الجمعة، 15 سبتمبر 2023

الموهبة الضائعة

تأليف : امل شانوحة 

 

جريمةٌ غامضة


((لست بخير ! أحسّ بالملّل والضياع .. لم أعدّ أشعر بالشغف اتجاه هوايتي .. قلبي فارغٌ من المشاعر .. موهبتي أرهقتني .. فيها الكثير من الجهد ، والقليل من الإمتنان .. والنقد الهدّام أثقل كاهلي .. لا استطيع الإكمال دون نورٍ ، بآخر النفق الطويل المُظلم ! أنا أختنق فعلاً ، أحتاج للحرّية .. اريد إطلاق جانحيّ ، والطيران الى ما لا نهاية))  


كانت هذه آخر كلمات جيمس (الكاتب الشهير) التي نشرها في مدوّنته ، قبل اختفائه!

ولم يعلم احد اين هو ، حتى صديقه المقرّب (مايكل) الذي استأجر له كوخ الجبل بناءً على طلبه .. فهو رجلٌ ستينيّ أعزب ، سخّر حياته لمتابعيه ولموهبته الكتابيّة التي برع فيها منذ مراهقته .. 


ولأن كوخه بعيداً عن منازل القريّة الجبليّة الهادئة ، لم يشعر أحد برحيله إلاّ بعد إيجادهم قطّته المُدلّلة تائهة بالطرقات ! ويبدو انه أطلق سراحها قبل إختفائه الغامض .. والأغرب ان سيارته مازالت امام منزله الصغير !

 

وتمثلّت شكوك صديقه مايكل : بإكمال سيره لأعلى الجبل (القريب من كوخه) فهو لطالما أخبره برغبته إكتشافه ، كما فعل مع والده الذي ملك ناديّاً لكشّافة الصّغار ! 


المرعب بالموضوع : انه نشر كلامه الكئيب في مدوّنته ، آخر الليل! 

فهل يُعقل أن رجلاً عاقلاً مثله ، يكتشف الجبل في عتمةٍ دامسة (فلا وجود لإنارات الشارع في تلك المنطقة)  


ولأن مايكل لديه نسخة من مفاتيح الكوخ ، ذهب لتفتيش اغراض زميله الضائع .. 

وسرعان ما تحقّقت اسوء مخاوفه : بعد اكتشافه إختفاء الحبال السميكة (المستخدمة بالكشّافة) والمصباح الضخم الذي خبّأهما جيمس في خزانة الصالة (بعد أن شاهدهما مايكل بآخر زيارةٍ له ، قبل اسبوع) وهو يخبره بأنه يوماً ما سيستخدمهما بمغامرته القادمة.. ممّا يؤكّد ذهابه ليلة اختفائه لأعلى الجبل ! 


والأسوء انه لم يأخذ جوّاله الذي تركه على طاولة مكتبه ، بجانب حاسوبه !


لهذا لم يعدّ امام مايكل إلاّ نشر خبر ضياع الكاتب المشهور في الجبال على جميع وسائل التواصل الإجتماعيّ 

***


حزن متابعوا الكاتب على الخبر المُفجع .. وقرّروا التجمّع في تلك القريّة الجبليّة لبحثٍ كشفيّ مُكثّف ، لإيجاد كاتبهم الضائع منذ اسبوع .. او ايجاد جثته ، لدفنها بشكلٍ لائق .. فهو من نوابغ بلدتهم ، ولا يستحق الموت بهذه الطريقة المُشينة !


ورغم ترجيح الشرطة موته ، لانتشار الذئاب والكلاب الضالّة في تلك المنطقة النائية .. إلاّ أن معجبيّ الكاتب أصرّوا على تسلّق الجبل وإيجاد جثته ، او ما تبقى منه !


وبذلك انتشر ثلاثون شاباً ، مُزوّدين بالأدوات الكشفيّة ووسائل تسلّق الجبال .. بالإضافة لدوريتيّن من الشرطة .. 

وبدأوا البحث منذ الصباح ، الى أن أوشكت الشمس على المغيب دون عثورهم على دليلٍ يوصلهم لمكان الكاتب !


