السبت، 30 سبتمبر 2023

الموظفة العنيدة

تأليف : امل شانوحة 

 

الحب القدريّ


في شركة اعلانات تجاريّة .. وقف عشرة من الخرّيجي الجدّد (جرافيك ديزايّن والحاسوب) امام مدير الشركة العجوز ، لرؤية الإعلان الذي صمّمه نائبه (مروان ، ابنه الوحيد) الذي شرح الفيديو بتغطرس ، كإحدى إنجازاته الكثيرة بشركه والده !


وبعد انتهاء الإعلان ، سألهم مروان :

- رئيس شركة الحليب ، طلب مني إعلاناً قبل شهر .. وسأسلّمه هذا الفيديو بعد ثلاثة ايام.. هل لديكم ملاحظاتٍ عليه ، رغم انه كامل من جميع الجوانب ؟


فوافقه الجميع على كونه إعلاناً متميّزاً ، ما عدا سلوى (المتحجّبة الوحيدة بينهنّ) التي قالت :

- يوجد اربعة اخطاء بالإعلان

فردّ مروان مُمّتعضاً :

- اربعة دفعةً واحدة !

فأجابته بثقة :

- أتريد معرفتهم ؟

فسألها المدير باهتمام : 

- وماهم ؟


سلوى : اولاً ، الفيديو طويل .. مدّته دقيقة ونصف ! ونحن بزمن لا نستطيع تحمّل إعلانات الحواسيب لأكثر من خمس ثواني .. لذا عليك حذف نصفه

مروان مُعترضاً : مستحيل !! هي قصّة قصيرة عن ولدٍ يكبر مع شربه الحليب .. تحتاج على الأقل دقيقة ، لعرض ملخّص حياته

والده : أرى كلامكِ منطقيّ

مروان بصدمة : ابي !

المدير : إكملي رجاءً


سلوى : الخطأ الثاني ، ان الجملة الختاميّة مُكرّرة وطويلة .. علينا اختصارها بثلاث كلماتٍ فقط

المدير : وماهي ؟

سلوى : أحتاج وقتاً لكتابتها ، لكنها حتماً لن تكون جملة من ثماني كلمات !

المدير : وما المشكلة الثالثة ؟

سلوى : الموسيقى لا تناسب الموضوع

مروان بعصبية : بل هي رائعة !!

سلوى : أعدّ عرض الإعلان مع إغماض عينيك ، ستتخيّل أنك في سيرك ! ولا دخل لها ، بطفلٍ ينمو بفضل الحليب


المدير : أيمكنك إيجاد موسيقى أفضل ؟

سلوى : يمكنني تسليمك الموسيقى غداً ، إن سمحت بعملي على الإعلان اليوم

المدير : سأخبرك بقراري ، بعد إخبارنا عن الغلطة الأخيرة

سلوى : الصبي الذي مثّل الإعلان ، لا يُشابه المراهق والشاب .. فعيناه زرّقاوتان ،  والممثلان الآخران عيونهما سوداء !

مروان بضيق : لا احد سيلاحظ ذلك ، فالإعلان سريع

سلوى : طالما انتبهت انا على الغلط ، فسيلاحظه الآخرون

المدير : معك حقّ ، علينا الإنتباه على هذه النقطة.. أيمكنكِ إصلاح الإعلان قبل تسليمه بعد ثلاثة ايام ؟


سلوى : سأحاول إنهاءه ، قبل يوم من موعد التسليم 

المدير : إذاً هو لكِ 

مروان بغيظ : ابي ! أتُعطيها الإعلان الذي عملت عليه ، قرابة شهر

سلوى : لوّ انني استلمت الإعلان منذ البداية ، لما استغرق الموضوع أكثر من اسبوع

مروان بعصبية : أتحاولين منافسة نائب المدير ؟!!

المدير : اهدأ بنيّ ، وسلّمها إعلانك


فرمى مروان (السي دي) امامها ، وخرج غاضباً من قاعة الإجتماعات .. ثم تبعه والده ، بعد توظيف سلوى بمهمّتها الأولى

***


يوم تسليم الإعلان.. شاهد مروان بضيق ، سلوى وهي تشرح الموضوع بلغةٍ إنجليزيّة جيدة ، لمسؤول شركة الحليب الأجنبيّة الذي أُعجب بالإصلاحات التي أضافتها للإعلان


وبعد ذهابه .. أخبرها المدير بتوظيفها ، كمساعدة له .. رغم اعتراض ابنه على توكيلها بمهاتٍ لا تناسب خبرتها البسيطة بمجالهم الضخم !

***


في المساء ، تناقش مع ابيه عن وجودها في فريق عملهم 

فأجابه والده : 

- بالعكس بنيّ .. هي ذكيّةٌ جداً وسريعة البديهة ، وأربحتنا إعلاناً بآلاف الدولارات .. كما ستكون مساعدتي ، وليست ضمن فريق عملك ..فمالمشكلة؟!

مروان : تضايقني ثقتها الزائدة بنفسها ، رغم انها خرّيجة جديدة !

- هي تقدّر موهبتها ، فما الخطأ في ذلك ؟ .. أم تغيظك لأنها مُحجّبة ، ولا تطابق نوعيّة مُعجباتك اللآتي ..

مروان مقاطعاً : أفضّل الفتاة الطبيعيّة

ابوه : تقصد السهلة

- ابي !

- لا تقلق ، هي ستساعدني بأعمالٍ تختلف عن مشاريعك المُعتادة

مروان بضيق : المهم ان لا ألتقي بها مجدّداً

- لما نهضت ؟! الن تتعشّى معي ؟

- المغرورة سدّت شهيّتي

***


ومع الأيام .. استمرّت نجاحات سلوى مع كل إعلانٍ استلمته ، لتتفوّق على إنجازات مروان بغضون شهورٍ قليلة .. الى ان أصبحت اليد اليمنى لأبيه .. مما أغاظه ،  لأن والده لم يعد يستشيره بالعمل ، كما فعل سابقاً ! 

وايضاً لمنافسته بالحصول على فرص العمل مع الشركات الأجنبيّة ، بينما اقتصر عمل مروان وفريقه مع الشركات الوطنيّة ! 


ورغم إدخالها اموالاً طائلة للشركة (مع راتبها المتواضع).. إلاّ ان مروان مازال يرمُقها باشمئزاز ، كلما مرّت بجانب مكتبه .. فهو مقهور لعدم إكتراثها به ، بعكس بقيّة الموظفات اللآتي يتمنّين نظرة منه ، لوسامته وثرائه 

 

وقد أشغل تجاهلها تفكيره ، وبدأ يسأل زملائها : إن كانت مُغرمة بأحد او مخطوبة ؟ لكن لا احد منهم يعلم شيئاً عنها ! كونها عمليّة جداً ، ولا تضيّع وقتها بالتقرّب من الموظفين .. وتكتفي بتناول شطيرة (تحضرها من منزلها) في مكتبها ، دون الإجتماع بهم في كافتريا الشركة !

***


في احد الأيام .. تجمّع الموظفون في القاعة السفليّة للشركة ، لحضور عيد ميلاد مروان الذي لاحظ عدم وجودها بينهم !


وقبل نهاية الحفل .. صعد للمكاتب العليا ، ليجدها تعمل هناك !

مروان : الم تسمعي والدي وهو يعطيكم الإذن للإنصراف باكراً ؟

سلوى : تقصد لحضور عيدك ؟

- اذاً تعرفين ! فلماذا لم تحضري ؟

- أقوم بحميّةٍ غذائيّة

مروان : لم أقصد الكيك والحلوى ، بل مراعاةً..

سلوى : لشعورك

- الا يهمّك الأمر ؟!

- انا لا اعمل معك


مروان بغيظ : يعني لوّ كان عيد ميلاد ابي ، لحضرته ؟

- حسب عملي .. إن كنت متفرّغة ، لما لا

- جميع الموظفين لديهم اعمالاً مهمّة ، مع ذلك حضروا حفلتي

سلوى : انا لا أحب المماطلة بالواجبات اليوميّة

- ستكون حياتك كئيبة ، دون مشاركتك في المناسبات السعيدة

فأجابته بنبرةٍ ساخرة : شكراً على نصيحتك الظريفة .. إن انتهى كلامك ، يمكنك العودة للحفل .. فأنت تشغلني عن عملي .. فمازال امامي نصف ساعة لتسليم الملف لوالدك ، قبل عودتي لمنزلي

مروان بتهكّم : يعني تريدنني أن ارحل بهدوء !

- بل عدّ لحفلتك ، فالبنات ينتظرنّك هناك

- هل هذه غيرة ؟

سلوى : لا تهمّني هذه الأمور السخيفة ..رجاءً دعني أكمل عملي 

مروان بعصبية : انت الخاسرة !!


ونزل متضايقاً للحفل ، هو يتمّتم :

- يا لها من مسترجلة ، ليس فيها ذرّة انوثة !

***


في اليوم التالي .. مرّ مروان بجانب مكتب الموظفات ، وهو يقول بصوتٍ عالي :

- السلام على الفتيات الجميلات !!


فردّت كل واحدة بغزلٍ ودلال ، ماعدا سلوى التي انشغلت بطباعة اوراق الإعلان القادم .. 

فطرق بيده على طاولتها بقوّة : 

- ردّي السلام على الأقل !!

فنظرت بلا مبالة :

- سأفعل بعد النشيد الوطني ، هل نحن في مدرسة ؟ .. طالما سلّمت على الجميع ، يمكنك الذهاب الى مكتبك

مروان بغضب : انا المدير هنا !! ويمكنني طردك

- والدك هو مديري ، أطال الله عمره

- هل تخطّطين للتقرّب منه ؟!

سلوى : ماهذه الفكرة الغبية ؟! هو في مقام والدي ..  وهو ينتظرني لإعطائه نسخاً لأوراقٍ مهمّة ، فرجاءً لا تضيّع وقتي 

ثم وضعتهم داخل ملفّ ، متوجّهةً لمكتب والده ، دون الإلتفات اليه.. 


فدخل مروان الى مكتبه غاضباً ، وهو يتساءل بضيق :

- لما تصرّ على تجاهلي ؟!

***


وذات يوم ، في إحدى الإجتماعات .. نجحت سلوى بعرضها الإعلان لشركةٍ ضخمة (كما هو متوقع).. 


وبعد خروج الجميع من القاعة .. إنتبه مروان على نسيان جوالها ! 

فسارع بنسخ ملفاتها ، ونقلها الى جواله .. قبل عودتها لأخذه

***


في المساء .. فتح ملفّاتها ، كنوع من الفضول .. ليجد فيديو بعرس قريبتها (بصالة النساء) وهي بكامل زينتها دون حجاب ، وهي تغني للعروس بصوتٍ عذب وتشاركها الرقص الناعم .. 


