الجمعة، 30 مارس 2018

كواليس دمويّة

تأليف : امل شانوحة


أرعب فيلم بتاريخ الهوليوود

امتلأت صالة مسرح كوداك في مدينة لوس انجلوس بكالفورنيا والمخصّصة لتوزيع جوائز الأوسكار بالعديد من المشاهير في حفلها السنويّ الضخم , حيث صفّق الممثلين والمخرجين والمنتجين بحرارة للشاب المخرج العبقري (انتونيو ولتر , 33 عاماً) الأمريكي من اصولٍ اسبانية , وصاحب الفيلم المميز : (لا للهجرة الغير شرعية) ..

وفي خُضمّ فرحته باستلامه جائزة تكريمية عن اول فيلم يصوّره في حياته , تفاجأ الحضور والصحفيين باقتحام المخابرات الأمريكية المكان والقبض عليه , وسط ذهول الجميع !
حيث ضجّ المسرح بصرخات الإستنكار وهم يشاهدون الشرطة وهي تصفّد يدا المخرج الذي اكتفى بابتسامةٍ غامضة وهدوءٍ مريب , وكأنه كان يتوقّع ما سيحصل !

وقد اضّطر القائمون على الحفل بتوقيفه مؤقتاً لمعرفة اسباب ما جرى , بينما انشغل الصحفيون بتصوير المخرج في لحظات اعتقاله المهينة 
***

وفي اليوم التالي .. تناقلت الصحف الأحداث المتوتّرة التي صاحبت حفل الأوسكار الشهير , بينما ظلّ سبب اعتقال المخرج غامضاً ! 
وزاد الأمر غرابةً : أيقاف السلطات عرض الفيلم بكافة دور السينما , ممّا أدى لتهافت الناس على رؤيته من بعض قنوات اليوتيوب التي استطاعت تهريب اجزاءٍ منه ..

حيث يبدأ المشهد الأول من فيلمه : بتصوير رجالٍ بلباسهم الأسود وعضلاتهم المفتولة وهم ينتظرون على الشاطىء وصول بعض المهاجرين الغير شرعين من العرب (في شمال افريقيا) الى اسبانيا على متن قاربٍ قديم , ليقوموا باستقبالهم .. ومن ثم اقتيادهم الى قصرٍ تاريخي قديم مُخبّأ في أحضان غابةٍ مُهملة .. حيث ادخلوهم اولاً الى صالةٍ بها طاولة ضخمة عليها جميع اصناف المأكولات اللذيذة ليهجم المهاجرون بهمجيّة على الطعام ويتناولوه بنهمّ , فهم لم يأكلوا سوى بعض المعلّبات لعدّة ايام اثناء خوضهم غمار البحر 

وبعد انتهائهم من الطعام , ساقوهم الحرس الى سردابٍ به العديد من الغرف المغلقة على طول جانبيه .. لكنهم شعروا بالقلق حين أُقفل الباب الرئيسي خلفهم , ليعلقوا داخل الممرّ الطويل ذو الأنوار الخافتة ! 

ومن بعدها .. أضيء لهم شاشة كبيرة , عُرض عليها المطلوب منهم بلغةٍ يفهمونها .. وكانت الإرشادات تطلب منهم ان يختار كل واحداً منهم رقم غرفةٍ مغايرة دون ان يعرف ما بداخلها .. فاقترب كل واحدٍ من الثلاثين رجلاً لاختيار بطاقة من داخل صندوقٍ يحمله رجلٌ مقنّع !

وبعد وقوف كل واحداً منهم امام غرفته .. انفتحت الأبواب امامهم لتنطلق بعدها صرخات الرعب والإستغاثة , بعد رؤيتهم لأدوات التعذيب في الداخل والتي تراوحت شدّتها بين المؤذية بشكلٍ خطير والقاتلة .. 
وعلى الفور !! عمّت الفوضى أرجاء السرداب , حيث ركض المهاجرون الى الباب الكبير الذي دخلوا منه , لكنه كان مقفلاً بإحكام .. 

وهنا خرج رجالٌ مقنّعين بعضلاتهم المفتولة من تلك الغرف وهم يحملون الهراوات والسيوف والعصيّ الكهربائية , حيث كانت كل غرفة تحوي ثلاثة رجال اقوياء مختصّين في مجال التعذيب (وجميعهم يعملون لدى شابٍ غني , كان يتابع بحماس مع بعض اصدقائه الأثرياء مجريات الأحداث عبر شاشاتٍ في مكتبه المتواجد بعلّية القصر .. حيث تراهن كل واحد على خمسة مهاجرين : بحيث من يبقى منهم حيّاً لأطول مدة تعذيب , يفوز المراهن عليه بسيارة ليموزين فاخرة !) 

اما المشهد الثاني من الفيلم فكان أكثر غرابة ! حيث دخل كل مهاجر من تلقاء نفسه الى غرفة التعذيب دون أدنى مقاومة , وكأنهم ينساقون كالخراف للمذبحة ! 

ثم بدأ عرض أصعب المشاهد في هذا الفيلم المرعب : حيث تفنّن الحرس بتعذيب المهاجرين هزيلي الأجساد بأدوات تعذيبٍ قديمة وتاريخية .. 
وكان من أنواع التعذيب : سحق العظام بآلاتٍ ضاغطة , وحرقهم بأسياخٍ محميّة على النار، كما وضعهم على الخوازيق , والكرسي المغطّى بالمسامير, والجلوس على حمارٍ خشبي مدببّ لتمزيق الأحشاء , وغيرها من الأدوات الوحشيّة الغير إنسانية ! 

ولهذا إضّطر المخرج لتعتيم وتغبيش بعض الصور مراعاةً لمشاعر المشاهد .. الاّ ان الصراخ والأنين والألم والدماء التي ظهرت في الفيلم كانت حقيقية بشكلٍ لا يصدّق !
وانتهت احداث الفيلم بمقتل جميع المهاجرين.. 

حيث صُوّر المشهد الأخير منه : بوقوف الشاب الغني (الذي كان نفسه المخرج انتونيو ولتر , حيث قام بدور البطولة) في مقدّمة سفينته برفقة بقيّة المراهنين الأثرياء , وهم يشاهدون عمليةّ التخلّص من أشلاء المهاجرين برميها في البحر .. 

ثم اقترب منه صديقه قائلاً : 
- أحسنت يا انتونيو , فهذا سيعلّم جميع المهاجرون الغير شرعيون بأن لا يقتربوا مجدّداً من بلادنا العظيمة 
وهنا قال المخرج كلمته الختامية في الفيلم : 
- بالتأكيد !! فنحن لن نسمح للتاريخ ان يُعيد نفسه من جديد .. 
ثم رفع كأس الشمبانيا لأصدقائه قائلاً : 
- لتحيا اسبانيا !! ولتسقط الأندلس من جديد
فهلّل اصدقائه فرحاً
...(((النهاية)))...
*** 

وهنا اطفأ المحقّق الفيلم , وهو يشعر بالإشمئزاز ممّا شاهده ! 
- كيف لهذا الفيلم المقزّز ان يحصل على جائزة الأوسكار ؟! بل الأسوء ان الجمهور يُطالب بأجزاءٍ اخرى للفيلم !
الشرطي : هذا لأن مشاهد التعذيب فيه حقيقية 
المحقق : الناس لا تعرف هذا بعد .. (ثم فكّر قليلاً) ..أتدري .. كانت هناك مقاطع إستغربتها في الفيلم !
- ماهي سيدي ؟
- جملة المخرج الأخيرة تؤكّد ظنوني بأن ادوات التعذيب التي استخدمها في فيلمه هي نفسها ادوات تعذيب الأندلسيين , فأنا مازلت أذكرها من زيارتي للمتحف الإسباني ايام شبابي
الشرطي : ربما صنعوا مثلها للفيلم
- لا اظن .. ولهذا اريدك ان تتحرّى عن المسؤول عن ادوات تعذيب في المتحف الوطني بإسبانيا  
- اتظن انه متورّطٌ معهم ؟

المحقّق : نعم .. كما هناك شيئاً آخراً استوقفني في الفيلم ..وهو دخول المهاجرين الى غرف التعذيب بإرادتهم ! 
الشرطي : ربما أيقنوا بأنه لا مجال للهرب من مصيرهم 
المحقق : لا , اعتقد ان هناك مشاهداً محذوفة في الفيلم ! فقد لاحظت بأن أعدادهم قلّت عن المشهد الذي سبقه .. أعدّ شريط الفيلم كيّ نعدّهم من جديد

فعاد وشاهدا المقطع الذي ركض فيه المهاجرين المذعورين نحو الباب الرئيسي في محاولتهم للهرب .. ثم المقطع الذي تلاه : وهو دخولهم بإذعان لغرف التعذيب .. 
وكان شكّ المحقق في مكانه : حيث اختفى ثمانية من المهاجرين لم يظهروا في بقيّة الفيلم ! 

الشرطي : ماذا تظن حصل لهؤلاء الثمانية , سيدي ؟
المحقق : أعتقد انهم قتلوهم بشكلٍ وحشيّ امام الجميع , لهذا استسلموا البقيّة لقدرهم ..كما لاحظت ان ملابس بعضهم كانت مقلوبة , وظهرت بعض الدماء في بنطال احدهم قبل دخوله للغرفة  
الشرطي : أتظنّ انهم تعرّضوا لتحرّشات ؟! 
المحقق : ربما , لكن لا يمكننا التأكّد الاّ اذا اعترف المخرج اللعين بذلك 
الشرطي : لكنه يرفض الكلام منذ ان قبضنا عليه 
المحقّق : مرّ شهران , اليس كذلك ؟ 
الشرطي : نعم , والمشكلة اننا لا نملك دليلاً على إدانته , سوى شهادة قريب أحد الضحايا الذي شاهده بالصدفة داخل الفيلم 
المحقّق : اذاً لنواجه المخرج بذلك الشاهد 
***

وبعد اسبوع .. بدأ التحقيق مجدّداً مع المخرج الشاب , بحضور محاميه .. 
المحقق : إمحي ابتسامتك المستفزّة , وأجبني ..كيف عرفت بموعد قدوم هؤلاء المهاجرين ؟
فنظر الشاب لمحاميه الذي أشار له ان يجيب ..
المخرج : من موقع في الإنترنت المظلم
- إشرح اكثر
- هناك موقع يعرض فيه كاميرات منارات الشواطىء التي تراقب السفن بجميع انواعها , ومنها قوارب المهاجرين الغير شرعين ..وانا كنت أتابعه باستمرار
المحقق بدهشة : لكن هذا برنامجٌ خاص بالحكومة لمراقبة أمن البحار ؟!
المخرج : الم تسمعني حين قلت ..انني اتابعه من الإنترنت المظلم ؟

فخرج المحققّ من غرفة التحقيق وطلب من موظفيه دخول الإنترنت المظلم والبحث عن موقع الهكر الذي اخترق حواسيب مركز الشرطة الساحلية التابعة لدولة اسبانيا , وتبليغ السلطات هناك بأمره لأخذ الحيطة والحذر..

ثم عاد لغرفة التحقيق , وسأله من جديد :
المحقق : ولما قمت باختطاف هؤلاء المهاجرين ؟ 
المخرج بغرور : أردّت تصوير فيلمٍ مرعب بجودةٍ عالية
المحقق يضرب الطاولة بقبضته غاضباً : ايّ فيلم ايها اللعين !!
المحامي : اساساً موكلي لا يعرف حتى الآن لما قبضتم عليه , فالأفلام المرعبة تملأ دور السينما حول العالم ؟! 
المحقق بعصبية : هذا لأنه لم يكن فيلماً بالأساس .. (ثم قال بصوتٍ عالي للحرّاس) : ادخلوا الشاهد !!

