الاثنين، 7 سبتمبر 2026

نبضات متأخرة

تأليف : امل شانوحة 

دار المسنين


في عزاء جدتها .. جلست سميرة بعيداً عن المُعزّين ، وهي تنظر لصورة جدتها بعينين دامعتين 


فاقتربت منها صديقتها ، في محاولة لتخفيف عنها:

- لما أنت حزينة يا سميرة ؟ فجدتك ارتاحت أخيراً من عذاب مرضها الطويل.. وانت الآن بعمر الثلاثين ، وحان الوقت لتلتفتي إلى حياتك.

فمسحت سميرة دموعها :

- ومن قال إن جدتي اعاقت حياتي؟

- لم أقصد ذلك... لكنك تخصّصتي في التمريض ، للإعتناء بها .. وقضيت عشر سنوات في خدمتها .. والآن يمكنك الإستمتاع بالحياة 

سميرة بحزن :

- هي ربّتني بعد طلاق والدايّ اللذيّن أكملا حياتهما دوني ، وحمتني من الضياع.. ولم اردّ سوى القليل من فضلها عليّ 

- وبدورها اورثتك كل مالها..

سميرة مقاطعة :  

- مستعدة للتخلّي عن اموال الدنيا ، إن كان هذا سيعيدها الى حياتي 


بهذه الأثناء .. سمعتها إحدى المُعزّيات ، فاقتربت من سميرة وهي تقول :

- آسفة على تدخلي... لكن لديّ اقتراح يغيّر حياتك.


وأخبرتها بأنها موظفة في دار مسنين ، يعيش نزلائها العجائز حياةً قاسية 

..واقترحت على سميرة (كونها درست التمريض) ان تتطوّع للعمل هناك ، لتحقيق آخر آمانيهم بالحياة 

فأخذت سميرة منها رقم الدار ، وهي تعدّها التفكير بالأمر

***


في تلك الليلة ، شاهدت سميرة جدتها في المنام ..وهي تقول :

((هم بحاجة اليك .. عامليهم ، كما عاملتني يا صغيرتي))


وبسبب المنام ، تقدّمت مع بداية الشهر للعمل في دار المسنين.

فرفضت الإدارة طلبها ، بحجة عدم وجود وظيفة شاغرة.. 

لكن تبرّعها بجزء من ثرّوة جدتها للدار ، جعل المديرة تعيينها مُشرفة على بقيّة الممرّضات.. وهذا اعطاها حرّية التعامل مع النزلاء 

***


في البداية ، اكتفت سميرة بمراقبة الوضع من بعيد ..

وما رأته أحزنها جداً : 

فهناك خمسون مسناً يعيشون في غرفٍ منفردة ، يأكلون طعاماً بلا نكهة او طعم ، ويقضون معظم ساعاتهم في أسرّتهم بانتظار موتهم !

بينما تُنفّذ الممرّضات مهامهنّ على عجالة ، دون حديث أو تواصل إنساني.


فكان على سميرة اولاً ، قراءة ملفات النزلاء .. 

ومن بعدها ، خصّصت وقتاً لكل واحداً منهم .. الى ان عرفت قصصهم جميعاً 


فإحدى العجائز : عملت طبّاخة ماهرة ، قبل أن يؤول مطعمها الشعبي إلى حفيدها الذي نسِيها.

اما زميلتها : فعملت طوال حياتها بصنع الحلويات مع عائلتها التي تخلّت عنها بعد كبرها بالسن  !

والأخرى : بارعة في حياكة الصوف ، رغم آلام مفاصلها.

والرابعة : نشأت في مزرعة .. جعلتها خبيرة بالحيوانات ، خصوصاً المواشي


وهناك ايضاً رجلٌ عجوز موهوب بالرسم .. لكن منذ دخوله الدار لم يُسمح له بمسك الفرشاة ، منعاً للفوضى ! 