وقد صدمه شخصيّتها المرحة ، وضحكتها الفاتنة التي لم يسمعها من قبل ! 

لدرجة جعلته يُعيد الفيديو اكثر من مرة ، ليتأكّد انها ذاتها الموظفة العنيدة التي كرهها منذ يومها الأول !

^^^


نام قبيل الصباح بعد تشتتّ تفكيره ، ليشاهد مناماً : ((وهي تُطعم طفلاً صغيراً ، قبل إقترابه منها وهو يقول : صباح الخير يا زوجتي العزيزة ، وابني المشاغب))


فاستيقظ مرتعباً وهو يقول : 

- لا مستحيل ! .. لن أتزوّجها ، ولوّ كانت آخر بنت في العالم

***


وقد أثّر به المنام ، لدرجة جعلته يراقبها طوال اليوم (من خلف باب مكتبه الزجاجيّ المُغلق) .. 


ولم يلاحظ احدٌ ذلك ، سوى سكرتيرته التي دخلت اليه غاضبة :

- ما رأيك ان أنقل مكتبها الى غرفتك ؟!!

مروان باستغراب : من تقصدين ؟!

- سلوى ، فأنت لم تبعد نظرك عنها للحظة !

- انت تتوهمين .. كنت سارحاً بفكرة الإعلان القادم ، وتسمّرت عينايّ صوب مكتبكما .. لكني حتماً لا أفكّر بها ، فهي لا تناسب ذوقي


فاقتربت منه بدلال : طبعاً !! فأنا الوحيدة التي تناسبك ، كما أخبرتني بلقاءتنا السابقة.. فمتى سنتزوج ؟

بصدمة : ماذا !

السكرتيرة بضيق : هل فاجأك سؤالي ؟! نحن معاً منذ سنتين

مروان بلؤم : وهل أخبرتك خلالهما ، انك تعني لي اكثر من صديقة؟

- أهذا يعني انك لا تنوي الزواج بي ؟!

- لا طبعاً .. لن يوافق والدايّ على ارتباطي بك


فاستقالت السكرتيرة ذلك اليوم.. وخرجت من الشركة باكية ، بعد أن كسر قلبها .. 

لكنه لم يأبه لرحيلها ، بعد انشغاله بالفيديو (الذي سرقه من جوّال سلوى) الذي ظلّ يشاهده كل مساء ! وهو يتساءل في نفسه :

- أمعقول أن لديها شخصيّة رائعة تُخفيها عن الجميع ؟!

***


وبأحد الأيام .. طلب المدير من سلوى ، مناقشة الإعلان الجديد مع ابنه.. 

فاجتمعت به في مكتبه .. وخلال شرحها الفكرة ، ظلّ سارحاً بها..

سلوى باستغراب : ماذا هناك ؟!

مروان : ماذا تقصدين ؟

- أُريك رسوماتي ، وانت تنظر أليّ بذهول ! هل هناك شيءٌ جديد في شكلي هذا اليوم ؟

- انت فعلاً جميلة ، كيف لم ألاحظ ذلك من قبل ؟!

سلوى بحزم : إسمعني جيداً !! لست من الموظفات اللآتي تتلاعب عليهنّ بالكلام المعسول


فسكت مطوّلاً ، قبل ان يقول بارتباك : 

- اريد الإعتراف لك بشيء ، لكن رجاءً لا تغضبي مني

ثم أخبرها عن الفيديو الذي نسخه من جوالها


سلوى بعصبية : لا يحقّ لك ذلك ! إحذفه فوراً !!

وسحبت جواله من يده..

سلوى بغضب : إحذفه الآن ، وإلاّ كسرته !!

مروان بابتسامةٍ حنونة : وماذا لوّ أخبرتك بنيّتي الزواج بك ؟


فسكتتّ بحزن ، قبل ان تقول :

- إخترت الشخص الخطأ ، فأنا مرتبطة للأبد

فسألها بقلق : ماذا يعني هذا ؟!

سلوى : طالما نسخت جوّالي ، فأكيد شاهدت صوري مع الولد الذي كبرت معه

- ظننته اخوك !

- هو ابن عمي ، وكان مقدّراً زواجنا بعد تخرّجي الجامعيّ

مروان : وماذا حصل ؟

فتنهّدت بقهر : توفيّ بحادث سير ، العام الماضي.. ولولا حاجة عائلتي لراتبي ، لما خرجت من غرفتي ، لشدّة حزني عليه.. وسأبقى وفيّة له ما حييت


مروان : لكن على الحياة أن تستمرّ .. لا يمكنك دفن نفسك ، لوفاته باكراً

- هو حبّ حياتي ، ولا أظنني سأغرم بغيره

- أعطني فرصة على الأقل

سلوى : راقبتك بالشهور الستة الماضية ..وتأكّدت انك شخصٌ لعوب وعديم المسؤوليّة ، وهذا النوع لا يعجبني .. والآن رجاءً ، إحذف ملفّاتي من جوالك !!


ولم تخرج من القاعة ، إلاّ بعد تأكّدها بحذفهم جميعاً من جوّاله.. ثم تركته وهو بحيرةٍ من أمره !

***


في الشهرين التاليين .. حاولت سلوى تجاهله قدر الإمكان ، بعدم الإلتقاء به .. وذلك بتفويض زميلتها لشرح إعلاناتها ، في الإجتماعات مع فريقه .. 


الى ان جاء يوم ، لحقها فيه الى المصعد ..

سلوى بقلق : لما أوقفته ؟! رجاءً أعدّ تشغيله

مروان بجدّية : لن أفعل ، قبل أن نتحدّث

- تحدّثنا سابقاً ، وانتهى الأمر !

مروان : أخبرت والدي البارحة بقرار زواجنا ، وأفرحه ذلك كثيراً ..فهو يراكِ مناسبة للعائلة ولشركتنا

سلوى بصدمة : ولما تخبره ، طالما رفضّت عرضك ؟!

- لأني اريدك في حياتي

- الا تفهم !! الفتاة التي رأيتها تغني وترقص ، ماتت بعد وفاة خطيبها.. ولم أعدّ تلك الصبيّة المرحة

مروان : أعلم انها مسجونة داخلك ، وستظهر بعد زواجك من شخصٍ مُحبٍّ وحنون 

فتنهّدت بضيق : يبدو انك ستتعبني .. إخبر والدك باستقالتي


ثم اعادت تشغيل المصعد .. قبل خروجها من الشركة ، دون نيّتها في الرجوع !

***


بعد شهر على رحيلها المفاجىء .. تضرّرت الشركة ، لعدم إنهاءهم الإعلانات في الوقت المحدّد ، ولعدم رضا العملاء عن عملهم النهائيّ ! 

فطلب الأب من ابنه أن يُعيد سلوى للشركة بأيّةِ طريقة

***


وبعد ايام .. رجعت من السوق ، لتتفاجأ بمروان يتحدّث مع والدها في صالة منزلها! 

فناداها ابوها بسعادة :

- تعالي يا ابنتي !! فهذا الشاب خطبك .. وانا وافقت عليه

سلوى بضيق : ابي ! .. كيف وافقت دون ان تسألني ؟!

ابوها : هو شابٌ ناجح ، ومن عائلةٍ محترمة .. ويبدو انه مُعجبٌ بك ! فلما أرفضه؟!


فدخلت غرفتها غاضبة .. ولحقها والدها ، كيّ يذكّرها بمرضه الخبيث (السرطان) ، وبأنه يريد الإطمئنان عليها قبل وفاته 

فحضنته باكية :

- أطال الله عمرك .. رجاءً لا تقلّ هذا

ابوها : إن كنت تحبينني يا ابنتي ، فأريحي عقلي ..وطمأنيني عليك ، بقبولك العريس


وبعد ضغطٍ عليها من والديها ، وافقت على التكلّم معه بانفراد .. 


وجلست معه في الصالة ، وهي تقول :

- يالك من عنيد !

مروان مبتسماً : يبدو اننا نتشابه في الكثير من الصفات 


ثم أمسك يدها بحنان .. 

- انا ووالدي بحاجة اليك ، يا سلوى

- حسناً سأعود للعمل ، في حال أزلت فكرة الزواج من رأسك

مروان : مستحيل !! فمنذ رؤيتي لذلك الفيديو ! تغيّرت مشاعري نحوك ، وتغيّرت نظرتي للحياة ، فلم تعدّ تهمّني البنات التافهات.. كما أن منامي يوضّح ان بيننا نصيب .. ولوّ رأيت ابننا ، لوافقت على الفور


فسكتت قليلاً ، قبل أن تسأله :

- هل هو جميل ؟

مروان : طفلٌ رائع ، وعنيد كوالديّه

فابتسمت له لأول مرة !

***


لاحقاً ، أجتمعت العائلتان لتحديد موعد العرس..


وبالفعل كان زواجها خيراً على الشركة التي اشتهرت خلال عام بإعلاناتها الناجحة .. بعد ان أصبحت سلوى شريكةً فيها ، عقب ولادتها وريث العائلة المُدلّل

***


في إحدى الليالي ، قالت لزوجها :

- أتدري يا مروان .. لوّ لم يكن قلبي مكسوراً عندما التقيت بك ، لقمت بالحيلة ذاتها

مروان باهتمام : أيّة حيلة ؟

سلوى : تجاهلك ، حتى تفقد اعصابك .. فهذا سيجعلك تراقبني ، لإيجاد عثرة تمسكها عليّ .. 

- ولما كل هذا ؟!

- لأنك شابٌ ثريّ ووسيم ، والفتيات يلاحقنّك في كل مكان .. وكان مستحيلاً ان ألفت نظرك ، خاصّة أنني لا أشبه النساء المُعتاد عليهنّ.. فالتجاهل سيشعل غضبك ، وبالتالي يُثير انتباهك


مروان : وما يدريني انك لم تقومي بالحيلة فعلاً ؟

- صادف انني حينها لم أفكّر بالزواج مطلقاً ، لكني حصلت على النتيجة ذاتها !

- احياناً يُخيفني ذكائك

سلوى : تقصد دهائي ؟

مروان بابتسامة : مهما تكنّ عيوبك ، سأظلّ احبك كما انت

وحضنها بحنان ..


الخميس، 28 سبتمبر 2023

الكذبة البيضاء

تأليف : امل شانوحة 

 

الزوجة المثاليّة


- سامحيني حبيبتي .. كذبت عندما شاركت اصدقائي همومهم مع زوجاتهم ، مُدّعيّاً عُنفك وتبذيرك وقلّة تدبيرك ، كيّ لا ابدوَّ الشخص الوحيد المحظوظ بينهم


- وكذبت حينما أخفيت إنجازاتك عن اهلي ، وعن إهتمامك وعطفك عليّ ، حتى لا يتهمونك بسحري الذي أخضعني لكِ !