فدخل رجلٌ افريقي أخذ بخناق المخرج حين رآه , وصار يصرخ عليه بغضب : 
- اين اخي ايها اللعين ؟!!! 
المخرج محاولاً فكّ نفسه من بيت يديه : عن ايّ أخ تتكلّم ؟!
واستطاع الشرطيان ابعاد الشاهد بصعوبة عن رقبة المخرج , لكنه اكمل قائلاً بعصبية : 
- لقد شاهدت الفيلم , وتفاجأت بأن أخي كان من ضمن المهاجرين الذين ماتوا بالتعذيب حرقاً ! 
فقال المخرج بابتسامةٍ مستفزّة : آه تذكّرته الآن , كان اخوك ممثلاً بارعاً

الشاهد وهو يمسح دموعه بغضب : لم يكن تمثيلاً !! فأهلي أكّدوا لي بأنه سافر عن طريق البحر للعمل في اسبانيا , لكن اخباره انقطعت فجأة .. حتى ان سلطات المهاجرين لا تعرف اين اختفى ذلك القارب , وما مصير المهاجرون الثلاثون الذي قتلتهم انت واصدقائك الملاعيين !!! 
وهنا قال المحقق للشرطين : إخرجوا الشاهد ..

وبعد خروج الشاهد من غرفة التحقيق وهو مازال يشتم المخرج ويلعنه ..همس المحامي للمخرج مستفسراً :
- هل ما قاله الشاهد صحيحاً يا انتونيو ؟!
لكنه لم يجيبه .. فاقترب المحقق الغاضب من وجه المخرج , وقال مهدّداً :
- ابدأ بالتكلّم حالاً !! والا ستواجه قريباً نفس مصير هؤلاء المهاجرين

فتنهّد المخرج بأنفاسٍ طويلة , ثم قال : الجمهور بالعادة يعشقون الأفلام المخيفة , فكيف لوّ كانت واقعية 
المحقق : اذاً انت تعترف الآن بتعذيبك لهؤلاء المهاجرين ؟ 
المحامي مُحذّراً : سيد انتونيو , انتبه على كلامك كيّ لا يؤخذوه ضدّك
المخرج بلا مبالاة : لا يهمّني ما سيحصل , طالما ان فيلمي حقّق غايته المنشودة 
المحقق : ماذا تقصد ؟

المخرج بثقة : لقد ساهم قبضكم عليّ في حفلٍ الأوسكار الى ضجّةٍ اعلامية شهرت فيلمي أكثر مما توقعت .. كما أحدث الفيلم رعباً في نفوس ابناء الدول النامية والذي أدّى لاحقاً لانخفاض اعداد المهاجرين الغير شرعين , خاصة المتجهين لبلدي اسبانيا , وهذا كان الهدف منذ البداية .. كما انني حصلت على الشهرة وجائزة الأوسكار عن أول فيلم أخرجه في حياتي .. 
المحامي : لكني اخبرتك بأن النقّاد سحبوا منك الجائزة , ومنعوا فيلمك من عرضه بكافة دور السينما
المخرج بغرور : بعد ماذا , فقد شاهده الجميع وانتهى الأمر .. كما سيبقى فيلمي أقوى الأفلام المرعبة التي تمّ تصويرها في عالم السينما , ولا أحد يستطيع إنكار ذلك

المحقق وهو يحاول كبت غضبه بصعوبة , كيّ لا يلكم وجه هذا المتغطرس الساديّ : 
- ولما اخترت ادوات التعذيب الأندلسية ؟ فقد قبضنا على مسؤول المتحف الذي اعترف بقيامه بتأجيركم تلك الأدوات المخيفة لفترةٍ محدودة
المخرج : إخترتها لأنّي مُغرم بتاريخ اسبانيا العريق , كما لأنني اكره العرب , فالأندلس تعتبر وصمة عار في تاريخ بلادي .. لهذا ارتأيت انه لا بأس من تكرار ما فعلوه رهباننا بأولئك المسلمين في زمن الماضي  

المحقق : واين موقع القصر الذي تمّ فيه تصوير الفيلم الشائن ؟
بابتسامةٍ مستفزّة : في غابةٍ ما بإسبانيا
فأمسك المحقق بياقة الشاب , قائلاً بعصبية : تكلّم يا رجل !! من هم شركائك , ومن هؤلاء الرجال المقنّعين الذي قاموا بعمليات التعذيب ؟
فقال الشاب بعد ان أفلت ثيابه من قبضة المحقق الغاضب : هذا سرّ سأدفنه معي للأبد 
المحقق بنبرة تهديد : وهذا سيكون قريباً , أعدك بذلك
***

وبدأت محاكمة المخرج الشاب بشكلٍ علني امام الجمهور الغاضب ..ورغم ان انتونيو لم يقتل أحد بيديه , لكنه قام بدفع مبلغٍ كبير (من المال الذي ورثه عن والده) لاستئجار ادوات التعذيب , كما القتلة المأجورين من موقع مختصّ في الإنترنت المظلم .. والذي أدى بالنهاية لوفاة 29 مهاجراً , ماعدا الشخص الوحيد الذي رموا بجثته في البحر ظانين بوفاته .. لكنه استعاد وعيه قبل لحظات من غرقه , ليسبح بجروحه البليغة الى الشاطىء , حيث رآه رجلان هناك قاما بنقله فوراً الى المستشفى .. 

وبعد ان استعاد وعيه , أخبر الصحفيين والشرطة بالأهوال التي حصلت داخل ذلك القصر المجهول ! كما قال : بأن خنوعهم لدخول الغرف كان بعد تعرّضهم لاعتداءاتٍ أخرى مُهينة للشرف والكرامة , لهذا لم يتمّ تصويرها .. واكتفى بالقول : كانت كواليسٌ دمويّة !
وبسبب شهادته الرئيسية بهذه القضية تمّ اصدار الحكم على المخرج المتغطرس بالسجن المؤبّد مع الأعمال الشاقة , دون حصوله على فرصة الإفراج المشروط  
***

لكن المخرج الثريّ استطاع بعد ثلاثة شهور دفع مال لعصابةٍ داخل السجن استطاعت تهريبه بمساعدة من شرطيين فاسدين ..مما أدّى لمظاهراتٍ غاضبة من العرب المتواجدين في اميركا ودول اوروبا مطالبين بالقبض مجدّداً على هذا السفّاح العنصريّ 
***

الا انّ المخرج إختفى تماماً من الوجود ! حيث وصلت انباءٌ للشرطة بأنه حصل على هويّةٍ مزوّرة سافر بها الى بريطانيا , بعد ان أجرى العديد من عمليات التجميل السرّية لتغير هيئته 
***

وبعد عدّة سنوات , وفي أمسةٍ باردة .. تلاقى عربيان يعيشان في انكلترا بالصدفة برجلٍ سكّير في الشارع , فأقلّاه بعد ان أخبرهما بتعطّل سيارته 

وفي الطريق .. بدأ يهلوس بكلماتٍ غير مفهومة ! ثم بدأ يتباهى بكلامٍ فاجأ العربيان , حين قال بعد ان أنهى قارورة الخمر :  
- كم استمتعت برؤيتهم يتعذّبون .. فأنا المخرج الوحيد الذي حصل على الأوسكار من فيلمه الأول , ولا أحد يمكنه حرماني من ذلك .. فأنا من أعدّت أمجاد الصليبيين .. (ثم يصرخ قائلاً بفخر) : لتحيا اسبانيا العظيمة !! وليموتّ كل الأندلسيين !! 
***

إستفاق بعدها انتونيو وهو يقف على كرسي مهترىء , معلّقاً برقبته حبل المشنقة في بيتٍ مهجور في الغابة .. وكان يقف امامه الشابان العربيان الغاضبان ..

فقال لهم المخرج بعد ان استفاق من سكرته , بخوفٍ شديد : 
- ماذا ستفعلان بي ؟! 
- من سوء حظّك ان القدر ساقك الى عربيين شاهدا فيلمك القذر العنصريّ 
- ارجوكما لا تقتلاني ! فأنا كنت حينها شاباً طائشاً , وانا نادمٌ الآن 
أحد الشابين بغضب : كاذب !! فقبل قليل كنت تتفاخر بقتلك للعرب! 
- كنت سكراناً ولا أعيّ ما اقول ! ارجوكما دعوني اذهب , وسأدفع لكما ما تشاءان
فقال له الشاب الآخر : ومن قال لك ان العرب يبيعون شرفهم .. هيا إمسك هذه !! 

واعطاه قارورة فيها نوع من الخمر الثقيل ..
المخرج بخوف : ماذا تريدني ان افعل ؟!
الشاب الآخر : إشربها كلّها !!
المخرج : هذه نوعيتها قويّة , وسأسكر على الفور ان شربتها !
العربي : نعم وهذا هو المطلوب .. فأنت ستشنق نفسك بعد ان تترنّح لتسقط من فوق الكرسي , ليبدو وكأنه انتحاراً 
العربي الآخر بغضب : مع انني أرغب كثيراً في تعذيبك , كما فعلت مع اولئك المهاجرين المساكين , لكننا لا نريد المشاكل مع السلطات

وبعد ان أرغمانه على شرب الخمر .. أجبراه على الإعتذار من العالم بواسطة كاميرا جواله التي وضعاها في الجهة المقابلة له , بعد ان اوصلاها بالإنترنت لتبثّ كلامه مباشرةً لكل متابعيه ..
فقال انتونيو وهو يبكي , محاولاً توازن نفسه (كيّ لا يقع من فوق الكرسي ويشنق نفسه) :

- انا انتونيو ولتر .. مخرج ذلك الفيلم المهين عن المهاجرين .. ربما لن تعرفونني , لأنّي قمت بعمليات تجميل لتغير هيئتي .. لكني أردّت قبل ان انتحر ان اعتذر من العرب والأفارقة وكلّ الأقليّات العرقية في العالم عمّا فعلته , لأنه لا يحقّ لأحد إفناء الآخر بسبب الفروقات العقائدية والطائفية , فجميعنا شركاء على هذه الأرض .. ولهذا أعتذر منكم جميعاً 

وهنا اوقفا الكاميرا ..
فقال المخرج السكران : لقد فعلت ما أمرتماني به .. فاطلقا سراحي قبل ان أقع واموت , فأنا لا ارى بوضوح امامي
فقال أحدهما بلؤم : وهذا هو المطلوب بالفعل

ثم خرج مع صديقه الى خارج الكوخ , تاركان المخرج يصرخ ويتوسّل لهما .. 
وقبل ان يُدير العربي محرّك سيارته , سمعا صوت سقوط الكرسي من داخل الكوخ ..

فقال صديقه : وهاهي روحه الآن ستُلاقي ارواح المهاجرين لينتقموا منه 
فقال له الآخر : لا طبعاً .. فأرواح اولئك المساكين في الجنة , بينما روحه  ستُحرق حتماً في الجحيم !!

وابتعدا عن المكان , تاركان جثته تتحلّل وحدها في ذلك الكوخ المهجور المتواجد في غابةٍ مُهملة بأطراف قريةٍ بريطانية !  

الاثنين، 26 مارس 2018

خدمة الطوارىء

تأليف : امل شانوحة


لا تنتحري من أجله !

