الاثنين، 13 يوليو 2020

إذا انتحرت , سأقتلك !!

تأليف : امل شانوحة

 
طاقتك الإيجابية ستنقذك من الموت ! 

إقترب شابٌ مُكتئب بخطواته المتثاقلة من حافة الجبل .. وتنهّد بضيق وهو ينظر للأسفل لمراقبة الضباب الذي أخفى العمق السحيق للوادي ..

أغمض عيناه المترقرقة بالدموع , وهو ينوي إنهاء حياته البائسة ..
وقبل ثواني من قفزه , شدّه أحدهم من ذراعه للخلف .. فسقط على الأرض من هول الصدمة ! 

ونظر خلفه .. ليجد رجلاً في الخمسينات من عمره , ينظر اليه بحنان ويقول :
- أنظر !! بيتي هناك 

فرأى الشاب كوخاً صغيراً يبعد امتاراً عنهما , بالكاد يُرى خلف الضباب .. وأكمل الرجل قائلاً :
- تعال نشرب الشاي معاً , ونتدفأ بهذا الجو البارد

فقال الشاب وهو ينظر الى رداء الرجل الأبيض :
- هل انت طبيب ؟
- نعم , طبيبٌ نفسيّ
- لا احب التكلّم عن مشاكلي الخاصة 
الطبيب : الكثيرون يتجنّبون القدوم لعياداتنا خوفاً ان يظنهم الناس مجانين .. لكن عملنا الحقيقي هو مشاركتكم همومكم , اما العلاج فبأيديكم .. وبصراحة لن اسمح لك بالإنتحار 
- وما شأنك انت ؟
- أصبح واجبي منذ انتقالي الى هنا , بعد إغلاق عيادتي في المدينة .. عقب قراءتي لمقال عن تزايد المنتحرين من هذا المكان بالذات 
- وهل استطعت إنقاذ احدهم ؟

الطبيب بفخر : خلال 5 سنوات أنقذت 34 شخصاً , معظمهم شباب في مثل عمرك  
- لا اظنك ستنجح معي , فحالتي ميؤوسٌ منها
- جميعهم يقولون الشيء ذاته .. تعال للداخل لنفضّفض قليلاً , فأنا مستمعٌ جيد .. ولا تخفّ , الجلسة مجانية.. هيا ماذا ستخسر ؟ على الأقل تخبر أحد بمعاناتك قبل انتحارك ..

فاقتنع الشاب باقتراحه , ومشى خلفه .. الى ان دخلا الكوخ الذي ليس فيه سوى كنبة مريحة وكرسي قرب موقد النار , وغرفة نوم داخلية ومطبخٌ صغير ..

فاستلقى الشاب المنهك على الكنبة .. بينما جلس الطبيب قربه على الكرسي , مُمسكاً دفتره وقلمه اثناء طرحه الأسئلة 
- اولاً .. ماهو اسمك ؟
- جاك
الطبيب : اسمك الكامل لوّ سمحت ؟
- جاك فقط , فأنا لا احب ابي ولا افتخر بنسبه 
- لماذا ؟
- هجر امي اثناء حملها بي , ليتزوج صديقته !  
- وما عمل امك ؟ 
- الغريب انها لا تعمل , ومع ذلك لم ينقصنا المال يوماً ! ربما ارسل اقاربها رواتباً شهرية , فأنا لم اسألها عن هذا من قبل
- وكم عمرك الآن ؟ 
جاك : 32 سنة

الطبيب : وماهي دراستك ؟
- تركت الهندسة في سنتي الثانية  
-  لكي تعمل ؟
جاك : بل لتسكّع مع اصدقاء السوء الذين تسبّبوا في ادماني لسنوات .. الى ان بلّغت امي الشرطة , فأرسلوني لمركز علاج المدمنين  
- وهل تعالجت هناك ؟
- نعم , وقاطعت امي بعدها
الطبيب : هي ارادت مساعدتك ؟!
- اعرف هذا , لكني فقدّت ثقتي بها وبالناس جميعاً .. حتى انني لم أزرّ قبرها !
- ثم ماذا حصل ؟
- عملت بوظائف زهيدة الأجر , بالكاد تكفي اجرة شقتي الصغيرة 

الطبيب : وهل ضيق الحال دفعك للتفكير بالإنتحار ؟
- بل كسرة قلبي
الطبيب : من حبيبتك ؟
- لا زوجتي
- آه متزوج ! هل لديك ابناء ؟
- طفلةٌ رائعة , حُرمت رؤيتها بعد الطلاق 
- الم تفكّر بشعورها حينما تكبر وتعرف ان والدها فضّل الإنتحار على العيش معها ؟
جاك بعصبية : قلت لا استطيع رؤيتها !! الم تسمعني ؟
- بلى .. لكن يوماً ما ستصبح فتاة كبيرة يمكنها زيارتك دون إذن امها .. الم تفكّر بالمستقبل ؟
- لا استطيع الإنتظار كل هذه السنوات 
- صدّقني , الحياة تمضي بسرعة .. الم تكن البارحة طفلاً صغيراً ثم مراهقاً , والآن شاباً يافعاً ؟

جاك بيأس : لا اشعر انني شاب , بل كهلٌ عجوز 
- طبيعي ان تُحبطنا الحياة من وقتٍ لآخر
- لا اذكر متى آخر مرة فرحت بها 
- الم تفرح ليلة عرسك ؟
- بلى
- وماذا عن يوم ولادة طفلتك ؟
- بكيت من فرط السعادة

الطبيب : اذاً الحياة لا تخلو من لحظاتٍ سعيدة .. لكنك تركّز طاقتك على ذكرياتك السيئة , وهو سبب إكتئابك 
- كل ما اتمناه ان اكون كبقية البشر , اعيش في منزلٍ مريح مع زوجتي وابنائي .. فهل ما اطلبه كثير ؟!
- لا , ويمكنك تحقيقه بسهولة 
- كيف ؟
- تزوج مرة اخرى , وحاول من جديد
جاك : المحكمة أمرتني بدفع نفقة الطفلة , ولا طاقة لي بتكرار التجربة
- اذاً جد عملاً آخر يزيد من مدخولك المادي.. 

فاكتفى جاك بالتنهد بضيق دون اجابة !
الطبيب : حسناً لنتكلّم عن شيءٍ آخر .. ما هو حلمك حين كنت صغيراً ؟ أقصد ماذا اردت ان تكون ؟
- لاعب بيسبول 
- هل كنت بارعاً ؟
- أفضل لاعب في الجامعة .. ولوّ اكملت دراستي , لأصبحت لاعباً محترفاً بعد التخرّج  
- ولما لا تتابع حلمك ؟
- كبرت على هذا 

الطبيب : أقصد لما لا تدرّب فريق البيسبول في الجامعة ؟
- مستحيل ان اعود لجامعتي القديمة 
- إذاً إخترّ جامعة اخرى , واعرض موهبتك على الإدارة .. فربما يوافقون على تدريبك فريقهم .. وتنتقل بعدها لتدريب الفرق المحترفة 
فسكت جاك وهو يفكّر بالأمر ..فأكمل الطبيب كلامه :
- ولوّ كنت محلك , أستغلّ وجودي هناك لإكمال دراستي .. وأتخرّج مع فريقي من الجامعة , لأكون قدوتهم .. ما رأيك ؟
جاك : حلمٌ جميل , لكن كما قلت لك : عليّ العمل بنقل البضائع بين المدن لتوفير المال لطليقتي , ولا وقت لديّ لمتابعة احلام المراهقة
- عملك كمدرّب يُكسبك ضعف راتبك الحاليّ , فكّر جدّياً بالأمر 

فأسرع جاك قائلاً , وهو يقوم من الكنبة ..
- لا , موتي اسهل بكثير .. أقفز من الجبل , وينتهي شقائي على الفور 

وتوجه نحو باب الكوخ الذي ما ان فتحه , حتى وجد شخصاً مقنعاً ينتظره بالخارج ..
وفجأة ! فقد وعيه , بعد تلقيه ضربة على مؤخرة رأسه 
***

حين استفاق .. وجد جثة الطبيب على الأرض , غارقاً بدمائه !
والرجل المقنع يجلس مكانه على الكرسي وهو يحتسي الشاي , ويراقبه اثناء محاولته فكّ رباطه عن الكنبة ..
جاك بخوف : دعني اذهب , ارجوك !!
الرجل المقنع : ليس قبل ان نتحدّث سوياً 
- وماذا تريد مني ؟!

فقال الرجل بنبرة تهديد : إن حاولت الإنتحار , سأقتلك !! 
- ماهذا الهراء ؟!.. ولما قتلت الطبيب ؟
- لا احب ثرثرة الأطباء النفسيين , فهي تصيبني بالصداع .. الم تلاحظ شيئاً بعد ؟
فقال الشاب المقيد : أشعر بشيءٍ قاسي تحت بنطالي ! 

فاقترب الرجل المقنع منه ورفع بنطاله , ليرى الشاب سواراً حديديّ حول فخده ..
- ماهذا ؟!
فعاد الرجل المقنع الى الكرسي , قائلاً بلا مبالاة : 
- قنبلةٌ موقوتة 
جاك بهلع : ماذا !
- لا تفزع , لن أفجّرها الآن 
- ماذا تريد مني بالضبط ؟!!
- سؤالٌ جيد .. بعد قليل سأفكّ قيودك .. فإن حاولت القفز من الجبل , أفجّر ساقك .. وكما تعلم , تمزيق عرق الفخذ يؤدي لنزيفٍ حادّ يودي بحياتك .. تماماً كما يحصل مع عضّات اسماك القرش
- أفهم من كلامك .. ان حاولت الإنتحار , تقتلني ؟
- بالضبط 
- وما المطلوب مني ؟

الرجل المقنع : ان تصحّح اخطاء حياتك .. أترى الجهاز الذي بيدي , استطيع بواسطته قياس طاقتك السلبية من خلال السوار الذي لا يستطيع احد فكّه سوايّ ..فإن وجدت ان سلبيتك زادت عن 90 بالمئة , أفجّر ساقك لتموت ببطءٍ وألمٍ شديد .. وإن نقصت سلبيتك عن 40 بالمئة , اضغط على هذا الزرّ , فينفكّ السوار وتتحرّر مني .. كما يوجد في الجهاز ..
- وماذا تستفيد من ذلك ؟!
الرجل بحزم ولؤم : لا تقاطعني يا ولد !! الجهاز فيه كاميرا وميكروفون , لرؤية وسماع كل ما يجري معك خلال يومٍ واحد 
- يومٌ واحد ؟!