- وكذبت حين أخفيت روّعتك وتميّزك عن الناس ، كيّ لا تصابي بعيونهم الحاسدة


- وكذبت بأنك عاديّة كبقيّة النساء ، حتى لا يسرقونك مني


- والآن !! أستطيع الصراخ بعلوّ صوتي : بأنّي تزوّجت ملاكاً ، كاملة الأوصاف .. كانت لي أمّاً وأختاً وصديقةً وحبيبة .. كانت السّكن والعاطفة .. كانت ملاذيّ الأول والأخير .. كانت طبّاختي الماهرة وممرّضتي الحنونة ومعلّمتي النجيبة ، ومرجعيّتي وحكمتي ورزانتي .. فاليوم لم أعد خائفاً من معرفة العالم كلّه ، أنني كنت محظوظاً بكِ .. فلا عيونهم الحاسدة تهمّني ، ولا أسحارهم المُدمّرة .. فقد أطلقت سراحك من سجن قلبيّ العاشق ، وغيرتي الزائدة وحبيّ الخانق .. لتحلّقي حرّة بأمان الله ، بعد أن رضيّت عنكِ دنيا وآخرة


ثم مسح دموعه ، مُبتعداً عن قبر زوجته التي ماتت على صدره وهي تسأله : إن كان راضيّاً عنها ام لا ؟ 

لتموت بسكتةٍ قلبيّة مُفاجئة ، قبل سماعها الإجابة !


الثلاثاء، 26 سبتمبر 2023

الأميرة المأسورة

فكرة : إبن العراق
كتابة : امل شانوحة 

ماري الأسكتلنديّة 


- إختبئوا بسرعة ، فهم على وشك الوصول الينا !!


أطلقت هذا النداء (ماري) ابنة رئيس العشيرة ، لتحذير النساء والأطفال للإختباء بأكواخهنّ ، بعد فشل رجالهنّ بإيقاف الجيش الإنجليزيّ من اقتحام قريتهم الأسكتلنديّة الصغيرة (بالقرن الماضي) بعد معركةٍ دمويّة خلف التلال ، التي خاضوها قبل يومين ! 


فركضنّ بفزعٍ وهنّ يحملنّ صغارهنّ ، للإحتماء في بيوتهنّ الخشبيّة!

بينما راقبت ماري (من خلف النافذة) جيش العدو وهو يقتحم قريتهم ، للإطمئنان على والدها وأخويّها ، على أمل أن يكونوا من ضمن الأسرى ، فهم ما تبقّى لها من عائلتها وأقاربها بعد معاركٍ عديدة مع الإنجليز الذين يصرّون على ضمّ بلادهم الزراعيّة لمملكتهم الظالمة! 

***


بعد قليل ، أعلن منادياً من العدو : عن مقتل جميع رجال القرية ! 

لتتعالى صرخات النساء والأولاد من داخل منازلهنّ .. مع تأمّل ماري أن يكونوا احتفظوا بوالدها حيّاً ، لمكانته الكبيرة بين قبائل الأسكتلنديّة !


لكنها انهارت بالبكاء بعد رؤية رأسه المشوّه ، مُعلّقاً على رمح القائد المتغطرس الذي أعلن بصوتٍ جهوريّ :

- الآن جاء دوركنّ !! ستكوننّ جواري بقصر الملك .. وأولادكنّ عبيداً لجنودي .. هجوم يا رجال !! وأيّ واحدة تقاومكم ، أقتلوها في الحال!!  

^^^


بأقل من ساعة .. تمّ تقيد نساء واطفال القرية بحبالٍ مُتّصلة ، وهم يمشون مُرغمين فوق الوحل ، باتجاه القصر الملكيّ الذي يبعد مسافة ثلاثة ايامٍ عن قريتهم .. 

لتبدأ معها رحلة العذاب دون طعامٍ او ماء .. ومن يتوقف عن المشيّ ، يُقتل امام عائلته ! 


حتى ماري ، لم يرحموا مكانتها الكبيرة بينهنّ .. وجعلوها في مقدّمة الأسرى ، وعيونها مغرورقة بدموع الذلّ والإهانة .. فهي لم تتعوّد على الحياة الوضيعة ، كونها الإبنة المدلّلة لوالدها (الزعيم العادل)

***


في الطريق ، غرقت ماري بأفكارها المُحبطة : 

((هذه هي الغربة التي حذّرني منها والدي : البُعد عن الوطن مُرغماً .. فبعد أن كنت أتنزّه يومياً مع أحبابي  .. أمشي الآن مع قتلة عائلتي وأهالي قريتي وهم ينهالون علينا بألقابٍ مُهينة ، لم نعتدّها في حياتنا المسالمة ! 

وبسبب معاملتهم المستفزّة ، شحبت وجهونا وانطفأ النور في عيوننا واختفت ابتسامتنا ، اثناء سيرنا نحو مصيرنا المجهول ! 


وفي حال حصلت معجزة ، وفُكّ أسرنا .. لن يعرفنا أحد ، بعد أن ذُلّت كرامتنا وكُسرت شوكتنا .. فبعد أن كان السيف ، هو العِزّة والقوّة .. أصبحت أرتعدّ كلما لوّحوا بالسيف ، لمتابعة المسير .. غير آبهين بقدمايّ الّلتين تنزفا تعباً ، ومعدتي التي تعتصر جوعاً .. ومع ذلك أشفق على الصغار الذين يكتمون دمعتهم من شدة الخوف والألم! 


وهآ انا أرقب خيالي ، دون تذكّر آخر مرّة رأيته بوضوحٍ هكذا ! فقد اعتدّتُ الخروج من منزلي مع غروب الشمس ، دون خوفي من عتمة الليل .. فأنا ابنة رئيس العشيرة التي ينحني لها الرجال احتراماً وتقديرا ! والآن لا أميّز ظلّي الذي دُمج بظلال النّسوة والأطفال المرتعبين !


وبعد تميّزي بنعومة اليدين وعطري الذي يفوح في الطرقات ، لخدمة العاملات لي طوال حياتي ! هاهي ملابسي مُبتلّة بالعرق ودموع الذلّ والقهر ، وأنا امشي بين الأسرى الذين أشعر بخوفهم ، من تنهيداتهم المُرهقة وعيونهم الدامعة .. وصغارهم الذين يحاولون الإلتصاق بي ، لرؤيتي للمرّة الأولى دون حرّاس والدي !


وكأني البارحة كنت أميرتهم ، وبلمحة عين خسرت كل شيء .. فلم يعد بإمكاني تقدير نفسي .. وكيف أفعل ، بعد فشلي بحمايتهم ؟ بعد أن وصّاني والدي بهم ، قبل قيادة رجالهم الى حربهم الأخيرة ..  


وصدق ابي حينما قال : ((لا كرامة دون وطن)) 

وخوفي أن تتلاشى صور عائلتي بمرور الزمن ، رغم محاولتي تذكّر لحظاتنا السعيدة ، لتصبير نفسي عمّا ينتظرنا ببلاد الأعداء.. 

أتمنى لوّ باستطاعتي العودة للماضي ولوّ ساعة ، لإخبارهم بمحبتي لهم ، ورغبتي البقاء معهم لمواجهة ذات المصير ، بدل استعبادي آخر عمري .. فكوخٌ صغير فوق تلال بلادي ، أفضل من العيش خادمة بقصر ملك الإنجليز الظالم .. 

^^^


وتابعت كتابة مذكّراتها في المساء ، على نور شعلة الجنود : 

((سمحوا بنومنا حتى الصباح بعد إعطائنا الخبز اليابس ، ونحن نراقبهم يشوّون خِرافنا التي سرقوها من حظائرنا ! 


الآن ، اهالي قريتي نائمون من شدّة التعب .. بينما شاهدت مناماً قبل قليل لوالدي يُلوّح فوق حصانه ، قبل ذهابه للحرب .. وعندما استيقظت ، رأيت رأسه مُعلّقاً على رمح القائد اللعين ، الذي ينوي إهدائه للملك !

 

كم أتمنى نسيان فاجعتنا المرعبة ، وتذكّر مناسبات قريتي السعيدة .. لكني أدرك أننا ابتعدنا كثيراً عن ماضينا الجميل ، مع كل خطوةٍ نتجّهها نحو مستقبلنا الذليل الغامض 


قريباً لن يهتم أحد بمكانتي القديمة ، ولا نسبي الرفيع .. فأنا مجرّد اسيرة ذليلة ، كبقيّة نساء قريتي .. فهم قيّدوا احلامنا بالسلاسل مع ايدينا وأقدامنا .. ومع ذلك نأمل أن ينقذنا ابطال القبائل الأسكتلنديّة الأخرى ، قبل وصولنا للقصر الذي قُتل وعذّب في سجونه آلاف الأبرياء .. 


وأظنهم لم يقتلونني ، لأكون كبش فداء ! وإثارة غضب بقيّة العشائر ، لافتعال الحروب معهم ، بنيّة القضاء عليهم الواحد تلوّ الآخر ! 

بجميع الأحوال .. أصبحت غريبة في وطني ، ووحيدة الفِكر والروح)) 

***


في القسم الأخير من مذكّراتها ، كتبت : 

((بعد سفرٍ طويل وحرماننا من الطعام المُغذّي ، وضربنا بالسيّاط والعصيّ في حال سمعوا صوتنا او بكائنا ، وصلنا للقصر الذي سمعنا عنه طوال حياتنا ..

 

وبدخولنا اليه ، بدأت معاناتنا الحقيقيّة.. فكل من خالف اوامرهم ، أُعدم بالمقصلة .. ولم يرحموا الأمهات اللآتي شاهدنّ مقتل اطفالهنّ الذين رفضوا الإعتداء عليهم من جنودهم الغوغائيين ! ..كما قتلوا كل من انهارت قواه ، بعد جهدٍ مضني لأيامٍ متواصلة .. عدا عن الذين عُذّبوا دون سببٍ واضح ! كأنهم أحضرونا لإفراغ غضبهم علينا 


وظلّ الوضع بائساً طوال الستة شهور ، لحين قتلهم جميع الأسرى الثمانين بمختلف اعمارهم ، من النساء والأطفال !  


وبقيت وحدي بعد هلاك قريتي .. ممّا جعلني أشعر بتأنيب الضمير لعدم حمايتهم ، كوني أميرتهم التي خذلتهم ! 

لكن يبدو انني سألحقهم قريباً .. فالملك العجوز غاضبٌ مني ، بعد رفضي الرقص له كبقيّة جواريه ! .. فهل سيدفنونني بعد قتلي ، ام سيحتفظون برأسي كما فعلوا مع ابي الذي مازالت جمجمته مُعلّقة على اسوار قصرهم الكئيب ؟!

^^^

 

قصر الملكة إليزابيث في اسكتلندا


هذا ما كتبته ماري بالريشة ، في دفترها الصغير (المصنوع من جلد الماعز) .. 