جلس الشرطي الشاب امام هاتف الطوارىء مُتحمّساً لتلقّي اول مكالمة في يومه الوظيفي الأول ..
- مرحباً ..هنا مركز الشرطة .. كيف يمكننا خدمتكم ؟
فسمع إنيناً حزيناً , وشهقة بكاءٍ مريرة لفتاةٍ ما ..
فحاول ان يُحثّها على الكلام ..
- سيدتي .. يمكنك التحدّث معي .. مالذي يزعجك ؟
فقالت بصوتٍ متهدّجٍ مُنكسر : عرسها اليوم
الشرطي : عفواً , لم افهم ! .. من تقصدين ؟
- عرس اختي الصغرى اليوم .. أتدري ممّن ستتزوج ؟

ولوّ كان شرطياً آخر تلقّى هذه المكالمة لأقفل الخط على الفور .. لكن الشرطي أحمد شعر بنبرة يأسٍ في صوتها الضعيف , لذلك ارتأى ان يُكمل الحديث معها ..
احمد : وممّن ستتزوج اختك ؟
فتنهّدت بأنفاسٍ ثقيلة , ثم قالت : من حبيبي .. نعم حبيبي الذي عشقته لخمسة سنوات .. فهو زميلي في العمل 

- وكيف تعرّف على اختك ؟
- جاء لخطبتي قبل شهر , وكنت أطير من الفرح .. لكن اختي سبقتني الى الصالة , حيث كان يجلس مع امه في انتظار إنتهائي من تحضير نفسي 
- وهل قامت اختك بشيءٍ جعله يختارها بدلاً منك ؟

الفتاة بعصبية : فعلت كل شيء !! لبست فستاناً أجمل مني , بعد ان عادت من الخارج وقد صفّفت شعرها ومكيجت وجهها عند أفضل مزيّن ! وحينها إعترضتُ بغضب لأن العريس لي !! .. فعاتبتني امي قائلة : دعيها تدخل معك , فربما لدى الأم عريساً آخراً لها ..
الشرطي بدهشة : يا الهي ! هذا تصرّفٌ خاطىء من امك 
- نعم .. وفي اليوم التالي اتصلت بنا امه وقالت : بأن ابنها أعجبته اختي أكثر مني !.. لكن أتدري ما المحزن في الأمر ؟
- انك خسرتي حبيبك واختك في اليوم ذاته

الفتاة بغضب : بل عائلتي كلّها !! فجميعهم باركوا لأختي دون ان يشعروا بمقدار الألم الذي يعتصر قلبي .. وقالوا : بأنه نصيبها , وليس من نصيبك ! ..هل تصدّق قساوة قلوبهم ؟!
- كان الله في عونك , الموضوع محزنٌ بالفعل ..فهذه خيانة مؤلمة
- واليوم طلبت اختي مني ان لا احضر عرسها كيّ لا أفسد عليها فرحتها , ووالدايّ وافقا على طلبها ! وهم الآن جميعاً في صالة العرس .. بينما اجلس انا عند حافّة الشرفة

وهنا عرف الشرطي ان قراره بسماعها كان صائباً , لأنها تنوي إنهاء حياتها !
الشرطي بحزم : ماذا ! لا ايّاكِ ان تفعلي !! 
الفتاة بصوتٍ مُحطّم : بلى سأنتحر .. اساساً عقلي لا يتحمّل فكرة كونهما سويّاً هذه الليلة , فلطالما تخيّلت نفسي معه .. لهذا أريد الموت .. دعّ عائلتي الحنونة ترى جثتي عند عودتهم سعداء من عرس الخائنة !!

فأسرع الشرطي بالتحدّث من هاتفٍ آخر لدوريات الشرطة , بعد ان أخبرهم بعنوان الفتاة الظاهر عنده على الشاشة (من برنامج تحديد موقع الإتصال) .. وقال لهم : 
- استعجلوا !! فالفتاة على وشك الإنتحار , والموضوع خطيرٌ للغاية

ثم تابع الحديث معها لكسب المزيد من الوقت , حتى تصل الشرطة اليها ..
الشرطي الشاب : لم تخبريني بعد عن اسمك ؟
- اسمي فاديا .. وهو فؤاد .. فاديا وفؤاد .. حتى إسمينا كانا مطابقين !
- فاديا إسمعيني جيداً .. فؤاد ليس شخصاً جيداً , فطالما انه فضّل الصغرى عليكِ فهذا يعني انه يحب مصلحته فقط .. ولوّ كان مخلصاً لك , لما استطاعت اختك ولا أيّةِ امرأة في الدنيا ان تبعده عنكِ .. انا رجل , وأحدّثك عن عقليّة الرجال .. اختك بالنسبة له مجرّد نزّوة .. يعني زواجهما لن يدوم .. صدّقيني

ففاجأته بسؤالها : 
- ما اسمك ؟
الشرطي بدهشة : انا !
- نعم
- احمد
- هل احببت يوماً يا احمد ؟
- نعم 
- ما كان اسمها ؟
- سعاد
فاديا : وماذا حصل لها ؟
فسكت احمد قليلاً , ثم قال بنبرةٍ حزينة : توفيت بحادث سير عندما كانت في 13 من عمرها
فاديا باستغراب : 13 ! وكم كان عمرك انت ؟
- 14 .. كانت ابنة الجيران , وأحببتها منذ ان كنت في 8
- وماذا حصل لقلبك حين ماتت ؟
تنهّد بحزن : تحطّم كليّاً .. 

- الم تتزوج بعد ؟
أحمد : لا 
- وكم عمرك الآن ؟
- 33 .. وانتِ ؟
فاديا : 29
- يعني مازالت صبيّة , ويمكنك إيجاد عريسٌ آخر 
- لا , فأنا بنظر اهلي كبيرة , وينادوني بالعانس ..
الشرطي باستغراب : لا طبعاً ! فالعانس هي أمرأة فوق سن 50 , وانت مازلتِ صبيّة جميلة
فاديا : وما ادراك انني جميلة ؟
- من صوتك 
- صوتي مجروح وحزين
أحمد : نعم , لكنه نابع من قلبٍ صافيٍ وطاهر , وهذا هو الجمال الحقيقي 

فسألته ممازحة : أمتأكد انك مخلص لذكرى حبيبتك ؟
- ماذا تقصدين ؟!
- يبدو انك خبير في مجال النساء !
فأجاب مبتسماً : هذا لا يحتاج الى خبرة يا فاديا .. فأنا كنت الولد الوحيد بين خمسة اخوات , لهذا أعرف شعور البنات جيداً 
فقالت بنبرةٍ حزينة : وانا ليس لديّ سوى اختٌ وحيدة , وطعنتي بالظهر !

- وجيد انها فعلت
فاديا بدهشة : ماذا تقصد ؟!
- لقد أبعدتك عن الخائن الحقير
فاديا : لا أعتقد انه اختارها بنفسه , بل أظن امه أثّرت على رأيه
- وهذه حسنةٌ أخرى لأختك .. فهي أنقذتك من حماةٍ قويّة كانت حتماً ستتعبك في المستقبل
- نعم تبدو والدته قويّة , فنظراتها لي لم تريحني ابداً !
أحمد : ارأيتي !! ..لوّ فكرنا بمشاكلنا من زاويةٍ أخرى سنجد ان البلاء لم يكن سوى هدية من الله لنا

فاديا بقهر : بل هو امتحانٌ قاسيٍ
- وبعد الإمتحان تأتي الجوائز يا فاديا
- كلامك مريح , لكنه غير منطقي
- لماذا ؟!
- لأنك تكلّمني وكأن الموضوع سهل .. تخيّل مثلاً : ان حبيبتك لم تمت , واليوم ستتزوج من أخيك , فكيف سيكون شعورك في ليلة عرسهما ؟
أحمد : سأبكي وأبكي الى ان تنتهي دموعي .. ثم أقوم وأصلي وأدعي ربي ان يستبدلني بحبٍ أكبر وأخلص منها , لأني متأكّد إنني أستحق الأفضل

فاديا بيأس : وهل انا أستحق الأفضل ؟
- بالتأكيد !! فالله لا يبلي الا عباده الصالحين , لأنه كلما كان البلاء كبيراً كلما كانت الجائزة أكبر ..(ثم سكت قليلاً).. اسمعيني يا فاديا .. انا لا اعلم بالمستقبل , لكني أعلم بطباع الرجال .. وأعرف انه مع اول مشكلة ستواجههما , سيقول لها : بأنه كان يرغب بك انتِ , وامه من اختارتها له .. بل حتى أظنه سيمدحك باستمرار امامها ليغيظها , ممّا سيؤدي بالنهاية لطلاقكهما

- أحقاً ! وهل سيعود اليّ بعد فراقهما ؟
أحمد بجديّة : بصراحة ..ستكونين غبيّة جداً ان قبلتي بعودته
- لماذا !
- لأنه من يخون مرّة يخونكِ الف مرة ..هذه قاعدة عامة , إحفظيها جيداً 
فاديا بيأس : ومالعمل الآن ؟
- العمل هو أن تذهبي وتصلي ركعتين لله , وأنصحكِ ان تطيلي السجود وانتِ تدعين ربك ان يعوّضك بخيرٍ منه .. فالله يستجيب لدعوة المظلوم 

وهنا سمعت فاديا صفّارات الشرطة تقترب من المكان .. فسألت احمد قائلة بقلق :
- هل ارسلت الشرطة اليّ ؟
- نعم , أردّت الإطمئنان عليكِ
فاديا معاتبة : ليتك لم تفعل يا احمد ! فالجيران سيخبرون اهلي , وبذلك تزيد عليّ المشاكل 
أحمد : لنتفق اذاً على شيء .. في حال ارسلتي لي صورتك وانتِ تأكلين في المطبخ , حينها فقط أتصل بهم 
فاديا باستغراب : أتريدني ان ارسل لك صورتي وانا آكل ؟!
- نعم , لأتأكّد بأنك ابتعدّتي عن الشرفة 
فاديا : حسناً , إرسل لي رقم جوالك

فقام احمد بإرسال رقم جواله لها (مع انه ممنوع بقوانين عمله ان يترابط بشكلٍ شخصيّ مع المتصلين !)

وبعد قليل .. أرسلت له صورة من جوالها (بعد ان اغلقت هاتف المنزل) : وكان وجهها ملطّخاً بالكامل بكريمة الكاتو 
فضحك أحمد من صورتها , وارسل لها رسالة على جوالها : 
- نعم , هذا ما أردّته بالضبط !! ..ان أرى ابتسامتك الجميلة .. والآن سأتصل بفرق الشرطة ليبتعدوا عن المكان 

وبعد ان اتصل بهم وطمّأنهم بحلّه للمشكلة , إبتعدت الشرطة عن الحيّ الذي تسكن فيه فاديا , قبل ان يلاحظ الجيران الموضوع 
فتكلّمت فاديا معه بجوالها : 
- شكراً لك يا احمد على كل شيء
احمد : لحظة قبل ان تغلقي .. لم اسألك بعد
- عن ماذا ؟
- في ايّ طابقٍ تسكنين ؟ 
فاديا : الطابق الأول

فضحك أحمد من كل قلبه , حتى انتبه عليه زملائه في العمل الذين يشاركونه غرفة الإتصالات
فقالت له فاديا وهي تضحك ايضاً : يبدو انه كان عليّ الصعود الى سطح مبنى لأنتحر , اليس كذلك ؟ 
أحمد وهو مازال يضحك : والله ظننتك تقفين على شرفة الطابق العاشر , لكن لا يهم ..فأنا سعيد لأنني تحدّثت معك .. أتمنى لكِ ليلة سعيدة

فاديا : لحظة ! أستغلق الهاتف ؟!
- ورائي مكالماتٌ أخرى , والاّ سيطردوني في اول يوم عملٍ لي 
- معك حق ..انا آسفة لأني أخذت الكثير من وقتك
- فاديا ..
- نعم
أحمد : معكِ رقم جوالي .. وسأكون في منزلي بعد ساعتين .. يعني في حال أحببتي ان نُكمل حديثنا 
فاديا : لا استطيع , فحينها يكون أهلي عادوا من العرس
- اذاً كلميني عن طريق الرسائل .. مع اني أحب سماع صوتك

فأرسلت له صورة إيموجي : لوجهٍ مُحمّر الخدود
فأرسل لها بالمقابل : صورة قلب به سهم كيوبيد 
وبعد ان أغلق جواله ..