الرجل المقنع : نعم , عليك تحسين نفسيتك خلال 24 ساعة فقط .. إعتبرني عزرائيل , أتيت لأخبرك انه بقي يوم واحد من حياتك .. فكيف ستقضيه , الأمر يعود اليك .. آه قبل ان انسى .. لا تحاول فكّ السوار , لأنه سينفجر على الفور .. وان أخبرت احداً بوجوده تحت بنطالك , سأقتلك انت والشهود .. (ووقف قائلاً) .. الآن سأدعك تذهب .. وان نجحت في الإختبار , يُكتب لك عمر جديد 

وما ان فكّ قيوده , حتى انطلق جاك هارباً من الكوخ .. والرجل المقنع يصرخ خلفه :
- إستغلّ يومك جيداً , فمصيرك بين يديّ .. هل سمعت ؟!!  
***

وبعد اختفاء الشاب في الضباب , أغلق الرجل المقنع الباب .. واقترب من جثة الطبيب وهو يقول :
- هيا استفق , لقد ذهب  
فقام الطبيب وخلع ردائه الأبيض المصبوغ بالدماء المزيفة , وهو يقول : 
- جيد انه استعاد وعيه بسرعة بعد ان ضربته بالعصا , خفت ان اكون تسبّبت له بنزيفٍ في المخ
- تتكلّم وكأنها اول مرة ننفذّ فيها خطتنا ! ..المهم , هل تظنه سينجح بالإختبار ؟
الطبيب : الجهاز سيحدّد ذلك 

الرجل المقنع : أتدري .. لوّ كنت مكانك لحصلت على براءة اختراع , فلا وجود لجهاز يقيس الطاقة السلبية في الأسواق !
- هو يقيس توترهم فقط 
- الم تقل .. 
الطبيب مقاطعاً : نعم , قلت ذلك لتُقنع المرضى بأنهم مراقبين  
- يعني لا يوجد بالسوار كاميرا وميكروفون ؟!
- فقط جهاز تنصّت لسماع حواراتهم خلال 24 ساعة القادمة .. فإن خفّت ذبذبات توترهم , فهو دليل على نجاح العلاج .. والآن اجلس لأريك الحالات التي عالجتها اثناء سفرك 

وجلسا قرب الموقد , بعد انقلاب الصورة الكبيرة التي فوقه الى تلفاز ! 
ومن خلاله , شاهد الرجل المقنع فتاةً مراهقة مربوطة بالكنبة ..
- إخبرني قصتها باختصار ؟

الطبيب : كانت تتبع رجيماً قاسياً أصابها بالهزال والإكتئاب شديد
- ولما كل هذا ؟
- لهوس امها بجعلها بطلة اولومبية بالجمباز .. فحاولت إقناعها باتباع حلمها بالغناء المسرحي  
- وهل وضعت لها السوار بنفسك ؟
- لا , استعنت بموظفي جيم .. لأن عليّ تمثيل دور الميت , ليقتنعوا بعنف الرجل المقنع وينفذوا طلباته دون مراوغة او تأجيل 
الرجل المقنع بقلق : اعرف هذا , لكن الا تخاف ان يفضحنا ؟
- أخبرته انها تمثيلية , وعليه وضع القناع خلال مشهد تهديده للممثلة .. وانت تعرف جيم جيداً , رجلٌ بسيط ولا خوف منه
- المهم , ماذا حصل للفتاة ؟

الطبيب : من خلال جهاز التنصّت , سمعت مشاجرتها مع امها التي حاولت جاهداً إقناعها بالعودة لتدريبات الرياضية , لكنها تمسّكت برأيها .. وفي المساء سمعتها تغني بتجارب اداء موسيقية 
- يعني حقّقت حلمها ؟!
- نعم , وسمعتها تبكي بفرح بعد مباركة امها لها بالنجاح 
- هل ذهبت معها الى المسابقة الغنائية ؟!
الطبيب : يبدو ذلك ! وبعد ارتفاع طاقتها الايجابية , ضغطت زرّ التحكّم عن بعد , لفكّ السوار عن قدمها 
- ممتاز !! وماذا فاتني ايضاً ؟
- سأريك الآن

وشاهدا على التلفاز : رجلٌ عجوز يحاول فكّ رباطه عن الكنبة 
الرجل المقنع باستغراب : ولما رجلٌ في مثل عمره يُقدم على الإنتحار ؟!
الطبيب : سأخبرك قصته باختصار .. عاد العجوز قبل سنوات الى منزله بعد طرده من العمل .. وفور وصوله , إنهالت زوجته عليه بالطلبات وتذكيره بالفواتير المتأخرة , مما افقده صوابه .. فدفعها بقوة , لتقع مُرتطمةً رأسها بحافة الطاولة وتموت على الفور.. وأبلغ الشرطة انها تعثّرت بالزيت المسكوب على أرضيّة المطبخ , فأفلت من العقاب .. ولم يخبر ابنائه يوماً بما حصل .. الا ان تأنيب ضميره رافقه طوال حياته ..وبعد زواج اولاده , قرّر الذهاب بنفسه لدار العجزة .. وبعد اشهرٍ هناك , هرب الى هنا بنيّة الإنتحار

الرجل المقنع : وهل وجود السوار على قدمه جعله يتجرّأ على قول الحقيقة لأولاده ؟ 
- نعم .. وسمعتهم يسامحوه , مُعتبرين موتها حادثة غير مقصودة .. وفي المساء احتفلوا جميعاً بعودة والدهم الى بيته .. مما رفع طاقته الإيجابية التي ظهرت على جهازي , وكان سبباً لفكّ سواره 

وهنا قطع حديثهما حوار الشاب جاك (الذي ظهر من ميكروفون السوار) وهو يسأل والده عن سبب هجرانه لأمه قبل ولادته ..فأنصت الطبيب والرجل المقنع للجهاز , ليسمعا الأب يجيبه بنبرةٍ حزينة :
- الخطأ خطأي منذ البداية , فقد تزوجت جاهلة رغم هوسي بالتعليم.. لهذا لم تفهم امك يوماً اهمية حصولي على شهادة الدكتورا , فتفكيرها يتمحور حول التنزه والسفر ! لهذا طلقتها وتزوجت زميلتي , لنكمل سوياً الدراسة الى ان اصبحنا دكاترة جامعة .. 
- وماذا عني ؟ 
- كنت ارسل لأمك مصروفاً كل شهر , وبدورها ترسل لي صورك .. الم تخبرك المرحومة بذلك ؟
فظهر صوت جاك من الجهاز كأنه مصدوم : 
- لا , ظننت جدي يصرف علينا !
- انا حزين لأنك لم تكمل دراستك يا بنيّ , فقد كنت متشوقاً لحضور حفل تخرّجك الجامعي لتعرّف عليك
- ابي .. هل جامعتك تحتاج الى مدرّب بيسبول ؟
- أخبرتني امك انك بارع بهذه الرياضة 
- صحيح 
- حسناً .. العميد صديقي , ويمكنني طلب مقابلة عمل لك .. لكن بشرط !! ان تكمل دراستك هناك  
- موافق

ويبدو ان والده حضنه بفخر , لأن مؤشّر السوار ارتفع بسرعة .. وهذا دليل على تحوّل طاقة جاك السلبية الى ايجابية ! 
لهذا ضغط الطبيب على زرّ التحكّم عن بعد , ليقع السوار من ساق جاك الذي فضّل إخبار والده إنه يضعه كموضة حديثة للشباب ! 

في الكوخ ..
الرجل المقنع : هآقد عالجت مريضاً آخر ! 
الطبيب : وانت ساهمت في ذلك .. (ثم سكت قليلاً) .. كنت اريد اخبارك قبل ان يقاطعنا صوت جاك , ان هناك حالات أخرى عالجتها بغيابك 
- وماهي ملخصات قصصهم ؟

الطبيب : قمت بنصح شخص للعودة الى حبيبته , وطلب السماح منها بعد خيانته لها .. كما ساعدت عاطلاً عن العمل بإيجاد وظيفة , بعد اتصالي بزميلٍ قديم يعمل مديراً لمصنع احذية .. وأقنعت شخصاً يافعاً برفع قضية على جاره الذي اعتدى عليه في طفولته , لعلاج قلقه وخوفه وقلة ثقته بالناس .. أتدري ماذا فعل بعد إلقاء الشرطة القبض على المعتدي ؟
الرجل المقنع باهتمام : لا , ماذا ؟
- قفز بالمظلة 
- إنتحر !

الطبيب مبتسماً : لا , ذهب مباشرة بعد المحكمة الى نادي القفز بالمظلات .. اظنه اراد الإثبات لنفسه انه تغلّب اخيراً على مخاوفه 
- واكيد هذا رفع طاقته الإيجابية ؟
- زيادة الإدرينالين في جسمه رفع معنوياته كثيراً
الرجل المقنع : فقرّرت إزالة السوار عن قدمه ؟
- بالحقيقة سقط وحده بالهواء !
وضحكا سوياً ..

الطبيب : على فكرة يا مايكل , مازلت تضع القناع على وجهك 
الرجل المقنع (مايكل) : آه نسيت ! على الأقل يدفئني بهذا الجو البارد .. لا ادري كيف تتحمّل العيش هنا !

وحين ازاله : ظهر التشابه بينه وبين الطبيب ! فهو اخوه التوأم , وان كانا مختلفا بالمصير .. فمايكل بعد انفصال والديهما عاش مع ابيه العصبي .. ولكثرة المشاكل بينهما , هرب من المنزل في سن المراهقة , وانضمّ لعصابة سرقة السيارات .. ولولا ان اخاه الطبيب (الذي عاش مع امه) دفع كفالته , لقضى وقتاً طويلاً في السجن .. 

مايكل : بصراحة لا ادري من منا المنحرف ! 
الطبيب : لما تقول ذلك ؟!
- لأن اسلوبك في علاج المكتئبين عنيفٌ للغاية ! 
- الإنسان لا يشعر بقيمة ما حوله الا بوجود شيءٍ يُهدّد سلامته , لهذا طلبت منك تهديدهم بالقتل ليشعروا بأهمية حياتهم .. ففكرة الموت بعد يومٍ واحد اعطاهم الجرأة للقيام بأمورٍ أجّلوها لسنوات , والتي أدّت لتراكم مشاكلهم النفسية .. كما تمثيليتنا العنيفة دفعتهم لمسامحة الآخرين , وبدء صفحة جديدة من عمرهم  

مايكل : الغريب ان لا احد منهم فكّر بالإنتحار بعد خروجه من الكوخ !
- بعضهم حاول القفز من جديد , لكن صعقته بالسوار لأفهمه انه مراقب .. كما وجود توقيت على السوار يُظهر الساعات المتبقية من حياتهم (24 ساعة) جعلهم يسارعون بحلّ مشاكلهم المعقدة.. فلا احد يتحمّل آلام البتر , ولوّ قبل ثواني من موته 
- لا أنكر عبقرية فكرتك , لكني حزين على بقائك هنا في انتظار قدوم شخص او شخصين كل شهر للإنتحار .. ولوّ كنت مكانك , لأخبرت العالم كله بانجازاتي الإنسانية 

الطبيب : سأفعل ذلك بعد إنقاذي ل100 شخص على الأقل , حينها أدوّن تجاربهم في رسالة الدكتورا .. 
مايكل مقاطعاً : شهادةٌ اخرى ! انت مهووس بالعلم يا اخي 
- ربما كنا نتنافس معاً , لوّ سمعت نصيحتي وأكملت تعليمك .. لكنك رفضت , رغم تكفّلي بجميع المصاريف !
مايكل بقهر : انا كبرت على الدراسة .. ثم لا اريدك ان تُشعرني بأني أقل منك .. فلوّ عشت مع ابينا لأصبحت منحرفاً مثلي , لكنك محظوظ ان امي اختارتك للسفر معها للخارج

الطبيب محذّراً : اخي .. ان لم تتوقف عن هذه السلبية , سأضّطر لتقيدك بالسوار 
مايكل مبتسماً : بدأت أخاف من افكارك الشيطانية , ولا ادري من منا التوأم الشرير !
الطبيب : على الأقل نتشابه بالخباثة 
وأغرقا بالضحك..