وقد وجده جورج (10 سنوات ، حفيد الأميرة ديانا) في قبوّ قصر جدته الصيفيّ (في اسكتلندا) .. فأخفاه بعيداً عن والده وجده.. 


وبعد إنهاء قراءته في غرفته الخاصّة ، انتفض رعباً من آخر عبارةٍ مكتوبة في الدفتر الأثريّ :

((انا الأميرة ماري المبجّلة ، التي انتهت حياتي كأسيرةٍ مذلولة : أطلب ممّن يجد كتابي هذا ، أن يُعيد هيّبتي وكرامة اهل قريتي : بمعاقبته المسؤولين او احفادهم عن ظلمهم لنا ، بخلال اسبوعٍ واحدٍ من قراءته مذكّراتي.. وإلاّ !! ستحلّ عليه لعنة الثمانين روحاً ، بالإضافة لأرواح رجالنا الأربعين .. حيث نعده جميعاً : بتعكير حياته لآخر عمره إن بقيّ صامتاً عن إبادتهم لنا ، في عهد الملكيّة الظالمة))


فتساءل جورج بخوف : 

- ماذا عليّ فعله لإعادة الحقّ للأرواح المظلومة ؟! هل أنشر مذكّراتها من خلال مقابلةٍ صحفيّة ، او بوسائل التواصل الإجتماعي ؟ او أسلّمه لجدي الملك ؟ او أعيده الى مكانه في القبو ؟ ام أحرقه في المدفئة ؟ .. وماذا سيحصل إن تخلّصت منه ؟ هل فعلاً ستعاقبني ارواحهم ، كوني وريث العرش البريطانيّ ؟! 

^^^


ونام الصغير تلك الليلة ، مُرهق التفكير .. دون علمه باكتظاظّ غرفته بأرواح القريّة الأسكتلنديّة التي تنتظر قراره الأخير بشأن إظهاره الحقّ عن مذبحتهم الوحشيّة ، وإلاّ سيحرمونه العرش طوال حياته .. وربما يعذّبونه بجميع الوسائل المتاحة لهم في العالم الآخر .. والأسوء أن لديه اسبوعاً واحداً فقط ، لتقرير مصيره المحتوم !


الأحد، 24 سبتمبر 2023

المجاعة العالميّة

تأليف : امل شانوحة 

الحشرات المُهجّنة !


بدأ العدّ التنازلي لنهاية العالم بعد هدم السدود المُفتعلة بكل الدول ، خصوصاً البلاد النامية.. مُسببةً فيضانات مُدمّرة للأراضي الزراعيّة.. عدا عن الحرائق بأسبابٍ مجهولة ، قضت على اهم الغابات حول العالم.. بالإضافة للأعاصير والزلازل من مشروع (هارب) السرّي !


وليت الأمر توقف عند موت آلاف البشر حرقاً وغرقاً ، وتشرّد الملايين منهم .. بل بدأ الكابوس الحقيقي للبشريّة مع تسرّب حشراتٍ مُهجّنة من مختبرٍ أمريكيّ ، والتي لسوء الحظ تتكاثر بسرعة ، ومن الصعب قتلها بالطرق المعروفة !


بدأت الظاهرة مع إنتشار ديدان العلق في البيوت والحدائق ، التي امتصّت دماء الصغار والعجائز والمزارعين الذين وجدوا صعوبة بإزالتها بالملح (كما جرت العادة) واضّطروا لقلعها بالسكاكين ، مُتسبّبةً بجروحٍ وعلاماتٍ دائمة على اجسامهم! 


بعدها بقليل .. تفشّت الصراصير التي لا تموت بالرشّ الكيميائيّ ، بل بالدهس بقوة كأن اجسامها فولاذيّة ! 


اما الأسوء ، فهو إنتشار الدبابير التي قضت على المناحل في كل مكان.. عدا عن العناكب بشباكها الّلزجة التي من الصعب تقطيعها ! والتي غطّت الأشجار والمشاتل ، حاجبةً الضوء والرياح عن الخضار والفواكه.. مما أدّى لذبول هكتارات كبيرة من المزارع !


وبسبب هذه الأحداث الغامضة .. هجم الناس على المخازن والمحلاّت التجاريّة للتموين ، خوفاً من مجاعةٍ قادمة .. خصوصاً بعد إنتشار النمل في كل مكان ! 

لكن حتى من قام بتخزين مؤونته في منزله ، لم يسلم من النمل المزوّد بفكّين أشبه بالمقصّ الحادّ الذي بإمكانه إختراق وتمزيق أقوى انواع شوالات التخزين !

***


بعد انتشار المجاعة بالعديد من الدول الباردة والحارة .. حرص المزارعون في المناطق الرطبة على حماية حصادهم قدر الإمكان عبر إيقاف تصديرها للخارج او للأسواق الشعبيّة ، لكيّ تكفي اهاليهم والمقرّبين منهم .. وذلك من خلال إكثارهم من رشّ المبيدات الحشريّة ، التي تسببت لاحقاً بقتل العديد منهم بالتسمّم الغذائيّ !


كما أن الأراضي المحميّة لم تسلم من خطر تلك النوعيّة الغريبة من الحشرات ، بعد هجوم ملايين الجراد التي ظهرت من العدم ! والتي أكلت مزروعاتهم ليلاً نهاراً ، بعد فشل جميع المبيدات الكيميائيّة في القضاء عليها..


عدا عن الطيور التي لم تستسيغ طعم الحشرات المُهجّنة ، فمات العديد منها جوعاً.. مما أدّى لانتشار القوارض التي قضت على اهم المخازن الغذائيّة بالعالم !

***


وفي ظلّ الأزمة المتصاعدة .. أصدر رئيس اميركا إعتذاراً مباشراً للعالم عن الأضرار المرعبة التي تسبّبتها حشرات مختبراتهم بعد تطويرها جينيّاً ، لتقوية قدراتها المؤذيّة التي أدّت لمجاعةٍ عالميّة !

^^^


بعد انتهاء المؤتمر .. إجتمع مع كبار الماسون ، وهو يسألهم بقلق :

- هل اراضينا السرّية بحماية من تلك الحشرات المؤذية ؟!

فأجابه أحدهم بثقة : نعم ، وهي كافية لتغذية المليار الذهبي الذين سنرسل لهم الطعام يومياً الى قصورهم ..فالحشرات لن تصل الى مشاتلنا المرشوشة بمادةٍ لا يتحمّلون رائحتها ، بسبب تركيبتها السرّية.. مع تهديد علمائنا بقتلهم إن فضحوها للعلن

رئيس اميركا باهتمام : وكم وصل عدد الوفيات بالعالم ؟

- كنّا ٨ مليارات نسمة ، والآن أصبحنا ٤ فقط .. يعني أوشكنا على النجاح


الرئيس بحماس : وبعد وصولنا للمليار ، هل سيخرج الدجّال الذي ننتظره منذ عصور ؟

- هذا ما وعدنا به ، قائدنا ابليس.. كل ما علينا فعله ، هو قتل اكبر عددٍ من الغوغائين

الرئيس بقلق : وبعد موتهم ، كيف سنقضي على الحشرات المؤذية بعد تكاثرها بشكلٍ مهول ؟!

- علمائنا حقنوا ملكة كل نوعٍ من الحشرات بشريحةٍ إلكترونيّة بحجم الذرّة .. وبعد انتهاء مهمّتها ، وبكبسة زرّ .. سنقضي على ملوكها ، ويتشتّت الباقون الذين سيقتلون لاحقاً بعوامل طبيعيّة.. الى ذلك الحين ، علينا الإختباء في الملاجئ السرّية المحفورة تحت الأرض ، لحين انتهاء الأزمة المُقرفة


الرئيس بضيق : أتمنى ان لا يطول الأمر كثيراً ، فقد أتعبتني البدلات الواقية الخانقة

- المهم الآن !! هو إجبار الدول على حرق جثث مواطنيها في قبورٍ جماعيّة ، كيّ لا تحدث أزمة طاعونٍ مُفاجئة ! 

الرئيس بابتسامة رضا : أظن ابليس فخوراً بنا

- طبعاً !! فنحن ننفّذ خططه العبقريّة اولاً بأول

وابتسم الحاضرون بخبثٍ ومكر !


الخميس، 21 سبتمبر 2023

مسابقة الموت

كتابة : امل شانوحة 

 

المهمّة المُريبة !


في زمن التسعينات ، وقبل غروب الشمس .. وصل للمربيّة إتصالاً على الهاتف الأرضيّ ، من رجلٍ يقول :

- مرحباً .. هل يمكنك مُجالسة اولادي الخمسة لهذه الليلة ، مقابل الف دولار ؟

فسألته بدهشة : الف دولار لليلةٍ واحدة ؟!

- نعم ، فأنا ذاهبٌ لعشاء عملٍ مهمّ

- وكم اعمارهم ؟

- الكبير مُراهق في سن ١٥ ، والصغير ثلاث سنوات

المربيّة : حسناً ، أعطني العنوان

***


ووصلت للمكان في العاشرة مساءً ، بعد تأخّرها نصف ساعة عن موعدها المحدّد بسبب ضياعها في طريقٍ فرعيّ ، جعلها توقف سيارتها جانباً وتُكمل سيرها ، مُستخدمةً كشّاف النور للتحرّك وسط غابةٍ مُظلمة ! وهي تتتبّع الإشارات المكتوبة بخطّ اليد وبلونٍ فسفوريّ ، المُعلّقة على الشجر بإسم الأرمل الذي وظّفها لهذه المهمّة الغريبة .. 

الى ان وصلت لكوخٍ صغير مُضاء من الداخل ، بعد تجاوزها ثلاثة اكواخٍ مُحترقة بالكامل !


وقبل رنّها الجرس .. وجدت ظرفاً على العتبة ، فيه الف دولار .. بالإضافة لمفتاح الكوخ ، وقصاصة ورقٍ عليها الملاحظة التالية :

((إن حللّتِ الألغاز الموجودة بالقبو ، ستحصلين على ١٠ آلاف دولار))


فشعرت بالريبة من دفعه مُقدّماً ، دون معرفة اسلوب تعاملها مع ابنائه .. عدا عن جائزته الغريبة !

وتساءلت في نفسها :

((طالما لديه الوفرة الماليّة ! لما لا يعيش معهم في المدينة ، بدل كوخٍ في غابةٍ معزولة ؟!))

^^^


بعد دخولها .. لم تجد سوى صالةً صغيرة قرب المدفأة ، بجانبها المطبخ وغرفة نومٍ فارغة !

فتساءلت باستغراب : اين الأطفال ؟!


وإذّ بها تسمع صوتاً خافتاً ، يصدر من القبو :

- ارجوكم ساعدونا 

فنزلت سريعاً ، وهي تشعر بقلقٍ شديد ..

 ^^^


في القبو .. وبعد إشعالها النور ، رأت مالم يكن بالحسبان !