والآخر : كان ضابطاً صارماً بالحرب الأهلية.. وعصبيته الزائدة جعلت ابنائه يتخلّون عنه ، ونادراً ما يزورونه ! الشيء الوحيد الذي كان يهدّئه هو الشيشة ولعب الطاولة ، لكن الإدارة منعتهما عليه .. فصار نزيلاً لا يطاق ، لدرجة ان الممرّضات يحرصن على الإبتعاد عنه قدر الإمكان


اما اصغر النزيلات : فكانت بسن الستين ، كرّست حياتها لرعاية امها التي ماتت بعمر المئة.. ولعدم وجود من يعتني بها بعد إصابتها بالسكّري ، قدمت للدار طواعيّة ، بعكس النزلاء الآخرين.. 

اما اكبرهن سناً : فتجاوزت التسعين ، وحلمها الوحيد هو رؤية اصغر احفادها المتعلّقة به جداً.. 


بينما هناك نزيلة ، نادراً ما تتحدث مع الآخرين .. لتكتشف سميرة بانها موهوبة بتأليف القصص المتنوعة .. ولديها عشرات المؤلّفات التي احضرتها معها الى الدار ، دون ان تجرؤ يوماً على نشرها 

***


وذات صباح .. اعلنت المديرة للموظفين عن اجازتها لمدة شهر ، للإعتناء بوالدتها المريضة في القرية .. وهذا ما اعطى الفرصة لسميرة لتنفيذ خطتها .. فجمعت بقيّة الممرّضات ، وهي تقول لهن :  

- اعرف أن بعضكن يظن أنني حصلت على منصبي بعد تبرّعي للدار ، وربما معكن حق.. لكني لا أريد السيطرة على هذا المكان ، بل أريد ان تساعدونني بتغيره نحو الأفضل .. طلبي الوحيد هو السرّية التامة ، لحين عودة المديرة من اجازتها


ورغم ان معظمهن لا يحبونها .. لكن طالما ستتحمّل المسؤولية وحدها ، فلا مشكلة من مساعدتها

***


في صباح اليوم التالي .. دخلت سميرة الى غرفة الطبّاخة العجوز ، وهي تسألها عن رأيها بطعام الدار ؟ 

فأجابتها بامتعاض : 

- أتسمين تلك القذارة طعاماً؟

سميرة : اذاً ما رأيك ان تطعمي زملائك من وصفاتك اللذيذة ؟

العجوز : إقترحت ذلك مراراً على المديرة .. لكنها رفضت ، خوفاً من اذية نفسي بالسكين والنار ، كأني طفلةً بلهاء ! 

سميرة : هي بإجازةٍ الآن ، وانا المسؤولة عن الدار .. وسأساعدك مع بعض الممرّضات في المطبخ .. لكن عليك اولاً ان تخبريني بالأغراض التي تحتاجينها لقائمة الغداء ، على ان تحسبي الموظفين الثمانية ايضاً .. فنحن سنشارككم الطعام هذا اليوم .. كل ما عليك فعله هو اعطائنا تعليمات الطبخ ، وانا وزميلاتي ننفّذ طلباتك بالحرف الواحد 


فابتسمت العجوز لأول مرة منذ سنوات ، وهي تقول بحماس : 

- اذاً استعدوا لأشهى وليمة أكلتموها في حياتكم.. بشرط !! ان تساعدني زميلتي بإعداد صينية الكنافة ، فهي خبيرة بالحلويات

سميرة : موافقة ، وسأحرص ان تكون كمية السكر مناسبة لصحة الجميع

^^^


في وجبة الغداء.. ضجّت القاعة بالضحك والأحاديث الدافئة ، وسط أجواءٍ منزلية أبهجت الجميع.

لكن فرحتهم لم تدمّ طويلاً ، بعد دخول الطبيب الى القاعة.. والذي تفاجأ بالأكل الدسم والحلويات ! جعله يستدعي سميرة الى مكتبه غاضباً 

***


في مكتبه .. وبخها على تهوّرها : 

- تغيّبت ليومين فقط .. لتقومي بإطعام مرضى السكّري والضغط أطعمةً غير صحية ، مُعرّضةً حياتهم للخطر !!

