الأربعاء، 6 سبتمبر 2023

سفّاح الصحراء

كتابة : امل شانوحة 

 

السارق العجوز


في تلك الليلة .. وقبل عودة سائق الأجرة الى منزله ، لمح عجوزاً يوقف سيارة أجرة امامه.. وبعد إلقائه نظرة سريعة على مقاعدها المُهترئة ، رفض الركوب فيها ! ومن ثم أوقف سيارته ..  


وبعد جلوسه بالمقعد الخلفيّ ، سأله السائق :

- الم يكن زميلي ذاهباً الى وجهتك ؟

العجوز : بلى ، لكن سيارته قديمة وقذرة

- يبدو انك تهتم بالنظافة ؟

- تُعحبني السيارات الجديدة

السائق : لم تخبرني بعد ، اين تريد أن أوصلك ؟ 

- الى الصحراء

- ماذا !

العجوز : هناك بدويّة فقيرة ، اريد مساعدتها

- جزاك الله خيراً

^^^


وسكتا مُطولاً ، قبل أن يسأله العجوز :

- هل لديك اولاد ؟

فأجاب السائق : طفلٌ صغير .. وانت يا عمّ ، كم حفيدٌ لديك ؟

- لم أتزوّج مطلقاً 

- غريب ! مع أن جيلكم يُفضّل الزواج باكراً

العجوز : كنت يتيماً مُشرّداً معظم حياتي ، قبل بناء نفسي بنفسي

- لا تحزن يا عمّ .. ففي الجنة تتزوّج اجمل النساء ، وتنجب منها ما تريد

- لا أظنني سأدخل الجنة ، او أشمّ ريحها 

السائق : لا تقلّ هذا ! يكفي خروجك في منتصف الليل ، لمساعدة فقيرة لا تعرفها 

- آه صحيح

^^^


وقبل وصولهما لصحراءٍ شاسعة ، سمع السائق حشرجة قويّة من العجوز !

- مابك ؟! ..(ونظر اليه من مرآته الأماميّة ، ليجد وجهه مُزّرقاً).. لا رجاءً ! تنفّس يا عمّ


وأوقف سيارته جانباً في مكانٍ مظلم ، حيث لا يوجد مصابيح في تلك المنطقة الصحراويّة التي مشيا فيها لأكثر من ساعتين

فأنار السائق جوّاله القديم ، بعد جلوسه بجانب العجوز وهو يحاول إشرابه الماء .. لكنه لم يتحرّك مُطلقاً !

السائق بضيق : يالا حظيّ السيء ! الم تمت إلاّ معي


وبدأ بتفتيش حقيبة العجوز الجلديّة ، لعلّه يجد جوّاله للإتصال بأقاربه .. ليُصعق برؤية آلاف الدولارات (رغم ندرتها في العراق بعد الحصار) !

فنظر للعجوز بدهشة :

- أمعقول ستوهب كل هذا المال لبدويّة ! بهذا المبلغ يمكنها شراء قصرٌ فخم


وقال في نفسه : ((مالعمل الآن ؟! .. في حال أعدّته للمكان الذي أخذته منه ، سيراني المارّة ويظنّوني قاتله ! وإن أبلغت الشرطة ، سأتورّط بتحقيقاتهم التي لا تنتهي .. الأفضل دفنه بالصحراء ، طالما لا عائله لديه))


لكنه شعر بتأنيب الضمير .. فبحث بجيوب العجوز ، لعلّه يجد بطاقته الشخصيّة .. ليعثر على دفترٍ صغير ، مليئاً بالأسماء .. بالإضافة لرقمٍ تسلّسلي ، ونوع السيارة ولونها ! .. فظنّ انه تاجر سيارات..


وقبل إغلاقه الدفتر ، صُدم برؤية اسم ابن عمه وكذلك صديقه الّلذين عملا ايضاً كسائقيّ أجرة ، واختفيا قبل شهور بعد سرقة سيارتهما! 

وكان مايزال يذكر اول رقمين من سيارة قريبه ، والذي يتوافق مع الرقم الموجود بالدفتر ، بالإضافة لنوع ولون سيارته !


وتذكّر إنهيار العراق (بعد الحرب) الذي أدّى لإغلاق الدوائر الرسميّة ، وغلاء سيارات الأجرة بشكلٍ مبالغ فيه !

وأيضاً بلاغ شاهد بمركز الشرطة : عن عجوزٍ ركب معه بأحد سيارات المفقودين ، الذي ينوي توصيله للصحراء !  


كما تذكّر رفض العجوز ركوب سيارة الأجرة القديمة ، لتفضيله السيارات الجديدة (التي ينوي سرقتها)

وتأكّدت شكوكه بعد إيجاده جوالاً صغيراً ، بالإضافة لسكينٍ حادّ داخل جيبٍ سرّي في بنطال العجوز !