فالأولاد الخمسة مُعلّقين في ادوات تعذيب ، تُشبه المُستخدمة بالقرون الوسطى ! حيث نظروا اليها بخوف : ليترجّاها أحدهم بعدم قتله ، بينما ناداها الآخرين لإنقاذهم 


وما أن نزلت الدرجة الأخيرة ، حتى تحرّكت آلات التعذيب وحدها !

فصرخ المراهق فزعاً :

- لقد أدرتي وسائل موتنا !!

وبدأت كل آلة بتعذيبهم ببطء..

^^^

 

فالولد الصغير (ذوّ ٣ سنوات) كان مُقيّداً داخل خزانة ، بابها مليء بالمسامير الحادّة ..والتي تقترب منه ببطء !

^^^

 

بينما الفتاة (٦ سنوات) مُعلّقة بالحبال من يديها وقدميها ، والتي يشدّانها باتجاهيّن مُعاكسيّن ..وهي تبكي من الألم الذي يزداد مع الوقت !

^^^


امّا الولد (٨ سنوات) فكان مُقيّداً على كرسي.. وعلى رأسه آلة حديديّة تتحرّك كهربائيّاً .. تشّد وجهه من فوقٍ ومن تحت ، حتى يكاد دماغه أن ينفجر ! وهو يبكي بصوتٍ مخنوق

^^^

 

بينما الولد (١١ سنة) فمُعلّق بدولابٍ يدور ببطء .. واسفل منه ، حفرة مليئة بالمياه الضحلة .. وخلال دورانها ، يُصبح وجهه تحت الماء لبضعة ثواني .. وهي تتباطىء مع الوقت ..الى ان تتوقف بشكلٍ مُعاكس ، ويموت غرقاً!

^^^

 

اما أكبرهم (١٥ سنة) ، فصدره العاري مدهوناً بالمربّى ! وفوقه قفصٌ حديديّ  بداخله فأرٌ جائع ، يبدو لن يكتفي بالقليل من الطعام .. وقريباً سيقرض صدره ، إن لم تنقذه بالوقت المناسب


وهنا صرخ المراهق باكياً :

- ماذا تنتظرين ؟!! فكّي وثاقنا


وكانت مرتبكة للغاية ، ولا تعلم إن كان هذا مقلباً تلفزيونيّاً ام لا ! لكن بكاء الصغار يبدو حقيقيّاً


ولأنها تعلم بأن الوقت يداهمها .. بدأت بالمراهق اولاً ، لكيّ يُساعدها بفكّ البقيّة.. خاصّة بعد صرخته المدويّة ! بعد قضم الفأر صدره بقوّة ، ونزفه الدماء 

ففكّت حباله .. لينهض بعصبية ، ويرمي القفص .. وهو يلاحق الفأر لدهسه قبل هربه ، الى أن سوّاه بالأرض ! 


بينما تقوم المربيّة بفكّ الفتاة التي تصرخ ألماً من شدّ يديها وقديمها ، حتى أوشك جسمها على التفسّخ ! 


بهذا الوقت ، طلبت المربيّة من المراهق : إخراج الطفل من الخزانة ، قبل انغلاق باب المسامير عليه 


ثم سارعت بفكّ الولد من الدولاب الذي توقف عن الدوران ، بعد أن أصبح وجهه اسفل الماء ! وأنقذته قبل انقطاع أنفاسه


لكنها لم تستطعّ هي والمراهق إيقاف الخوذة الحديديّة من الضغط على رأس الولد الأخير الذي تحطّم امامهما ، مُلطّخاً ملابسهما بدمائه مع بقايا دماغه !


ممّا أجبرها على إخراج الناجين من القبو بعد انهيار الولدان بالبكاء ، عقب رؤيتهما القتيل الذي تركوه في الأسفل !

^^^


وفي الصالة .. لم ينتهي كابوسهم بعد سماعهم السلاسل الحديديّة تقفل الباب الرئيسيّ ، لمنعهم من الهرب من الكوخ ! 

ثم سمعوا رجلاً ، يقول من الخارج :

- أشعلت الغاز قبل قليل !! وعليكِ إيجاد طريقة لإنقاذ ما تبقّى من الأولاد قبل الحريق المُفتعل ، لكيّ تكسبي الجائزة الكبرى


فصرخت غاضبة : اللعنة عليك !! لا اريد مالك ، فقط أخرجنا من هنا ايها المجرم.. كيف تفعل هذا بأولادك ؟!

فأجابها المراهق بحزن :

- لسنا إخوة ، بل جميعنا مُختطفين

الرجل : انت أشجّع من المربيّات السابقات اللآتي حاولنّ النجاة بأنفسهنّ ، فأحرقتهنّ جميعاً !!


((فتذكّرت الأكواخ الثلاثة المُحترقة ، القريبة من هذا المنزل))

فسألته : من انت ؟! ولما تُعذّب الصغار قبل قتلهم ؟

فأجابها من خلف الباب : نحن نخطفهم للتسليّة

المربيّة بعصبية : ومن انتم ؟!!

- اثرياء يشعرون بالمللّ .. ونراقب تصرّفاتكم من خلال كاميراتٍ حديثة الصنع  (لم تُعرض بالأسواق) .. والآن لنعدّ لموضوعنا المهمّ .. الغاز انتشر في ارجاء الكوخ .. فكما ترين ، الأولاد يترنّحون بنعاسٍ مُفاجئ .. برأيّ دعيهم يموتوا بهدوء ، وحاولي الهرب لوحدك


وسرعان ما سقط الولدان دون حِراك ! بينما انقطعت انفاس الطفل التي حاولت إسعافه بالنفخ في فمه ، الى ان عاد للبكاء..


فقال لها المراهق (وهو يُغلق انفه) :

- نافذة الصالة مُغلقة بأحكام ، وكذلك غرفة النوم.. دعينا نُجرّب نافذة المطبخ ، فهي أملنا الأخير بالنجاة


فاضّطرت لترك الولدين ، الّلذين يبدو انهما فارقا الحياة ! 

وحملت الطفل اثناء محاولتها مع المراهق إدارة قبضة نافذة المطبخ ، التي فُتحت قبل إغمائهما


ليُسارع المراهق بالقفز للخارج اولاً ، ثم حمل الصبي منها ..اثناء تسلّلها بصعوبة من الكوخ ، وهي تسعل بقوّة

^^^


وفور خروجهما .. ركضوا بكل قوّتهما باتجاه الشارع الفرعيّ للغابة ، القريبة من سيارتها .. قبل انفجار الكوخ خلفهما ، مُحرقاً الجثث الثلاثة بداخله !


وقبل وصولها لسيارتها ، توقف المراهق امام بئرٍ مهجور..

المربيّة وهي تحاول إلتقاط أنفاسها : 

- لما توقفت ؟! هيا إكمل السير ، قبل أن يلحقنا ذلك المجنون


ليفاجئها برميه الطفل داخل البئر العميق !

فصرخت بهستيريا : 

- ماذا فعلت ؟!!!

المراهق : صاحب المسابقة اثناء تقيدي بالقبو ، أخبرني انه سيعطيني نصف مليون دولار إن كنت الناجي الأخير


وقبل إستيعابها كلامه ! دفعها بقوّة ، لتسقط على الأرض .. ثم قفز عليها ، وهو يضرب رأسها بحجرٍ كبير .. الى ان قتلها


وهنا ! سمع تصفيق رجلٍ عجوز (ركن سيارته قريباً منهما) وهو يقول :

- أخبرني مساعدي انه اعتقل شاباً شجاعاً .. ونحن عند وعدنا.. ستجد حقيبة المال في خزانة مدرستك الثانويّة ، بعد اسبوع على أبعد تقدير .. لكن إيّاك إخبار احد بلعبتنا المثيرة ، كيّ لا نُلحقك ببقيّة الجثث

المراهق : لا اريد المال ، سيدي


العجوز الثريّ باهتمام : وماذا تريد ؟!

- أرغب الإنضمام لجمعيّتكم السريّة ، لكيّ أصبح من الأثرياء .. واريد ايضاً سيارةً فخمة ، كسيارتك

- لكن هذا سيتطلّب منك الكثير من الجرائم الّلا إنسانية

المراهق : قتلت طفلاً بريئاً ، وسيدة أنقذت حياتي .. كم إثباتاً تريد ، بأني شيطانٌ مثلكم ؟!


فرمى العجوز مفاتيح سيارته للمراهق ، وهو يقول :

- مبروك انضمامك لجمعيّة الأبالسة

وابتسما بخبث !


الثلاثاء، 19 سبتمبر 2023

بيّن ناريّن

تأليف : امل شانوحة 

العريس المُجرم


قبل عودته الى منزله ، وصلته دعوّة زفاف طليقته .. فانتفض رعباً بعد قراءته إسم العريس ! فهو مريضٌ نفسيّ ، تعالج عنده قبل فترة .. ويبدو أن طليقته تعرّفت عليه اثناء زيارتها عيادته ، لتوقيع الأوراق الرسميّة للحصول على حضانة ابنتهما 


فأصبح الطبيب بين ناريّن : إمّا إخبارها أن عريسها ارتكب جريمتيّن دون عقاب ! ويفضح سرّية مرضاه ، ممّا يخسره عمله (حسب قوانين نقابة الأطبّاء النفسيين التي ستغلق عيادته المشهورة) .. او يُنقذها منه ، حمايةً لإبنته الوحيدة

***


قبل الزفافّ بيومين ، إتصل بطليقته :

- اريد رؤيتك لأمرٍ ضروريّ .. أنتظرك اسفل العمارة .. إتركي ابنتي مع امك ، وانزلي حالا !!

- لا يمكنك إصلاح علاقتنا قبل يومين من عرسي !

الطبيب بجدّية : الأمر لا يتعلّق بنا ، بل بمصير ابنتنا


كلامه الغامض جعلها تنزل اليه ! 

فأخذها الى الشاطىء .. وتحدّثا داخل السيارة ، بعد أن سألته :

- اراك مرتبكاً ، فماذا هناك ؟! 

الطبيب : هل تعرّفتي عليه ، خلال زيارتك عملي ؟

- نعم ، في موقف العيادة.. حينها لم أتمكّن من ركن سيارتي ، فساعدني بكل ذوقٍ وأدب.. ثم تبادلنا الحديث لبعض الوقت ، قبل أن يعطيني بطاقة عمله .. بعدها تحدّثنا لثلاثة أشهر بالهاتف ، الى أن فاجأني بطلب الزواج .. لما تسأل؟!

الطبيب وهو يكتم غيظه : الم يخبرك عن جريمتيّه ؟


فسألته بصدمة : عن ماذا تتحدّث ؟!

- هو نرجسيّ بالفطرة .. وولادة أخويه التوأم ضايقه كثيراً ، لرغبته الحصول على اهتمام والديه وحده .. خاصّة لفرق السن بينه ، وبين الصغيرين 

بقلق : وهل أذاهما ؟! 