الثلاثاء، 30 يونيو 2020

عقليّة المجرمين

تأليف : امل شانوحة

 
ذكريات إنحرافهم 

دخل الدكتور النفسي الى زنزانة المتهم جورج , ليجده يتمايل بمواجهة الحائط وهو يدنّدن أغنية بشكلٍ متكرّر !

فسحباه الشرطيان ليقيدا يديه في كرسي بمنتصف الغرفة , لإطلاع الطبيب على تفاصيل جريمته الذي سيدوّنه في تقريره الطبّي قبل إصدار المحكمة لحكمها النهائي في القضية ..

وبعد بقائهما لوحدهما .. وضع الطبيب جهازاً صغيراً على رأس السجين الذي انتفض برعب : 
- هل ستصعقني بالكهرباء ؟!
الدكتور : هذا جهاز لقياس إشارات المخّ , ومن خلاله سأعرف ان كنت تقول الحقيقة ام لا 
فردّ بنبرةٍ غاضبة : وهل جهازك التافه سيُجبرني على الإعتراف؟!! 
- سنعرف حالاً  

وفور ضغط الطبيب على زرّ الجهاز , إسترخى جسد السجين كأنه منوّماً مغناطيسياً ! 
الطبيب : جيد , الآن سأسألك وانت تجيب
فأومأ جورج برأسه إيجاباً دون مقاومة !

الطبيب : لما قتلت زوجتك واطفالك الثلاثة ؟
- هم ليسوا اطفالي 
- هل تأكّدت من خيانتها ؟
- نعم 
الطبيب : هل خانتك بعد إنفصالك عنها في الآونة الأخيرة ؟ 
- ربما
- إن كان كذلك , فهم اطفالك بالفعل 
- لست متاكداً
الدكتور : هل تظن جارك هو عشيقها ؟ 
- نعم 
- هل رأيته يخرج من بيتك مساءً , ليلة إرتكابك الجريمة ؟ 

المجرم : كان يتحدثان في حديقة المنزل  
- وماذا حصل بالضبط ؟
- هجرت زوجتي قبل 7 شهور .. وفي تلك الليلة عدّت للمدينة دون إخبارها .. واختبأت خلف الشجرة بعد رؤيتي لجاري يعطيها رسالةً غرامية , إحتفظ بها منذ دراستهما الثانوية ! وأخبرها انه سكن بجوارنا لأنه لم يستطع نسيانها.. وطلب منها التفكير جدّياً بالإنتقال لمنزله مع اولادها , بعد إنفصالها عني
الدكتور : ربما ظنك لن تعود , فأراد إستعادة حبيبته السابقة .. وهذا لا يدلّ انها خانتك بالفعل
- انا اسمر اللون .. وجميع اولادي بشرتهم بيضاء وأعينهم ملونة مثل جاري , لكني لم اشكّ بالأمر مُسبقاً ! 
- كان عليك إجراء فحص الأبوة قبل قتلهم 

المجرم : فقدت اعصابي حين سمعته يغازلها , دون ان توقفه ! ..فوجدت نفسي أطلق الرصاص عليهما , قبل دخولي المنزل لقتل الأولاد الثلاثة 
- وبعدها اتصل الجيران بالشرطة وقبضوا عليك ؟
- صحيح
الدكتور : اذاً انت تتذكّر كل شيء , فلما تدّعي الجنون امام المحكمة ؟
- لأني لا اريد قضاء بقيّة عمري في السجن
- الحياة في مستشفى المجانين أصعب بكثير , وربما تصبح مجنوناً بالفعل بسبب ادويتهم القوية 
فأجاب بحزن : إن كانت ستمحي ذاكرتي , فلا مشكلة لديّ 
الدكتور : أتريد نسيان انك ابن حرام ؟ 

فثار جنون المجرم , وحاول فكّ قيوده بهستيريا ! واقتحم الشرطيان الزنزانة , لتقيده بصعوبة في السرير .. 
وخرج الطبيب من هناك , وهو مازال يسمع صراخ جورج وشتائمه 
***

عاد الطبيب الى بيته مساءً .. وبعد شربه القهوة لتهدأة اعصابه , إستلقى على كرسيه المريح , واضعاً الجهاز ذاته على رأسه : الذي بواسطته تمكّن من نسخ ذاكرة المجرم جورج منذ ولادته حتى يوم إرتكابه الجريمة  
(وكان اخترعه منذ سنوات لكن أخفاه عن الجميع , للإستفادة منه بتطوير مهاراته التي ساهمت في جعل تقاريره الطبية مُعتمدة في اهم المحاكم القضائية)

ثم أغمض عيناه وهو يتنهّد بقلق :
- حسناً .. لأشاهد ماضيك يا جورج , وأرى ان كنت تستحق الحصول على حكمٍ مخفّف ام لا ؟

وفور ضغطه زرّ الجهاز , عاد لزمن الماضي .. 
وحين فتح عيناه .. رأى الطبيب يداه صغيرتان , كأنه ولد في العاشرة من عمره ! 
فعلم انه انتقل لمرحلة طفولة جورج : حيث وجد نفسه في غرفةٍ قذرة , جدرانها رطبة تفوح منها رائحة العفونة ..وثيابه وكتبه مبعثرة في ارجاء الغرفة .. 

وهنا سمع صراخاً من الخارج .. ففتح الباب , ليرى ابوه (والد جورج) يتشاجر بعنف مع امه التي تحاول إيقافه عن هجرهما .. الا انه رماها بعيداً , لأخذ حقيبته .. ثم خرج من المنزل , وهو مازال يشتمها وينعتها بالخائنة! 
فالتفتتّ الأم نحوه باكية :
- ليتني لم أنجبك !! فبسبب والدك المغتصب , أصبحنا دون معيل ..هل انت سعيدٌ الآن ؟!!

فأحسّ الطبيب بوخزٍ في قلبه يُشابه الم جورج حين علم بأن والده البيولوجي هو سافلٌ إعتدى على امه .. وأن والده الذي عاش معه لسنوات هجرهما للأبد بعد معرفته الحقيقة !  

ثم نقله الجهاز لمرحلةٍ اخرى من حياة جورج , بعد بلوغه سن 13 .. وشعر الطبيب بغضبه كلما عادت امه من البار (الذي تعمل فيه) برفقة صديقٍ جديد .. واسوأهم رجل مفتول العضلات , إستغلّ طفولته لأربع سنوات دون تدخل امه لحمايته !

ولم يردّ الطبيب الشعور بالخزيّ الذي أحسّه الصغير , فقام بتسريع الأحداث للوصول لعمر 20 , حين ترك دراسته للعمل كسائق شاحنة لعلاج أمه بعد إصابتها بالإيدز .. 
وصغر سنه جعله عُرضة لتنمّر السائقين القدامى .. 

وشهد الطبيب اليوم الذي قاموا فيه بضربه وسرقة بضائعه , مما تسبّب بسجنه بدعوى رفعها مديره بتهمة الإهمال ..
حيث تعرّض هناك للإعتداء من الحارس في حمام السجن !

وبعد الإفراج عنه .. عاش مشرداً قرابة سنة , لرفض شركات النقل توظيفه .. لدرجة ان الطبيب وجد نفسه (بجسد جورج) يبحث في النفايات عن طعام .. وحينها راقب قطة ترضع اولادها الأربعة .. فقام بركل أحدهم بقوة ! وضحك بعد محاولتها إنقاذ صغيرها دون جدوى
فقال الطبيب بنفسه وهو يشعر بالغثيان ((هنا بدأ إنحرافه السلوكيّ))

لكن يبدو الأمور تحسّنت بعد لقائه زوجته وإنجابه لأطفاله الثلاثة.. 
الى ان حصلت المشاجرة التي تسبّبت بهجران زوجته .. 
وسمع الطبيب حوارهما العنيف وإلحاحها بإيجاده عملاً جديداً , بدل نقله البضائع بين الولايات التي تبعده عنهم لشهور طويلة .. لكنه رفض الإستقالة بسبب راتبه الجيد .. فخيّرته بين عائلته وعمله .. ويبدو انه اختار وظيفته ! .. وحزم امتعته , تاركاً منزله دون الإكتراث لتوسّلات ابنائه وبكائهم , وكأنه يُعيد ذكريات طفولته ! 

ثم مرّت حياة جورج بشكلٍ روتينيّ بين العمل ومبيته في فندقٍ رخيص .. الى ان تمكّن أخيراً من جمع المال الكافي لفتح محل في بلدته 

وجاءت اللحظة الحاسمة في ليلة الجريمة .. 
حينها شعر الطبيب كأن يده (يد جورج) ترتجف وهو يوجّه سلاحه على جاره , بنيّة التهديد فقط .. 
لكن منظر زوجته وهي تدافع عن حبيبها السابق , إستفزّه كثيراً .. فلم يجد نفسه الا وهو يطلق الرصاص عليهما .. وحين سمع صراخ الأولاد من داخل المنزل , إقتحم المكان لقتلهم جميعاً ! 
ثم رأى الطبيب نفسه داخل غرفة التحقيق , فبدأ يقوم بحركاتٍ غبية لإيهام المحقق أنه مجنون ! 

وهنا انتهت الذكريات .. فاستفاق الطبيب وهو يشعر بإرهاقٍ نفسيّ شديد .. وازال الجهاز عن رأسه وهو يقول :
- كم حياتك بائسة يا جورج ! 

وشرع على الفور بكتابة تقريره الذي سيقدّمه للمحكمة في اليوم التالي .. والذي أنهاه بقوله : 
((بعد سرد الذكريات المؤلمة لجورج في التقرير , نرى انه عانى من حياةٍ صعبة تُصيب أيّ شخص بالجنون .. ومع ذلك أجد انه كان سليماً ذهنياً عند ارتكابه الجرم , وأدرك ما فعله ! وليس هناك مانع صحّي من عقابه .. وإن كان برأيّ يستحق حكماً مُخففاً لكثرة الصدمات النفسية التي تعرّض لها في حياته .. وبأن يُحاكم بالعقوبة المخفّفة , مع إمكانية اطلاق سراحه بعد 7 سنوات من تنفيذ الحكم))
***

في اليوم التالي .. سلّم الطبيب تقريره للمحكمة التي أصدرت لاحقاً حكماً بالعقوبة الأدنى على جورج : وهي السجن 15 سنة , لقتله 5 اشخاص إِثر انهيارٍ عصبي حادّ ..