اقترب منه زميله (بعد ان كان سمع بعضاً من حديثه معها) وقال له مُمازحاً:
- لا يمكنك ان تحب كل فتاة تكلّمك , والاّ سنقلب خدمة الطوارىء الى مكتب مواعدة يا رومنسي 

وضحك زملائه الشرطة عليه , لكنه لم يهتم .. وتابع بقيّة الإتصالات التي وصلته , والتي كانت أكثر جديّة وخطورة ..
***

وبعد ساعتين ..عاد أحمد مُنهمكاً الى منزله , لتصله اول رسالة منها.. 
فاديا : أتدري ماذا حصل يا احمد ؟ ..لقد تفاجأ والدايّ حين رأياني استمع للموسيقى الكلاسيكية , وقالت امي : بأنهما كانا قلقان بأن يجداني وقد قتلت نفسي .. فأجبتها بهدوء : بأني لست غبيّة لهذه الدرجة ..كما قلت لهما : بأن فؤاد يليق بأختي أكثر مني , فكلاهما خائنان ويستحقّان بعضهما البعض ..ثم دخلت غرفتي , وتركتهما متفاجئان من هدوئي الزائد  

فأرسل لها أحمد رسالةٍ خطيّة , مُمازحاً : 
- هذا لأنهما لم يعرفا بأنك كنت على وشك القفز من الطابق الأول .. (ووضع صورة ايموجي لوجهٍ ضاحك)

وأكملا الحديث سويّاً حتى ساعةٍ متأخرة من الليل , ولم يشعرا بمضيّ الوقت للتوافق الكبير بينهما !
***

وظلّت علاقتهما معاً عبر المكالمات الليلية لشهرٍ ونصف .. الى ان أخبرته فاديا : بأنها ستتركه ليتابع عمله وحياته لأن نفسيّتها تحسّنت كثيراً بعد ان انتقلت الى وظيفةٍ جديدة , لأنها لا ترغب بلقاء فؤاد مرّة اخرى , فهي لا تريد المشاكل مع زوجته (ايّ اختها) 
***

وانقطع الإتصال بين فاديا واحمد لثلاثة أشهر , كان يشعر فيها الشرطي بأنه فقدَ توأم روحه من جديد (بعد موت حبيبته السابقة : سعاد) ..لكنه تركها على راحتها , ليُتابع عمله الروتيني في مركز طوارىء الشرطة 
***

وفي أحد الأيام .. تفاجأ احمد بباقة زهور على مكتبه !
فقال له زميله : يمكنك اللحاق بها , لأنها ذهبت قبل قليل
احمد : من تقصد ؟! 
زميله الآخر : حبيبة قلبك 
احمد بدهشة : فاديا كانت هنا ؟!
صديقه : إسرع يا رجل قبل ان تبتعد !!

فنزل احمد الدرجات بسرعة , ليجدها في حديقة المركز .. فأوقفها قبل ان تخرج من بوابة الشرطة ..
- فاديا !!! توقفي..
- احمد ! 
أحمد بابتسامةٍ عريضة تعلو وجهه : كنت آمل ان تزوريني يوماً
فاديا بخجل : أتيت لأشكرك
- على ماذا ؟

وبعد ان جلسا على الكراسي المتواجدة في حديقة المركز .. 
فاديا : لقد تحقّقت نبوءتك يا مشعوذ !
- عن ماذا تقصدين ؟!
- لقد طلق فؤاد اختي قبل يومين , بعد ازدياد المشاكل بينهما 
أحمد : أكيد كان يخبرها مع كل مشكلة انه لم يكن يريدها من الأساس , اليس كذلك ؟ 
- نعم , بل حتى اتهمها بأنها سحرته بسبب غيرتها مني ! كما ان حماتها كانت تتدخّل كثيراً في حياتها , كما توقعت انت ! ..لكن أتدري ما المضحك في الموضوع ؟
- ماذا ؟

فاديا : بعد عودتها الى منزلنا , أردّت مواساتها ..لكنها لامتني على طلاقها , وكأنّي انا من سرقت حبيبها وليس العكس !
احمد بقلق : وهل اتصل بك ذلك الغدّار ؟ 
- نعم , البارحة ..وكان يبكي , طالباً عودتي اليه 
فاحمر وجه احمد غضباً (لغيرته عليها) : وبماذا أجبته ؟
- قلت له : لا طبعاً !! مستحيل ان أعود اليه , فهو غير جدير بالثقة
احمد يتنهّد بارتياح : أحسنتي !!

فاديا بغضب : المشكلة ان اهلي يقفون مجدداً في صفِّ اختي ! بل الاحظ انهم يسكتون كلما اقتربت منهم ! والله أكاد أنفجر من تفضيلهم لها عليّ 
- أظن انه بات من الصعب ان تبقي مع اختك المطلقة في نفس المنزل 
فتتنهّد بيأس : والى اين أذهب يا احمد ؟
- الى بيتي
فاديا باستنكار : ماذا قلت ؟!
- لا تفهميني غلط .. (ثم أمسك يدها) ..هل تتزوجينني يا فاديا ؟

لكنها أسرعت بالوقوف وقد شحب وجهها , فأسرع قائلاً قبل ان تبتعد.. 
أحمد : لا تجيبيني الآن .. فكّري بالموضوع 
فأومأت برأسها موافقة ..

ثم مشت بضعة خطواتٍ بطيئة , قبل ان تتوقف وتدير رأسها , ليلاحظ أحمد الدموع في عينيها.. 
فسألته فاديا بقلق : هل ستكون مثل فؤاد وتجرحني يا احمد ؟
فأجاب احمد بثقة : ابداً !!
- هل سيميل قلبك يوماً لأمرأة أصغر وأجمل مني ؟
فعاد وأجاب بحزم : مستحيل !!
فاديا وهي تمسح دموعها : هل ستكون مخلصاً لي ؟
- طوال عمري 
فبكت فاديا وقالت بصوتٍ متقطّع : أتعدني بذلك ؟
- أعدك حبيبتي 

ثم اقترب منها , وأمسك بيدها التي كانت ترتجفّ بشدّة ..
ونظر الى عينيها قائلاً : دعينا نحرق قلب هاذين الخائنين , ولنعلّمهما كيف يكون الحب الحقيقي
فقالت له بحزن : اين كنت طوال حياتي يا احمد ؟
فأجاب بابتسامةٍ حزينة : كنت في انتظاركِ , عزيزتي 

ثم حضنها بحنان .. ليسمعا من بعدها , صوت التصفيق والصفير قادماً من زملائه في الطابق العلوي !
حيث صرخ صديقه بعلوّ صوته (من فوق) : أحسنت يا بطل !!
والآخرون قالوا وهم يصفقون لهما : مباركٌ لكما يا عرسان !!!

فضحك احمد وفاديا بسعادة , بعد ان احمرّ وجههما خجلاً من حلاوة الموقف !
******

ملاحظة :
قصة الأخت الصغرى التي خطفت عريس اختها , هي قصة حقيقة قرأتها سابقاً من قسم : تجارب من واقع الحياة , في موقع كابوس  
لهذا أردّت تحويل مشكلة الفتاة الكبرى الى قصة , أُهديها لها .. مُتمنّية من الله ان يعوّضها بخيرٍ من خطيبها السابق وأختها الخائنة 
وكان الله في عونها وعون الجميع على غدر الأحباء ومصائب الدنيا ! 

الجمعة، 23 مارس 2018

الأجنحة المجروحة

تأليف : امل شانوحة


الأولاد ذويّ الإحتياجات الخاصة في خطر , عليّ إنقاذهم !

في آخر المساء .. استيقظت جاكلين على رنين جوالها .. فنظرت  لساعة المنبه بتعجب : 
- من يتصل في هذه الساعة المتأخرة ؟! .. الو..
فسمعت صوت ولدٍ صغير يرتعش خوفاً , وهو يقول بصوتٍ منخفض : 
- ساعدينا .. ارجوكِ
ثم سمعت رجلٍ يتكلّم من بعيد بنبرةٍ غاضبة : 
- ابحثوا عنه في كل مكان !! 
فهمس الصبي وهو يلهث برعب : عليّ الهرب فوراً !
جاكلين : لحظة !! لا تقفل الخط 
وانتهت المكالمة !
***

فبدأت الشكوك تساور جاكلين : يا الهي ! مالذي يجري ؟ يبدو من صوت الولد وكأنه في ورطة .. سأتصل فوراً بالشرطة

واتصلت بخدمة الطوارىء , ليردّ عليها متلقّي المكالمات قائلاً : 
- هنا مركز الشرطة , كيف نستطيع مساعدتك ؟
فأخبرته جاكلين بالأمر , ثم أسمعته مكالمة الصبي المُقلقة (والتي تسجلّت تلقائياً على جوالها) .. فردّ الشرطي بلا مبالاة :
- يبدو انه ولدٌ صغير يلعب بجوّال والده
- لا ! فصوته يدلّ على انه خائفٌ للغاية .. كما يبدو ان هناك اشخاصاً يبحثون عنه , وربما يكونوا لصوصاً إقتحموا بيته 
الشرطي : لا أظن ذلك .. فالأولاد مشاغبون هذه الأيام , وربما اتصل بكِ للتسلية او عن طريق الخطأ .. إنسي الموضوع .. تصبحين على خير
جاكلين : لحظة لا تقفل الخط ! ..الو ..الو .. اللعنة !! مالعمل الآن ؟
***

وقد حاولت تناسي الموضوع والعودة الى النوم , لكن صوت الولد المُرتجف علِقَ في رأسها .. 
وبعد ان أصابها الأرق , إتصلت بصديقها (الخبير في مجال الإتصالات والحواسيب) .. 
- آدم 
- جاكلين ! الساعة الثانية صباحاً .. ما الأمر ؟!
- أعلم انك تسهر كل ليلة في المستشفى .. هل زوجتك بخير ؟
- المسكينة مازالت على حالها .. المهم , ماذا تريدين مني ؟
- هل حاسوبك المحمول معك ؟
- نعم .. والإنترنت سريع في المستشفى 
- اذاً أحتاج الى مساعدتك 

ثم أرسلت له مكالمة الصبي ..
جاكلين : هآ .. ما رأيك ؟
آدم : يبدو لي بأن الولد خائفٌ بالفعل ! 
- هل تستطيع تحديد مكان المكالمة , فأنت خبير بالتلصّص ايها الهكر البارع ..
آدم معاتباً : جاكلين ! لا تتحدّثي بهذه الأمور على الجوال , أتريدين توريطي ؟!
- آسفة .. متى أحصل على النتيجة ؟
- لا ادري , لكني سأحاول إرسال الإجابة لك في الغد صباحاً
جاكلين : غداً ! حينها نكون تأخرنا كثيراً على الولد , فربما حياته في خطر 
آدم : الموضوع ليس بهذه السهولة يا جاكلين .. فهيا إقفلي الخط ودعيني أعمل .. تصبحين على خير
***