الطبيب : في البداية لم يعترف بشيء .. ولأني شعرت بمحاولته إخفاء الحقيقة ، قمتُ بتنويمه مغناطيسيّاً .. حينها اعترف انه بسن 13 ، أصرّ على النوم بمنزل صديقه الذي يبعد شارعين عن اهله .. وانه خبّأ علبة البنزين خلف شجرة منزله ، والتي أخرجها من كراج والده لتنفيذ خطّته الجهنّمية 

بخوف : هل أحرق عائلته ؟!

- إنتظر آخر الليل ، بعد نوم اهاليّ الحيّ .. ثم تسلّل من نافذة بيت صديقه .. وسكب البنزين على باب منزله واسفل النوافذ ، كيّ لا يتمكّن اهله من الهرب ! ثم أشعل المكان .. وعاد سريعاً ، ليستلقي بغرفة صديقه 

- لحظة ! قلت إن الشرطة لم تعاقبه على جرمه ، فكيف لم تلاحظ أثر البنزين حول المنزل ؟! 


الطبيب : هو أذكى ممّا تتصوّرين.. فوالد صديقه هو مدير مركز الشرطة الوحيد في منطقتهم الصغيرة .. وقبل يومين من الحادثة ، أعطى موظفيه إجازة رأس السنة .. فانتقل معظمهم للمناطق المجاورة للإحتفال مع اهاليهم .. لهذا لم يكن بالمركز سواه ، مع حارسه العجوز .. ولأن المدير يعاني من السمنة المُفرطة ، لم يُتعب نفسه بالتحقيق بالحريق المُفاجىء .. وكتب في التقرير : أنه حصل بسبب ماسٍّ كهربائيّ لزينة الأعياد ! 

- الم يكترث احد من الجيران بموتهم ؟! 

- لا ، فهم انتقلوا حديثاً الى حيّهم المعروف بكرههم الغرباء .. لهذا لم يُعاقب عريسك على جرمه 

فسألته باهتمام : وماذا حصل له ، بعد موت اهله ؟ 

الطبيب : أرسلوه لدار الأيتام في المدينة ، والذين رموه بالشارع بعد بلوغه 15 لشدّة مشاغبته !

- هذا مُحزن !


الطبيب : وبقيّ مُشرّداً لسنتين ، أكل فيهما مُخلّفات المطاعم .. (ثم تنهّد بضيق) .. أذكر بعد استيقاظه من التنويم المغناطيسيّ ، سألته إن كان يشعر بأن الربّ عاقبه على قتله اهله ؟ .. فهدّدني بحرق عيادتي ، إن أخبرت أحداً بسرّه !  

- إن كانت هذه قصّته فعلاً ، فكيف أصبح غنيّاً ؟

الطبيب : احد الأثرياء وجده بالشارع ، وأخذه للقصر بعد إعجابه بجماله..

- وماذا يريد من مراهق ؟!

- وما ظنّك يريد بمشردٍ جميل ؟

- هل أذاه ؟!

الطبيب : مِراراً.. الى ان أوهمه عريسك (بسن العشرين) انه مغرمٌ به ايضاً ! ..وصار يتقرّب منه ، حتى علّمه كل شيء عن تجارة السيارات .. وبعد إتقانه المهنة (بسن الثلاثين) هدّد العجوز بالسلاح ، لنقل الوكالة اليه.. ففعل ذلك مُرغماً.. وبعدها خنقه بكيسٍ فارغ .. وأبلغ الشرطة عن موته.. وللمرّة الثانية نجا من جُرمه ، لظنهم بوفاته بنوبةٍ قلبيّة لكبر سنّه ! بعدها أصبح مديراً لشركته ، خاصّة أن القتيل لا ورثة له


طليقته باستنكار : أتريدني أن أصدّق انه اعترف بجريمتيّه ، دون خوفه من إبلاغك الشرطة ؟ 

- أخبرتك انني سمعت اعترافه اثناء تنويمه المغناط.. 

مقاطعة بضيق : توقف !! انت مُغتاظ ، لأني سأتزوج من رجلٍ وسيمٍ وثريّ .. واخترعت هذه الأكاذيب لإبعادي عن سعادتي الحقيقيّة  

الطبيب : صدّقيني !! قلت الحقيقة .. اساساً انا أغامر بخسارة عيادتي ورخصتي الطبيّة ، بفضح أسرار مريضي.. وكلّه خوفاً على..

فأكملت بعصبية : ابنتك !!

- وخوفٌ عليكِ ايضاً .. فأنت كنت زوجتي لعشر سنوات ، ولدينا الكثير من الذكريات الجميلة

فقالت بلؤم : والسيئة ايضاً !!


الطبيب بضيق : انا لم أخنك يوماً ! كل ذنبي انني مُدمنٌ على العمل ، لتوفير حياةً هانئة لنا.. ومع ذلك لم اعترض على الطلاق بعد إصرارك عليه ، وأعطيتك حضانة ابنتنا لإسعادك .. (ثم قال بحزم) .. لكنه في حال أصبحت صغيرتي بخطر ، سأبعدها بالقوّة عنك وعن زوجك المجرم !!

- إذا كنت تخاف عليها من خطيبي ، يمكنك أخذها من منزل امي

الطبيب بدهشة : الآن تتنازلين عنها ، بعد تهديدك بحرماني منها بقوّة المحاكم ؟!

- حبيبي مازال عازباً ، وليس مُضّطراً لوجودها معنا

- أأصبح حبيبك بثلاثة أشهر ؟!

فقالت بلؤم : هذا عرضي ، إمّا أن تقبله او ترفض  

الطبيب بحزم : حسناً !! عندما أوصلك لمنزل اهلك .. إنزليها الى سيارتي .. وإن أردّت رؤيتها ثانيةً ، تزورينها في منزلي دون وجود الحقير معك 

فردّت بلا مبالة : إتفقنا !!

^^^


وعاد بإبنته الى منزله وهو يراضيها طوال الطريق بعد بكائها بقهر ، لرؤية امها تحزم أمتعتها لتسليمها له ، دون الإهتمام بمشاعرها !

***


لم ينتهي شهر العسل ، حتى وصله اتصال من المستشفى بضرورة قدومه لغرفة العناية المركّزة ! 


وهناك صُدم برؤية طليقته مُشوّهة الوجه ، ومكسورة القدم والذراع بعد تعرّضها لضربٍ عنيف من زوجها النرجسيّ الذي فاجأها بحفلٍ ماجن في منزله .. وعندما اعترضت ، أفرغ غضبه عليها.. 

وأشفقت إحدى الساقطات عليها ! والتي اتصلت سرّاً بالإسعاف لإنقاذها ، بعد إغماء الزوج من شدّة سِكره 


وهذه المرّة لم يستطع الهرب من جريمته ، بعد قيام الطبيب بالشهادة ضدّه بالمحكمة : بعرضه الفيديو المُصوّر لجلسة التنويم المغناطيسيّ الذي فضح ماضيه الأسود ، بالإضافة لجُرم ضربه العنيف لعروسته التي أوشكت على الموت ! 


فحوكم المجرم بالمؤبّد (لقتله 4 من عائلته ، مع العجوز الثريّ).. 

وانتقلت ملكيّة شركته لعروسته التي طلبت من القضاء تطليقها منه 

*** 


بعد شهور على انتهاء المحاكمة .. عاد الطبيب للتقرّب من ام ابنته التي وافقت على رجوعها لمنزله ، بعد وقوفه معها طيلة المحاكمة التي كلّفته عيادته التي خسرها ، بعد فضح مريضه (والذي يُعارض قوانين النقابة : بالحفاظ على اسرار المرضى ، مهما كانت الظروف).. 


وفي المقابل وكّلت زوجها (الطبيب) بإدارة شركتها ، ممّا اضّطره لتعلّم تجارة السيارات .. كما وعدها أن تكون عائلته ، أولى اهتماماته .. ليبدآ معاً حياةً خالية من المشاكل .. 


دون علمهما بتخطيط النرجسيّ للإنتقام منهم ، بعد اتفاقه مع مجرمٍ (سيُسرّح قريباً) لحرق منزلهم ليلاً .. كما فعل مع اهله سابقاً !


الجمعة، 15 سبتمبر 2023

الموهبة الضائعة

تأليف : امل شانوحة 

 

جريمةٌ غامضة


((لست بخير ! أحسّ بالملّل والضياع .. لم أعدّ أشعر بالشغف اتجاه هوايتي .. قلبي فارغٌ من المشاعر .. موهبتي أرهقتني .. فيها الكثير من الجهد ، والقليل من الإمتنان .. والنقد الهدّام أثقل كاهلي .. لا استطيع الإكمال دون نورٍ ، بآخر النفق الطويل المُظلم ! أنا أختنق فعلاً ، أحتاج للحرّية .. اريد إطلاق جانحيّ ، والطيران الى ما لا نهاية))  


كانت هذه آخر كلمات جيمس (الكاتب الشهير) التي نشرها في مدوّنته ، قبل اختفائه!

ولم يعلم احد اين هو ، حتى صديقه المقرّب (مايكل) الذي استأجر له كوخ الجبل بناءً على طلبه .. فهو رجلٌ ستينيّ أعزب ، سخّر حياته لمتابعيه ولموهبته الكتابيّة التي برع فيها منذ مراهقته .. 


ولأن كوخه بعيداً عن منازل القريّة الجبليّة الهادئة ، لم يشعر أحد برحيله إلاّ بعد إيجادهم قطّته المُدلّلة تائهة بالطرقات ! ويبدو انه أطلق سراحها قبل إختفائه الغامض .. والأغرب ان سيارته مازالت امام منزله الصغير !

 

وتمثلّت شكوك صديقه مايكل : بإكمال سيره لأعلى الجبل (القريب من كوخه) فهو لطالما أخبره برغبته إكتشافه ، كما فعل مع والده الذي ملك ناديّاً لكشّافة الصّغار ! 


المرعب بالموضوع : انه نشر كلامه الكئيب في مدوّنته ، آخر الليل! 

فهل يُعقل أن رجلاً عاقلاً مثله ، يكتشف الجبل في عتمةٍ دامسة (فلا وجود لإنارات الشارع في تلك المنطقة)  


ولأن مايكل لديه نسخة من مفاتيح الكوخ ، ذهب لتفتيش اغراض زميله الضائع .. 

وسرعان ما تحقّقت اسوء مخاوفه : بعد اكتشافه إختفاء الحبال السميكة (المستخدمة بالكشّافة) والمصباح الضخم الذي خبّأهما جيمس في خزانة الصالة (بعد أن شاهدهما مايكل بآخر زيارةٍ له ، قبل اسبوع) وهو يخبره بأنه يوماً ما سيستخدمهما بمغامرته القادمة.. ممّا يؤكّد ذهابه ليلة اختفائه لأعلى الجبل ! 


