الثلاثاء، 26 سبتمبر 2023

الأميرة المأسورة

فكرة : إبن العراق
كتابة : امل شانوحة 

ماري الأسكتلنديّة 


- إختبئوا بسرعة ، فهم على وشك الوصول الينا !!


أطلقت هذا النداء (ماري) ابنة رئيس العشيرة ، لتحذير النساء والأطفال للإختباء بأكواخهنّ ، بعد فشل رجالهنّ بإيقاف الجيش الإنجليزيّ من اقتحام قريتهم الأسكتلنديّة الصغيرة (بالقرن الماضي) بعد معركةٍ دمويّة خلف التلال ، التي خاضوها قبل يومين ! 


فركضنّ بفزعٍ وهنّ يحملنّ صغارهنّ ، للإحتماء في بيوتهنّ الخشبيّة!

بينما راقبت ماري (من خلف النافذة) جيش العدو وهو يقتحم قريتهم ، للإطمئنان على والدها وأخويّها ، على أمل أن يكونوا من ضمن الأسرى ، فهم ما تبقّى لها من عائلتها وأقاربها بعد معاركٍ عديدة مع الإنجليز الذين يصرّون على ضمّ بلادهم الزراعيّة لمملكتهم الظالمة! 

***


بعد قليل ، أعلن منادياً من العدو : عن مقتل جميع رجال القرية ! 

لتتعالى صرخات النساء والأولاد من داخل منازلهنّ .. مع تأمّل ماري أن يكونوا احتفظوا بوالدها حيّاً ، لمكانته الكبيرة بين قبائل الأسكتلنديّة !


لكنها انهارت بالبكاء بعد رؤية رأسه المشوّه ، مُعلّقاً على رمح القائد المتغطرس الذي أعلن بصوتٍ جهوريّ :

- الآن جاء دوركنّ !! ستكوننّ جواري بقصر الملك .. وأولادكنّ عبيداً لجنودي .. هجوم يا رجال !! وأيّ واحدة تقاومكم ، أقتلوها في الحال!!  

^^^


بأقل من ساعة .. تمّ تقيد نساء واطفال القرية بحبالٍ مُتّصلة ، وهم يمشون مُرغمين فوق الوحل ، باتجاه القصر الملكيّ الذي يبعد مسافة ثلاثة ايامٍ عن قريتهم .. 

لتبدأ معها رحلة العذاب دون طعامٍ او ماء .. ومن يتوقف عن المشيّ ، يُقتل امام عائلته ! 


حتى ماري ، لم يرحموا مكانتها الكبيرة بينهنّ .. وجعلوها في مقدّمة الأسرى ، وعيونها مغرورقة بدموع الذلّ والإهانة .. فهي لم تتعوّد على الحياة الوضيعة ، كونها الإبنة المدلّلة لوالدها (الزعيم العادل)

***


في الطريق ، غرقت ماري بأفكارها المُحبطة : 

((هذه هي الغربة التي حذّرني منها والدي : البُعد عن الوطن مُرغماً .. فبعد أن كنت أتنزّه يومياً مع أحبابي  .. أمشي الآن مع قتلة عائلتي وأهالي قريتي وهم ينهالون علينا بألقابٍ مُهينة ، لم نعتدّها في حياتنا المسالمة ! 

وبسبب معاملتهم المستفزّة ، شحبت وجهونا وانطفأ النور في عيوننا واختفت ابتسامتنا ، اثناء سيرنا نحو مصيرنا المجهول ! 


وفي حال حصلت معجزة ، وفُكّ أسرنا .. لن يعرفنا أحد ، بعد أن ذُلّت كرامتنا وكُسرت شوكتنا .. فبعد أن كان السيف ، هو العِزّة والقوّة .. أصبحت أرتعدّ كلما لوّحوا بالسيف ، لمتابعة المسير .. غير آبهين بقدمايّ الّلتين تنزفا تعباً ، ومعدتي التي تعتصر جوعاً .. ومع ذلك أشفق على الصغار الذين يكتمون دمعتهم من شدة الخوف والألم! 


وهآ انا أرقب خيالي ، دون تذكّر آخر مرّة رأيته بوضوحٍ هكذا ! فقد اعتدّتُ الخروج من منزلي مع غروب الشمس ، دون خوفي من عتمة الليل .. فأنا ابنة رئيس العشيرة التي ينحني لها الرجال احتراماً وتقديرا ! والآن لا أميّز ظلّي الذي دُمج بظلال النّسوة والأطفال المرتعبين !


وبعد تميّزي بنعومة اليدين وعطري الذي يفوح في الطرقات ، لخدمة العاملات لي طوال حياتي ! هاهي ملابسي مُبتلّة بالعرق ودموع الذلّ والقهر ، وأنا امشي بين الأسرى الذين أشعر بخوفهم ، من تنهيداتهم المُرهقة وعيونهم الدامعة .. وصغارهم الذين يحاولون الإلتصاق بي ، لرؤيتي للمرّة الأولى دون حرّاس والدي !