سميرة : اليأس هو ما يقتلهم حقاً .. وتلك السعادة التي رأيتها على وجوههم ، هي التي ستحسّن نفسيّاتهم وصحتهم.. وإن كنت لا تصدّقني ، يمكنك فحصهم 

الطبيب : سأفعل بعد قليل .. وان ساءت حالتهم ، ستعاقبين على غلطتك المُستهترة

^^^


وبالفعل قام الطبيب بفحص ضغطهم وسكرهم ومؤشراتهم الصحيّة ، ليتفاجأ بتحسّنهم عن الفحص الماضي ! 

سميرة : قلت لك !! السعادة هي علاجهم

فتنهد الطبيب : 

- لكن هذا لا يعني أن نعطيهم السكر والملح بلا حساب.

سميرة : لا تقلق بهذا الشأن ، فصحتهم تهمّني .. لكني بالمقابل لن أقتل أرواحهم بحجّة حماية أجسادهم.

الطبيب : بجميع الأحوال ستتحمّلين وحدك المسؤولية امام الإدارة واهالي النزلاء

سميرة بتحدّي :

- أقبل بكل سرور !! 

***


في الأيام التالية .. حرصت سميرة على تحقيق أمنيات النزلاء الواحدة تلوّ الأخرى: 

حيث جمعت كبيرتهن مع حفيدها المفضّل ، بعد دفعها رشوة لأمه العنيدة (دون علم الجدة)

اما النزيلة الأخرى ، فاشترت لها قطة صغيرة ، لعشقها للحيوانات .. وهذا ما اعاد ضحكتها من جديد 

اما العجوز الأخرى : فاحتضنت سميرة شاكرةً على هديتها ، بعد ان اعطتها سنّارة وسلّة مليئة بالأصواف الملونة ، لمهارتها في الحياكة .. وبدورها وعدت سميرة بكنزةٍ وردية ، تناسب رقتها وطيبة قلبها 

اما العجوز الرسّام ، فأهدته لوحات وألواناً..فوعدها أن تكون اول رسماته .. حيث انشغل بالتلوين في غرفته وهو يدّندن فرحاً ، كطفلٍ سعيد بلعبته !


اما العانس الستينية ، فقد حققت حلمها بلبس فستان العرس .. 

حيث أقام النزلاء عرساً رمزياً لها .. بينما العروس تتراقص بخفة على انغام الموسيقى  

اما النزيلة الإنطوائية : فوعدتها بالتكلّف مادياً بنشر جميع قصصها ، ضمن كتبٍ تباع في المكتبات .. فطلبت العجوز ان تمهلها بعض الوقت ، لمراجعة القصص قبل تسليمها لدار النشر.. وبذلك امضت وقتها في غرفتها ، بتصحيح المسودّات التي كتبتها منذ وقتٍ طويل 

اما الضابط القاسي : فأهدته طاولة الزهر وشيشة ، بعد ان سمح له الطبيب بساعةٍ واحدة لتدخين يومياً .. والتي حسّنت مزاجه بشكلٍ ملحوظ ، جعلته يندمج في منافساتٍ مسلّية مع زملائه


وبذلك تحوّل الدار الى بيتٍ كبير مليء بضحكات العجائز الذين زادت روابط الصداقة بينهم بالأيام التالية

*** 


وذات يوم ، دخلت سميرة الى مكتب الطبيب ..لتجده ينهي المكالمة غاضباً 

سميرة : آسفة ! سآتي لاحقاً 

الطبيب وهو يحاول تهدئة نفسه : لا بأس ، ماذا تريدين ؟

- أريدك ان تمنع الممرّضات من إجبار النزلاء على ارتداء الحفاضات ، ما داموا قادرين على استخدام الحمام..

- إقتراحك ممكن نهاراً ، لكن ماذا عن الليل؟

سميرة : طلبت شراشف خاصة للحالات الطارئة.

- هذه الطلبيات مُكلفة مادياً  

- لا تقلق ، كلّه على حساب شركة جدتي 

- لا اريدك ان تنفقي ثروتك على هذا المكان.

سميرة : طالما سيسعد النزلاء ، فلا مشكلة عندي 

فتنهد بقهر : ليت كل النساء مثلك.

- اراك حزيناً .. هل تعاني مشكلة مع طليقتك ؟

الطبيب بضيق : هي تمنعني من رؤية ولدايّ ، بحجة عملي المرهق 

سميرة : اذاً إحضرهما إلى هنا ، فالعجائز يحبون الأطفال.. وبذلك تراهما دون ان يشغلانك عن عملك

طبيب : ابني في العاشرة وابنتي في السابعة ، ولا ادري ان كانا..

مقاطعة : صدّقني ، وجودهما سيفرح الجميع..  

***


في اليوم التالي ، جاء الولدان .. وسرعان ما اندمج الصبي مع اصعب النزلاء ، خصوصاً بعد إحضاره لعبة الجنود .. حيث بدأ الضابط بترتيبها بدقة على طاولته .. بينما يستمع الولد باهتمام لتفاصيل المعركة التي يرويها العجوز بحماس وهو يشرح خططه العسكرية.

أما الصغيرة : فجلست امام الكاتبة التي سردت لها اجمل قصة خيالية من تأليفها .. جعلت الطفلة تشجّعها على تحويلها الى كتاب مليء بالرسومات ، لتريها لزميلاتها بالمدرسة !


ورغم امضاء الطفلان ثلاث ساعات بالدار ، الا انهما لم يشعرا بالوقت وهما يتنقلان من نزيلٍ لآخر .. مما اسعد والدهما ، لسرعة اندماجهما مع العجائز الذين عدّوهما حفيداهما  

***


قبل نهاية الشهر .. حقّقت سميرة أمنية أخرى بعد نشرها قصص العجوزة ، مُوزعةً نسخاً منها على الموظفين والنزلاء .. مما ابكى النزيلة فرحاً ، بعد تحقيقها حلماً طال انتظاره 

***


وبعد ايام ، نفّذت سميرة آخر مفاجآتها.

بعد طلبها من العجائز التوجّه لحديقة الدار .. ليجدوا هناك ، لعبة تشبه الأفعوانية تدور ببطء حول المكان .. فتسابقوا على الركوب فيها .. 

وكم كانت فرحتهم كبيرة وهم يتنزهون داخلها ، وضحكاتهم تملأ المكان


بينما الطبيب يراقبهم من نافذة مكتبه ، وهو يشعر بالفخر من إنجازات سميرة التي تكبر بعينه كل يوم 

***


وقبل عودة المديرة بيومٍ واحد ، أخذتهم سميرة في نزهةٍ قصيرة.

أكلوا فيها المثلّجات ، والتقطوا الصور ، وغنوا بحماس داخل الحافلة.

***


لكن في صباح اليوم التالي .. تعرّضت الكاتبة العجوز لوعكةٍ صحيةٍ طارئة ، نُقلت على إثرها إلى المستشفى.. حيث وافتها المنية ، قبل وصول المديرة بساعة ! ليعمّ الحزن الدار.


وقد حاول الطبيب مواساة سميرة التي لامت نفسها على النزهة التي أرهقت الكاتبة الراحلة ، قائلاً لها :

- هي ماتت سعيدة ، بعد تحقيقك اغلى امانيها.. ثم قصصها ستجعل اسمها خالداً في عقول الأجيال الجديدة 


لكن هذا لم يكن رأيّ المديرة التي غضبت كثيراً من التغيرات التي حصلت بالدار في غيابها !

صارخةً على سميرة في مكتبها :

- انت خالفتِ أنظمة الدار ، وأدخلتِ أطعمة ممنوعة ، وأحضرتِ الحيوانات ، وأقمتِ الحفلات ، وأحضرت العمّال لتركيب لعبة سخيفة بالحديقة ! وأخذت العجائز بنزهة لساعاتٍ طويلة ، أدّت لموت احدهم من شدة الإرهاق .. 

سميرة والدموع في عينها :

- معك حق .. لقد اخطأت فعلاً ..


وفضّلت عدم الدفاع عن نفسها ، بل نزعت بطاقة عملها بهدوء .. وقدّمت استقالتها ، لتخرج من المكتب دامعة العينين.

^^^


ثم توجهت سميرة الى غرفتها لترتيب اغراضها ، بينما وصل خبر إستقالتها للجميع 


وقبل خروجها من الدار .. تجمّع العجائز حولها ، وهم يطالبونها بعدم تركهم وحدهم 

قائلةً احدى النزيلات :

- انت من جعلتني ارى احفادي من جديد

الرسّام : وانا استعدّت موهبتي التي اوشكت على نسيانها

الضابط : وانا خفّت عصبيتي بسببك 

الطبّاخة : وانا جعلتني اطبخ من جديد.. كما حققتي حلم زميلتي بطباعة قصصها .. رجاءً لا تتخلي عنا .. فالحياة بالدار مملّة من غيرك 


فردّت سميرة بحزن : سامحوني جميعاً .. يبدو ان دوري معكم ، انتهى هذا اليوم 

ثم نظرت للطبيب :

- سلّم لي على اولادك 

وحملت حقيبة ملابسها ، وخرجت من الدار حزينة

***  


بعد رحيلها ، عادت الكآبة تُخيّم على الدار بعد إلغاء المديرة جميع الأنشطة ، وإعادة الأوضاع الصارمة والوجبات الغير لذيذة ! 

***


وخلال أسابيع قليلة ، تدهوّرت الحالة الصحية والنفسية للنزلاء بشكلٍ ملحوظ ! مما ازعج الطبيب الذي واجه المديرة بجرأة:

- هل كنتِ تفضلين عيش امك تجربة نزلاء الدار ؟ سميرة من أعادت لهم إنسانيتهم ، واستفادت من خبراتهم وتجاربهم ، دون إشعارهم بأنهم اشخاص منتهي الصلاحية .. أرجوكِ أعيديها ، فالجميع هنا بحاجة إليها

فطلبت المديرة وقتاً لتفكير بالموضوع 

***


وفي اليوم التالي ، جاء أطفال الطبيب إلى الدار..

وعندما علما برحيل سميرة ، عاتبا والدهما :

- لما لم تصرّ على بقائها هنا ؟

الطبيب : لم يكن بيدي فعل شيء 

لتفاجئه ابنته : هي امي الثانية ، لم تركتها تذهب 

الطبيب بدهشة : كنت اريدها فعلاً ان تصبح امكما ، لكني خفت ان يغضبكما ذلك !

ابنه : لا ابي ، نحن نحب الآنسة سميرة كثيراً .. إتصل بها ، لكيّ تعود الى هنا .. فنحن لم نرها منذ مدةٍ طويلة !

ابنته : نعم ابي ، اشتقنا اليها كثيراً 

الطبيب بابتسامة : اذاً سأتصل بها الآن

***


في وقت العصر .. وافقت سميرة على مقابلة الطبيب في الحديقة العامة 

وهناك سألته عن احوال الدار ؟

الطبيب : للأسف ، عاد كل شيء كما كان

سميرة بضيق : اذاً ضاع كل تعبي.

- لا اظن .. فالمديرة تفكّر جدّياً باعتماد طريقتك 

سميرة بدهشة : أحقاً؟

- نعم .. وعلى فكرة ، جميع النزلاء يوصلون سلامهم اليك .. حتى اولادي اشتاقوا اليك 

فسألته بابتسامةٍ ماكرة : فقط اولادك ؟

فأجاب بتردّد : وأنا أيضاً.. رجاءً عودي.