ورغم السنوات التي سيقضيها في السجن , الا ان جورج شكر الطبيب على تقريره الذي أنقذه من حكم المؤبد او الإعدام !  
***

في الشهر التالي .. أُرسل الطبيب الى سجن النساء لكتابة تقرير عن صبيةٍ قاتلة , تدّعي الجنون .. 
وفي زنزانتها .. أجابت على اسئلته بطرقٍ مختلفة وبنبراتٍ متعددة كأنها شخصيات تتغير مع كل سؤال ! فمرّة تضحك ومرة تبكي , واحياناً تغضب وأخرى تخاف وترتعب .. وكل مرة تُسمّي نفسها بإسمٍ جديد

فابتسم الطبيب قائلاً : يبدو انك شاهدت الكثير من الأفلام عن إنفصام الشخصية ؟
- عن ماذا تتحدث ؟ .. هو يتحدّث يا غبية عن براءتك السخيفة.. لا هو يقصد ردودك العنيفة يا منحرفة .. إسكتي انت !!
- ماريا توقفي !! فأداءك التمثيلي لم يقنعني .. دعيني أضع الجهاز على رأسك لاكتشاف هويّتك الحقيقة 

وبصعوبة استطاع تثبيت الجهاز على رأسها الذي ظلّت تحرّكه باستمرار (بعد تقييد يديها بالكرسي) .. 
وما ان اضاءه , حتى استرخى جسمها تماماً !

وبعد قيامه بنسخ ذاكرتها , أزال الجهاز .. وخرج من زنزانتها , وهي لا تعيّ ما حصل !  
***

في منزله .. وضع الجهاز على رأسه لمشاهدة شريط حياتها .. 
فرأى نفسه مسجوناً داخل قفصٍ حديدي قذرٍ وصدىء .. يبدو من جسمها الصغير انها في السابعة من العمر .. 

وفهم الطبيب لاحقاً ان بعد وفاة والدها , حبستها زوجته في قفصٍ بقبوٍ معتمّ لسنواتٍ عدّة , حتى ضاق القفص عليها وانحنى ظهرها بعد بلوغها سن 12 ! عدا عن الطعام الرديء والمحروق التي جبرتها على تناوله 

لكن يبدو ان زوجة ابيها نست في تلك الليلة الماطرة قفل القفص وباب القبو بعد عودتها مخمورة من الخارج .. 
فاستغلّت ماريا ذلك للهرب الى الشارع .. 

وشعر الطبيب بإحاسيسها المختلطة بين الفرح بالحرية والخوف من الشارع المظلم .. ورغبتها بالركض بأسرع ما يمكنها , للإبتعاد عن ذلك المنزل دون النظر ورائها ..

الا ان مأساتها لم تنتهي ! حيث خطفها سائق شاحنة , قام بالإعتداء عليها لخمس سنوات متتالية , الى ان أسقطت جنينها الأول .. 
وفي تلك الليلة .. وقبل تثبيت يديها بسريره النتن , غرزت مفكّاً في رقبته بعنف .. وهربت للشارع بعد قتله
وهي جريمتها الأولى ! التي كانت بالحقيقة دفاعاً عن النفس 

وفي هذه المرة أقلّتها عائلة من الشارع , أوصلتها لدارٍ مختصّة برعاية المراهقين المشرّدين .. بقيت فيه لسنتين , تعرّضت للكثير من العقوبات بسبب تصرّفاتها العدوانية .. وهربت منه بسن 19 

ثم رأى الطبيب نفسه يعمل كنادل في مطعم للوجبات السريعة .. ثم شاهد نفسه في منزل شابٍ وسيم , يبدو انه حبيبها الأول .. 
ومعه بدأت حياتها تتحسّن قليلاً .. الى ان جاءت الليلة التي عادت فيها باكراً من عملها , لتراه نائماً مع عشيقته ! 

فشعر الطبيب بغضبها الجامح , ورأى نفسه يقفز على السرير لطعن الفتاة بالسكين حتى الموت .. بينما فرّ حبيبها فزعاً من المنزل , واتصل بالشرطة التي اعتقلتها بملابسها المصبوغة بدماء القتيلة ! 

وهنا انتهى شريط حياتها ! واستفاق الطبيب وهو يشعر بانقباضٍ في قلبه , فتنهّد بضيق :
- عيشي الظروف الصعبة التي مرّ بها مرضايّ , تؤلم قلبي حقاً ! .. الأفضل كتابة التقرير وانا مازلت أشعر بأوجاع المسكينة 

وكتب فيه :  
((بعد معرفتي لحياتها البائسة ! تأكّدت أنها مريضة نفسية تعاني من انفصامٍ حادّ بالشخصية , وتحتاج لعلاجٍ نفسيّ مكثّف .. وأنصح بعدم عقابها قضائياً , لانعدام إدراكها لحظة إرتكاب الجريمة .. وإرسالها لمشفى الأمراض العقلية , مع حراسةٍ مشدّدة))

وبالفعل أيّدت المحكمة تقريره .. فهو يعدّ أقوى اطباء النفسيين بالبلد ,  دون علمهم باختراعه الذي منحه الرأيّ السديد  
***

وتتابعت القضايا على الطبيب المشهور الذي استطاع كشف الاعيب المجرمين النفسية , او تأيّد جنونهم .. 

كنجاحه بإقناع المحكمة بسجن الرجل السياسيّ الذي قتل المشرّدين وبنات الهوى لتنظيف المجتمع من قذارتهم .. 
كما إدانته للثريّ الذي خطف واعتدى على اطفال الشوارع .. وايضاً عقابه للفنان الشهير الذي يهوى حرق منازل الأجانب والمهجّرين ..وغيرهم من المجرمين الذين ادّعوا الجنون للإفلات من العقاب !
***

وتوالت نجاحاته , الى ان استلم قضية مجرمٍ متسلّسل أفزع مدينته لسنواتٍ عدة !  
ومن خلال مشاهدته لشريط حياته (من خلال الجهاز) .. إكتشف انه مدلّل والديه ..ولم يعاني من مشاكل في طفولته او مراحل دراسته .. وانه قتل كل اولئك الضحايا للوصول لرقمٍ قياسيّ ودخول موسوعة غينيس , كأعنف قاتل متسلّسل في البلاد ! 

فأستفاق الطبيب بعد رؤيته لجميع جرائم القاتل التي أودت بحياة 51 ضحية , مما أشعره بإشمئزازٍ وغضبٍ شديد .. 
فأسرع لكتابة تقريرٍ يُدين فيه إنعدام ضميره , واستحقاقه لأشدّ العقوبات 

وبهذه اللحظة , ضربت صاعقة قوية منزله .. 
فأصيب الطبيب بصعقةٍ كهربائية من الجهاز الذي نسيّه على رأسه والموصول بحاسوبه , مما أفقده الوعيّ بعد ألمٍ شديد !
***

في الصباح .. إستفاق الطبيب وهو يشعر بصداعٍ قوي .. فتناول حبة دواء , بعد وضع مرهماً للحروق على جبهته المِحمرّة .. ثم نظر لساعته :
- آه تأخرت ! عليّ تسليم التقرير للمحكمة..(وتنهّد بضيق بعد تذكّره وحشيّة القاتل مع ضحاياه) ..أتمنى حصول اللعين على حكم الإعدام!!  
***

في محطة البنزين .. لفتتّ نظره فتاة جميلة , لكنه عاتب نفسه : 
((ليس وقتاً مناسباً , عليّ توصيل التقرير للمحكمة قبل بدء المرافعة))

وإذّ به يسمع صوتاً آخراً في ذهنه يقول :
((الفتاة جميلة جداً .. عليك ملاحقتها للتعرّف عليها , فربما لن تراها ثانية .. هيا ماذا تنتظر ؟!.. إلحق بسيارتها فوراً !!!!)) 
***

في المساء .. إستيقظ الطبيب في منزلٍ غريب ! 
وحين نهض من سريره , كاد يسقط من هول الصدمة حين رأى الصبية مقتولة على الأرض دون ملابس ! 

وعلى الفور !! إستعادت ذاكرته بعض الأحداث السريعة .. وتذكّر 
مقاومتها اثناء اعتدائه عليها .. وخنقها بيديه حتى الموت ! 
فصرخ بفزع : 
- لا مستحيل ان أفعل ذلك !
واراد الهروب من هناك ..

وقبل خروجه من المنزل , لاحظ عبارة مكتوبة على حائط الصالة باللون الأحمر : 
((الضحية رقم 52)) مع إيموجي لوجهٍ سعيد !
وهي طريقة القاتل المتسلّسل التي اتبعها في جميع جرائمه (51) السابقة , فهل قتلها لتوريطه بالحادثة ؟ .. لكن كيف وهو مُعتقل ؟ هل هرب من السجن ؟

وأسرع بالإتصال بصديقه الشرطي الذي فاجأه بخبر إنتحار المجرم قبل ساعات في زنزانته !  
وبعد إغلاق المكالمة , إستجمع الطبيب قواه للعودة للغرفة ومعاينة القتيلة من جديد ..

فوجد ربطة حمراء بعامود السرير (وهي طريقة القاتل المتسلّسل) .. ويبدو انها تحرّرت من قيودها .. قبل هجومه عليها , وقتلها على أرضيّة الغرفة! 
فقال الطبيب بفزع :
- هل تبادلنا الأرواح بعد تلك الصاعقة ؟ .. مستحيل ! 
وبعد خروجه من منزلها , إبتعد مسرعاً بسيارته .. 
***

واثناء قيادته في شارعٍ فرعي , رأى قطة بجانب الرصيف مع اطفالها.. 
فوجد نفسه يدهس ابنائها بلا رحمة ! 
وضحك بعلوّ صوته , عند رؤيتها تحاول تحريكهم دون جدوى !

وبعد قليل , أوقف سيارته بعد استيعابه لما فعل ! 
قائلاً بخوف : يا الهي ! ماذا يحصل لي ؟!

وقبل وصوله لمنزله .. شاهد الشاب ذاته (حبيب المجرمة متعدّدة الشخصيات) يُقبّل عشيقته الجديدة في سيارته !

فشعر الطبيب بحنقٍ غير مبرّر , جعله يزيد سرعته للإصطدام به .. مما أدّى لقتل الشاب على الفور , وإصابة صديقته بجروحٍ خطيرة .. قبل هروبه للشاطىء 
***

وهناك .. أوقف الطبيب سيارته مذهولاً ! بجانب السور المطلّ على البحر الهائج في ليلةٍ باردة .. وتساءل في نفسه بفزع :
- هل ارواحهم اللعينة تجمّعت بداخلي ؟! 