وقبل إنهائهم التفتيش بعد حلول الظلام .. وصلهم إتصال على الّلاسلكي من أحد المتطوّعين يُخبرهم : أنهم يُمشّطون المكان الخاطئ ! فقد وجد سهماً بالقلم الأحمر محفوراً على شجرة ، في الجبل الملاصق للمكان الذي يبحثون فيه  


فأسرعت الشرطة والشباب المتطوّعين للجبل الآخر .. وتتبعّوا الإشارات الحمراء المحفورة على عدّة أشجارٍ مُتباعدة ، أوصلتهم الى كهفٍ صغير بأعلى الجبل 


وما أن اشتمّ قائد الشرطة الرائحة العفنة ، حتى أمر الشباب بالإبتعاد لوجود جثةٍ مُتحلّلة بالداخل 

^^^


بعد ساعة .. وقف متابعوا الكاتب بذهول ، وهم يشاهدون المُمرضيّن يحملان كيساً اسوداً فوق نقّالة ، باتجاه سيارة الإسعاف المتوقفة اسفل الجبل! 

وبذلك تأكّد خبر وفاة الكاتب الموهوب ، الحاصل على العديد من الجوائز الأدبيّة المحلّية والعالميّة 

***


وبعد الحادثة ، ساد الإعتقاد : بأن جيمس تعب اثناء تسلّقه الجبل ، وقرّر المبيت في الكهف بانتظار الصباح .. لكنه توفيّ بأزمةٍ قلبيّة ، بسبب المجهود العضلي الذي يفوق عمره 


لتأتي نتيجة التشريح صادمة للجميع : بموته خنقاً ! بعد إيجاد أثر ظفرٍ بشريّ في عنقه ، من الخلف .. ممّا يعني قتله غدراً !

فدبّ الرعب في قلوب أهالي القرية ، لوجود قاتلٍ طليق بينهم .. فهل هو مشرّدٌ مُختبئ في اعالي الجبال ؟! 

***


وبدأت التحقيقات مع المقرّبين من الكاتب جيمس الذي كان إنطوائياً بطبعه ، حيث سمح للقلّة من الناس دخول منزله .. ومنهم خادمه الذي يزوره مرّة في الإسبوع .. والذي صادف غيابه تلك الفترة ، لإجرائه عمليّةٍ جراحيّة في المستشفى 


وايضاً صديقته التي تعمل في دار النشر ، والتي بالعادة تزوره بالعطل الرسميّة .. لكنها أثبتتّ غيابها : بوجودها في المنطقة المجاورة ، لحضور ولادة حفيدها الأول 


اما صديقه مايكل : فأخبر المحقّق بقضاء عطلته ، بقيادة يخته في المنطقة الساحليّة التي تبعد اميالاً عن القريّة الجبليّة .. 

وشهد عامل الميناء بإبحاره ليلاً ، رغم نصحه بتأجيل الرحلة بسبب الضباب الكثيف .. وعاد بيخته قبيل الظهر (إيّ بعد اختفاء الكاتب تلك الليلة) 

ولم يشكّ المحقّق بكلامه .. لأنه دكتور الّلغة الإنجليزيّة بجامعةٍ مرموقة ، والمعروف بحسن سمعته بين زملائه وطلّابه 


فقُيّدت القضيّة ضدّ مجهول : بافتراض أن مشرداً سكن الكهف .. وبعد رؤيته الكاتب نائماً في بيته ، خنقه حتى الموت ! .. ثم هرب لمكانٍ آخر ، قبل قدوم الشرطة

***


بعد عام على إغلاق القضيّة .. نشر مايكل رواية بإسمه ، أثارت ضجّةً إعلاميّة لشدّة جمالها ودقّة تفاصيلها .. 

وأُعجب بها الجميع ، ماعدا قارئة لاحظت تشابه روايته مع اسلوب جيمس ! حتى علامات الترقيم واستخدامها المُتكرّر ، تُشابه طريقة الكاتب الراحل بشكلٍ مشبوه ! 

فراسلت موقعاً لمحبّي الكاتب الراحل ، وأخبرتهم بشكوكها ..

 

وسرعان ما حصلت على تأييد الكثير من معجبيه .. ووصلت شكواهم لإبن المحقّق الذي أخبر والده برأيّ المتابعين القدامى للكاتب جيمس .. 


فقرّر فتح القضيّة دون إبلاغ الإدارة بذلك ، والتي ستتحججّ بمرور عام على إغلاق القضيّة الغامضة ..

وقام ببحثٍ سرّي في المدرسة المتوسطة التي جمعت الصديقان (جيمس ومايكل) لأول مرة .. وراجع نتائج المسابقات الأدبيّة التي اشتركا فيها قديماً 

***


بعد اسبوع ، زار المحقّق منزل الدكتور مايكل .. ومن دون مقدّمات ، سأله بحزم :

- لما فعلت ذلك ؟

- ماذا تقصد ؟!

المحقّق : أمعقول أن تقتل صديقاً لأكثر من أربعين سنة ، لسرقة روايته ؟! 

