّمين بالداخل .. المشكلة ان التحقيق الجنائي كشف أن الحريق مُفتعل ، وهم يقومون الآن بتحرّياتهم للقبض على الفاعل .. ورغم اتخاذي الحيطة بوضع القناع على وجهي ، وإزالة لوحة سيارتي التي أخفيتها في كراج منزلي .. مع ذلك سألازم بيتي احتياطاً ، لحين انتهاء الأزمة..
أتدرون ما الغريب في الموضوع ؟
بدأت أشعر أنني صاحب رسالة قيّمة في الحياة !))
***
ثم بدأت الصفحات تتوالى عن جرائم اخرى : لأناسٍ تخلّوا عن اطفالهم ، فقتلهم جاك دون ترك دليلٍ خلفه ..خاصة المراهقات الحوامل دون زواج..
فهو لم يعد يرى نفسه قاتلاً ، بل منقذاً للأطفال في عالمٍ قاسي لا يرحم الضعفاء
ومع تعدّد جرائمه ، لم يعد بحاجة لسببٍ مهم .. يكفي أن يرى طفلاً يعاني من اهمال والديه ، لجعلهما يدفعان الثمن غالياً !
^^^
لكن داخل مذكّراته ، ذكر قصتين استثنائيتين :
أحدهما قصة رجل حبس ابنه 20 سنة في قبو منزله في المنطقة المجاورة ، حيث اقتيد الأب الى السجن والشاب الى مستشفى المجانين .. وحين قرأ جاك قصتهما بالصحيفة : تنكّر بهيئة طبيب لدخول المصحّ ، لحقن الشاب بإبرة هواء .. اما والده ، فدفع المال لأحد المساجين ليقوم بطعنه اثناء استحمامه .. وعللّ جاك في مذكّراته قيامه بالجريمتين بقوله )) لعلمي المسبق بأن الشاب لن يشفي من جروحه النفسية مهما عالجوه ، اردّت ان اريحه كلّياً من عذابه .. اما والده القاسي ، فقد استحق الموت بجدارة))
اما القصة الثانية : فهي قصة والدان مدمنان ، علّما ابنهما (10 سنوات) تدخين مارجوانا معهما !
وذكر جاك في دفتره : ((كان بودّي انقاذ الصبي بعد قتل والديه الأحمقين بمسدسي .. لكني أطلقت عليه رصاصة الرأفة ، لإرساله للجنة .. واراحته من رحلة علاجٍ ميؤوسٍ منها))
^^^
وكان من ضمن جرائمه .. تعقّب جاك لوالديه الحقيقيين ، من خلال رقم لوحة السيارة القديمة (بأرشيف الميتم)
كاتباً في مذكّراته : ((إقتحمت منزل ابي ليلاً ، وواجهته بالحقيقة .. فتوسّل اليّ بحماية عائلته الجديدة .. فقرّرت العفو عنه ، بشرط ان يدلّني على مكان امي .. فأخبرني انها مازالت تعمل بذات البار الذي التقى بها قبل 20 عاماً ، وأعطاني العنوان .. فخرجت من منزله بهدوء .. رغم انني تمنيت لوّ طلب مني ازالة القناع ، لرؤية وجه ابنه الذي رمته حبيبته السابقة في النفايات امام انظاره .. لكنه لم يسألني حتى عن اسمي ! فكتمت غيظي ، وأسرعت الى ذلك البار .. واختطفت امي بعد خروجها المتأخر من العمل .. وفي زقاقٍ مظلم ، اخبرتها من اكون .. وسألتها ان كان أنّبها ضميرها على رميّ طفلها بالزبالة ؟.. أتدرون ماذا اجابتني ؟ .. وانت أيّ واحدٍ منهم ؟ فهي لا تتذكّر اين تركت اخوتي الثلاثة ، بعد تخلّيها عنهم ! ..حينها فقدت السيطرة على نفسي ، وخنقتها بيدايّ بكل قوتي .. وبعد موتها ، أدركت بأني لم اعرف عناوين اخوتي ! فحملت جثتها ورميتها بأقرب حاوية نفاية ، كما فعلت بأطفالها الأربعة الغير شرعيين ..لليوم لا اصدق بأن امي سيئة لهذه الدرجة .. لهذا قرّرت انقاذ اكبر قدرٍ من الأيتام ، من قسوّة الكبار الذين لا يستحقون لقب الأمومة والأبوة .. وهذا سيكون هدفي بالحياة))
^^^
في آخر مذكّراته كتب التالي :
((كنت أعتقد أنني أقتل الآخرين ، لغيظي من تخلّيهم عن أطفالهم.. لكن الحقيقة أنني قتلتهم ، كرهاً للطفل الموجود بداخلي الذي ظلّ يسأل طوال حياته : لماذا لم يحبني أحد ؟!
لكني عرفت متأخراً : أنه لا يوجد شيء خاطئ في ذلك الطفل.. بل الخطأ كان في والديّه عديميّ المسؤولية.. وفي المدير الذي قتل الرحمة بقلبيّ الصغير.. وبكل شخص لم يساعد طفلاً بحاجةٍ اليه ..
واليوم فقط !! أعلن خطئي بتحويل ألمي ، إلى رخصة قتلٍ عشوائية .. فأنا لست بطلاً ، بل قاتل متسلّسل.. ورغم كل ذنوبي ، لن أعاني في السجون ، بل سأضع حداً لحياتي بيدي))
وكان هذا آخر ما كتبه في مذكّراته التي نُشرت لاحقاً .. لتتحوّل قصة جاك إلى قضية هزّت الرأيّ العام في مجتمعه الذين انقسموا بين رافضين لجرائمه ، وبين متعاطفين مع طفولته المُحطّمة دون سندٍ له
***
لاحقاً ، أدّت القضية إلى مراجعة واسعة لطرق التعامل مع الأطفال المُتخلّى عنهم.
حيث أصبحت دور الرعاية أكثر حرصاً على عدم استخدام تاريخ الطفل العائلي لإذلاله أو معاقبته .. مع التأكيد للطفل ، بأن لا ذنب له بوجوده في الميتم ..
ويبقى السؤال :
((أين تبدأ مسؤولية المجرم ؟ وأين تنتهي مسؤولية المجتمع التي صنعت جراحه ، مُحولةً غضبه الى سلّسلة من جرائم انتقامه الدموية؟!))

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق