الثلاثاء، 16 يوليو 2024

أضحيّة البحر

تأليف : امل شانوحة 

الخطة الجهنميّة


في القرن الماضي .. ومع تلاطم أمواج بحرٍ هائج في ليلةٍ باردة ، جذّف الناجون الخمسة مُبتعدين عن سفينة رحلتهم اثناء غرقها بعد حريقها المُفاجىء ! حيث تواجد على متن قارب النجاة الخشبيّ : شاب ورجل وعجوز ..ومراهقةٌ حامل (سافرت وحدها بالسفينة هرباً من غضب اهلها ، لعلاقتها الغير شرعيّة) وولد في١٢ من عمره الذي فقد عائلته ، كما حصل مع بقيّة الناجين الذين أدركوا هلاكهم ، لحصول الكارثة في منتصف الرحلة .. وهذا يعني أن عثورهم على يابسة أمرٌ شبه مستحيل!

^^^


وفي اليوم الثالث .. إشتدّ عليهم الجوع والعطش ، وتوجّب عليهم التضحيّة بأحدهم .. ووقع اختيارهم على الولد اليتيم .. فموته لن يُثير الشبهات حولهم ، يكفي إدّعائهم وقوعه من القارب اثناء نومهم ! وكان هذا قرار الرجل الأربعينيّ (المُجبرين على طاعته ، لامتلاكه السكين دونهم) 

واتفقوا على انتظار نوم الصبي لذبحه ، وتناول لحمه نيئا .. بينما اقترحت الحامل اصطياد السمك بقطعٍ من لحمه ، لكنهم رفضوا الإنتظار !


ما أغاظهم ان الصبي ظلّ طوال النهار يُدنّدن ويُصفّر ، مُثيراً غضب الرجال الذين ينتظرون ان يخفّ نشاطه للإمساك به وذبحه .. الى ان فقد الشاب اعصابه ، مُطبقاً ذراعيه حول خاصرة الصغير الذي ما رأى السكين ، حتى علم بنيّتهم السيئة اتجاهه ! فقاومهم بكل قوّته وهو يصرخ باكياً .. وبسبب حركته الهستيريّة ، تأرجح القارب الصغير يميناً ويسارا .. وسط صراخ الحامل التي تشبّثت بقوّة ، خوفاً من وقوعها 


واثناء هذه الفوضى ، صرخ الرجل (صاحب السكين) :

- إمسكوه جيداً !!

الشاب بضيق : انه ينزلق من ايدينا كالزئبق !

العجوز : لا تنظرا اليّ ، فعظامي الهشّة لن تتحمّل شقاوته

الرجل بعصبية : اذاً سنضربه بالمجذّاف على رأسه !!


وقبل إطاحة الخشبة عليه ، إبتعد الصبي مُسرعاً ..لتخِرّ الحامل صريعة ، بعد إصابة رأسها بالخطأ !

وهنا صرخ الولد بعصبية :

- كلوها بدلاً مني ، طالما قتلتموها !!

فنظروا لبعضهم بارتباك ! قبل أن يقول له الرجل :

- لقد كُتب لك عمراً جديداً ، ايها المشاغب .. هيّا قرّبوا جثتها ، كيّ أقطّعها بالتساوي بيننا

الصبي بحماس : وأنا أعطوني جنينها !!

فنظروا اليه بدهشة ، لوحشيّة تفكيره (رغم صغر سنه) وتبدّد غضبه بهذه السرعة !


ورغم شعورهم بالغثيان من طعم اللحم النيّء إلاّ انهم انهوا تناول الجثة بغضون ثلاثة ايام ، حتى انهم شربوا دمائها بدل الماء ! والأغرب ان الولد كان مُستمتعاً معهم بالجريمة الّلا انسانيّة !

^^^


بعدها بيومين ، جاعوا من جديد ..واقترحوا قتل الصبي الذي فاجأهم بسرقة السكين من خاصرة الرجل ، وطعن قلب العجوز الذي كان يحاول مساعدتهم بمسك يديه !

صارخاً الولد بعصبية :

- الآن لديكما طعامٌ جديد !! إتركاني وشأني ، ايها الملعونيّن !!

الرجل بصدمة : يا الهي ! هذا الولد خطيرٌ بالفعل 

وتناولوا العجوز على مدى يومين ، لنحافة جسمه

^^^


بعدها عاد الشاب والرجل في محاولتهما للإمساك بالولد الذي استطاع مقاومتهما لإنهاكهما الشديد بسبب الجفاف ، بعكسه ! الى أن تمكّن الصغير من دفع الشاب بكل قوّته .. والذي انفدخ رأسه بعد ارتطامه بطرف القارب ، مُحاولاً بصعوبة التوازن للإمساك بالصغير الذي استطاع إقناع الرجل (صاحب السكين) بقتل صاحبه:

- أنظر اليه !! سينزف حتى الموت ، فنحن لا نملك ادويّةً طبيّة لعلاجه .. بينما سأكون رفيقك لآخر الرحلة .. هيا لا تتردّد ، إقتل المُصاب!!


ويبدو أن كلام الصغير أقنع الرجل الذي وجّه سكينه نحو صديقه الذي تلعثم مُرتعباً:

- لا تتهّور ! انه جرحٌ بسيط ..سأمزّق قميصي ، وأربط رأسي ..وستتوقف الدماء خلال دقائق

لكنه هجم عليه بطعناتٍ متتالية ، أردته قتيلا ! 

^^^


بعدها أمضى الرجل مع الصبي طيلة المساء (على ضوء القمر) وهما يقطّعان جثة الشاب ويتناولانه بعد استياغهما لطعم اللحم البشري النيء !

الرجل : يالك من شقيّ ! قتلتهم جميعاً ، لفِداء نفسك

فتمّتم الصبي بصوتٍ منخفض : المهم من يبقى حيّاً للنهاية

^^^


في الصباح .. سرق الصبي منظار الرجل (الذي كان أخذها من كابينة السفينة قبل غرقها) اثناء نومه فوق كومة من عظام صديقه ! 

وبواسطتها لمح الصبيّ جزيرةً من بعيد..

وقبل استيقاظ الرجل ..رمى الصبي المنظار بالبحر ، كيّ لا يُدرك قرب الفرج !


ثم اقترب منه وهو يحمل نوعاً من السمك المُنتفخ الذي علق بالصنّارة التي صنعتها الحامل قبل وفاتها..

الرجل بقلق : إرمها فوراً بالبحر !!

الولد : لكني اصّطدتها قبل قليل !

- لا فائدة منها ، انها سامة

- اعرف ذلك .. وأقترح تناولها معاً ، طالما قُدّر موتنا بالبحر

الرجل بدهشة : أننتحر ؟!

الولد : ألديك حلٌ آخر ؟

- نعم !! أذبحك وآكلك  

- ثم ماذا ؟ تبقى وحدك تائهاً بالبحر لأيام وربما شهور ، الى ان تُجنّ .. أنظر حولك !! نحن وسط بحرٍ لا نهاية له 

فسكت الرجل وهو يشعر بالحيرة ، فتابع الصبي كلامه : 

- هيا لا تفكّر كثيراً بالموضوع ، ودعنا نتقاسمها بيننا


وظلّ الصبي يحدّثه عن عذاب الموت جوعاً ، الى ان أقنعه بمسك قطعة من السمك السام !

الرجل : وماذا عنك ؟

الصبي : وهذه القطعة لي ..سنتناولها معاً بعد الرقم ثلاثة.. ١ ٢ ٣


وبخفّة استطاع الصبيّ رميّ قطعته داخل قميصه ، وإيهام الرجل بمضغها بألم .. مما شجّع الرجل على اكل قطعته ..وسرعان ما أصابته نوبة تشنّجٍ حادّة ، شلّت اطرافه ! 

ليبدأ الصغير بدفعه بكل ما اوتيّ من قوّة ، نحو حافّة القارب .. فتمّتم الرجل بكلامٍ شبه مفهوم ، وبألمٍ شديد :

- هل أوقعتني بمكيدة ، ايها الملعون الصغير ؟!

الولد بمكر : حسناً دعني أخبرك الحقيقة ، طالما ستموت بجميع الأحوال ..انا من افتعلت حريق السفينة بعد سكبي زيت القنديل في مخزنها ، المليء بشوّالات القطن لأحد التجّار .. ثم أشعلته بالكبريت

الرجل بصدمة : ولما فعلت ذلك ؟!

- لأصبح ثريّاً

- ماذا تقصد ؟!

الولد : كنت بالرحلة مع عمي وزوجته اللعينة وولديّها الحقيريّن الذين عاملوني بقسوّة ولؤم بعد وفاة والدايّ

- فقرّرت القضاء عليهم ، بقتل جميع الركّاب ؟!


الولد : لا ، لم يخطر ببالي ذلك إلاّ بعد مروري بجانب غرفة احد الأثرياء بالسفينة وهو يُخبر صديقه عن كنزٍ أخفاه في إحدى الجزر ، وعن رسمه لخريطةٍ مُفصّلة بمكانه .. فأسرعت للمطبخ دون ان يلاحظني احد ، ووضعت سمّ الفئران في كوبيّن من العصير ..ثم لبست زيّ النُدُل ، بعد رفع اكمامه ..ودخلت عليهما وانا اخبرهما انها تقدمة من القبطان ..وبعد قليل ، عُدّت اليهما لأجدهما متوفيّن ..فسرقت الخريطة التي هي معي الآن ..ثم أحرقت السفينة ..وانتظرتك ريثما تُحرّر قارب النجاة للقفز فيه ، قبل إنزاله للبحر. ..وبعدها استطعت الإطاحة بكم لأكل بعضكم ، والبقاء حيّاً

الرجل : يا غبي ! أخسرت من تبقى من عائلتك ، لتموت بالبحر ؟!

فردّ الولد بخبث : ما لا تعرفه ، ان هناك جزيرة قريبة منا

الرجل بصدمة : ماذا !


الولد : رأيتها بمنظارك قبل رميّه بالبحر ..وسأتوجّه نحوها ، بعد تخلّصي منك.. وربما بعدها تضعني شرطة الجزيرة في الميّتم ، او يتكّفل بي احد الأفاضل ..وعندما اصبح شاباً ، سأسافر وحدي للعثور على تلك الجزيرة لاستخراج كنزي ، كتعويض عن الحياة البائسة التي عشتها سابقاً

- لا اصدّق ان كل هذا التفكير الإجرامي لصبيّ بمثل عمرك !

الولد : هذا الصبيّ الذي لا يعجبك سيصبح من اثرياء البلد ، ايها المخمور الفاشل


وضربه بالمجذّاف على رأسه ..ثم حمله بصعوبة ورماه بالبحر ، وهو يراقب غرقه ببطء .. ثم جذّف بما تبقى من قوّته ، مُتوّجهاً نحو اليابسة التي بدأت تظهر من بعيد.. قائلاً بحماس :

- هآ انا قادمٌ نحو الثراء والحريّة .. لا احد سيوقفني بعد اليوم

وأكمل طريقه نحو الجزيرة ، وهو غارقٌ بأفكاره الخبيثة الإجراميّة!


السبت، 13 يوليو 2024

صداقة الأعداء

كتابة : امل شانوحة 

القرار المصيريّ


أبّان الحرب العالمية الثانية ، وفي ليلةٍ باردة .. سهر الجندي الإلمانيّ (دومينيك) امام شعلة النار ، في مهمّة لحماية خيم العساكر في البريّة بانتظار معركة الغد .. حين لمح من بعيد جندي العدوّ المُلثّم يزحف باتجاههم ، وبيده قنبلةً موقوتة لتفجيرها قرب خيّم الجنود النائمين ! 


فأسرع الحارس دومينيك (الذي غطّى وجهه بالوشاح الصوفيّ في الجوّ القارص) باتجاه المُتسللّ الإنتحاريّ الذي تعارك معه بالأيدي ، بعد تمكّن كلاهما من إسقاط سلاح الآخر بالفنون القتاليّة التي يتقناها!


وبعد إيقاع خصمه على الأرض بالضربة القاضيّة ، وجّه دومينيك المسدس (الذي التقطه من الأرض) في وجه المُلثّم الذي تكلّم بصوتٍ مألوف : 

- عيناك تذكّرني بصديقٍ قديم !

الحارس بقلق : من انت ايها اللعين ؟!


فأزال المُلثّم قناعه العسكريّ ، ليظهر أندريه (صديق الطفولة الذي سافر الى فرنسا قبل شهور من إعلان الحرب العالمية الثانية ..ورغم انه المانيّ الأصل إلاّ انه التحق بالجيش الفرنسي بسبب جنسيّة والدته)


وبسرعة ازاح دومينيك وشاحه .. حيث كاد الصديقان (الّلذان افترقا قرابة السنتين) على وشك التعانق ، قبل انتبهاهما لاختلاف زيّهما العسكريّ !

دومينيك : يا الهي ! كنت قلقاً على مصيرك بعد قصفنا بلادكم بوحشيّة العام الماضي .. كم تمنيّت لقائك ، لإخبارك عمّا فاتك من احداث حيّنا القديم

أندريه : وهآ نحن التقينا كأعداء في جيشيّن مُتحاربيّن .. يالا غرابة القدر !

- لما تخون موطن والدك ؟!

- الظروف أجبرتني على إخفاء هويّتي الألمانيّة داخل فرنسا


ثم توقفا عن الكلام ، بعد سماعهما نباح كلب القائد الألماني الذي خرج من خيمته لرؤية ما أفزع حيوانه الأليف !

فأسرع دومينيك بسحب ذراع صديقه ، وإخفائه خلف الأشجار..

- لا تصدر صوتاً ، حتى لا يقتلوك

أندريه : لا تحمني يا صديقي ، فمهمّتي كانت تفخيخ مخيّمكم

- يبدو أن قائدك ضحّى بك ، لعلمه بأصولك الإلمانيّة

- ربما الأمر كذلك .. لكني جندي بسيط ومجبور على إطاعة قائدي ، كما انت مُجبرّ على إطاعة الأوامر


وفجأة ! وجّه أندريه السكين على بطن دومينيك الذي سأله باستغراب: 

- ماذا تفعل ؟!

أندريه : انت معك المسدس ، وانا معي السكّين .. والبقاء لمن يجرأ على فعلها اولاً

- لن اقتل صديق طفولتي !

- إن عثر الكلب عليّ ، فسيُجبرني قائدك على إفشاء اسرار كتيبتي القريبة منكم ..ولن افعل ذلك !! رجاءً أقتلني انت

دومينيك بإصرار : لن افعل !!

- الم تعدني بالبقاء معاً حتى الموت ، وهآ نحن وصلنا لهذه المرحلة ..رجاءً أقتلني انت ..فأنا أفضّل الموت برصاصة صديقي ، بدل رصاصة العدوّ


وهنا اقترب الكلب اكثر من مكانهما خلف الأشجار !

أندريه بفزع : لقد انكشف امري ..رجاءً إطلق رصاصة على رأسي لأجل ايامنا الخوالي ..لا تدعهم يعذّبونني يا صديقي

- لا استطيع !! انت مثل اخي

- اذاً لنكن مثل قابيل وهابيل ..اساساً كنت ستكون مكاني الآن ، لوّ لم تُسقط بندقيّتي .. فكلانا كومبارس في مسرحيةٍ هزليّةٍ كبيرة .. هيا دومينيك !! إن كنتُ فعلاً غالياً عليك ، فلا تدعني أُجرّب التعذيب النازي الشهير


وإذّ بهما يسمعا صوت جندي إلماني يُنادي قائده : 

- أظن هناك شخص بالغابة ، سيدي !!


ممّا أجبر دومينيك على توجيه مسدسه نحو أندريه ، وهو يقول باكياً: 

- لن اسمح لأحد بلمس شعرةٍ منك ، يا صديقي العزيز

أندريه : هيا إضغط الزناد !! ولا تقلق ، سأسامحك يوم القيامة .. وسنجتمع مجدّداً في الجنة ، فكلانا ضحايا زعمائنا الملاعيين

- الوداع يا صديقي 


وهنا سمع القائد الإلمانيّ صوت طلقةٍ ناريّة في الغابة ! فأسرع مع كلبه باتجاه الصوت .. وقبل وصوله ، سمع طلقةً ثانية ! ليجد دومينيك مُنتحراً بجانب المُتسللّ المجهول ! بعد اختياره الموت بجانب صديقه ، لعلمه بأن ذكرياتهما ستلاحقه لآخر عمره .. ولعدم تحمّله تأنيب الضمير ، فضّل الموت بجانبه .. على امل ان يلتقيا في الآخرة ، يوم يقضي الله بالعدل بين الخصوم !


الأربعاء، 10 يوليو 2024

الأرض المُدمّرة

تأليف : امل شانوحة 

الخطة النهائيّة


لم يبقى على الأرض سوى مليون شخص من مختلف الدول بعد حربٍ عالميّة ثالثة نوويّة لوّثت الجوّ والماء ، وأحرقت جميع المحاصيل الزراعيّة حول العالم .. فلم يبقى امام الناجين سوى ترك الأرض واستيطان المريخ ، بعد ان أكّدت آخر الأبحاث (قبل تدمير الناسا) على وجود ينابيع الماء في بعض اوديتها ، عقب انتهاء مشروع بناء اول مستوطنة هناك !

وانتقل الناجون جميعاً برحلاتٍ متتالية للمريخ الى ان وصلت آخر دفعة .. لتنتهي معهم الحياة على الكوكب الأزرق !


الغريب انه رغم اختلاف اديان وجنسيات المليون نسمة إلاّ انه عمّ التفاهم والإنسجام بينهم ! مما ادّى لانتشار اشاعة : بأن ابليس وجنوده الشياطين ظلّوا على الأرض المدمّرة ، وهو سبب شعورهم بالأمان أخيراً !

***


في باطن الكرة الأرضيّة ، واثناء احتقال الجن والشياطين بنصرهم على البشر بعد عودة ملكيّة الأرض لهم (كما كانت قبل خلق آدم) فاجأهم ابليس بصراخه الغاضب وسط الحفل :

- إسكتوا جميعاً !!!!


فتوقفت الموسيقى الصاخبة ، وتوجّهت الأنظار نحو عرشه الذهبي وهم يستمعون لصوت ابليس الجهوريّ :

- صحيح انني حقّقت حلمي الأبدي بالقضاء على البشر وعودة الأرض لسلطتنا ، لكني فقدّت الشغف والسعادة بعد انتهاء مهمّتي بتدمير الشعوب ! لذا قرّرت اللّحاق بهم الى المريخ !!

مساعده بدهشة : وكيف سنفعل ذلك ، سيدي ؟!

إبليس : لا أنكر انها مهمّةً صعبة .. لذا اريد من علمائنا الجن أن يصنعوا المركبات الفضائيّة التي تصلنا اليهم ، بشرط عدم إنتباههم للحاقنا بهم : إمّا بهبوطنا بمكانٍ منعزل من المريخ ، ومتابعة السير للوصول الى مستوطناتهم ..او نُعمي عيونهم بتعويذاتنا السحريّة .. المهم ان نلحقهم الى فوق


مساعده : وماذا بشأن الأرض ؟

إبليس : بعد وسّوستي لزعماء الدول العظمى بشنّ الحروب النوويّة التي دمّرت طقس الأرض ومصادر المياه ، أصبحت الحياة فيها مستحيلة للقرون القادمة !

- لكن لطالما أُعجبت بمناظر المباني المُهدّمة بعد انتهاء الحروب 

إبليس : لأني استمتعت بعذاب الناجين ، لكن الآن باتت مدنهم مهجورة وكئيبة للغاية! 

- أهذا قرارك النهائي ، سيدي ؟

إبليس بحزم : هل لديك اعتراض ؟!!

- لا العفو ! سنبدأ ببناء المركبات حالاً


وتفرّق الجمع بعد انتهاء الحفل ، لبدء عملهم الجدّي ببناء عدّة مركبات فضائيّة ، لنقل ملايين من جنسهم الخفيّ (الجن والشياطين) للّحاق بالرحلة الأولى المخصّصة لإبليس ونسائه واولاده المفضّلين ! حيث قضى رحلته الطويلة بالتخطيط لمكائد بغرض التفرقة لمن تبقّى من البشر .. وهو يتمّتم في نفسه ، بحماس :

((لن يستريح قلبي قبل القضاء على آخر بشريّ من جنس عدويّ الّلدود آدم))

وابتسم بخبث !


السبت، 6 يوليو 2024

الحب المُحتجزّ

تأليف : امل شانوحة 

الطائرة المُختطفة


كل شيء بدى ضبابيّاً بالنسبة لوليد وهو يركب الطائرة مُهاجراً للغربة ، بعد صدمته العاطفيّة الكبيرة التي هزّت كيانه : فسكرتيرته التي عشقها لسنوات ، علم بخيانتها مع صديقه قبل يومٍ واحد من عرضه الزواج عليها ! حيث تواجد خاتم الخطوبة في جيبه حين رآها بين احضان شريكه في مكتبه ، بعد تفضيلها عليه لثرائه ! 

ولشدّة قهره ، باع حصّته لشريكه ..وقطع تذكرة ذهاب لأستراليا دون عودة ، تاركاً الأهل والأصدقاء بعد تحطّم قلبه من حبه العاصف لأمرأةٍ لعوب 

^^^


وكأن ما حصل معه لا يكفي ! فبعد إقلاع الطائرة ، تفاجأ بخاطفيّن يُهدّدان الركّاب بتفجيرها إن لم يلتزموا بأوامرهما.. 

ولشدّة يأسه ! إنفجر ضاحكاً ، كسخرية على سوء حظه .. مما استفزّ احد الخاطفيّن الذي سحبه من ذراعه ، وحبسه في خزانةٍ صغيرة (خاصة بأغراض المضيفين) .. ليتفاجأ وليد بوجود مضيفة مُحتجزة هناك ! 


وبعد إقفال الخاطف الباب عليهما ، سألها باستغراب :

- هل احتجزوكِ ايضاً ؟!

المضيفة : نعم ، لأني لاحظت السلاح بخصر احدهما .. فأسرعت بتحذير الطياريّن بقفل باب الكابينة ، ومنع الخاطفيّن من إجبارهما على تغيّر مسار الرحلة او إغراقها بالبحر ! فجنّ جنون الخاطف لإفسادي خطته ، ورماني هنا كي لا اثير المزيد من المشاكل .. فماذا فعلت انت ؟

وليد بابتسامةٍ ساخرة : ضحكت بكل ما اوتيت من قوّة 

فسألته بدهشة : وما المضحك باختطاف طائرتنا ؟! فربما يقتلونا جميعاً !

- والله ياريت

- تبدو يائساً للغاية ! هل خسرت عملك ، او توفيّ شخصاً عزيزاً عليك ؟

وليد بقهر : ليتها توفيّت ، كان اهون من طعنة القلب الموجعة

المضيفة : آه ! صدمةٌ عاطفيّة.. دعني أُخمّن : أحببتها بجنون ، وخانتك

فطأطأ رأسه حزناً ، وهو يحاول إخفاء دمعته..


فأكملت كلامها : آسفة ، لم اقصد الإستهانة بألمك .. لكنه الحال دائماً في جميع العلاقات : لابد أن يكون أحد الطرفيّن مخلصاً للغاية ، بينما الثاني يدخل العلاقة للتسليّة وتضيّع الوقت

وليد : انا لست ضعيفاً .. وكان بإمكاني تحطيم عظام الخائنيّن ، لمعرفة شريكي بعلاقتي بها .. لكنهما لا يستحقان تورّطي قانوناً ، بسبب قذارتهما 

- أحسنت التصرّف !! 

- ماذا عنكِ ، هل انت مرتبطة ؟

المضيفة : لا ، يفضّلون العزّاب لهذه الوظيفة

- اذاً ما ادراك بالصدمات العاطفيّة ؟

المضيفة : صدّقني لا يوجد احد لم يعاني منها .. فأنا مثلا ارتبطتّ لسبع سنوات بشخصٍ خطبني ، ثم سافر أوروبا ..وكل سنة يُخبرني انه سيتزوجني في العطلة الصيفيّة .. لأكتشف بعدها انه متزوّجٌ قبلي .. ولديه ابنة ينتظر بلوغها 18 ، خوفاً أن تحرمه زوجته الأجنبيّة من رؤيتها .. وبسبب تماطله ، ضاعت أفضل سنوات عمري !

- ربما كبرت ابنته الآن 

- لم يعد يهمّ بعد إنهائي العلاقة ، فأنا لا اقبل بخراب عائلته لأجلي 

ثم ابتسمت ..

فسألها باهتمام : مالذي يضحكك ؟!

المضيفة بنبرةٍ حزينة : شاهدت قبل شهر صفحته على الفيسبوك .. يبدو انه رُزق بطفلٍ جديد ! المشكلة انها ليست المرة الأولى التي تتعسّر فيها اموري


وصارت تحدّثه عن المشاكل التي مرّت فيها ، للتخفيف عنه ..لكنه ظلّ مُكتئباً !

المضيفة : حسناً دعنا من القصص الحزينة .. ما رأيك لوّ نضحك قليلاً ؟ سأخبرك بأطرف المواقف التي حصلت معي كمضيفة


وبدأت تخبره عن اغرب المسافرين التي قابلتهم .. بعدها أخبرته بنكتةٍ طريفة عن الطيران.. وهذه المرة استطاعت إضحاكه ، لدرجة ان صفّق يده معها .. لكن الغريب ان كلاهما لم يُبعدا اصابعها عن بعض ! وكأن مغناطيساً جمعهما في تلك اللحظة بعد إنجذابها لقوّة قبضته ، وإعجابه بنعومة يدها الصغيرة .. حيث نظرا لبعضهما بدهشة في انتظار من يسحب يده اولاً ، لكنهما لم يفعلا لشعورها براحةٍ لا مثيل لها بعد تلامسهما البريء ! وكأنهما غرِقا في المحيط لسنواتٍ طويلة ، ووجدا جزيرة الأمان اخيراً


وفي خُضمّ تلاطم مشاعرهما الغير مفهومة ، سمعا صوت قفل الباب ! وكانت ردّة فعل وليد : ان حماها خلف ظهره ، خوفاً عليها من المُختطف المُقنّع الذي اراد اخذها ، لتهديد الطيّار بفتح الكابينة او قتلها ! لكن وليد منعه من ذلك..