فهزّ جسد العجوز بغضب :

- أأنت السفّاح اللعين الذي ذبح سائقيّ الأجرة ، لبيع سياراتهم بأسعارٍ مرتفعة بالسوق السوداء ؟ هل انت قاتل قريبي وصديقي !! أكنت تأخذني للصحراء لتدفنني معهم ، يا حقير ؟!!!


وهنا انتبه لأمرٍ مهم : فالمكان الذي أصرّ العجوز على إيصاله اليه ، ربما يكون مدفناً لجثث المفقودين (٢٣) التي ما تزال الشرطة والأهالي يبحثون عنهم حتى الآن!

***


قبيل الفجر .. تلقّت الشرطة مكالمة من السائق (الذي غيّر نبرة صوته ، اثناء حديثه من جوّال العجوز) وأخبرهم عن مكان القبر الجماعيّ ، دون إطلاعهم على موت القاتل 


وسرعان ما أرسلت الشرطة دوريّات للمكان المذكور .. ليجدوا خلال ساعتين من البحث المتواصل : جثث جميع المفقودين الذين نُحروا غدراً من الخلف ! 

ولاحقا سلّموا رفاتهم لأهاليهم الذين أقاموا جنازةً جماعيّة لإراحة أرواحهم المغدورة

***


بعد خمس سنوات .. وبعد فكّ الحصار عن العراق ، وتدفّق الدولارات مع قدوم السوّاح الأجانب..

توجّه صحفيّ الى منازل اهالي الضحايا لسؤالهم عن ألغازٍ بسيطة ، إستطاعوا جميعاً حلّها .. ليفاجئهم بسيارة أجرة جديدة ، كهديّةٍ لهم ! 

مما جعلهم ينهارون بالبكاء بعد معاناتهم من فقرٍ شديد ، عقب مقتل مُعيلهم وسرقة سيارة أجرته التي كانوا يعتاشون عليها !

***


وبالحقيقة لم يكن صحفيّاً ، بل هو نفسه بطل القصة الذي تنكّر بلحيّةٍ وشعرٍ طويل لإخفاء هويّته ، بعد شرائه (بمال العجوز) ٢٣ سيارة أجرة جديدة.. ولم يفعل ذلك مباشرةً بعد موت القاتل .. بل انتظر لحين فكّ الحصار عن البلد ، ونزول أسعار سيارات الأجرة..

وقد أربحه فرق العملة ، ثلاث سيارات اجرة مجانيّة .. قام بتأجرها لغيره ، لاكتساب رزقه من منزله..

*** 


وخلال عشرة اعوام ، أصبح لديه شركة لسيارات الأجرة ..

أمّا السرّ الذي لا يعرفه موظفيه : انه مازال يحتفظ بقصاصات الجرائد القديمة التي تحدّثت عن إختفاء السفّاح العجوز ، وتوقف جرائمه الغامضة! 


دون علمهم : أنه قبل رميّ جثة العجوز ببئر الصحراء ، إستفاق من نوبة السكريّ التي أصابته .. وحاول مقاومة سائق الأجرة الذي أخبره بانفضاح أمره.. واستحقاقه لقضاء آخر عمره ، مُحاطاً بالعقارب والثعابين (الموجودة بقعر البئر المهجور) التي تناسب خبثه ..

ثم رماه هناك ، ليواجه مصيره المحتوم !

****


ملاحظة :

هذه القصة مستوحاة من جرائم حقيقيّة لعجوزٍ مجهول ، يُلقّب : ب(أبو عكّازة)

اقرأ تفاصيل القصّة بهذا الرابط :

https://www.kabbos.com/%D8%A3%D8%A8%D9%88-%D8%B9%D9%83%D8%A7%D8%B2%D8%A9-%D9%82%D8%A7%D8%AA%D9%84-%D9%85%D8%AA%D8%B3%D9%84%D8%B3%D9%84-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%AA%D8%B9-%D8%A8%D9%86%D8%AD%D8%B1-%D8%B6%D8%AD%D8%A7/


هناك 4 تعليقات:

  1. القصه حلوة
    وما اعرف ليش ذكرتني بقصه ابو طبر

    ردحذف
  2. ظننت في البدايه انه شبح القاتل او احد القتلى
    كان عندنا سفاح مثله ولكنه يختبيء في حقول الذره وظن الناس انه عفريت
    عدد الجراءم التي تبقى ضد مجهول اضعاف اضعاف ما يتم حله او القبض على المجرم .
    او يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض .

    ردحذف
  3. القصة شيقة ولكن فيها نقطة كان يجب الانتباه عليها خلال أيام حصار العراق لم يكن فيه هواتف جوالة نتيجة الحصار

    ردحذف
    الردود
    1. ربما كان عليّ كتابة : انه اتصل من الهاتف العمومي لإحدى محطّات البنزين !

      حذف

مسابقة الألوان القاتلة

تأليف : امل شانوحة    إنتقام الطفولة  وصلت كروت حفلةٍ مسائيّة الى مجموعة شباب من ابناء اثرياء البلد .. والذين حضروا للمبنى (الذي تمّ تجديده ...