وهنا لمح مشرّداً عجوزاً يشحذّ قرب السور , وفتاةٌ رخيصة تقترب من سيارته ..وبآخر الرصيف : ولدان من اولاد الشوارع يتشاجران على بقايا طعام وجداه في حاوية الزبالة !

ففتح درج سيارته , وأخرج قبعته الصوفية الخاصة بالتزلج (تشبه أقنعة المجرمين) غطّى فيها كامل وجهه (ماعدا عينيه) , قائلاً بسعادةٍ غامرة :
- سأنظّف المجتمع من الحثالة .. وأدخل موسوعة غينيس كأفضل قاتل متسلّسل في البلاد .. وأصبح كابوسهم الجديد !!

وخرج من سيارته بعد إخفاء مسدسه في جيبه , مُتوجهاً لضحيته الثالثة التي حتماً لن تكون الأخيرة !  

الخميس، 25 يونيو 2020

اطفال المريخ

تأليف : امل شانوحة


مواهب غير بشريّة !

في المستقبل القريب , بعام 2050 .. نجحت الإكتشافات الطبّية في اختراع حاضنة الكترونية تُشبه الرحم الإنثويّ : تعمل على نمو البويضة المُخصّبة , وإكمال مراحل الجنين داخلها في فترة لا تتعدى الثلاثة شهور ! وسميّ المختبر : مركز التوليد الحديث .. وهذا الإختراع سمح للنساء بإكمال حياتها دون الخضوع لمتاعب ومخاطر الحمل التقليدية ..

وفي صيف ذلك العام .. تفاجأ بعض الأهالي باختفاء أجنّتها من مركز التوليد , بعد اسابيع من إشتراكهم بالتجربة !
وبعد التحقيق الإداري بالموضوع .. إكتشفوا تورّط ممرضة باعت عيناتهم لعالمٍ طموح يعمل في الناسا الفضائية , أرسلهم بصاروخ للمريخ قبل ايام 

ففضّل المختبر إخفاء المعلومات عن الأهالي المذعورين , لدعمها السرّي لبرنامج الإنجاب في المريخ الذي كان مستحيلاً بالطريقة التقليدية التي تُعرّض الطفل المولود في الكوكب لطفراتٍ خطيرة تودي بحياته أو تتسبّب بتشوّهاتٍ جسدية .. كما ان إشعاعات الغلاف الجويّ للمريخ ومشكلة الجاذبية سيؤثران سلباً على الجنين وامه .. وهذه المشكلة انحلّت مع إختراع الحاضنة الإلكترونية الحديثة .. 

لهذا أبلغوا الأهالي بموت عيناتهم الأولية , ونصحوهم بتكرار التجربة .. مما أحبط بعضهم ممن يعاني مشكلة الإنجاب , ففشل المحاولة تعني لهم العقم الدائم ! 
***

بعد ثلاثة شهور .. أخبر الرائد الفضائي الناسا بنجاح التجربة : وولادة خمسة اطفال سليميّ البنية , بمقابل موت 23 جنيناً .. تمّ إعادة الأحياء منهم الى كوكب الأرض .. 

وبعد اسبوعين من خضوعهم لفحوصاتٍ طبّية وعلمية مكثّفة من علماء الناسا تحت إشراف أهم أطباء الدولة وبسريةٍ تامة , وجدوا أنهم طبيعين ولا يختلفوا عن اطفال الأرض .. فأعادوهم الى ذويّهم الذين تفاجأوا بولادتهم في ذلك الكوكب ! ورغم ضخامة الحدث الا انهم رفضوا إعلام الصحافة , ليحظى اطفالهم بحياةٍ طبيعية ..
*** 

حين بلغوا السادسة.. ظهرت على كتفهم علامةٌ حمراء كوشمٍ مطبوع بلغةٍ مُبهمة , لتبدأ معها مواهبهم الغريبة !  

وكان اسم الولد الأول : جيمي الذي حاول إخفاء موهبته عن اهله الذين اكتشفوها في اليوم الذي أحرقت فيه امه الغداء .. 
وحين انشغلت بالبحث عن رقم مطعم لطلب بيتزا (قبل عودة زوجها واولادها من المدرسة) خرج نورٌ من اصابعه جعله يصرخ , لشعوره بحرارةٍ آلمت يده .. 

مما جعل الأم تسرع للمطبخ خوفاً ان يكون حرق يده بالفرن الساخن , لتنصدم بوجود بيتزا ضخمة وساخنة فوق المائدة ! 
فسألته باستغراب :
- جيمي ! من أحضر البيتزا ؟
فقال بارتباك : خرجت من يدي ! 
- جيمي !! إخبرني الحقيقة , هل دخل احد من باب المطبخ ؟
- لا 

ففتحت الباب لتنظر للحديقة الخلفية لبيتها , قائلةً باستغراب :
- لا يوجد احد ! فمن أحضر البيتزا , أنا لم اتصل بالمطعم بعد؟! .. هيا جيمي إخبرني الحقيقة ؟
فأجابها بعصبية : قلت لك !! خرجت من يدي

لكن الأم لم تكترث لكلامه , واتصلت بزوجها لتسأله إن كان طلب بيتزا للمنزل ؟ .. لكنه أنكر ذلك ..
***

بعد دقائق .. وصل الأب مع اولاده بعد إحضارهم من المدرسة , والذين سارعوا بتناول شطائر البيتزا بنهمٍ وسعادة ..
فقال الإبن الأكبر : 
- هذه ألذّ بيتزا يا امي !! أطبخيها دائماً بهذه الطريقة
الأم : البيتزا التي أعدّدتها , احترقت بالفرن .. وهذه وجدتها على المائدة !
الزوج : آه صحيح , أغلقتِ الهاتف دون إفهامي الموضوع ! .. فمن أحضر البيتزا ؟
جيمي : خرجت من يدي
فضحك اخوته الكبار عليه .. فغضب الصغير قائلاً :
- حسناً سأريكم !! ماذا تريدون ان تشربوا ؟
فقالت اخته :
- مشروب غازي  

فأغمض الصغير عينيه , ومدّ ذراعه ناحية الطاولة .. فخرج نور من بين اصابعه .. ليظهر المشروب امامهم , مما جعل بعضهم يقع عن كرسيه ! بينما تجمّد والداه برعب دون ان يفهما ما حصل ..
الأم بخوف : جيمي , منذ متى يخرج الطعام من يدك ؟!
- منذ ايام .. أتذكرين حين طلبت الشوكولا , ورفضتي ان آكل الحلوى قبل الغداء , وأرسلتني الى غرفتني ؟.. وقتها بكيت كثيراً الى ان شعرت بألمٍ في يدي .. وحين نظرت لها , رأيت الشوكولا التي احبها تخرج من اصابعي ..وخفت ان اخبركم , فتعاقبونني
اخوه الكبير : ولما نعاقبك يا غبي ؟ فموهبتك عظيمة !! 
اخته بحماس : نعم , يمكننا الحصول على كل ما نتمناه 

والتفّ اخوته الأربعة حوله لطلب حلوياتهم المفضلة , في الوقت الذي كان والده يهمس بإذن زوجته :
- هل تظني ولادته بالمريخ سبباً لموهبته الغريبة ؟!
- ربما ! لكن علينا تنبيه الأولاد ان لا يخبروا احداً , والا ستخطفه الناسا كما فعلت حين كان جنيناً 

وفي تلك الليلة تعاهدوا جميعاً على إخفاء السرّ , وهم يكتمون سعادتهم .. فالأولاد سيحصلون على الحلوى المجّانية , التي ستوفر الكثير من المصاريف على والدهم , كما ستخففّ عبء الطبخ على والدته التي مازالت قلقة من عواقب موهبته بالمستقبل !
***  

وفي الجهة الثانية من المدينة .. ظهرت موهبة الطفل مارك حين مرضت اخته المراهقة بالسرطان .. وبعد الحاحٍ منه , وافق والداه على اخذه معهم لجلسات علاجها الكيميائي .. 

واثناء تحدثهما مع الطبيب خارج الغرفة , جلس بجانبها يراقب المصل في ذراعها اثناء نومها المُتعب .. 
فأغمض عيناه وهو يدعي لها بالشفاء .. وحين أمسك يدها , خرج ضوء من اصابعه إخترقت جسدها .. ليعمل النور على ملاحقة الخلايا السرطانية في دمها والقضاء عليهم , كأنه ليزر علاجيّ .. 

وبعد نصف ساعة , عاد دمها نظيفاً من جديد !
ففتحت عيناها وهي تشعر بنشاطٍ مفاجئ , وسألته : 
- مارك , اين والدايّ ؟
- في الخارج
- نادهم مع الطبيب , فلا حاجة لإكمال العلاج 
مارك : هل انتهى مرضك ؟
- أشعر بذلك

وحين دخلوا اليها .. قال الطبيب :
- لما ناديتني , المصل لم ينتهي بعد ؟
المراهقة : اريد اجراء فحص دمٍ جديد
الطبيب : قمنا بذلك الأسبوع الفائت
الفتاة بسعادة : احتاج لنتيجة الفحص لأتأكّد من شفائي
الطبيب : العلاج يتطلّب شهوراً , وهذه ثاني جلسة كيماوي لك 
الفتاة : رجاءً ابي , دعه يقوم بفحصٍ آخر

وبعد اصرارٍ منها .. سحبت الممرضة عينة من دمها , التي ظهرت نتيجتها في اليوم التالي .. 
فاتصل الطبيب بوالدها ليطلعه على الخبر الصادم بشفاء ابنته التام من السرطان , حتى قبل تساقط شعرها ! وطالب بإحضارها الى المشفى لإجراء المزيد من الفحوصات , لربما بسببها يكتشفون علاجاً سريعاً لسرطان !

وحين اخبرهم الأب بكلام الطبيب , قال مارك بخوف :
- لا تعيد اختي الى المشفى , والا ستصبح فأر تجارب
اخته : لا تخفّ يا مارك , هم يريدون معرفة سبب شفائي السريع
مارك : عالجتك حين مسكت يدك 

فضحكوا جميعاً , وقالت اخته : نعم شعرت بحرارة يدك البارحة..  
مارك مقاطعاً بجدّية : الم تشعري بعدها بالإرتياح والنشاط ؟ 
فصمتت , وهي تتذكّر بدهشة ! 
فسألتها امها : ماذا هناك ؟ 

ابنتها باستغراب : نعم تذكرت ! حين شدّ قبضته على يدي , استيقظت من نومي لأرى نوراً يخرج من اصابعه .. وشعرت بعدها بشيءٍ ساخن يجري في عروقي .. وفجأة دبّ النشاط بداخلي .. ظننته حلم ! .. ماذا فعلت يا مارك ؟ 
مارك : اظنها موهبتي , رأيت ذلك في المنام 
الأب بحزم : كفاكما احلاماً وخرافات , علينا الذهاب للمشفى لإجراء فحوصاتٍ اخيرة للإطمئنان على شفائها 

وهنا وصله اتصال من امه (الجدة) بعد كسر قدمها ! فأسرع الجميع الى بيتها المتواجد في الشارع المقابل ... 
وحين وصلوا اليها .. وجدوها واقعة في المطبخ , وعظمتها المكسورة خارج ساقها ! وهي تصرخ بألم !!!