المختطف : حسناً ايها الشهم ، سآخذك بدالها


وأمسك بذراع وليد وهو يسحبه ناحية الباب ، تحت تهديد السلاح .. ليتفاجأ كلاهما بالمضيفة تمسك خصر وليد بقوّة ، وتمنعه الذهاب مع المختطف الذي انفجر ضاحكاً:

- هل عشقتما بعضكما بهذه السرعة ؟! يبدو انني كنت مُوفّقاً بحجّزكما معاً ! كان الأفضل لوّ امتهنت وظيفة الخطّابة

وأعاد قفل الباب ، وهو مازال يضحك على ردّة فعلهما الرومنسيّة !


وهما في المقابل : إنصدما من خوفهما على بعضهما بهذه الطريقة ، والشجاعة التي امتلكاها للوقوف بوجه خاطفٍ مُسلّح !


واثناء ارتباكهما ، أحسّت المضيفة بشيءٍ قاسي تحتها ! فأزالت قطعة المُكّيت ، لتجد حلقة بابٍ صغير على ارضيّة الغرفة !

المضيف : آه صحيح ! كيف نسيت ؟

وأدارت الحلقة ، ليجدا سلّماً للأسفل !

المضيفة : هذا مخزن الأمتعة .. دعنا ننزل ، للإبتعاد عن الخاطف


ونزلا السلّم الصغير .. من بعدها أقفلت الباب من الأسفل ، كيّ لا يلحقهما الخاطف وزميله..

وليد : جيد انك غطّيتي الحلقة بالمكّيت قبل نزولنا

المضيفة : هذا سيُفقد الخاطف عقله ، بعد اختفائنا المُفاجئ


ثم اشعل قدّاحته ، لرؤية المكان المُعتم المليء بالحقائب (بعد ان أخذ الخاطف جوّاله هو والمضيفة قبل إحتجازهما)..

وليد : ماذا سنفعل الآن ؟

المضيفة : نحن اسفل مقاعد الركّاب ، وهناك سلالم تصلنا لكل جزءٍ فوقنا .. لذا سنكمل السير حتى نصل للكابينة .. فحسب ما اذكر من الدورة التدريبيّة : هناك سلّماً يصلنا بالطياريّن

^^^


وبالفعل صعدا الى هناك .. ليتفاجآ بمساعد الطيار يوجّه المسدس نحوهما ، لكن سرعان ما أخفضه بعد رؤيته المضيفة

- أخفتني يا زهرة !

المضيفة زهرة : لا تقلق منه .. (وأشارت لوليد) ..فهو مختطفٌ مثلي

فقال مساعد الطيّار لزهرة بامتنان : 

- نحمد الله انك نبّهتنا على قفل بابنا قبل اقتحام الخاطفيّن الكابينة ، وإلاّ لكانا أجبرانا على تنفيذ طلباتهما

فرّد الطيّار : لكن فرحتنا لن تدّوم طويلاً .. فقبل قليل هدّدنا احدهما بقتل راكبٍ كل خمس دقائق إن لم نسمح له بالتحدّث مع مدير المطار ، لإيصال طلبه لرئيس الجمهوريّة بغرض حصوله هو وزميله على فديّةٍ خياليّة !

زهرة باستغراب : رئيس الجمهورية مرةً واحدة !

مساعد الطيّار : يبدو شاهدا الكثير من الأفلام الأمريكيّة !

وليد : دعوا الموضوع لي ، فأنا ملاكمٌ سابق

زهرة بقلق : ماذا ستفعل ؟!


وليد : السؤال الأهم ، كم عدد الخاطفين بالضبط ؟ هل هما إثنين فقط ؟

زهرة بحزم : انا متأكّدة من ذلك !! فقد لمحتهما معاً ، قبل دخولهما الطائرة

وليد : اذاً سأنزل من جديد للمخزن ، وأتخطّى الأمتعة للوصول لمكانهما .. فكما لاحظت بين الشقوق : أن احدهما يقف في ممرّ الدرجة السياحيّة .. والآخر عند درجة رجال الأعمال .. وسأقوم بلكم كل واحدٍ على حدة الى ان يفقد وعيّه ، ثم أحتجزه مُقيّداً في المخزن.. كل ما احتاجه هو كشّاف وحبل

مساعد الطيّار : لا يوجد حبل ، لكن لدينا اسلاك بلاستيكيّة كالتي تُستعمل في المعتقلات .. نحتفظ بها في خزانتنا ، كنوع من الأصفاد للركّاب المشاغبين

الطيّار : المهم ان تبقيهما غائبا عن الوعيّ لحين هبوطنا

وليد : لا تقلقوا بهذا الشأن ، فأنا خبير بالفنون القتاليّة


وقبل عودته للمخزن ، أمسكت زهرة يده بخوف :

- رجاءً انتبه على نفسك

وليد : لا تقلقي عليّ .. كل ما اريده منك أن تثقي بي ، وتدعي لي بالسلامة

فمسحت دمعتها وهي تراقب نزوله للأسفل

^^^


وبالفعل نجحت خطته ، وهبطت الطائرة بأمان..