ولم تستطع جاكلين النوم حتى وقتٍ متأخر .. 
وفي الصباح الباكر , اتصلت به فور استيقاظها لمعرفة نتيجة بحثه..
- هآ آدم.. هل عرفت شيئاً ؟
فأجابها بصوتٍ مرهق : نعم حدّدت الموقع , وهو مركز للأولاد المعاقين
جاكلين بدهشة : أتقصد دار الأمل لذويّ الإحتياجات الخاصة ؟!
آدم باستغراب : بالضبط ! كيف عرفتي ؟!
- لأني قدّمت اليهم طلباً لتوظيف قبل ايام , لكنهم لم يردّوا عليّ بعد ! 
- اذاً ربما هم من اتصلوا بكِ
- آدم ما بك ! انت سمعت المكالمة بنفسك , وكان صوت ولدٍ لا يتعدّى عمره 10 سنوات 
آدم : وهل جميع الأولاد هناك معاقين عقلياً ؟

جاكلين : لا .. بل يوجد منهم المعاقون جسدياً , وكذلك المنغوليين , وبعض اطفال التوحّد .. الا ان العامل المشترك بينهم : انهم ابناء عائلاتٍ غنيّة , فتكاليف العلاج في المركز مرتفعة الثمن  
- أتعنين ان الأثرياء الذين يخجلون من اولادهم المعاقين يرمونهم في هذا المركز ؟!
جاكلين : نعم ..وبالمقابل تتعهّد الإدارة بالسرّية التامّة , ومنع الصحفيين من الدخول وتصوير الأولاد .. حتى ان السكرتيرة أخبرتني : بأن أقاربهم من أعمام وأخوال لا يعرفون اصلاً بوجودهم , حيث ادّعى ابائهم بوفاتهم أثناء الولادة ! 
آدم : هذا محزنٌ للغاية ..لكن ما لا أفهمه ! كيف عرف ذلك الولد المعاق رقم جوالك ؟!  
جاكلين : لا ادري ! لهذا سأذهب اليهم بعد قليل , لأطمئن بنفسي على الأوضاع  
آدم : حسناً .. لكن انتبهي على نفسك , فالأمر مثيرٌ للريبة !
***

وقد استقبلها مدير المركز بترحابٍ لم تجده في مقابلتها السابقة معه ! 
وحين لاحظ ارتباكها , سألها عن السبب .. فأخبرته جاكلين عمّا حصل معها البارحة ..
المدير : وكيف عرفتي بأن الولد اتصل بك من هنا ؟!
فأجابته بثقة : لي مصادري الخاصة
- عزيزتي .. ليس مسموحاً لأحد الدخول الى مكتبي ..وفي حال فرضنا انه تسلّل أحد الأولاد الى هنا .. فلا أظنهم يملكون الذكاء الكافي للبحث عن ملفّك لمعرفة رقم جوّالك.. ومن ثم الإتصال بك من هاتف مكتبي لطلب المساعدة ! 
جاكلين : أظنك تستهين بهم .. فكما لاحظت من تجولي بالمركز , بأن عندكم اولاد مصابون بالتوحّد , وهؤلاء ليسوا اغبياء بل العكس تماماً يعدّوا فائقيّ الذكاء .. وانا أشكّ بأحدهم 

فسألها باهتمام : ومن هو ؟
جاكلين : أعرف شكله فقط ..لأني صادفته المرّة الماضية وهو يلعب بالممرّ , قبل دخولي لإجراء المقابلة ..وحينها أخبرته بإسمي , وبأنّي ربما أعمل لديكم قريباً 
- ولما أخبرته بأسمك الكامل ؟!
جاكلين : كنت أفتح حديثاً معه لأحثّه على الكلام .. لكن قبل ان أعرف اسمه , نادتني السكرتيرة لدخول مكتبك ..
المدير : حسناً , لنتجوّل معاً في الدار .. وان رأيتي ذلك الولد , أشيري عليه..
***

ودخلت جاكلين مع المدير الى صالةٍ كبيرة يجتمع فيه الأولاد للعب .. لكنها رأت الصبي (الذي تبحث عنه) يراقبها من بعيد بقلقٍ واضح ! وقبل ان تُشير عليه .. أومأ برأسه (بأن لا تفعل) والخوف ظاهرٌ في عينيه !
المدير : سيدة جاكلين .. هؤلاء هم جميع المعاقين في مركزنا .. فهل عرفتي الولد الذي اتصل بك ؟ 
وقد اضّطرت جاكلين للكذب : لا , فجميعهم متشابهون ! 
المدير : الم تقولي انك تكلّمت سابقاً مع ولدٍ متوحّد , ام انك قصدّتي ولداً منغولياً ؟!
فأجابت بارتباك : صدقاً لا اذكر .. انا آسفة على إزعاجك
المدير : يبدو ان ما حصل معك البارحة كان مجرّد كابوس 

وكانت جاكلين على وشك ان تُسمعه صوت الولد المسجّل في جوالها , لتأكّد له صحّة كلامها .. لكنها فضلّت تغير الموضوع , لكيّ تعرف اولاً سبب خوف الولد من مديره ! .. فقالت له : 
- سيدي .. انا فعلاً أرغب بالعمل لديكم , لأني أحب التعامل مع هؤلاء الأطفال الأبرياء
المدير باشمئزاز : ابرياء ! بل قولي : شياطينٌ مزعجة 
جاكلين باستنكار : ماذا !
- المهم الآن .. نحن فعلاً بحاجة للمزيد من الموظفين

جاكلين بابتسامة : أهذا يعني انك موافق على عملي معكم ؟ 
- نعم ويمكنك البدء مع بداية الأسبوع .. وسنخصّص لك غرفة نوم في الطابق العلوي , بجانب غرف الممرّضات ..وباستطاعتك الذهاب الى بيتك بعطلة نهاية الأسبوع .. هل هذا يناسبك ؟ 
جاكلين بفرح : بالطبع , انا موافقة !!
وبعد ان سلّمت على المدير والسعادة تغمرها , لاحظت بأن ذلك الولد يبتسم لها من بعيد , وكأنه سعيد لانضمامها اليهم !
***

وخلال شهرين فقط .. بدأ الأولاد (ذويّ الإحتياجات الخاصة) يتعوّدون على معلمّتهم الجديدة التي كانت تُمرّر لهم سرّاً بعض الألعاب والحلويات , والتي هي ممنوعة في قوانين الإدارة ..
وكانت الأمور تجري على ما يرام , الى ان قامت إحدى الممرضات الحقودات بالإبلاغ عنها .. فطلب المدير رؤيتها في مكتبه..

وهناك عاتبها على مخالفتها الأوامر ..
جاكلين مُستنكرة : لا أفهم سبب منعهم من الحلوى ! فأهاليهم يدفعون لكم الكثير 
المدير : الموضوع ليس مادياً , لكن الحلوى تزيدهم نشاطاً
- وهل من المفترض ان يبقوا نائمين طوال الوقت ! فهم بالنهاية اولادٌ صغار , والحلوى مهمّة بالنسبة لهم
- ونحن لا يمكننا تحمّل مشاغبات اولاد لا يفهمون لغة الكلام  
جاكلين بضيق : عذراً سيدي .. يبدو انك لا تحب عملك
المدير بغضب : ماذا قلتي ؟!
جاكلين : الا يكفي انهم معاقين وايتام

- هم ليسوا ايتاماً
- ومالفرق بينهم ؟ فطوال هاذين الشهرين لم أرى سوى اب ووالدتين زاروا اولادهم , ولمرةٍ واحدة في الشهر .. وهذا لا يكفي ابداً ! ..علينا مطالبتهم بالمزيد من الزيارات ..
المدير مقاطعاً : الأثرياء لا يأتون كثيراً الى هنا خوفاً من كلام الصحافة , فمركزنا يعتبر مكاناً مشبوهاً بالنسبة لهم 
جاكلين بدهشة : لكن هذا ليس سجناً ليكون مشبوهاً ! ومن واجبهم تحمّل مسؤلية ابنائهم ! 

المدير بحزم : جاكلين !! لما تبتعدين كثيراً عن صلب الموضوع ؟ ..(ثم يقول بنبرةٍ آمرة) ..الحلويات ممنوعة هنا !! واذا تكرّر الأمر , سأقوم بطردك .. هل كلامي مفهوم ؟!! 
فخرجت من مكتبه وهي تكتم غيظها بصعوبة 
***

وبعد شهر .. لاحظت جاكلين إختفاء احد الأولاد ! ..فأخبرتها الإدارة بنبأ وفاته في منتصف الليلة الماضية , أثناء نومه .. وبأنهم نقلوا جثته الى المشرحة في انتظار قدوم اهله لدفنه بحديقة المركز , فالأهل عادةً يفضلون دفنهم بعيداً عن أعين الناس والصحافة ! 
لكنها لم تصدّق كلام السكرتيرة , ودخلت غاضبة الى مكتب المدير الذي كان يجري في هذه الأثناء مكالمةً هاتفية ..
جاكلين : كيف توفيّ جيمس ؟ فقد رأيته البارحة قبل ان ينام , وكان بصحةٍ جيدة ! ..ولما تقرّر دفنه هنا ؟!

فقام المدير برفع صوت المكالمة التي كان يُجريها مع اهل الطفل المتوفى (7 سنوات) .. وكأنه يريدها ان تسمع الإجابة بنفسها .. 
حيث قال والده :
- آه حقاً .. وأخيراً مات جيمس .. 
فانصدمت جاكلين من إجابة الأب الذي يبدو وكأن خبر وفاة ابنه المنغولي أراحه كثيراً ! 
فقال المدير للأب : سيد جاك .. المركز سيتكفّل بدفن ابنك في الحديقة الخلفية للدار , المخصّصة للمدافن 
صوت الأب : تمام .. اذاً سأرسل لك مبلغاً مع سكرتيري يكفي لتغطية تكاليف الجنازة .. 
المدير : وهل ننتظر قدومك انت وزوجتك لتحضرا ..
صوت الأب مقاطعاً : لا داعي لذلك .. فوالدته تقوم بجولة تسوّق في فرنسا .. اما انا فمشغول بأعمالي التجارية .. لهذا استعجلوا في دفن  المنغولي  

وهنا لم تعدّ جاكلين تتحمّل قساوة الأب , فاقتربت من مكبّر الصوت في الهاتف , لتقول له بغضب : 
- اسمه جيمس , وليس المنغولي !!
فأسرع المدير بقفل مكبّر الصوت , ليتكلّم وحده بالسمّاعة .. قائلاً للأب :
- أعتذر عن هذا سيد جاك .. نعم حاضر , سأقوم بالّلازم .. وداعاً
ثم أغلق الهاتف..

جاكلين بصدمة : لا أصدّق ما سمعته !
المدير : جميعهم يفعلون الشيء ذاته 
- جميعهم ! وكم ولدٌ مات هنا ؟! 
فقال المدير بارتباك : ماذا ! .. لا , انا أقول بصورةٍ عامة .. المهم الآن.. عليّ انهاء اوراق الدفن الرسمية لهذا الصبي , وانت إذهبي لإكمال عملك 
***

ودخلت جاكلين الى صالة اللعب غاضبة .. ووقفت قرب نافذةٍ جانبية تطلّ على مدافن المركز .. 
فاقترب منها نفس الولد المتوحّد .. وقال لها بحزن , وهو ينظر معها لعملية حفر القبر الجديد :
- لقد قتلوا جيمس ايضاً , اليس كذلك ؟
جاكلين بدهشة , بعد ان انتبهت لوقوفه بجانبها : ماذا قلت ؟!
فأشار الولد الى القبور وهو يقول : لقد قتلوهم جميعاً ! 