وفي الوقت الذي كان فيه الأب يتصل بالإسعاف , أمسك مارك قدمها المصابه بيده.. ليشاهد الجميع نوره الذي أعاد العظمة مكانها , ثم التأم الجرح وخفّ الورم , كأنها لم تصبّ بأذى !
فقالت الجدة بدهشة :
- يا الهي ! إختفى الألم فجأة 
مارك : دعيني اساعدك على الوقوف .. لا تخافي , فقد عالجتها
وبترددٍ وقلق إستند عليه , لتتفاجأ بقدمها سليمة تماماً !

فهمس الأب بأذن زوجته : 
- اظن ولادته بالمريخ اعطته معجزة الشفاء ! 
وهنا حضنته اخته بفخر : أخبرتكم ان مارك عالجني من السرطان , وبهذا يصبح أصغر طبيب في العالم !! ولوّ عرفت الصحافة بموهبته سيصير مشهوراً , وسيتهافت الناس عليه لتلقّي علاجه السحريّ 

مارك بقلق : ماذا عن الأطباء ؟
اخته : آه صحيح , سيفقد آلاف مهم اعمالهم .. وربما تصبح عدوهم الأول 
الجدة : او يخطفه كبار السياسين للحفاظ على صحتهم 
الأم بخوف : او يقتلوه اصحاب شركات الأدوية والعلاجات الفيزيائية
الأب بحزم : اذاً سنُبقي الأمر سراً , والا سنخسر مارك للأبد
فتعاهدوا على كتمان السرّ بينهم
***

اما الطفلة الثالثة : فإسمها ديانا .. وهي في الصف الثاني الإبتدائي لتفوقها على الأطفال في مثل سنها .. 
وفي تلك الليلة .. كانت امها تعلّم اخاها المراهق الرياضيات , وهي تقول بضيق :
- انا معلمة رياضيات للإبتدائي , ونسيت طريقة حلّ المسائل الثانوية
ابنها : ارجوك امي , عليّ حلّ الواجب اليوم 
- إتصل بأصدقائك
- صديقايّ لم يعرفا الإجابة ايضاً  
- حسنا سأذهب للبحث في الإنترنت 
- لا امي , هذا ممنوع في قانون مدرستي 
- على الأقل سأحاول فهم المسالة .. إبقى هنا ريثما اعود

وفور ذهاب الأم الى غرفتها , ترك المراهق كتبه وجلس على الكنبة لتحدّث مع صديقته بالجوال .. 

فاقتربت اخته من كتابه , وبدأت بحلّ المسألة المعقدة .. 
وبعد قليل اقتربت منه ومعها دفتره :
- خذّ !! حلّلت واجبك
فسحب الدفتر منها بعنف , صارخاً بغضب :
- دفتري ليس كرّاسة رسم , يا مغفلة !! 
فخرجت الأم من غرفتها :
- ماذا حصل ؟!
الإبن بغضب : رسمت على دفتري
ديانا : لا !! انا حلّلت المسالة , انظرا للدفتر

وصعق الإثنان حين رأيا الحلّ الطويل والمعقّد للمسألة الرياضية ! ونظرا لها بدهشة , وهي تقول :
- الرياضيات ممتعة , انا احبها كثيراً
فهمس الإبن لأمه : أهي عبقرية ؟!
الأم بقلق : يبدو ذلك ! .. (ثم قالت لها).. حبيبتي , أرينا كيف تحلّين المسائل الرياضية 
ديانا بحماس : حسناً !! إخترّ اخي أصعب مسألة , وسأحلّها بسهولة 

فبحث اخوها في كتابه ..وأعطاها مسألةً محذوفة بعد فشل الأستاذ بحلها , لظنه بوجود خطأً مطبعياً.. 
وجلسا يراقباها وهي تحلّها باستمتاع , وبخطٍ طفولي .. الى ان أنهت المسألة..

فحضنها اخوها بسعادة وهو يقول :
- يا سلام !! منذ اليوم ستكونين المسؤولة عن حلّ جميع واجباتي , وفي المقابل أشتري لك الكثير من الحلوى 
الأم : لا طبعا !! هي لن تتواجد معك بإمتحاناتك الرسمية 
الأبن ساخراً : سأخبئها في حقيبتي , فهي قزمة
ديانا بعصبية: لست قزمة !!
الأم بحزم : إسمعا جيداً , سيبقى الموضوع سراً بيننا
ابنها : لماذا يا امي ؟ ابنتك عبقرية ويمكنها الدراسة في للجامعة .. وربما تصبح مُعيدة او دكتورة , تساعدك بمصروف المنزل 
الأم : تعال معي , اريد التحدّث معك .. وانت حبيبتي , إذهبي والعبي بغرفتك

وفي غرفة الأم .. اخبرت ابنها عن قلقها ان يكون ذكاء ديانا بسبب ولادتها بالمريخ , لهذا لا تريد ضجّة اعلامية 
ابنها : اذاً علينا التواصل مع اهالي الأطفال الأربعة , لنرى ان ظهرت لديهم مواهب غريبة مثل أختي 
- وهذا ما أفكّر به , سأبحث عن عناوينهم .. الى ذلك الحين , عليك كتمان الأمر عن اصدقائك .. هل فهمت ؟!!
- بشرط !! ان تسمحي لها بحلّ واجباتي
- أوافق إن تعلّمت منها 
ابنها بحماس : حسناً قبلت .. يا الهي !! لا اصدق متى يأتي الغد لأفاجأ استاذي بحلّ المسألة التي فشل فيها .. أكيد سيغيظه الأمر  

وذهب الى غرفته , تاركاً امه تفكّر بقلق في مستقبل ابنتها الصغيرة! 
***

الطفلة الرابعة : جاكلين .. ظهرت موهبتها حين تشاجر والداها ذلك المساء .. فنام ابوها في الصالة , تاركاً زوجته تبكي بقهر في غرفة النوم..وجاكلين تراقب الوضع بعينين دامعتين .. 

في منتصف الليل .. استيقظت بعد رؤيتها كابوساً عن طلاق والديها .. فخرجت للصالة لتجد والدها يغطّ بنومٍ عميق , فوضعت يدها على كتفه وأغمضت عيناها ليخرج نور من يدها أخترق قلبه , فجعله ينبض بسرعة كقلب العاشقين .. فابتسم وهو يشاهد مناماً عن يوم عرسه , متضمناً لحظاتهما السعيدة طوال فترة زواجهما 

في هذ الإثناء , دخلت جاكلين غرفة امها .. لتجدها نائمة وحولها الكثير من المناديل المستعملة , تدلّ على بكائها طوال الليل .. 
فقامت بالشيء ذاته .. لتشاهد الأم احلاماً مُماثلة لزوجها , جعلتها تبتسم بحنان ! 

واستلقت الطفلة في سريرها بعد سماعها لانغلاق الباب , بعد عودة والدها الى غرفته .. فنامت مُرتاحة لحلّها الأزمة العائلية 
***

في الصباح .. استيقظت على صوت ضحكاتهما بالمطبخ .. وحين دخلت , وجدتهما يتراقصان على انغام اغنيتهما المفضلة .. 
وفور رؤيتها , عادا الى طاولة طعام .. وهما يقولان بارتباك :
- استيقظت باكراً
جاكلين بارتياح : اراكما سعيدان
الأب : نعم , رأينا البارحة مناماً سعيداً
جاكلين : وهل تذكّرتما فيه ايام الخطبة والعرس ولحظة ولادتي ؟ 
الأم باستغراب : كيف عرفتي ؟!
جاكلين بفرح : يعني نجح علاجي , ممتاز !!
الأب : عن ماذا تتكلمين ؟

فأخبرتهم بالنور الذي خرج من يدها , وشفى قلبيهما المكسور .. فقاطعها والدها ساخراً :
- نعم نعم .. عالجتنا بالفعل
- الا تصدّقني يا ابي ؟ اذاً اطلب مناماً , واعدك ان تراه الليلة
فضحك قائلاً : عزيزتي لا احد يتحكّم في منامه , فكيف بأحلام الآخرين
جاكلين بإصرار : أطلب فقط !!
ففكّر ابوها قليلاً , ثم قال : 
- حسناً ..اريد رؤية ابي , فهو توفى حين كنت في عمرك .. وانا مشتاقٌ اليه
فأجابته بثقة : اذاً ستجتمع معه الليلة .. ماذا عنك امي , من تتمنين رؤيته ؟ 

الأم بنبرةٍ حزينة : أودّ رؤية جاك 
الأب : ومن هو جاك ؟
الأم : هل غرت حبيبي ؟ .. هو صديق طفولتي .. (ثم تنهدت بحزن) ..حين كنّا بالعاشرة , ركضت باتجاهه وانا أقطع الشارع .. فأسرع نحوي ورماني جانباً , ليصطدم هو بالسيارة ..
جاكلين بخوف : هل مات ؟
الأم : هو في الجنة الآن , لكني أشعر بالذنب كلما تذكّرته
ابنتها : سأدعك تكلّميه في المنام ليرتاح قلبك
- أتمنى حبيبتي .. والآن لنأكل قبل ان يبرد الطعام
***

في المساء .. دخلت جاكلين الى غرفتهما.. 
الأب : لما لم تنامي بعد ؟
جاكلين : أتيت لتحقيق احلامكما 
فابتسمت الأم : آه صحيح .. إخبرينا ما علينا فعله ؟
ابنتها : لا شيء , فقط إغمضا عينيكما  .. سأبدا بإمي اولاً , ثم انتقل لجهتك يا ابي .. وفور وضع يدي على جبهتكما , ستنامان على الفور
الأم : أشكّ في ذلك , فأنا أعاني من أرقٍ مزمن
جاكلين : ليس هذه الليلة .. إغمضي عينيك ولا تتحركي
وبعد ان غفيا , عادت الى غرفتها ..
***

في الصباح .. استيقظت جاكلين باكراً لتجد والديها بانتظارها في المطبخ , واللذان أخبراها عن رؤيتهما للحلم المنشود .. ثم سألاها عن كيفية فعلها ذلك ؟! 
جاكلين : رأيت في منامٍ سابق : مخلوقاً بشعاً يُخبرني انها موهبتي .. وجرّبتها اول مرة ليلة شجاركما 
الأم : حسناً حبيبتي , اذهبي واغسلي وجهك لتناول الطعام 