وكأني البارحة كنت أميرتهم ، وبلمحة عين خسرت كل شيء .. فلم يعد بإمكاني تقدير نفسي .. وكيف أفعل ، بعد فشلي بحمايتهم ؟ بعد أن وصّاني والدي بهم ، قبل قيادة رجالهم الى حربهم الأخيرة ..  


وصدق ابي حينما قال : ((لا كرامة دون وطن)) 

وخوفي أن تتلاشى صور عائلتي بمرور الزمن ، رغم محاولتي تذكّر لحظاتنا السعيدة ، لتصبير نفسي عمّا ينتظرنا ببلاد الأعداء.. 

أتمنى لوّ باستطاعتي العودة للماضي ولوّ ساعة ، لإخبارهم بمحبتي لهم ، ورغبتي البقاء معهم لمواجهة ذات المصير ، بدل استعبادي آخر عمري .. فكوخٌ صغير فوق تلال بلادي ، أفضل من العيش خادمة بقصر ملك الإنجليز الظالم .. 

^^^


وتابعت كتابة مذكّراتها في المساء ، على نور شعلة الجنود : 

((سمحوا بنومنا حتى الصباح بعد إعطائنا الخبز اليابس ، ونحن نراقبهم يشوّون خِرافنا التي سرقوها من حظائرنا ! 


الآن ، اهالي قريتي نائمون من شدّة التعب .. بينما شاهدت مناماً قبل قليل لوالدي يُلوّح فوق حصانه ، قبل ذهابه للحرب .. وعندما استيقظت ، رأيت رأسه مُعلّقاً على رمح القائد اللعين ، الذي ينوي إهدائه للملك !

 

كم أتمنى نسيان فاجعتنا المرعبة ، وتذكّر مناسبات قريتي السعيدة .. لكني أدرك أننا ابتعدنا كثيراً عن ماضينا الجميل ، مع كل خطوةٍ نتجّهها نحو مستقبلنا الذليل الغامض 


قريباً لن يهتم أحد بمكانتي القديمة ، ولا نسبي الرفيع .. فأنا مجرّد اسيرة ذليلة ، كبقيّة نساء قريتي .. فهم قيّدوا احلامنا بالسلاسل مع ايدينا وأقدامنا .. ومع ذلك نأمل أن ينقذنا ابطال القبائل الأسكتلنديّة الأخرى ، قبل وصولنا للقصر الذي قُتل وعذّب في سجونه آلاف الأبرياء .. 


وأظنهم لم يقتلونني ، لأكون كبش فداء ! وإثارة غضب بقيّة العشائر ، لافتعال الحروب معهم ، بنيّة القضاء عليهم الواحد تلوّ الآخر ! 

بجميع الأحوال .. أصبحت غريبة في وطني ، ووحيدة الفِكر والروح)) 

***


في القسم الأخير من مذكّراتها ، كتبت : 

((بعد سفرٍ طويل وحرماننا من الطعام المُغذّي ، وضربنا بالسيّاط والعصيّ في حال سمعوا صوتنا او بكائنا ، وصلنا للقصر الذي سمعنا عنه طوال حياتنا ..

 

وبدخولنا اليه ، بدأت معاناتنا الحقيقيّة.. فكل من خالف اوامرهم ، أُعدم بالمقصلة .. ولم يرحموا الأمهات اللآتي شاهدنّ مقتل اطفالهنّ الذين رفضوا الإعتداء عليهم من جنودهم الغوغائيين ! ..كما قتلوا كل من انهارت قواه ، بعد جهدٍ مضني لأيامٍ متواصلة .. عدا عن الذين عُذّبوا دون سببٍ واضح ! كأنهم أحضرونا لإفراغ غضبهم علينا 


وظلّ الوضع بائساً طوال الستة شهور ، لحين قتلهم جميع الأسرى الثمانين بمختلف اعمارهم ، من النساء والأطفال !  


وبقيت وحدي بعد هلاك قريتي .. ممّا جعلني أشعر بتأنيب الضمير لعدم حمايتهم ، كوني أميرتهم التي خذلتهم ! 

لكن يبدو انني سألحقهم قريباً .. فالملك العجوز غاضبٌ مني ، بعد رفضي الرقص له كبقيّة جواريه ! .. فهل سيدفنونني بعد قتلي ، ام سيحتفظون برأسي كما فعلوا مع ابي الذي مازالت جمجمته مُعلّقة على اسوار قصرهم الكئيب ؟!

^^^

 

قصر الملكة إليزابيث في اسكتلندا


هذا ما كتبته ماري بالريشة ، في دفترها الصغير (المصنوع من جلد الماعز) .. 

