الاثنين، 17 فبراير 2020

إعلان




قمت الآن بإرسال قصة الى الأستاذ اياد العطار .. وفي حال أعجبته , تُنشر في كابوس .. وفي انتظار ردّه , سأحاول كتابة قصة ثانية خلال الأسبوع القادم .. وانا بالعادة لا ارسل الى كابوس الا القصص الجيدة التي أخذت مني جهداً كبيراً .. أتمنى ان تعجب الأستاذ اياد وتعجبكم ايضاً .. تحياتي لكم

الثلاثاء، 11 فبراير 2020

الطفل المنغولي

تأليف : امل شانوحة


الأب القاسي

أنكرته منذ كونه جنيناً , بعد ان أخبرنا الطبيب إنه مُصاب بمتلازمة داون 
ومن يومها وانا ألحّ على زوجتي بإجهاضه .. لكنها رفضت بشتّى الطرق , وكأنها تتعمّد جعله عقبة في طريق نجاحي ! فأنا الإبن الوحيد المدلّل لعائلةٍ ثريّة , وصاحب اكبر شركة سيارات في الشرق الأوسط .. الرجل الوسيم الذي تتهافت عليه قلوب العذارى .. فكيف لشخصٍ مثاليّ ان ينجب طفلاً معاقاً ؟!  

في بادىء الأمر ترجّيتها بإنهاء هذا الكابوس , ووعدتها بإنجاب عشرات الأبناء الأصحّاء .. لكنها تحجّجت بحرمة الأجهاض ! 
فهجرتها لأسابيع , لتُصرّ بدورها على البقاء في منزل اهلها لحين الولادة .. فبدأت أخونها لأثير غيرتها , لكنها فضّلت طفلها المشوّه عني !  

بعد شهور .. إتصلت حماتي لتخبرني بأنه وُلد في شهره السابع وبأن صحته في خطر , وطلبت مني زيارته لتوديعه .. 
لا أنكر مدى سعادتي بالخبر .. ودعوت ربي كثيراً بأن لا ينجو من محنته , علّ اموري تنصلح مع زوجتي .. لكنه أعند من امه , وقاوم الموت لأسبوعين ونصف ! 

وحين علمت بخروجهما القريب من المستشفى , شعرت برغبةٍ ملحّة لرؤيته ! وتعمّدت الذهاب متأخراً كيّ لا يراني احد .. وتوجهت مباشرةً لغرفة الحضّانات , رغم انني لم ارى زوجتي منذ شهور .. واستطعت تميزه على الفور , فهو أقبح طفلٍ هناك .. وشعرت بالغضب الشديد لاختلاف هيئته عن الملائكة الصغار من حوله ... 

وقبل خروجي من الغرفة , وضعته الممرضة الغبية بين ذراعيّ .. حيث كان يتثاءب بنعاس , وأسند رأسه الصغير على صدري وكأنه يحاول الإستماع الى دقّات قلبي القاسي .. وما شعرت به تلك اللحظة أخافني لدرجة انني أعدّته سريعاً الى الممرضة , بعد ان وضعت المال في يدها لتُخفي قدومي عن الأخرين .. واسرعت بالخروج وانا أحسّ بمشاعرٍ مختلطة .. 

لكن اهم ما كان يشغل بالي هو عدم رؤية اقاربي واصدقائي لإبني المعاق .. لهذا اتفقت مع عائلة زوجتي بأن نُعلن خبر وفاته , مقابل راتباً شهريّ أدفعه لهم .. فقبلت زوجتي مُرغمة لرغبتها في مساعدة عائلتها الفقيرة .. 
وعادت مع ابني رضا الى قصري , بشرط ان يعيش مع المربية في القبو بعيداً عن الأنظار .. وبذلك استرجعت حياتي السابقة .. 

لكن مع مرور الأيام خسرت حب زوجتي بسبب تجاهلي المستمرّ لإبني البكر الذي قارب سن المراهقة , رغم انني لم أضربه يوماً .. وقمت فقط بوضع القوانين له : كمناداتي بالسيد جهاد .. ومنعه الظهور امام الغرباء .. مع السماح له باللعب مع اطفالي الثلاثة الأصحّاء .. دون علمه بأنني والده الحقيقي , وبأنهم اخوته الصغار الذين أخبرتهم بأنني سرقته من الميتم حين كان طفلاً لأحميه من سوء معاملتهم , وانه سيُعاد الى حياته البائسة في حال أفشوا مخبئه السرّي .. فوافقوا على كتمان السرّ , لأنهم يحبون اللعب معه  

اما زوجتي فهدّدتها مراراً بالطلاق وحرمانها من ابنائها في حال أخبرتهم الحقيقية .. ولهذا اعتدّتُ على رؤيتها تبكي امام قبر رضا الوهميّ في فناء حديقتنا !