وقبل ان يعود الى طاولته , أمسكت جاكلين بيده لتستفسر منه أكثر , لكنه فاجأها بأن أفلت يده بعنف وهو منزعجٌ من تصرّفها !
جاكلين وهي تحاول تهدأته : آه ! انا آسفة ..لن أمسكك ثانيةً .. لكني لم اسألك بعد .. هل انت من اتصلت بي مساء ذلك اليوم , وطلبت مني مساعدتكم ؟!
فصار يتلفّت الولد حوله بقلق ..
فهمست له قائلة : لا تقلق عزيزي , فهذا سيبقى سرٌّ بيني وبينك .. هيا إخبرني , كيف باستطاعتي مساعدتكم ؟ 

لكن الصغير ابتعد عنها , وعاد للرسم من جديد .. فظنّت جاكلين بأنه لم يفهم سؤالها .. وعادت للإشراف على بقيّة الطلاب .. 

وبعد قليل .. أشار اليها من بعيد لتأتي اليه ! 
وحين اقتربت من طاولته , رأت رسمته المخيفة : حيث رسم رجالاً يلبسون الكمّامات , ويحمل أحدهم بيده قلب طفلٍ مستلقي على السرير ! 
فسألته بقلق : ومن هؤلاء الرجال ؟
فهمس بخوف : انهم يقتلوننا .. ارجوكِ ساعدينا 
ثم وقف الصبي , وركض الى خارج الصالة ..
***

وفي عطلة نهاية الأسبوع , عادت جاكلين الى بيتها.. 
وبعد قدوم صديقها آدم لزيارتها , أرته رسمة الولد المتوحّد ..
- هآ ما رأيك ؟
آدم : يبدو انها رسم غرفة عمليات ! 
جاكلين بدهشة : لكن لا يوجد غرفة للعمليات داخل المركز ! فأين رآها ؟
آدم : اولاً أجيبيني .. هل سمحوا لك برؤية جثة جيمس ؟
- لا , حتى انهم لم يأذنوا لي بحضور الدفن ! ..لكني تابعت مراسم الجنازة من إحدى النوافذ  
- توقعت ذلك .. يبدو ان كلام الولد المتوحّد صحيحاً !

- ماذا تقصد يا آدم ؟!
- كنت قمت بالمزيد من الأبحاث عن مديرك .. واستطعت إختراق جهازه بعد جهدٍ جهيد , يبدو انه حريص على عدم إنكشاف امره 
جاكلين باهتمام : وماذا اكتشفت ؟
- انه يدخل الى (Deep Web) من حين لآخر ..أتعرفين ماذا أقصد ؟
- نعم , الإنترنت المظلم ! سمعت عنه .. لكن ماذا يريد من هناك ؟! 
- لقد أجرى الكثير من عمليات البحث عن ..
جاكلين بعصبية : لا تسكت الآن !! عن ماذا ؟

- عن تجّار الأعضاء البشرية 
جاكلين بفزع : ماذا ! .. أتقصد انه يبيع أعضاء الأولاد المعاقين في السوق السوداء ؟!
- نعم أظن ذلك , مع الأسف .. وأنت قلتي قبل قليل , بأن عائلاتهم لا تهتم حتى بحضور جنازتهم .. فمالذي يمنع مديرك الحقير من الإستفادة من بقيّة أعضائهم السليمة , سواءً الكلى او القلب والكبد ..
جاكلين مقاطعة : اللعين ! علينا ابلاغ الشرطة عن اعماله الغير مشروعة

آدم بحزم : لا طبعاً !! لأنه ان كان حقاً متورّطاً بالأمر , فهذا يعني انك تواجهين مافيا بحدّ ذاتها , وقد يقتلوك قبل ان تنطقي بحرف واحد للشرطة ..ولا استغرب ان كان جوالك مراقباً ايضاً
جاكلين بخوف : لا تخيفني يا آدم .. طيب مالعمل ؟
- ننتظر قليلاً لنتأكّد من معلوماتنا ..والى ذلك الحين , إيّاكِ ان يلاحظوا ايّ تغير في تصرّفاتك تجاه الإدارة .. إبقي الأمور كما هي , لأن الموضوع خطيرٌ جداً يا جاكلين 
- وكيف نتأكّد من شكوكنا ؟

فيفكّر آدم قليلاً , ثم يقول : انا متأكّد ان غرفة العمليات موجودة داخل المركز , لأن رسمة ذلك الطفل تؤكّد بأنه شاهد بالصدفة إحدى العمليات الجراحية .. ولهذا عليكِ إيجاد تلك الغرفة .. 
- حسناً , سأحاول جعل الولد يُخبرني بمكانها  
آدم : بالعادة المصابون بالتوحّد لا يحبون الكلام , لهذا دعيه يرسم لك مكان الغرفة السرّية 
جاكلين : معك حق , فهو يُحب التعبير بالرسم .. طيب ماذا بعد ان أجد الغرفة ؟ 

- على حسب تواريخ اتصال مديرك بتجّار الأعضاء , استطيع ان أخمّن : بأنه يقتل طفلاً كل ثلاثة اشهر .. ربما لكيّ لا يثير شكوك حقوق الطفل وجمعية حقوق المعاقين حول مركزه المشبوه  
جاكلين بضيق : وهل عليّ الإنتظار لثلاثة شهور أخرى , والعمل بشكلٍ طبيعي تحت إدارة هذا المجرم ؟! 
آدم : انت مُجبرة , هذا في حال أردّتِ إنقاذ بقيّة الأطفال .. وبرأيّ : استقيلي غداً من هناك , ثم قدّمي شكوى لدى الشرطة 

- لا طبعاً !! فلوّ بلّغنا عنه الآن سينكر المدير كل الموضوع , خاصةً اننا لا نملك ايّ دليل ضدّه .. (ثم تفكّر قليلاً) ..يبدو معك حق ..من الأفضل الإنتظار لحين إرتكابه غلطة جديدة .. وفي هذه الفترة , سأقوم بالبحث بين ملفّات المرضى عن الأسرار التي يخفونها , بالأضافة لبحثي عن تلك الغرفة السريّة 
آدم : هذا تفكيرٌ جيد .. واذا جاء ذلك اليوم ووجدتِ جثة ولد بداخل غرفة العمليات .. فلا تنسي ان تكشفي عنه الغطاء , لتتأكّدي بوجود آثار القطب الجراحية على طول جسده .. والأفضل ان تصوري المنظر بجوالك .. كما إفتحي عينيه 
- لماذا ؟

آدم : لأنهم يتاجرون عادةً بقرنية العين , فهي والكلى الأكثر رواجاً في السوق السوداء 
جاكلين باشمئزاز : يا للهول !
- أعرف .. سيكون المنظر مخيفاً ومقزّزاً , فهل انت مصرّة على متابعة الموضوع ؟
جاكلين بإصرار : نعم !! .. سأنقذ اولئك الأطفال مهما كلّف الأمر
***

وكما توقع آدم بالضبط .. لم يحصل شيء طوال الشهور الثلاثة , الى ان لاحظت جاكلين إختفاء أكبر الأولاد , وهو مراهق (15 سنة) ومعاق عقلياً .. وحين سألت عنه الممرضة , أجابتها بارتباك:  
- حالته انتكست فجأة , ونقلوه الى مستشفىً قريب !
فعلمت جاكلين بأنه الضحية التالية .. 

وكانت استطاعت قبل شهرين (بعد الحاحها المتواصل على الولد المتوحّد) معرفة المكان السرّي لغرفة العمليات , والذي يتواجد في قبو المركز (والذي يكون عادةً مقفولاً بإحكام) ..
***

وعند حلول منتصف الليل , نزلت جاكلين الى القبو .. 
وهذه المرة , إنفتح باب الغرفة السرّية بسهولة .. فقالت في نفسها :
- كنت متأكدة انها لن تكون مُقفلة هذه الليلة  
وحين تسلّلت الى داخل الغرفة , وجدت جثة الصبي المراهق مغطاة بملاءة فوق السرير , والقطن الملوّث بدمائه البريئة متناثرة على أرضيّة المشرحة 
فقالت جاكلين في نفسها بحزن : سامحني يا صغيري , لم استطع إنقاذك من أيديّ الملاعيين !

ثم اقتربت بخوف من الجثة ..وكشفت الغطاء عن جسده العاري , لتتأكّد شكوكها بعد رؤيتها لآثار القطب على طول جسده النحيل .. 
ثم استجمعت قواها وفتحت عيناه , لتتراجع الى الوراء بعد ان أفزعها منظر عينيه دون القرنية !

لكن فجأة ! أطبقت يدٌ تحمل قماشة مرطّبة على أنفها وفمها .. 
وإشتمّت على الفور رائحة المخدّر ..
وحاولت جاكلين بكل قوتها الإفلات من بين يديّ الرجل المقنّع , الى ان خارت قواها !
***

لتستيقظ بعدها وهي مقيدة اليدين والرجلين بأطراف السرير ذاته الذي كانت عليه جثة الولد قبل قليل .. 
فصرخت جاكلين بفزع بعد رؤيتها للأطباء الثلاثة وهم يقتربون منها , بعد ان أخفوا وجوههم بالكمّامات : 
- ماذا ستفعلون بي ؟!

وهنا دخل المدير الى غرفة العمليات , واقترب منها ..
- كنت أعرف ان فضولك سيوصلك الى هنا
جاكلين بغضب : ايها اللعين !! لما تقتل هؤلاء الأطفال الأبرياء ؟!!
المدير : لأنهم بشر لا فائدة منهم , مجرّد أجساد دون عقول .. حتى اهاليهم لا يرغبون بهم , فلما لا نستفيد من أعضائهم الجيدة ؟ 
جاكلين بعد ان بصقت عليه : انت مجرمٌ حقير !! وستنال قريباً عقابك

المدير بابتسامةٍ لئيمة : ومن سيعاقبني ؟ حتى اهالي الضحايا لن يرغبوا بإيصال الأمر للصحافة , فهم يخجلون من اولادهم المعاقين .. وانا متأكّد بأنهم سيتبرّأون منهم في حال وصل الخبر للعامّة
جاكلين مُهدّدة : لكني سأحرص على معاقبتكم جميعاً !!
فضحكوا ساخرين منها .. 

ثم اقترب المدير منها وهو يقول : وكيف ستعاقبينا عزيزتي , ان كنتِ ستموتين بعد قليل ؟ 
فبدأت جاكلين تصرخ بهستيريا وهي تتحرّك يميناً ويساراً داخل السرير بعنفٍ وعصبية , محاولةً بيأس فكّ أصفادها ..