والأسوء انه لم يأخذ جوّاله الذي تركه على طاولة مكتبه ، بجانب حاسوبه !


لهذا لم يعدّ امام مايكل إلاّ نشر خبر ضياع الكاتب المشهور في الجبال على جميع وسائل التواصل الإجتماعيّ 

***


حزن متابعوا الكاتب على الخبر المُفجع .. وقرّروا التجمّع في تلك القريّة الجبليّة لبحثٍ كشفيّ مُكثّف ، لإيجاد كاتبهم الضائع منذ اسبوع .. او ايجاد جثته ، لدفنها بشكلٍ لائق .. فهو من نوابغ بلدتهم ، ولا يستحق الموت بهذه الطريقة المُشينة !


ورغم ترجيح الشرطة موته ، لانتشار الذئاب والكلاب الضالّة في تلك المنطقة النائية .. إلاّ أن معجبيّ الكاتب أصرّوا على تسلّق الجبل وإيجاد جثته ، او ما تبقى منه !


وبذلك انتشر ثلاثون شاباً ، مُزوّدين بالأدوات الكشفيّة ووسائل تسلّق الجبال .. بالإضافة لدوريتيّن من الشرطة .. 

وبدأوا البحث منذ الصباح ، الى أن أوشكت الشمس على المغيب دون عثورهم على دليلٍ يوصلهم لمكان الكاتب !


وقبل إنهائهم التفتيش بعد حلول الظلام .. وصلهم إتصال على الّلاسلكي من أحد المتطوّعين يُخبرهم : أنهم يُمشّطون المكان الخاطئ ! فقد وجد سهماً بالقلم الأحمر محفوراً على شجرة ، في الجبل الملاصق للمكان الذي يبحثون فيه  


فأسرعت الشرطة والشباب المتطوّعين للجبل الآخر .. وتتبعّوا الإشارات الحمراء المحفورة على عدّة أشجارٍ مُتباعدة ، أوصلتهم الى كهفٍ صغير بأعلى الجبل 


وما أن اشتمّ قائد الشرطة الرائحة العفنة ، حتى أمر الشباب بالإبتعاد لوجود جثةٍ مُتحلّلة بالداخل 

^^^


بعد ساعة .. وقف متابعوا الكاتب بذهول ، وهم يشاهدون المُمرضيّن يحملان كيساً اسوداً فوق نقّالة ، باتجاه سيارة الإسعاف المتوقفة اسفل الجبل! 

وبذلك تأكّد خبر وفاة الكاتب الموهوب ، الحاصل على العديد من الجوائز الأدبيّة المحلّية والعالميّة 

***


وبعد الحادثة ، ساد الإعتقاد : بأن جيمس تعب اثناء تسلّقه الجبل ، وقرّر المبيت في الكهف بانتظار الصباح .. لكنه توفيّ بأزمةٍ قلبيّة ، بسبب المجهود العضلي الذي يفوق عمره 


لتأتي نتيجة التشريح صادمة للجميع : بموته خنقاً ! بعد إيجاد أثر ظفرٍ بشريّ في عنقه ، من الخلف .. ممّا يعني قتله غدراً !

فدبّ الرعب في قلوب أهالي القرية ، لوجود قاتلٍ طليق بينهم .. فهل هو مشرّدٌ مُختبئ في اعالي الجبال ؟! 

***


وبدأت التحقيقات مع المقرّبين من الكاتب جيمس الذي كان إنطوائياً بطبعه ، حيث سمح للقلّة من الناس دخول منزله .. ومنهم خادمه الذي يزوره مرّة في الإسبوع .. والذي صادف غيابه تلك الفترة ، لإجرائه عمليّةٍ جراحيّة في المستشفى 


وايضاً صديقته التي تعمل في دار النشر ، والتي بالعادة تزوره بالعطل الرسميّة .. لكنها أثبتتّ غيابها : بوجودها في المنطقة المجاورة ، لحضور ولادة حفيدها الأول 


اما صديقه مايكل : فأخبر المحقّق بقضاء عطلته ، بقيادة يخته في المنطقة الساحليّة التي تبعد اميالاً عن القريّة الجبليّة .. 

وشهد عامل الميناء بإبحاره ليلاً ، رغم نصحه بتأجيل الرحلة بسبب الضباب الكثيف .. وعاد بيخته قبيل الظهر (إيّ بعد اختفاء الكاتب تلك الليلة) 

ولم يشكّ المحقّق بكلامه .. لأنه دكتور الّلغة الإنجليزيّة بجامعةٍ مرموقة ، والمعروف بحسن سمعته بين زملائه وطلّابه 


فقُيّدت القضيّة ضدّ مجهول : بافتراض أن مشرداً سكن الكهف .. وبعد رؤيته الكاتب نائماً في بيته ، خنقه حتى الموت ! .. ثم هرب لمكانٍ آخر ، قبل قدوم الشرطة

***


بعد عام على إغلاق القضيّة .. نشر مايكل رواية بإسمه ، أثارت ضجّةً إعلاميّة لشدّة جمالها ودقّة تفاصيلها .. 

وأُعجب بها الجميع ، ماعدا قارئة لاحظت تشابه روايته مع اسلوب جيمس ! حتى علامات الترقيم واستخدامها المُتكرّر ، تُشابه طريقة الكاتب الراحل بشكلٍ مشبوه ! 

فراسلت موقعاً لمحبّي الكاتب الراحل ، وأخبرتهم بشكوكها ..

 

وسرعان ما حصلت على تأييد الكثير من معجبيه .. ووصلت شكواهم لإبن المحقّق الذي أخبر والده برأيّ المتابعين القدامى للكاتب جيمس .. 


فقرّر فتح القضيّة دون إبلاغ الإدارة بذلك ، والتي ستتحججّ بمرور عام على إغلاق القضيّة الغامضة ..

وقام ببحثٍ سرّي في المدرسة المتوسطة التي جمعت الصديقان (جيمس ومايكل) لأول مرة .. وراجع نتائج المسابقات الأدبيّة التي اشتركا فيها قديماً 

***


بعد اسبوع ، زار المحقّق منزل الدكتور مايكل .. ومن دون مقدّمات ، سأله بحزم :

- لما فعلت ذلك ؟

- ماذا تقصد ؟!

المحقّق : أمعقول أن تقتل صديقاً لأكثر من أربعين سنة ، لسرقة روايته ؟! 

فضحك مايكل :

- يارجل أرعبتني .. قلّ إن روايتي أعجبتك ، بدل إتهامي بجريمةٍ لا إنسانيّة


فرمى المحقّق اوراقاً امامه (أحضرها من إرشيف مدرستهما القديمة) : 

- لم اتفاجأ انه الفائز بجميع المسابقات الأدبيّة على مستوى المدارس .. وعلى فكرة !! معلّمة الإنشاء مازالت حيّة ، فهي بنهاية الثمانينات .. وهي تذّكركما جيداً .. حيث وصفت جيمس بالموهوب ، وانت بالعنيد .. فبرأيها الموهبة هي هبةٌ من الله ، وجيمس كان يملكها .. فهو كان يُنهي المسابقة الأدبيّة بربع ساعة ، وهو مستمتعٌ بتأليف قصّته .. بينما أنت تتصبّب عرقاً ، وكأنك تنحت بالصخر .. فالموهوبة لا تُدرّس .. كالشاعر الذي يلقي قصيدته دون تحضير.. والرسّام والخطّاط الّلذان يتلاعبان بالريشة والقلم بخفّةٍ وسهولة .. والمغني الذي يصدح بأنغامه دون تمرين .. هؤلاء موهوبين بالفطرة .. ولا يعني تمكّنك من القواعد ومفردات الّلغة ، انك تجيد إبتكار الأفكار المُبدعة .. وهذا ما كان يغيظك بجيمس ، اليس كذلك ؟ 

فسكت مايكل بامتعاض .. 


المحقّق : وأظن جيمس أخطأ حين جعلك تقرأ روايته الأخيرة قبل نشرها .. فماذا شعرت وقتها ؟ هل قلت بنفسك : إنك تستحقّ الرواية ، بعد كل إخفاقاتك السابقة ؟ 

مايكل بعصبيّة : إتهامك لا يستند على أدلّةٍ قوية ، مجرّد إفتراضاتٍ سخيفة من مُحقّقٍ مُبتدئ !!

- أتدري من كشف جريمتك ؟ معجبوا جيمس الذين أكّدوا تشابه روايتك مع اسلوبه الذي اعتادوا عليه لسنوات .. برأيّ كان عليك إضافة بعضاً من سردك الّلغويّ المحترف ، وتغيّر الحوارات بين ابطال الرواية .. لكن يبدو إن بُعدك عن الكتابة طوال سنوات تدريسك الجامعيّ ، أنستك الأسلوب الأدبي الذي فشلت فيه طوال حياتك .. لهذا نشرتها كما هيّ ، ظنّاً بأن معجبيه نسوه بعد عامٍ من وفاته ، اليس كذلك ؟ 

فصمت مايكل بغيظ ..


المحقّق : يبدو أن الغيرة إشتعلت في قلبك ، فور إنهائك روايته الغير منشورة .. فحاولت إقناعه باكتشاف الجبل سويّاً ، كما فعل مع والده.. وعندما وصلتما للكهف ، خنقته من الخلف حتى الموت .. وتركته هناك ، لتعود الى كوخه .. وتنشر بحاسوبه ، كلامه التشاؤمي قبل اختفائه ! .. ولأنك ترغب بنشر روايته بعد نسبها إليك ، كان عليك إغلاق قضيّته بأسرع وقتٍ ممكن .. لهذا وضعت الإشارات الحمراء على الشجر ، صعوداً الى الكهف .. 

- كلامك غير منطقيّ

- إذاً سأجعله منطقيّاً .. ليلة البحث عن صديقك المفقود في الجبل الكبير .. إتصلت بهم ، لوضعهم على المسار الصحيح .. فأحد المتطوّعين أخبرني بوجود عجوزٍ بينهم ، أصرّ على إخفاء وجهه بالشالّ رغم الجوّ الدافئ .. وانه تركهم فور وصولهم للجبل ، وقبل اكتشافهم الجثة .. فهل رحلت بعد انهاء مهمّتك ؟ 


مايكل : انا لم أذهب للبحث عنه ، فصحّتي لا تسمح بتسلّق الجبل .. ثم وقت الجريمة كنت برحلةٍ بحريّة ، كما أخبرك عامل الميناء .. هل عليّ تذكيرك بذلك مِراراً ؟! 