وقد وجده جورج (10 سنوات ، حفيد الأميرة ديانا) في قبوّ قصر جدته الصيفيّ (في اسكتلندا) .. فأخفاه بعيداً عن والده وجده.. 


وبعد إنهاء قراءته في غرفته الخاصّة ، انتفض رعباً من آخر عبارةٍ مكتوبة في الدفتر الأثريّ :

((انا الأميرة ماري المبجّلة ، التي انتهت حياتي كأسيرةٍ مذلولة : أطلب ممّن يجد كتابي هذا ، أن يُعيد هيّبتي وكرامة اهل قريتي : بمعاقبته المسؤولين او احفادهم عن ظلمهم لنا ، بخلال اسبوعٍ واحدٍ من قراءته مذكّراتي.. وإلاّ !! ستحلّ عليه لعنة الثمانين روحاً ، بالإضافة لأرواح رجالنا الأربعين .. حيث نعده جميعاً : بتعكير حياته لآخر عمره إن بقيّ صامتاً عن إبادتهم لنا ، في عهد الملكيّة الظالمة))


فتساءل جورج بخوف : 

- ماذا عليّ فعله لإعادة الحقّ للأرواح المظلومة ؟! هل أنشر مذكّراتها من خلال مقابلةٍ صحفيّة ، او بوسائل التواصل الإجتماعي ؟ او أسلّمه لجدي الملك ؟ او أعيده الى مكانه في القبو ؟ ام أحرقه في المدفئة ؟ .. وماذا سيحصل إن تخلّصت منه ؟ هل فعلاً ستعاقبني ارواحهم ، كوني وريث العرش البريطانيّ ؟! 

^^^


ونام الصغير تلك الليلة ، مُرهق التفكير .. دون علمه باكتظاظّ غرفته بأرواح القريّة الأسكتلنديّة التي تنتظر قراره الأخير بشأن إظهاره الحقّ عن مذبحتهم الوحشيّة ، وإلاّ سيحرمونه العرش طوال حياته .. وربما يعذّبونه بجميع الوسائل المتاحة لهم في العالم الآخر .. والأسوء أن لديه اسبوعاً واحداً فقط ، لتقرير مصيره المحتوم !


هناك 7 تعليقات:

  1. حاولت يا (ابن العراق) أن أضع جميع افكارك بالقصة ، أتمنى ان تعجبك

    ردحذف
    الردود
    1. بالطبع اعجبتني .. لم تُقصري معي ابداً ، لكن هناك كلمة مزعجه ولم استطع لفظها جيداً .. وهي " اسكتلندا " مُتعبة وثقيلة على اللسان !
      بكل الاحوال اشكرك جداً على ترتيبها .. بالامس ارسلت لك فكرتين هل وصلت التعليقات أم لا ؟

      حذف
    2. نعم وصل تعليقك السابق ، واحتفظت بالأفكار عندي .. لكني لا ادري ان كنت سأجد قصة مناسبة لهم ، ام لا ..
      اخترت اسكتلندا ، لأنهم تعاركوا كثيراً مع انجلترا في القرن الماضي

      حذف
  2. يوميات مؤلمه وادخال ديانا بالقصه مبتكر
    قيل انها قتلت حتى لا يكون لولي العهد او للملك اخ عربي مسلم والملاحظ ان كل من تنوي كتابة مذكراتها وتصرح بذلك علنا تقتل من مارلين مونرو لديانا لسعاد حسني
    ولو كتموا الامر لكان خيرا لهم ولكنه اللسان

    ردحذف
  3. قصه رائعه ومؤثره مع بساطة الفكره لكنها جميله للغايه .. عجبتني جدًا
    والوصف رائع ..
    ابن العراق
    بليز سويلها جزء ثاني ويكون رعب❣
    طبعاً اذا عندك وقت فراغ ، اذا ما عندك عادي ، دراستك اهم طبعاً ..
    اتمنى لك مستقبل باهر ، باي 💙.

    ردحذف
    الردود
    1. التعليق بإسم : ابن العراق
      سعيد للغاية لأنها اعجبتك .. لا اعتقد بأني استطيع كتابة جزء ثاني للقصة ، فتفكيري توقف بجعل الفتى يحتار بالكتاب .. ربما بالمستقبل .. وشكراً على اهتمامك بدراستي .. اتمنى لك التوفيق بحياتك .. تحياتي لك .

      حذف
  4. إبن العراق هو أنته نفسه صديقي ؟لو واحد ثاني ؟

    ردحذف

مسابقة الجدارة

تأليف : امل شانوحة منصبٌ رفيع إستوفى خمسة شباب شروط الوظيفة في شركةٍ مرموقة .. واجتمعوا في مكتب المدير العام (أغنى تجّار البلد) الذي قال لهم...