المدير : لا تحاولي الهرب , فقد انتهى أمرك .. ومع هذا سأخبرك بكل شيء قبل وفاتك .. (ثم تنهّد) .. حين كنّا نجري العملية السابقة .. أقصد قبل المنغولي جيمس .. سمعوا الأطباء صوت أرجل ولدٍ يصعد بسرعة الى فوق , فعلموا بأن أحدهم رأى العملية .. وعلى الفور أبلغوني بالأمر .. وقمت انا بمراقبة الكاميرات .. ووجدته اخيراً في مكتبي , لكني لم أرى وجه الولد حيث كان ظهره للكاميرا .. وكان حينها يبحث بين ملفات التوظيف التي على مكتبي ..ويبدو انه اتصل بك من رقمك الموجود في الملف ..وبينما كان يتكلّم معك , أرسلت الحارس الى مكتبي للقبض عليه .. لكنه هرب من هناك قبل الإمساك به .. الا ان الغبي الصغير ترك ملفك مفتوحاً .. لهذا لم استغرب زيارتك لنا في اليوم التالي

جاكلين والدموع تسيل على خدّيها : الهذا قبلت توظيفي عندكم , رغم انك لم تكن مرحِّباً بي في المرة الأولى ؟
المدير : بالطبع , لأني أردّت ان تبقي تحت أنظاري .. لكن مالا تعلمينه هو ان إحدى الممرّضات استطاعت سرقة جوالك من غرفتك ..ووضعنا بداخله بقّاق للتنصّت عليك .. وهكذا عرفنا بأمر صديقك : آدم أندرسون  

فارتعبت جاكلين كثيراً على صديقها : آدم يعرف كل شيء عنكم , وهو عبقري كمبيوتر .. يعني هاكرز محترف .. واذا لم اتصل به غداً صباحاً كما أفعل كل يوم , سيتصل فوراً بالشرطة
فضحك المدير بلؤم :
- وكيف تظنين اننا عرفنا بأنك ستدخلين اليوم الى هذه الغرفة ؟ 
جاكلين بحيرة : لم افهم !
وهنا نادى المدير بصوت عالي : آدم !! إدخل واخبرها بنفسك

ففتح آدم باب غرفة العمليات , ليرى صديقته مُقيدة بالسرير .. واقترب منها مطأطأ الرأس , قائلاً لها بندم : 
- انا آسف يا جاكلين 
جاكلين بصدمة : هل أبلغتهم عن خطّتنا يا آدم ؟!
آدم بحزن : انت تعرفين بأن زوجتي تحتضر وتحتاج الى قلبٍ جديد ..وهو وعدني بأن ..
فأكمل المدير قائلاً : وعدّته ان أعطي زوجته , قلبك الجريء
آدم وهو يمسح دموعه : سامحيني , ارجوكِ
جاكلين بغضب : ماذا فعلت يا آدم !! .. ماذا فعلت يا غبي !!! 

وهنا أسرع الطبيب بوضع المخدّر على انفها , لتغيب جاكلين عن الوعي وهي تدرك تماماً بأنها ذاهبة برحلة الّلا عودة !
*******

ملاحظة :
هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية حصلت في اكثر من مركز للمعاقين حول العالم , كما في دور الأيتام وصولاً الى دار العجزة.. يبدو للأسف انه لا حدود لأطماع البشر ! 
حمانا الله وأيّاكم من شرورهم أجمعين .

الأحد، 18 مارس 2018

رسوماتٌ مُخيفة

تأليف : امل شانوحة


المتنبئة الصغيرة !

دخلت الصبيّتان الى المصعد بعد انتهائهما من تصفيف شعرهما عند المُزَيِّن المتواجد في الطابق الثاني من هذه العمارة .. و قبل ان يفتحا باب المصعد للخروج من المبنى , إرتفع بهما مجدّداً !
ديانا باستغراب : ماذا حصل ؟!
جاكلين : يبدو ان أحدهم طلب المصعد .. آه انتبهي !! شالك

واذا بشال ديانا يعلق بباب المصعد , فأسرعت جاكلين بفكّه عن رقبة صديقتها قبل ان تختنق .. 
وبعد ان تنفّسا الصعداء , وصل المصعد الى الشخص الذي طلبه ..
وما ان فتحت السيدة باب المصعد , حتى ثارت ديانا غاضبةً في وجهها :
- يا غبية !! كدّتي تقتلينني !

فأسرعت جاكلين بالإعتذار من السيدة :
- آسفة بالنيابة عنها .. لكن طلبك للمصعد كاد يودي بحياتها , فقد علق شالها بالباب
ففاجأتهما بقولها :
- كنت أتوقع حدوث ذلك قريباً
ديانا بدهشة : ماذا تقصدين ؟!
السيدة : رجاءً ..أدخلا بيتي لأفهمكما الموضوع
***

وما ان جلسا في الصالة , حتى ذهبت السيدة الى غرفة ابنتها الصغيرة (في السابعة من عمرها) وأحضرتها اليهما .. 
ثم سألتها , والطفلة تحدّق في شفاه امها : 
- ريمي .. هل تعرفين هذه الصبيّة ؟ 
وأشارت الى ديانا التي مازال وجهها مُحمرّاً من أثر الحادثة ..
فابتسمت الصغيرة , وأومأت برأسها إيجاباً..
امها : اذاً إحضري رسمتها على الفور ..
فأسرعت الصغيرة نحو غرفتها .. 

وهنا قالت الأم للصبيّتين :
- قبل سنوات .. قمنا انا وزوجي بتبنّي ريمي من دار الأيتام عندما كانت رضيعة .. وتفاجأنا لاحقاً بأنها خرساء وصمّاء ! لكنها أتقنت بسرعة لغة الإشارة , بالإضافة لقدرتها الفائقة على قراءة الشّفاه .. المهم في الموضوع , انه في السنة الماضية .. فاجأتنا برسمةٍ لها مُتقنةٍ للغاية , وكأن فناناً بارعاً قام برسمها ! ولم نصدّق موهبتها الى ان رسمت والدها امامنا .. لكن للأسف ...(وتنهدت بحزن).. رسمته وهو يخترق الزجاج الأمامي بعد إرتطام سيارته بعامود الكهرباء .. وحينها عاتبها والدها بلطف قائلاً : على الأقل لا تقتليني برسمتك !
جاكلين باهتمام : وماذا حصل بعدها ؟!

وقبل ان تكمل السيدة القصة , عادت الطفلة ومعها رسمة أعطتها لأمها..
الأم وبعد ان رأت الورقة : نعم هذه هي .. 
ثم سلّمتها لديانا (صاحبة الشال) وهي تقول :
الأم : إنظري .. ابنتي رسمت هذه الصورة منذ يومين , وانا تذكّرتها فور رؤيتي لك .. 

وكان في الرسمة : صورة لديانا وهي تختنق بشالها داخل المصعد 
فتفاجأت الصديقتان من غرابة هذه الصدفة ! 
وسألت ديانا الصغيرة : 
- وكيف عرفتي بما سيحصل معي هذا اليوم , يا ريمي ؟!
لكن الطفلة لم تجبها , بل إتجهت نحو الكنبة المتواجدة في آخر الصالة .. وبدأت ترسم في كرّاستها , وهي تركّز بصرها على الصبيّة الثانية (جاكلين) ..

فاستغلّت الأم إنشغالها بالرسم لتُخبرهما ببقيّة القصة , بعد ان أدارت ظهرها لطفلتها كيّ لا تقرأ شفاهها ..
- لم تسألاني عن ما حدث لزوجي ؟
ديانا باهتمام : آه صحيح , ماذا حصل له ؟
السيدة بحزن : لقد مات بعد رؤيته لرسمة ريمي بثلاثة ايام ...وأخبرتني الشرطة : انه توفيّ بعد إختراق جسده للزجاج الأمامي , بسبب ارتطام سيارته..
فأكملت ديانا عنها : بعامود الكهرباء !
السيدة : هذا صحيح 
جاكلين : أتعنين ان ابنتك ترى المستقبل ؟!

السيدة بيأس : ترى فقط الجانب السيء منه ! فقد رسمت لي الشهر الفائت : اختى وهي تنام بين الورود 
ديانا : لكن هذه رسمةٌ جيدة !
السيدة بحزن : لا .. لأني علمت بعد يوم من رؤيتي لتلك الرسمة , بأن اختي توفيت بطعنة سكين بعد مقاومتها للصّ حاول سرقة حقيبتها ..وحين حضرت جنازتها , كانت نائمة بتابوت محاط بالورود , فهي كانت محبوبة من قِبل أصدقائها وزملاء عملها .. وكانت تلك الأزهار بيضاء وزهريّة اللون , تماماً كما رسمتها ريمي !

و هنا اقتربت الصغيرة من جاكلين بعد ان إنتهت من رسمها ..
فانتفضت جاكلين بخوف : لا !! لا اريد ان أرى طريقة موتي .. ارجوك يا سيدة , مزّقي هذه الرسمة اللعينة !!

فتكلّمت الأم مع ابنتها بلغة الإشارة..
ففهمت الصغيرة , ومزّقت طرفاً من الورقة .. ثم عادت لتسلّم الرسمة لجاكلين..
جاكلين بغضب : قلت لا اريدها !! ألا تفهمين ؟!
فقالت الأم لأبنتها : دعيني أرى الرسمة يا ريمي 
وبعد ان رأتها , قالت لجاكلين :
الأم : انها رسمةٌ جميلة , فلا تخافي

فأخذتها صديقتها من الصغيرة .. وبعد ان رأتها , قالت لجاكلين :
ديانا بدهشة : يا الهي ! لقد رسمت آدم يا جاكلين .. يبدو انه سيتزوجك بالفعل .. هذا يعني ان شكوكك كانت في محلّها ! 
جاكلين بدهشة : ماذا قلتي ؟! هاتي الرسمة

وكانت ريمي رسمت جاك (زميل جاكلين في العمل) وهو يجثو على ركبتيه , رافعاً اليها خاتم الخطوبة 
جاكلين باستغراب : أحقاً يا ريمي ! وهل سيعرض عليّ الزواج قريباً ؟!
فابتسمت لها الصغيرة , وهي تومأ برأسها ايجاباً..  

فقالت جاكلين لصديقتها بحَيْرَة : مع ان طباعه غريبة وتقلقني بعض الشيء خاصة عندما يغضب , لكن يبدو ان نيته سليمة اتجاهي !
ديانا بقلق : لكن جاك ليس من النوع الذي يُناسبك على الإطلاق ! 
جاكلين : اذا كان هو نصيبي كما رسمته الطفلة , فلا استطيع تغير مستقبلي .. اليس كذلك يا صغيرة ؟
فأومأت ريمي برأسها ايجاباً.. 
***

وبعد ثلاثة شهور .. عادت ديانا الى منزل السيدة التي ما ان فتحت لها الباب , حتى صرخت في وجهها غاضبة : 
- كلّه منكِ ومن ابنتك اللعينة !! 
السيدة بدهشة : ماذا حصل ؟!
ديانا بعصبية : لقد تزوجت جاكلين من صديقها جاك 
- اذاً تحقّقت نبوءة ابنتي , فمالمشكلة ؟!

ديانا وبعد ان دخلت , تهالكت على الكنبة وهي تمسح دموعها : 
- لقد قام زوجها اللعين بقتلها قبل ايام 
الأم بدهشة : ماذا ؟!  
ديانا : ووجدّت اليوم رسمة ابنتك في درج مكتبها , فنحن زملاء عمل .. لذا أرجوك إسألي ريمي عن الجزء الذي مزّقته من الرسمة

فذهبت السيدة الى الداخل , وعادت ومعها ابنتها التي كانت تحمل بيدها قصاصة الورق , والتي قامت ديانا بتجميعها مجدداً برسمة جاكلين : ليظهر بأن جاك كان يرفع بيده خاتم الزواج , لكن بيده الأخرى (التي يُخفيها خلف ظهره) كان يحمل سكيناً (وهذا كان الجزء المُقتطع من الرسمة)..

ديانا بدهشة : وهو فعلاً ذبحها بالسكين ! ليتك لم تمزّقيها يا ريمي 
فقالت ريمي بلغة الإشارة , والتي قامت الأم بترجمتها لديانا : 
- ابنتي تقول : ان صديقتك هي من رغبت في رؤية الجزء الجميل من الرسمة .. فريمي بالنهاية لا تستطيع تغيّر المستقبل , وترسمه كما تراه بالضبط

فوقفت ديانا بغضب : اللعنة عليكما !! فصديقتي رغم حبها لجاك , كانت دائماً ترفض فكرة الإرتباط به بسبب تصرّفاته المُقلقة .. لكنها وافقت عليه بعد رؤيتها لرسمة ابنتك .. والآن قُتلت بسببكما ايتها المشعوذتين !! أتدرين... (ولوّحت بإصبعها امام وجه الأم مهدّدة) : أتمنى ان ترسم ابنتك طريقة موتك قريباً ..
ثم خرجت ديانا من المنزل بعد ان إنفجرت بالبكاء ..
****

وبعد شهورٍ قليلة .. إنتشر خبر الصغيرة بين افراد مجتمعها كمتنبئة للمستقبل .. واصطفّ الناس بطوابيرٍ طويلة امام المبنى (الذي تسكن فيه) في انتظار رؤية رسمتهم المستقبلية , بعد دفعهم لمبلغ مئة دولار مقدّماً لأم ريمي ..