وفور نزول وليد وزهرة من الطائرة ، لم يتركا بعضهما طوال التحقيقات بمركز أمن المطار : عمّا حصل منذ بداية الإختطاف ، لحين القبض على الخاطفيّن .. 

بعدها تبادلا ارقام جوّالاتهما .. وصارا يتحدّثان بنهاية كل اسبوع ، اثناء استقراره في استراليا وعودتها للعمل بالسفر حول العالم .. الى ان سألها يوماً :

- ماذا لوّ طلب حبيبك التخلّي عن المهنة التي تحبينها مقابل الزواج ؟

وفور إنهاء سؤاله ، اجابت زهرة بحماس :

- إن كان انت ، فموافقة !!

***


وبالفعل عُقد الزواج بعد التعاهد بالإخلاص بينهما ، وتناسي تجربتهما السابقة التي كانت مجرّد درسٍ قاسي جعلهما يُقدّران حبهما الذي حصل صدفة في غرفة الإحتجاز بالطائرة المُختطفة !


الاثنين، 1 يوليو 2024

تفرقة الأحبّة

تأليف : امل شانوحة 

الذنب الكبير


اثناء مرور شيخ بجانب مقبرة ، لمح امرأة كبيرة بالسن تبكي بحسرة عند قبر رجل ! فاقترب منها وهو يحثّها على الصبر على فراقه ، ظاناً بأنه زوجها..

فأخبرته بحزن :

- لا اظن الله سيغفر ذنبي

فقال معاتباً : ماهذا الكلام يا امرأة ؟! الله غفورٌ رحيم .. ثم ما الذنب الكبير الذي ارتكبته بحقه ؟ ..(وأشار للقبر).. هل كنتِ زوجةً سيئة ؟

فردّت بقهر : انا لم اتزوّج مُطلقاً ..وهذا قبر ابن اخي الذي ربيته بعد وفاة والديّه .. ورغم انه مثل ابني ، إلاّ انني قتلته دون ارادةٍ مني !

الشيخ باهتمام : كيف هذا ؟!


فأخبرته انها قديماً أحبّت شاباً بكل اخلاص ، لكنه تزوّج غيرها .. وبعد سنوات من عنوستها ، علمت بأن ابن اخيها يريد الزواج بإبنة الرجل الذي خانها ! فبدأت بصنع المكيدة تلوّ الأخرى لتفرقته عن حبيبته التي كل ذنبها أنها تكره والدها.. 

حيث حاولت اكثر من مرة دهسها بسيارتها ، وإرسال أشخاص لخطفها والإعتداء عليها (لولا حماية الله لها) وصولاً لحرق منزلها ! الى أن نجحت بتشويه سمعتها مع رجلٍ فاسق ، أُجبرت لاحقاً على الزواج به لستر شرفها بضغطٍ من اهلها ! وبذلك تمكّنت اخيراً من تفرقة الحبيبيّن .


ثم مسحت دموعها :

- كنت اظن انني أحمي ابن اخي من تلك الشريرة ..لأتفاجأ بشنق نفسه ليلة عرسها ، لعدم قدرته على تخيّلها مع رجلٍ آخر ! وفي اليوم التالي علمت بوفاة حبيبته قهراً ، بعد انفطار قلبها حزنا ليلة عرسها من شخصٍ تكرهه.. بعدها زُفّ الحبيبان لهذه المقبرة ، ودُفنا معاً .. وانا ازورهما كل يوم لطلب السماح منهما ، بعد كسر قلوبهما العاشقة .. فهل سيغفر الله ذنبي يا شيخ ؟


ولشدّة صدمته بما سمع ، واشمئزازه من مكرها ! إكتفى بالقول :

- إستغفري ربك كثيراً يا امرأة ، فذنبك كبيرٌ للغاية !

وتركها مُنهارة ببكاءٍ مرير


أضحيّة البحر

تأليف : امل شانوحة  الخطة الجهنميّة في القرن الماضي .. ومع تلاطم أمواج بحرٍ هائج في ليلةٍ باردة ، جذّف الناجون الخمسة مُبتعدين عن سفينة رحلت...