فضحك مايكل :

- يارجل أرعبتني .. قلّ إن روايتي أعجبتك ، بدل إتهامي بجريمةٍ لا إنسانيّة


فرمى المحقّق اوراقاً امامه (أحضرها من إرشيف مدرستهما القديمة) : 

- لم اتفاجأ انه الفائز بجميع المسابقات الأدبيّة على مستوى المدارس .. وعلى فكرة !! معلّمة الإنشاء مازالت حيّة ، فهي بنهاية الثمانينات .. وهي تذّكركما جيداً .. حيث وصفت جيمس بالموهوب ، وانت بالعنيد .. فبرأيها الموهبة هي هبةٌ من الله ، وجيمس كان يملكها .. فهو كان يُنهي المسابقة الأدبيّة بربع ساعة ، وهو مستمتعٌ بتأليف قصّته .. بينما أنت تتصبّب عرقاً ، وكأنك تنحت بالصخر .. فالموهوبة لا تُدرّس .. كالشاعر الذي يلقي قصيدته دون تحضير.. والرسّام والخطّاط الّلذان يتلاعبان بالريشة والقلم بخفّةٍ وسهولة .. والمغني الذي يصدح بأنغامه دون تمرين .. هؤلاء موهوبين بالفطرة .. ولا يعني تمكّنك من القواعد ومفردات الّلغة ، انك تجيد إبتكار الأفكار المُبدعة .. وهذا ما كان يغيظك بجيمس ، اليس كذلك ؟ 

فسكت مايكل بامتعاض .. 


المحقّق : وأظن جيمس أخطأ حين جعلك تقرأ روايته الأخيرة قبل نشرها .. فماذا شعرت وقتها ؟ هل قلت بنفسك : إنك تستحقّ الرواية ، بعد كل إخفاقاتك السابقة ؟ 

مايكل بعصبيّة : إتهامك لا يستند على أدلّةٍ قوية ، مجرّد إفتراضاتٍ سخيفة من مُحقّقٍ مُبتدئ !!

- أتدري من كشف جريمتك ؟ معجبوا جيمس الذين أكّدوا تشابه روايتك مع اسلوبه الذي اعتادوا عليه لسنوات .. برأيّ كان عليك إضافة بعضاً من سردك الّلغويّ المحترف ، وتغيّر الحوارات بين ابطال الرواية .. لكن يبدو إن بُعدك عن الكتابة طوال سنوات تدريسك الجامعيّ ، أنستك الأسلوب الأدبي الذي فشلت فيه طوال حياتك .. لهذا نشرتها كما هيّ ، ظنّاً بأن معجبيه نسوه بعد عامٍ من وفاته ، اليس كذلك ؟ 

فصمت مايكل بغيظ ..


المحقّق : يبدو أن الغيرة إشتعلت في قلبك ، فور إنهائك روايته الغير منشورة .. فحاولت إقناعه باكتشاف الجبل سويّاً ، كما فعل مع والده.. وعندما وصلتما للكهف ، خنقته من الخلف حتى الموت .. وتركته هناك ، لتعود الى كوخه .. وتنشر بحاسوبه ، كلامه التشاؤمي قبل اختفائه ! .. ولأنك ترغب بنشر روايته بعد نسبها إليك ، كان عليك إغلاق قضيّته بأسرع وقتٍ ممكن .. لهذا وضعت الإشارات الحمراء على الشجر ، صعوداً الى الكهف .. 

- كلامك غير منطقيّ

- إذاً سأجعله منطقيّاً .. ليلة البحث عن صديقك المفقود في الجبل الكبير .. إتصلت بهم ، لوضعهم على المسار الصحيح .. فأحد المتطوّعين أخبرني بوجود عجوزٍ بينهم ، أصرّ على إخفاء وجهه بالشالّ رغم الجوّ الدافئ .. وانه تركهم فور وصولهم للجبل ، وقبل اكتشافهم الجثة .. فهل رحلت بعد انهاء مهمّتك ؟ 


مايكل : انا لم أذهب للبحث عنه ، فصحّتي لا تسمح بتسلّق الجبل .. ثم وقت الجريمة كنت برحلةٍ بحريّة ، كما أخبرك عامل الميناء .. هل عليّ تذكيرك بذلك مِراراً ؟! 

- نعم ، أبحرت بذلك المساء المليء بالضباب الذي لم يجعل احدٌ يراك وانت تُخبئ يختك بالميناء المهجور الذي لا يبعد كثيراً عن الميناء الجديد .. بعدها ركبت سيارتك التي أوقفتها هناك سابقاً ، وانتقلت الى الجبل لإقناع صديقك برحلته الأخيرة .. وبعد قتله .. عُدّت سريعاً للميناء المهجور ، لإعادة يختك لمكانه المعتاد قبل زوال الضباب ظهراً .. وكلّ هذا المجهود ، لكيّ تُثبت حجّة غيابك بليلة إختفاء صديقك ..