- نعم ، أبحرت بذلك المساء المليء بالضباب الذي لم يجعل احدٌ يراك وانت تُخبئ يختك بالميناء المهجور الذي لا يبعد كثيراً عن الميناء الجديد .. بعدها ركبت سيارتك التي أوقفتها هناك سابقاً ، وانتقلت الى الجبل لإقناع صديقك برحلته الأخيرة .. وبعد قتله .. عُدّت سريعاً للميناء المهجور ، لإعادة يختك لمكانه المعتاد قبل زوال الضباب ظهراً .. وكلّ هذا المجهود ، لكيّ تُثبت حجّة غيابك بليلة إختفاء صديقك ..

مايكل : لا دليل على كلامك


المحقّق : وماذا لوّ قلت لك ، أن لديّ شاهد رآك مع جيمس فوق الجبل 

بصدمة : ماذا !

المحقّق : أتذكر فرضيّة مقتله على يد مشرّد يعيش بكهف الجبل ؟ .. يبدو انها حقيقية ! فهناك مُشرّد أمسكناه ثملاً قبل اسبوع .. ومن شدّة خوفه ، أخبرنا برؤيته عجوزيّن يقتحمان كهفه .. احدهما خرج سريعاً .. والثاني ظلّ بداخله.. ثم وصف لنا طولك ووزنك ، والشامّة على خدّك .. حتى خاتمك العاجيّ .. وعندما أريناه صورتك ، أكّد أنه انت .. ووعدنا بالشهادة ضدّك في المحكمة 

مايكل بارتباك : اريد محامياً

المحقّق بابتسامة النّصر : سأعتبر هذا إعترافاً بجرمك

ثم اقتاده لمركز الشرطة ..

***


وتحت ضغط التحقيق المتواصل ، إعترف الدكتور مايكل بغيرته الشديدة من موهبة جيمس الفريدة من نوعها .. فرغم تفوّقه عليه بمفردات الّلغة الإنجليزية ، لكنه الفائز دائماً بالمسابقات بسبب أفكاره المُبدعة ! .. وانه عندما قرأ روايته ، شعر بأنها بوّابته للشهرة السريعة .. واعترف ايضاً بسرقته لكشكول جيمس المليء بالأفكار الإستثنائيّة ، التي كان ينوي تحويلها الى قصصٍ مستقبليّة..


وقد أثار إعترافه ضجّة بين الأدباء والقرّاء بعد خسارتهم عقلاً مُبدعاً ، ونادر الوجود في عصرنا الحاليّ ! 

***


مالا يعرفه مايكل : إن المحقّق إخترع فكرة المُشرّد الشاهد .. وانه لولا إعترافه ، لما كان هناك دليلاً قويّاً ضدّه .. خاصّة أن القريّة الجبليّة خالية من كاميرات الشوارع .. لهذا لم يدوّن المحقّق موضوع الشاهد الإفتراضيّ بتقريره الذي أدّى للحكم على الصديق الخائن بالسجن المؤبّد ، الغير قابل للطعن !


الثلاثاء، 12 سبتمبر 2023

امهات السجناء

تأليف : امل شانوحة 

 

الحجزّ الإجباريّ


- ابني !! هل تسمعني ؟

- نعم امي .. لما صوتك بعيداً هذه المرّة ؟!

- أضافوا رُخاماً فوق القبر

- هذه مصيبة ! كيف سأخرج الآن ؟

الأم : سأفعل ما بوسعي لإنقاذك من أزمتك.. (ثم تلفّتت حولها بخوف).. أشعر وكأني مُراقبة ! .. حسناً ، اراك لاحقاً !!

- امي لا تتركني وحيداً ، فالظلام حالكٌ هنا

- عليّ الذهاب قبل مجيء حارس الأسحار ، لكني أعدك بفكّ أسّرِك قريباً

ثم ودّعته ، وخرجت حزينة من المقبرة..

***


وبعدها ذهبت لزيارة جارتها ، العائدة من رحلة البحر ..

- هل انت بخير ؟

- كيف سأكون بخير وإبني محبوس في صندوقٍ ضيّق بعمق البحر ، منذ عشر سنوات ؟!

- مصيبتنا كبيرة .. فلا يمكننا مُعارضة الملاعين بتجنيدهم الإجباريّ لأبنائنا ، لخدمة السحرة والمشعوذين 


وهنا سمعا طرقاً على الباب..

- هآقد أتتّ أم مأنسة ، دعيها تدخل

وفور دخولها ورؤيتها للجارة الثانية ، قالت :

- توقّعت وجودك هنا

- كنّا نواسي بعضنا بمصائب ابنائنا.. ماذا عنك ؟ هل وجدّتِ ابنتك ، ام مازالت تائهة بالصحراء ؟

- للأسف ، عثرت عليها عالقة في بئرٍ مهجور ! فحاولت تصبيرها على بلواها ..وتركت المسكينة ترتعش رعباً آخر الليل ، وهي مُحاطة بالعقارب والثعابين

- البشر الملاعين !! يتهموننا بالشرّ ، وهم أخبث منا ! فهم من استخدموا السحر لأذيّة أقاربهم وأصدقائهم ، بسبب حقدهم وغيرتهم المؤذية.. لما لا يؤمنون بأن الزواج قسّمة ونصيب ، او يرضوا بأرزاقهم القليلة بدل تمنّي زوالها من غيرهم ؟!


ثم انتبها على شرود جارتهم ..

- مابك ؟! نراك مُشوّشة التفكير

- أثناء بحثي في الصحراء ، عثرت على مُهيب

- أحقاً ! كان ضائعاً منذ عشرين سنة ، وماتت امه حسرةً عليه.. اين وجدّته ؟

- عالقٌ داخل شاشّ ، مربوط في قدم نسرٍ عجوز ! وقد حاولت الإمساك به ، لكنه حلّق بعيداً في السماء

- أشفق على المسحور المسكين .. ترى كم عانى بسنواته الماضية ؟

- أكيد قضى حياته ضائعاً ومشتّتاً ، وعاجزاً عن تحقيق احلامه.. تماماً كالنسر الذي فشل بإزالة السحر الثقيل عن قدمه

- ولا تنسيا عذاب مُهيب الذي ضاع شبابه وهو متنقّلاً بالهواء ، دون علمه بوفاة امه وزواج حبيبته من جني آخر


فقالت إحداهنّ بضيق :

- لا يمكننا إكمال حياتنا هكذا ، علينا فكّ قيود ابنائنا بأسرع وقتٍ ممكن !! الم تسمعا ما حصل للهنوف ؟ ماتت مع إنتحار المسحورة اليائسة .. هل سننتظر لحين فكّ أسحارهم بمعجزةٍ إلهيّة ، وأبنائنا عالقون لسنوات في القبور والبحار والهواء الطلق ؟!

- وكيف نفعل ذلك والشياطين (خدمة السحرة البشريين) يراقبون الجن في كل مكان ؟ فنحن عبيدهم ، كما أوهمهم إبليس ..

- كلامها صحيح.. ففي حال نبشّنا القبور او غُصّنا في أعماق البحر لإطلاق سراح السجناء ، ستعذّبنا الشياطين حتى الموت

- اذاً لا حلّ سوى بجعل البشريين يفكّون سحرهم بنفسهم ، وبذلك يعود اولادنا لأحضاننا

باهتمام : وكيف نفعل ذلك ؟!

- نُريهم في المنام : ماضي اعدائهم وهم يطالبوا المشعوذين بأذيّتهم.. ثم ندلّهم جيداً على مكان أسحارهم .. المهم أن ننفّذ مُهمّتنا الليلة ، وبسرّيةٍ تامة

فأومآ برأسيهما موافقيّن ، بعد إعجابهما بفكرتها الذكيّة

***


وبالفعل اكتشف المسحورون اخيراً سبب تعاستهم لسنوات ، في منامٍ واضح لا يقبل التأويل


وعلى الفور !! توجّهوا للعناوين التي رأوها في حلمهم ، لنبش وإخراج أسحارهم القديمة .. ثم سارعوا بأخذها الى مشايخٍ موثوقين ، لفكّ عقدها وأرباطها

***


داخل المقبرة .. تنفّس الشاب الصعداء بعد فكّ الشيخ لقماشةٍ معقودة ، عقب نفثه عليها التعويذات والآيات القرآنية .. ليشعر وكأن صخرة أُزيحت عن صدره !


في هذه الأثناء .. إحتضن الجني امه بعد خروجه من القبر الذي بقيّ فيه لسنواتٍ عدّة ، بجانب جثةٍ مُتحلّلة !


وكذلك حصل للجنّية (مأنسة) التي خرجت من بئر الصحراء ، باتجاه امها التي أزاحت العقرب عن شعر ابنتها المنكوش ، قبل احتضانها بشوقٍ كبير


اما السحر الطائر.. فقد أمضى المسحور اياماً (بعد المنام) وهو يبحث عن النسر العجوز ، الى ان وجده فوق شجرةٍ يابسة .. وبعد العديد من المحاولات الفاشلة ، إستطاع اخيراً إمساكه ، وفكّ الرباط عن قدمه. .


ليُسارع الجني (مُهيب) بطمر نفسه بالتراب ، للوصول لحبيبته في باطن الأرض (والتي انتقلت مع زوجها واولادها لبلدةٍ اخرى ، دون علمه).. كما مُتحمّساً لرؤية امه التي لا يدري بموتها حُزناً عليه !

***


لكن أصعبهم كان السحر المُلقى في البحر .. حيث لم يستطعّ الرجل فعل شيء ، لاستحالة إيجاده الصندوق الذي فيه صورته المسحورة .. ففوّض أمره لله .. 


لهذا لم يعدّ امام والدة الجني العالق ، إلاّ بظهورها في عدّة مناماتٍ مُتتالية لغوّاصٍ يحب إكتشاف تلك البقعة من البحر ، مُوهمةً إيّاه بوجود كنزٍ ثمين في الصندوق الغارق ! 

ممّا شجعه للعثور عليه.. والصعود به للقارب.. 


وما أن فتح قفله .. حتى سبح الجني بكل قوته باتجاه الشاطىء ، بعد رؤية امه تلوّح اليه بشوق ، والتي تنتظره هناك بملابس جافة وهي منهارة بالبكاء

***


في المساء .. إحتفلت أمهات الجن بعودة ابنائهم في دار إحداهنّ بسرّية ، كيّ لا يصل الخبر للمراقبين الشياطين (المسؤولين عن الحفاظ على الأسحار ، لأطول مدّةٍ ممكنة)

واتفقنّ على الهجرة مع ابنائهنّ لقاراتٍ بعيدة ، حتى لا ينكشف أمرهم ويحرقون جميعاً.. ثم ودعنّ بعضهن بالبكاء والأحضان ، قبل طيران كل واحدة مع ابنها لقارةٍ مختلفة !


طبّاخة الأسر

تأليف : امل شانوحة  ماما صوفيا هجمت كتيبةٌ إلمانيّة على منطقةٍ ريفيّة روسيّة اثناء الحرب العالميّة الثانية ، مُستغلين خلوّ القرية من رجالها ...