وبعد ذهابها , همست الأم لزوجها بخوف : 
- مخلوقٌ بشع ! كنت متأكدة ان ولادتها بالمريخ لن تمرّ على خير !
الأب بقلق : أتظني ان كائناً فضائياً احتلّ جسدها ؟
- نحن لسنا في فيلم خيال علمي , لابد ان هناك تفسيراً منطقياً لموهبتها الغريبة .. لكنّي أفضّل كتمان الأمر , كيّ لا يخطفها العالم المجنون من جديد ..
الأب : اذاً نبهيها ان لا تخبر اصدقائها بالمدرسة .. 
زوجته : سأفعل  

الأب : أتدرين , سعيد أنها عالجت ارقك اخيراً 
زوجته : بالفعل ! نمت البارحة كالأطفال
الأب : ما يحزنني ان الأحلام التي أتمناها , لا يمكن طلبها من طفلة  
فعاتبته زوجته : ايها المنحرف 
وضحكا سوياً ..
***

اما طفل المريخ الخامس : فأسمه آدم .. وهو الولد السابع والأخير لعائلةٍ فقيرة , إزداد بؤسها بعد احتراق محل والدهم للخرداوات .. 
وفي ذلك اليوم .. سمع آدم امه تطلب من ابيه تسجيله بالمدرسة كبقية اخوانه ..
- مازال صغيراً
الأم : بلغ 6 سنوات 
- يمكنه الإنتظار سنة اخرى .. فأقساط اخوانه تكفيني , ولا مجال لإضافة مصروف جديد .. على الأقل لأجد عملاً ثابتاً 

الأم بقلق : عليك الإسراع , فنحن صرفنا كل ما ادخرناه 
- أفكّر في البحث عن عمل في القرية المجاورة 
- هل معك اجرة الطريق ؟
فبحث بجيوبه : لا.. وانت ؟
بحثت بحقيبتها : أعطيتها مصروفاً للأولاد قبل ذهابهم للمدرسة
الزوج : سأبحث في بنطالي الآخر

فسبقه آدم لغرفة النوم .. ووضع يده في جيب بنطال والده المعلّق خلف الباب , وأغمض عيناه .. 
بهذه اللحظة , دخل والده الغرفة .. وصرخ عليه : 
- ماذا تسرق يا ولد ؟!!
آدم بخوف : لا شيء !
- إذهب والعب مع اطفال الشارع .. هيا !!

وخرج من المنزل حزيناً.. وحين فتّش الأب بنطاله , إنصدم بوجود رزمة من المال , لم يرى مثلها في كل حياته البائسة ! 
فنادى زوجته التي اسرعت اليه ..وكاد يغمى عليها حين رأت المال في يده وسألته :
- من اين لك هذا ؟ .. هل سرقته ؟
- أيّ سرقة يا امراة !! .. كنت آمل بإيجاد عملةً نقدية تكفي أجرة النقل ..(وهنا تذكر ابنه) .. آه آدم !
واخبرها بما فعله قبل قليل , قائلاً بغضب : 
- سأقطع يده ان سرقها من احد .. ناده بسرعة !!
***

وفور دخول آدم المنزل , تفاجأ بوالده يضربه بعنف وهو يسأله عن المال المسروق .. فأخبره انها خرجت من يده .. فعاد وصفعه لكذبه.. فبكى آدم قائلاً :
- أهذا ذنبي انني اساعدكم ؟
فأراد ضربه بالحزام , لكن الأم أوقفته ..

ولخوف آدم من الضرب .. رفع يده اتجاههما , مُغمضاً عيناه .. لتخرج من بين اصابعه : رزمتان جديدتان من المال ! 
فصرخا برعبٍ شديد !! 
فطلب ابنهما إخفاض صوتهما , كيّ لا يعرف الجيران بموهبته الغريبة .. 

فقالت الأم وهي ترتجف : 
- معه حق.. نحن نعيش في حيّ مليء بالعصابات , وان عرفوا بموهبته سيختطفونه حتماً
الأب : بنيّ , متى اكتشفت موهبتك ؟
ابنه : لي شهر وانا أضع المال في حقائب اخوتي 
الأم : ألهذا كان يشكرونني على مصروفهم الكبير , ظننتهم يمزحون !

آدم : ودفعت إيجارنا المتأخر
الأب : كيف ؟
ابنه : وضعتهم في ظرف أعطيته لصاحب المبنى , وأخبرته انك ارسلتني اليه لأنك مريض .. فأخبرني إنه كان ينوي طردنا من الشقة آخر الشهر
الأب : وانا استغربت إنه لم يعد يطالبني بها ! 

الأم بحماس : آدم حبيبي .. أيمكنك اعطاءنا المزيد من المال لشراء منزلٍ كبير .. او فلة .. او حتى قصر !!
- امي .. لا استطيع إخراج الكثير من المال دفعة واحدة , فهو يؤلم يدي كثيراً  
الأب : ماذا تقصد ؟
آدم : ما أخرجته اليوم يكفينا لعدة ايام ..
الأم بضيق : يعني لا مال طوال هذا الأسبوع 
ابنها : هذا ما رأيته في منامي ..
الأب : لا تقلقي .. سنجمع كل ما يعطينا اياه لشراء منزلٍ فخم , وإن انتظرنا شهوراً .. (ثم سأل ابنه عن المنام الذي حدّد كمية المال) ..

فأخبره انه شاهد نفسه في كوكبٍ بارد لا يشبه الأرض , ومعه اولاد في مثل عمره .. ثم رأى مخلوقاً مخيفاً اخضر اللون , يغرز جوهرة غريبة في كتفهم حين كانوا رضّعاً !

فهمس الأب لزوجته بقلق :
- آدم طفل المريخ , كيف نسينا الموضوع ! .. ياخوفي ان يكون ابن شيطان
الأم : او ملاك
زوجها بصوت منخفض : وكيف لمخلوق أخضر مخيف ان يكون ملاكاً 
آدم : سمعتك يا ابي , وانا لست شريراً 

الأم : لا يهمّني ان كان شيطاناً ام ملاك , المهم ان نحصل على المال كلما اردنا .. (ثم بدأت بجمع المال) .. سآخذها لشراء ما يلزمنا من اغراض
زوجها : ليس كلها يا امرأة !! فأنا اريد فتح محلي من جديد
- حسناً , سنتقاسمها بيننا
وعاد آدم الى غرفته حزيناً , بعد صدمته بحبهما الشديد للمال ! 
***

لم تمضي شهور , حتى اجتمع الأهالي في فلة عائلة آدم (بعد غناهم المفاجىء) .. ليندهشوا من توافق اولادهم الخمسة مع بعضهم , كأنهم التقوا من قبل ! وجلسوا يلعبون سوياً , واهلهم يراقبوهم عن بعد بتمعّنٍ وقلق.. 

فقال والد مارك : انتم محظوظون , فموهبة آدم عظيمة .. فأمواله تكفيكم مدى الحياة  
ام آدم : والصحة مهمة ايضاً
ام ديانا : والحب وراحة النفس لا يستهان بها , وإن كانت عن طريق الأحلام
والد جاكلين : حمى الله ابنتك , فذكاء ديانا فريدٌ من نوعه .. 
ام ديانا : نعم لكنه يصبّ في مصلحتها .. برأيّ المبارك بينهم هو جيمي , لأنه يوفّر لعائلته كل ما يشتهونه من طعام .. 
والد جيمي : لن تفرق كثيراً مع عائلة آدم , فيمكنهم بمال الصغير شراء الذّ المأكولات 
ام آدم : طعام جيمي الذي احضرتموه معكم , اطيب من اشهر مطاعم البلد 
ام جيمي : سعيدة انه اعجبكم  
ام جاكلين : بالفعل , كأنه من الجنة
والد آدم : او من المريخ

وضحك الأهالي وهم يخفون قلقهم على اولادهم الموهوبين , ومصيرهم المُبهم في حال انتشر الخبر بين الناس .. 
***

لكن الأمور انقلبت رأساً على عقب في السنة التالية , حين ضاع مجموعة من اولاد الكشّافة بالغابة .. 
وبحلول المساء , شعروا بجوعٍ كبير .. فاختبأ جيمي خلف الشجرة , ليعود ومعه أكل يشبه المطاعم السريعة ! 

وحين وجدهم المرشد الصيفيّ اخيراً , اخبروه بما حصل .. 
فحاول جيمي إيهامهم ان الطعام كان في حقيبته , لكن لم يصدقه احد لكثرة الشطائر الساخنة والطازجة .. 

وانتشرت الإشاعات بين الطلاب عن امتلاكه لتعويذة سحرّية , وصلت لأهاليهم ومنه لبقية المجتمع .. 

وعلى الفور تمّ ربط الأحداث الغريبة بالأطفال الخمسة الذين لقبّوهم بالمريخيين , بعد نشر هاكر صورهم مع اسمائهن بمعلومات سرقها من حاسوب الناسا , مما أحدث ضجّة اعلامية .. 
ولم ينبهر الجميع بمواهبهم المميزة , بل أصيب أكثريتهم بالفزع ! لشكّهم انهم فضائيين متنكرين بهيئة بشر , لتنفيذ خططهم الخبيثة ..
***

وحصلت الكارثة الأولى بعد تلقّي عائلة مارك تهديداً بالقتل (من مجهول) في حال لم يوقف علاجه للناس الذين اكتظّ بهم منزله , فور انتشار خبر موهبته الشفائية .. 

ورجّحت الشرطة ان يكون المتصل طبيباً او صيدلي تأذّى مادياً من موهبته , واقترحوا بقاء مارك في المنزل .. فتطوّعت صديقته ديانا بتعليمه ما فاته من المدرسة ..
***

وماهي الا ايام , حتى خُطفت الطفلة جاكلين ! 
فقامت الشرطة والأهالي بالتفتيش عنها بكل مكان في مدينتهم الصغيرة .. الى ان وجدوها بعد اسبوعين نائمة في الحديقة العامة  

وفي المركز : أخبرتهم ان الخاطف قيّدها بكرسي امام التلفاز , عرض فيه افلاماً عن اسوء الكوارث البشرية من حروب وجرائم مخيفة , ساخراً من قدرتها على شفاء اولئك الضحايا بأحلامها الوردية , مما تسبّب لها بأزمةٍ نفسية حادة .. حتى باتت لا تخرج من غرفتها , او تكلّم والديها ...

ومن مراجعة كاميرات الشارع , إكتشف المحقق رقم سيارة الخاطف الذي كان طبيباً نفسياً اراد الإنتقام منها لعلاجها مرضاه السابقين عن طريق الأحلام التي شفت عقدهم المزمنة !