مايكل : لا دليل على كلامك


المحقّق : وماذا لوّ قلت لك ، أن لديّ شاهد رآك مع جيمس فوق الجبل 

بصدمة : ماذا !

المحقّق : أتذكر فرضيّة مقتله على يد مشرّد يعيش بكهف الجبل ؟ .. يبدو انها حقيقية ! فهناك مُشرّد أمسكناه ثملاً قبل اسبوع .. ومن شدّة خوفه ، أخبرنا برؤيته عجوزيّن يقتحمان كهفه .. احدهما خرج سريعاً .. والثاني ظلّ بداخله.. ثم وصف لنا طولك ووزنك ، والشامّة على خدّك .. حتى خاتمك العاجيّ .. وعندما أريناه صورتك ، أكّد أنه انت .. ووعدنا بالشهادة ضدّك في المحكمة 

مايكل بارتباك : اريد محامياً

المحقّق بابتسامة النّصر : سأعتبر هذا إعترافاً بجرمك

ثم اقتاده لمركز الشرطة ..

***


وتحت ضغط التحقيق المتواصل ، إعترف الدكتور مايكل بغيرته الشديدة من موهبة جيمس الفريدة من نوعها .. فرغم تفوّقه عليه بمفردات الّلغة الإنجليزية ، لكنه الفائز دائماً بالمسابقات بسبب أفكاره المُبدعة ! .. وانه عندما قرأ روايته ، شعر بأنها بوّابته للشهرة السريعة .. واعترف ايضاً بسرقته لكشكول جيمس المليء بالأفكار الإستثنائيّة ، التي كان ينوي تحويلها الى قصصٍ مستقبليّة..


وقد أثار إعترافه ضجّة بين الأدباء والقرّاء بعد خسارتهم عقلاً مُبدعاً ، ونادر الوجود في عصرنا الحاليّ ! 

***


مالا يعرفه مايكل : إن المحقّق إخترع فكرة المُشرّد الشاهد .. وانه لولا إعترافه ، لما كان هناك دليلاً قويّاً ضدّه .. خاصّة أن القريّة الجبليّة خالية من كاميرات الشوارع .. لهذا لم يدوّن المحقّق موضوع الشاهد الإفتراضيّ بتقريره الذي أدّى للحكم على الصديق الخائن بالسجن المؤبّد ، الغير قابل للطعن !


هناك 8 تعليقات:

  1. هذه القصة من اروع قصص الجريمة والتحقيقات التي قدمتيها شيقة جدا كانت تحياتي أستاذة أمل 🌷🌷

    ردحذف
  2. اعتقد ان افضل الفنانين من كل نوع في عالمنا مطمورون ولن يتغير هذا بسبب تعمق الفساد في كل الجهات ولو حدث واشتهر احدهم فلن يترك وحاله لابد من ان يسير على هواهم ويتبنى ما يدعمونه

    ردحذف
  3. ‏السلام عليكم عفوا كنت اجرب طريقة التعليق كيف يوصل في انتظار المشاركة قريبا إن شاء الله تحياتي

    ردحذف
  4. فحاولت إقناعه باكتشاف الجبل سويّاً ، كمل فعل مع والده.. وعندما وصلتما الكهف
    ***
    سيدة امل لديك خطأ
    من المفترض أن تكتبي كما وليس كمل
    ام هي تُلفظ هكذا ؟
    المهم قصتك رائعه سلمت يداك

    ردحذف
  5. سؤال
    لعد ليش الكاتب نشر الكلام السلبي ابمدونته مع انو هو مايكل قتلة وما انتحر
    يعني هو كان ناوي يترك الكتابة فكتب هذا الكلام
    لازم اتوضحين هذا. الشي بالقصة تحياتي

    ردحذف
    الردود
    1. مايكل لم يتوقع ان المختبر الجنائي يكتشف خنقه له ، من خلال أثر الظفر على رقبته ! وأراد بنشره الكلام الكئيب : ان يوهم المتابعين بأن جيمس ينوي الإنتحار

      حذف

الوحش الدخانيّ

تأليف : امل شانوحة  المعمل المشبوه أُفتتح مصنعٌ وسط مدينةٍ صغيرة لا يديريه صاحبه إلاّ مساءً ، مُزعجاً السكّان المئة بدخانه الأسود الذي يكتم ...