سميرة : الأمر متوقف على قرار المديرة 

- لا تقلقي ، سنجبرها على الموافقة 

ثم وقف وهو يقول : 

- وعندما تعودين... لديّ أمرٌ آخر أريد محادثتك بشأنه.

***


في صباح اليوم التالي .. تفاجأت المديرة بتجمّع النزلاء في الحديقة ، وهم يعلنون إضرابهم عن الطعام والدواء ، لحين عودة سميرة الى الدار ! 

وكان الطبيب واولاده معه .. 

حتى الممرّضات اللواتي عارضنها في البداية ، وقفن الآن في صفها!


فرضخت المديرة لمطالبهم بعد تضامنهم القوي ، خصوصاً ان موظفة التفتيش ستأتي للدار بعد ايام 

فتعالت تهليلات النزلاء وتصفيقهم ، فرحاً بقرارها .. ومع ذلك لم يقبلوا تناول الغداء الا من يد زميلتهم الطبّاخة ..


حيث شاركتهم المديرة لأول مرة الطعام في القاعة .. وقد أعجبتها الوجبة كثيراً ، لتشابه المذاق مع طبخ والدتها المرحومة.. 

وبسبب ذلك وكّلت العجوز بالمطبخ رسمياً ، بعد ان وعدتها بتعيين مساعدات لها .. بشرط الإلتزام بكميات السكر والملح المناسبة لكل مريض.

***

وفي يوم عودة سميرة ، تفاجأت بمكاتب وغرف الدار فارغة ! 

وعندما خرجت للحديقة ، وجدتهم مجتمعين هناك بملابسهم الأنيقة.

مع وجود كيكة كبيرة على الطاولة !


وأحد العجائز بزيّ الشيخ وهو يحمل دفتراً كبيراً ، ويقول :

- كنت كاتباً بالمحكمة الشرعية قبل تقاعدي .. وقد حصلت على اذنهم اليوم ، لعقد الزواج 

سميرة بارتباك :

- زواج من ، يا عم؟!



فتقدّم الطبيب منها ببذلته الرسمية .. ثم جثا على ركبته، مخرجاً خاتماً ذهبياً: 

((سميرة.. زميلتي الرائعة التي أنفقت ثرّوتها وقلبها لإسعاد الآخرين ، وحنانك الذي غمر طفلايّ.. هل تقبلين الزواج مني؟))


وقبل ان تجيبه ، صرخ ولداه وهما يقفزان بحماس : 

- رجاءً وافقي!!

فضحك الجميع.


إحمرّت وجنتا سميرة .. ثم ابتسمت بوجه الطبيب :

- نعم .. موافقة 

فصفّق الجميع لهما بسعادة 


بينما فتح الشيخ دفتره ، وهو يناديهما للجلوس بجانب الشاهدين : ((الضابط ، والرسّام)) :

- اذاً لنكتب الكتاب في الحال 


وبعد دقائق ، قال الشيخ بصوتٍ عالي : 

- أعلنكما زوجاً وزوجة !! 

فتعالت الزغاريد والتصفيق.


وهنا قال الطبيب لزوجته :

- كنتِ طوال الشهر الفائت تحققين اماني الجميع ، فهل تحققت امنيتك اليوم ؟

سميرة بابتسامة : نعم ، فقد اصبحت لديّ عائلة كبيرة

وهنا تذكّرت كلام جدتها : 

((لكلٍ منا رسالة بالحياة .. فحاولي ان تجدي مكاناً تنثرين فيه لطفك وحبك))


وهاهي اليوم وجدت مُهمّتها الحقيقية التي خُلقت لأجلها ، مُحققةً أمنية جدتها الراحلة على أحسن وجه.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

نبضات متأخرة

تأليف : امل شانوحة  دار المسنين في عزاء جدتها .. جلست سميرة بعيداً عن المُعزّين ، وهي تنظر لصورة جدتها بعينين دامعتين  فاقتربت منها صديقتها ...