وما عاشته جاكلين في الفترة الماضية جعلها ترفض استخدام موهبتها ثانيةً , لكن اصدقائها الأربعة طمأنوا اهلها أنها تحتاج بعض الوقت لكي يعود النور في قلبها من جديد 
***

حصل ذلك قبل ان يُفجع الأهالي باختفاء اطفالهم الثلاثة على التوالي ..
وكانت ديانا اول من عاد منهم , والتي اخبرتهم ان العالم المجنون اخذها  الى الناسا لحلّ الغازٍ رياضية تساعد باستكشاف الكون عبر مركباتهم الفضائية .. 
فوافقت على مساعدتهم براتبٍ ضخم , بشرط ان تعمل من بيتها .. وبعد كتابة العقد بينهم , أعادوها مع رسالة إعتذار لأهلها
*** 

اما جيمي : فخطفه رجلٌ ثريّ كان مهووساً بالسفر حول العالم لتذوّق اشهى المأكولات , لكنه توقف لكبر سنه .. لهذا اراده ان يحضر له مالذّ وطاب 

ففعل لعدة ايام .. الى ان نسيّ العجوز دوائه المنوّم فوق المائدة , فدسّ جيمي حبتين منه في الطبق .. 
وحين غطّ بنومٍ عميق , هرب من نافذة قصره ... وكان محظوظاً عندما وافق سائقه إعادته للمنزل .. وبسريةٍ تامة , كي لا يطرد من عمله 
***

اما اسوء الحوادث حصلت لآدم .. حين وجدوه على باب الفلة بعد ثلاثة اسابيع من اختفائه , مبتور الذراع ! 
فأسرع والديه بأخذه الى المشفى لوقف النزيف , لكنه أصرّ على الذهاب لصديقه مارك ..
فوافق الأب رغم رفض الأم المخاطرة بحياته..

وفي منزل مارك .. حصلت معجزة فور إلتقاء نور اصابعه مع نور كتف آدم المبتورة , مُحدثةً ضوءاً ساطعاً جعلت كلا العائلتين تغمض عيناها .. وحين خفّ الوميض , شاهدوا ذراع آدم نمى من جديد !

والد آدم بدهشة : كيف حصل هذا ؟!
ام مارك : بنيّ ! لم ادري انك تعالج الإعاقات ايضاً  
مارك : انا أشفي الكسور والجروح فقط ! يبدو ما حصل خاص بأولاد المريخ , لذا ابقوا الأمر سراً بيننا
ام آدم بقلق : حبيبي , كيف تشعر الآن ؟

فحاول آدم إخراج رزم المال من يده (التي نمت حديثاً) , لكن لم يتساقط من اصابعه الا العملات المعدنية .. فقال بحزن :
- هل ضاعت موهبتي ؟
والده بقهر : الملاعين !! قطعوا يدك المباركة للحصول على الملايين
مارك : لن يستفيدوا شيئاً .. فموهبته متعلّقة به , كالروح في الجسد ..وأظنه يحتاج الى الوقت ليستردّ قدراته 

ام مارك : المسكين مازال متعباً , خذوه لبيته ليستريح
والد مارك : برأيّ انتقلوا من فلتكم , والا سيعودون لاختطافه حين تفشل ذراعه المبتورة بإخراج المال 
والد آدم وهو يحمل ابنه المتعب : معك حق , سنعود لقريتي
ام مارك : لكن لا تغيّروا رقم جوالكم , كي نبقى على تواصل
***  

الأحداث السابقة جعلت الناس تنقسم الى قسمين : البعض اعتبرهم رسلاً خمسة مباركين من ملائكة المريخ .. بينما الأكثرية عدّوهم شياطين بنوايا مرعبة لاحتلال العالم , مؤيّدين من اصحاب المهن والشركات الذين خسروا اموالاً كثيرة بالشهور السابقة , بسبب مواهبهم الغير بشريّة ! 
***

في عيد رأس السنة .. واثناء اجتماع الأهالي الخمسة مع اولادهم في القرية للإحتفال سوياً .. إشتموا رائحة حريق خارج الكوخ , ليتفاجأوا بهجوم المعارضين بهتافات لحرق الشياطين الخمسة .. مما اجبرهم على الإختباء في قبو الكوخ , وهم يرتجفون رعباً .. 
وقد حاول بعض اهالي القرية (ممن اعتبروا الأطفال ملائكة بمواهب عظيمة تفيد البشرية) على اطفاء الحريق , لكن الأكثرية الغاضبة أبعدتهم بالحجارة والعصيّ ..

واثناء وجود الأهالي اسفل الكوخ .. سمعوا صراخاً بالخارج , ونوراً هائلاً اضاء القبو المعتم , جعلت الناس تهرب بعيداً ! .. 
وحين فتحوا أعينيهم , لم يجدوا الأولاد الخمسة الموهوبين في القبو! 
ولم يكن امامهم وقت للبحث عنهم لوصول النار اليهم , ومحاصرتهم بالدخان الأسود الذي كتم أنفاسهم !
***

في المريخ .. استيقظ الأولاد الخمسة فزعين داخل قاعة غريبة الشكل .. فأسرعوا الى النافذة الكبيرة , ليروا الأرض وكأنها كرة صغيرة 
آدم بخوف : هل نحن بالفضاء ؟
- نعم , انتم بالمريخ !!
قالها كائنٌ اخضر مرعب , يقف خلفهم ..
جاكلين : رأيتك بالمنام اكثر من مرة !
القائد الفضائي : أعرف هذا
ديانا : غريب ! انت تتكلم بلغةٍ غريبة , لكننا نفهمها  
الفضائي : طبعاً فأنتم اولادي الخمسة
بدهشة : اولادك !
- وضعت جوهرة مريخية في اجسادكم وانتم رضّع , قبل عودتكم للأرض , هي سبب مواهبكم المميزة 
جيمي : تقصد وشم اكتافنا !
القائد : نعم , ظهور الوشم علامة لبدء مهماتكم .. 

جاكلين : أيّ مهمّات ؟ نحن مجرد اطفال 
مارك : ونريد العودة الى الأرض 
آدم : لرؤية اهالينا
القائد : جميعهم ماتوا في الحريق 
بحزن ودهشة : ماذا ! 
الفضائي : انظروا الى الشاشة .. 

فشاهدوا الشرطة وهي تُخرج جثثهم المتفحمة من قبو الكوخ المحترق .. فانهاروا جميعاً بالبكاء ..
القائد : هيا لا تتصرّفوا كالأطفال , فأمامنا عملٌ كثير

ثم صفّق بيده , ليخرج عشرات الجنود المرعبة من ابواب القاعة ..احاطوا بالأولاد الذين ارتجفوا خوفاً , وبدأوا بالصراخ بعلوّ صوتهم :
- النجدة !! ساعدونا !!
الوزير : لا بشر هنا لينقذوكم
لكنهم تابعوا الصراخ والنحيب ..
فقال القائد لمساعده : صراخهم أزعجني , أسكتهم فوراً !!

فأطلق الوزير نوراً من عصاه , جمّدهم في مكانهم دون حراك ! .. ثم سأل قائده :
- مالعمل الآن ؟ 
القائد : أخرج الذاكرة من أدمغتهم الإلكترونية

فأزال الوزير الشرائح الصغيرة من خلف آذانهم , ووضعها في الحاسوب .. لتظهر صور واحداث على الشاشة العملاقة ..
القائد : ممتاز !! سجّلوا كل ما نحتاج معرفته عن البشر
الوزير باستغراب وهو يشاهد حريق الكوخ : 
- هل حاولوا حرق الأطفال ؟!
- البشر همجيون بطبعهم
- ولما لم يستفيدوا من قدراتهم التي وهبتها لأولادهم ؟!
القائد : لأن البشر غيورين وحقودين ولا يعرفون مصلحتهم جيداً .. والا لكانوا نعموا بالصحة والأمان والمحبة ووفرة المال , لكنهم اغبياء كما تصوّرتهم دائماً  

الوزير : بماذا تفكّر ؟
- تنفيذ خطة آبائنا منذ قرون 
- نحتلّ الأرض ؟!
- لما لا , فهم لا يستحقون ذلك الكوكب الرائع الذي دمروه بأدخنة مصانعهم , ولوّثوا بحاره بنفاياتهم القذرة .. عدا عن الحروب وقتلهم لحيواناته النادرة  
الوزير : رغم ان التلوث خفّ كثيراً بزمن كورونا
القائد : لكنهم عادوا اسوء مما كانوا بعد اكتشافهم للكذبة العالمية .. 
- معك حق , شعبنا عاش طوال عمره في الأنفاق لتفادي برد المريخ القارص .. اما الأرض فلديهم اربعة فصول رائعة , وانهارٌ نقية وفواكه ما لذّ وطاب 
- اذاً ماذا ننتظر ؟ جهّز مركباتنا فوراً !!
الوزير : وماذا عنهم ؟ ..(وأشار على الأولاد) 

ففكّر القائد قليلاً , قبل ان يقول : لحظة ! غيّرت الخطة .. سنستفيد من قدراتهم اولاً 
- لم افهم ! 
- بدل المخاطرة بجيشنا , نُرسل الأولاد لإبادة شعبهم اولاً .. ثم نحتل الأرض دون مقاومة 
الوزير : ليتك تشرح لي تفاصيل الخطة 
- سأريك 

واقترب القائد من الأولاد المُجمّدين .. ولوّح بعصاه لسحب النور الأبيض من اعينهم , واستبداله بدخانٍ اسود ! 
الوزير بدهشة : هل قلبت مواهبهم ؟! 
- نعم .. فمارك سيكون مسؤولاً عن تدمير الصحة البشرية  .. وجيمي القضاء على محصولاتهم الزراعية .. ومهمة جاكلين نشر الكره بينهم .. وسيتسبّب آدم في افلاسهم الجماعيّ .. وديانا ستستخدم ذكائها في التخطيط الحربي الذي سيفنيهم جميعاً ..
- خطةٌ رائعة !
القائد : سأوقظهم الآن لبدء مهمّاتهم الشريرة 

وصفّق بيديه .. ليقوم الأولاد بتحية القائد بالسلام المريّخي , كأنهم روبوتات صرخوا بصوتٍ واحد :
- يحيا قائدنا المريخي المُبجّل !!
القائد : أحسنتم !! والآن انطلقوا الى مركباتكم لتدمير الأرض
- حاضر سيدي !!
وبعد ذهابهم ..

القائد : سأتابعهم من هنا .. وبعد تأكّدي من تدميرهم لمبادئ البشر الإخلاقية والصحية والإقتصادية والغذائية وإبادتهم بالمعارك المندلعة في كل مكان , نهاجر مع عائلاتنا لاحتلال الأرض بسهولة
- أفكارك عظيمة , سيدي

وانحنى الوزير مع الحرس إحتراماً له , في الوقت الذي كانت مركبات الأولاد الخمسة الفضائية مُتجهة نحو الأرض لتدمير البشريّة !  
******

ملاحظة : 
موضوع الولادة في المريخ تجدونه في هذا الرابط :
http://akhbarpedia.com/%D9%83%D9%88%D9%83%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%8A%D8%AE/

إذا انتحرت , سأقتلك !!

تأليف : امل شانوحة   طاقتك الإيجابية ستنقذك من الموت !  إقترب شابٌ مُكتئب بخطواته المتثاقلة من حافة الجبل .. وتنهّد بضيق وهو ينظر لل...