وكانوا يدخلون الى غرفة الطفلة متحمّسين , ويخرجون منها محبطين للغاية .. ومنهم من كان يبكي بيأسٍ وإحباطٍ شديدين .. 
اما البعض فكان يخرج غاضباً وهو يلعن ويشتم الطفلة وامها , ثم يمزّق رسمته بقهر .. 

ومنهم من خرج من العمارة , وهو يقول لنفسه بصوتٍ مسموع :
- وما أدراها بطريقة موتي ؟! فأنا حتماً لن أحترق مع عائلتي داخل منزلنا .. هذا مستحيل ! .. اللعنة على هذه المشعوذة الصغيرة لقد أقلقتني بالفعل !

كما خرجت أختان من هناك , تواسي إحداهما الأخرى (المنهارة بالبكاء) : 
- لا تقلقي اختي .. هذه مجرّد خربشات طفلة , وأكيد لن تتحقّق
- لقد رسمتني بأرجلٍ مقطوعة , في عمري هذا ! وانا لا اريد ان أعيش سنوات شبابي مُقعدة .. 
- ارجوكٍ اهدأي قليلاً .. اللعنة عليّ !! ليتني لم أحضرك الى هنا 
فردّت اختها وهي تبكي بقهر : والله سأحبس نفسي في غرفتي طوال حياتي , كيّ لا أتعرّض لهذا الحادث اللعين !

بينما خرجت سيدة اخرى من العمارة وهي تنظر الى رسمتها بصدمةٍ كبيرة وتلعن حظها , بعد ان رسمتها ريمي : تلبس ثيابَ عرسٍ ممزّقة وبالية .. ففهمت بأن تفسيرها : أن تبقى عانساً حتى آخر يومٍ في حياتها

ورغم ان جميع الرسمات كانت تشاؤمية بشكلٍ مدمّر ! الاّ ان هذا لم يوقف تدفّق الناس التي اصطفت مع كل صباح امام باب العمارة , في انتظار دورها لمعرفة مستقبلها الأسود !

الى ان قام أحدهم (بعد ان أغضبه مصيره السيء الذي تنبّأت به الصغيرة) بالإبلاغ عن المشعوذتين .. 
لكن الشرطة أطلقت سراحهما لاحقاً , بحجّة : ان القانون لا يحمي المغفلين 

ممّا ضايق كثيراً أهالي الشباب الذين كانوا انتحروا فور رؤيتهم لمستقبلهم القاتم الذي رسمته لهم الطفلة..
***

وبعد تزايد أعداد المنتحرين .. قام أحد الصحفين بإعداد تقريرٍ مصوّر عن ريمي وامها , وتمّ عرضه لاحقاً في نشرات الأخبار المحلّية .. ممّا أدّى الى ضجّةٍ إعلامية كبيرة , ومطالبة الأهالي بطرد المشعوذتين من المنطقة 
***

وبعد ايام .. تجمّعت مظاهرة كبيرة أسفل المبنى مطالبين برحيلهما  
وفي البداية كانت المظاهرة سلميّة , الى ان تلقّى أحد المتظاهرين خبر انتحار ابنته المراهقة (برميّ نفسها من الطابق الخامس) بعد ان عاشت شهراً كاملاً باكتئابٍ شديد , بسبب ما رسمته ريمي لها : بأن حبيبها سيتزوج من صديقتها المقرّبة .. 
وهنا انفجر الأب غاضباً !! وانطلق كالمجنون للطابق العلوي (الذي تعيش فيه المتنبئة الصغيرة وامها) .. ولحقه بقيّة المتظاهرين  

لكنهم تفاجئوا جميعاً بعد كسرهم لباب الشقة , باختفائهما ! الاّ انهم وجدوا رسالة على طاولة , وفيها : 
((لقد تركت انا وابنتي ريمي شقتنا (بما فيها من اثاث) ورحلنا الى جهةٍ مجهولة , ولن ترونا مطلقاً بعد اليوم))) 

فهللّ الجميع فرحاً بعد نجاحهم بطرد هاتين الساحرتين الشريرتين (على حسب وصفهم لهما) 
***

وفي مكانٍ آخر , أسفل سابع ارض .. دخل ابليس الى إحدى غرف قصره , ليجد الأم وابنتها المتبناة هناك ..
فقال لهما :
- وأخيراً عدّتما !

وفجأة ! تحوّلت ريمي الصغيرة الى امرأةٍ شيطانية بقرنين حادّين , بعد ان تغيّر جلدها الى اللون الأحمر .. بينما إنقلبت هيئة الأم الى جنيةٍ عجوز , كانت بالحقيقة : خادمة لريمي التي هي إحدى زوجات ابليس (المتميزة عن الباقيات بحدّة ذكائها ومكرها) .. 
والتي قالت لزوجها :
- عزيزي ابليس .. هل اشتقت اليّ ؟
ابليس : سأخبرك لاحقاً ..والآن إخبراني عن نتائج المهمّة ..هل نجحتما في أذيّة البشر ؟

فابتسمت زوجته بغرورٍ وكبرياء : بالطبع نجحنا ..هيا شومي ..إخبريه بالنتائج..
فقالت الجنية العجوز (شومي) لأبليس : لقد انتحر حتى الآن 9 شباب و23 فتاة ..
ابليس : توقعت ذلك .. فالنساء عادةً أغبى من الرجال
زوجته معاتبة : ابليس !
ابليس : قصدّت البشريّات عزيزتي .. إكملي شومي

الخادمة : كما قام 32 شخصاً بأذيّة أنفسهم : امّا بالحرق او قطع أوتارهم , لكن للأسف تمّ إنقاذهم بآخر لحظة ..هذا عدا عن المئات الذين تركناهم خلفنا , وهم يعانون من اكتئابٍ شديد
زوجة ابليس : ولا استغرب اذا انتحروا هم ايضاً ..فالأمر يحتاج الى بعض الوقت كيّ تتمكّن أفكارهم السوداء من إطفاء نور الأمل في قلوبهم

ابليس بابتسامة : يبدو ان نظريتك صحيحة , عزيزتي ؟
زوجته بثقة : بالطبع !! فالتشاؤم هو أقوى سلاح ضدّ كينونة البشر الهشّة
الخادمة : عفواً سيدتي .. لطالما كان هناك سؤالاً يشغل بالي 
الزوجة : ماهو شومي ؟
شومي : كيف عرفتي بالمستقبل ؟! فكل ما تنبّأت به في رسوماتك , تحقّق بالفعل !  
الزوجة : أجبْها انت يا ابليس

ابليس : نحن لا نعرف القدر يا شومي .. لكني عرفت قديماً بعد قيامي بالكثير من الأبحاث عن طبيعة البشر , بأن لهم عقلٌ باطن .. وفي حال قمنا بحشّوه بالأفكار السلبية , فهذا سيؤثّر حتماً على تصرّفاتهم المستقبلية .. هل فهمتي ؟
الخادمة : أتقصد سيدي , أنهم جنوا على أنفسهم بتشاؤمهم ؟!
ابليس : بالضبط !!

زوجته : لكن لا تنكرا فضلي ..فأنا لم أرسم لهم أيِّة خربشات .. بل كنت أقوم بتحليل شخصيتهم اولاً , فإذا كان الشاب او الفتاة من النوع الضعيف أوجّه أفكارهم للإنتحار ..وان كانت شخصيتهم قويّة , فأرسم لهم طريقة قتلهم لأحبائهم الخونة 
شومي : وهل هم خانوهم بالفعل ؟! 
زوجة ابليس بابتسامةٍ ماكرة : ليس مهماً , طالما انني نثرت بذور الشكّ في قلوبهم .. وانا متأكّدة انهم يراقبون أحبائهم الآن .. لكن قريباً سيتغلّب شكّهم على يقينهم , وينتقمون منهم بنفس الطريقة الوحشية التي رسمتها لهم .. وغداً أذكّرك بكلامي 

ابليس وهو يشعر بالفخر من زوجته الذكية : أحسنتي عزيزتي
زوجته : عدا عن كل ما فعلناه , أتيناك بهذا ايضاً .. إمسك حبيبي 
وأعطته كيساً قماشياً به نقوداً ذهبية ..
ابليس بدهشة : ومن اين أحضرتِ كل هذا ذهب ؟!
فقالت الخادمة : لقد جنينا الكثير منهم , فبعضهم دفع مئات الدولارات كيّ ندخله قبل الجميع ..وقمنا لاحقاً بتحويل اوراقهم الورقية الى عملاتٍ ذهبية , قبل عودتنا الى هنا
ابليس : أحسنتما !! فالذهب ينفعنا في رشوة المشعوذين البشر الذين يقومون ايضاً بنشر تنبؤاتهم المؤذية لبنيّ جنسهم .. والآن أخبريني عزيزتي , ماهي خططك المستقبلية ؟

زوجته : سأعود بعد فترة الى فوق , لكن بهيئةٍ جديدة.. وسأقوم هذه المرّة بإيهامهم بفكرة البعد الزماني
ابليس : أتقصدين خرافة : وجود بابٌ سرّي يُعيدهم الى الماضي ؟
زوجته : او المستقبل
ابليس : واين تنوين تحديد هذا الباب الخيالي ؟
فأجابت زوجته بابتسامةٍ خبيثة : في نقطة تقع أسفل أعلى الجسور 
ابليس بابتسامة : يا ملعونة .. يعني المزيد من ضحايا الإنتحار ؟
زوجته بمكر : ليس قبل ان يدفعوا لي الآلاف هذه المرة , لكيّ أخبرهم بهذا السرّ الخطير

الخادمة : عفواً على المقاطعة .. لكن ألن يتوقفوا عن القفز , حين يرون جثث غيرهم تطفو فوق البحر ؟! 
زوجة ابليس : لا , لأني سأخبرهم اولاً بأن عليهم التخلّي عن اجسادهم الفانية ليصبحوا أرواحاً حرّة , تطير في زمن الماضي او المستقبل .. يعني على حسب ما يختارونه .. 
الخادمة بتردّد : آسفة للقول .. بأن البشرّ ليسوا بهذا القدر من الغباء , سيدتي
زوجة : أعرف هذا .. لهذا احتاج منك يا ابليس ان تأذن لي بالإستعانة بالغيلان (سحرة الجن) كيّ يوهموهم بصحّة كلامي .. ولا تقلقا , فأنا درست الموضوع من كل جوانبه 

ابليس بحماس : فكرةٌ ممتازة !! .. أتدرين عزيزتي ... انتِ أفضل وأذكى زوجاتي .. تعالي اليّ !!
وحضن زوجته بقوّة .. فغضّت الخادمة بصرها بخجل , وأسرعت بالخروج من الغرفة وهي تقول :
- إعذراني..

وتركتهما ليحتفلا سويّاً بانتصارهما الجديد على غباء البشريّة ! 

المصعد المسكون !

تأليف : امل شانوحة الطابق المهجور صعدت الطبيبة الجديدة جوليان (ذات الشعر الأحمر) الى الطابق الخامس في المستشفى للكشف على طفلٍ وُلد ح...