وخوفاً من انكشاف سرّي , إضّطررت لطردّ عدّة مربيات لشكّهم في الأمر .. مما حطّم قلب رضا الذي تعلّق بكل واحدةٍ منهنّ ! 
ويبدو ان كتمان زوجتي لحزنها كل هذه السنوات أرهق قلبها الضعيف , مما جعلها طريحة الفراش .. 

ومازلت أذكر يوم احتضارها ..حين ضغطت بما تبقى لها من قوة على يدي , وهي تترجّاني للمرة الأخيرة :
- ارجوك يا جهاد , إرحم رضا قبل ان يعاقبك الله بذنبه ..
فوعدتها بتحسين علاقتي معه , لإراحتها قبل وفاتها .. لكنه لم يتغير شيء بعد رحيلها !

اما الشيء الذي جعلني أكتب قصتي .. فهو ما حصل في تلك الليلة الكئيبة , خلال تغيّب الخدم والمربية بإجازة العيد .. 

في ذلك المساء .. أيقظني رضا (15 عام) من نومي , وهو يهزّني بعنف  
وما ان رأيت وجهه القبيح فوقي , حتى إنتفضت في وجهه غاضباً:
- أعوذ بالله , أفزعتني يا رضا !! الم أفهمك انه ممنوعٌ عليك الإقتراب من غرفتي ؟!!
فقال بكلماتٍ متلعثمة :
- أنقذهم !! .. نار !!  

وعلى الفور ! إشتممت رائحة دخان في الخارج ..فأسرعت مرتعباً الى غرفة اولادي ..

ويبدو ان الدخان أفقدهم الوعيّ , فهم لم يسمعوا صراخي انا ورضا .. كما لم استطع إخراجهم , بسبب النار المشتعلة من قابسٍ كهربائي في الممرّ الطويل الذي يفصلني عن غرفتهم .. 

أتدرون ما حصل بعدها ؟ .. تفاجأت برضا يخترق ألسنة النار متوجهاً نحوهم ! واختفى لبعض الوقت في غرفتهم , قبل خروجه حاملاً ابنتي (7 سنوات) ..واعطاني إياها قبل عودته ثانيةً الى الداخل , مُتجاهلاً آلام حروقه .. ليخرج بعد قليل , حاملاً أخويه التوأمين (5 سنوات)... ثم انطلقنا هاربين لخارج القصر , حاملين الأولاد (غائبيّ الوعيّ) .. 

واثناء وجودنا في حديقة القصر , سمعنا صافرات الأطفاء تقترب من المكان ! ويبدو ان الجيران اتصلوا بهم .. فتنفّست الصعداء لسلامة جميع ابنائي .. 

لكن ما حصل بعدها حطّم قلبي تماماً .. حين أسرع رضا الى القصر المحترق وهو يقول :
- نسينا الببغاء !!
ظانّاً بأن الطائر أغلى من حياته ! لأني لطالما فضّلته عنه , وقارنته به .. بل أخبرته مراراً انه أذكى منه .. 
ودخل القصر مُتجاهلاً صرخاتي .... لكنه لم يخرج ابداً !

لاحقاً , أعطيت الأذن للشرطة بدفن جثته المتفحّمة في حديقة قصري .. قبل ذهابي مع اولادي الى بيتي في الجبل , حيث قضوا ليلتهم في بكاءٍ مرير حزناً على موت صديقهم اليتيم , دون علمهم بفقدان أخيهم الأكبر.. بينما استطعت بصعوبة كتمان حزني ودموعي .. 
ورغم ان السرّ مات مع رضا , الا انني طلبت من اولادي كتمان وفاته عن الجميع !

في اليوم التالي , زارني الأقارب والأصدقاء للإطمئنان علينا بعد سماعهم الخبر , وهنأوني بالسلامة .. كما أبدى شريكي إستعداده لتصليح القصر على حسابه .. ومع ذلك بقيت صامتاً بحزنٍ شديد , فتساءلوا عن السبب ؟
فأخفيت الأمر , خوفاً من لومهم وتعليقاتهم القاسية لنكران إبني كل هذه السنوات ..

ومع إصرارهم على معرفة السبب , إنفجرت باكياً بصوتيّ المُنكسر : 
- مات ببغائي الغالي !!!  

فضحكوا ساخرين من رقّة قلبي ! ووعدوني ببغاءٍ آخر .. دون علمهم بأن رضا لا يمكن تعويضه .. 

ابني البكر الذي لطالما تساءلت ربي عن سبب وجوده في حياتي ؟ ليصلني الجواب بطريقةٍ موجعة : فلولاه لما نجوت واولادي من موتٍ محقّق 
لأعلم متأخراً انه ملاكي الحارس الذي سأفتقده للأبد ! 

*****
ملاحظة :
القصة مستوحاة من احداثٍ حقيقية حصلت في إنجلترا .. حيث قام الأب الثريّ بقتل رضيعه المنغولي برصاصةٍ من مسدسه الذهبي , ودفنه في قبو قصره .. 
الغريب ان بعد الحادثة بسنوات , إنتحر الوالد وزوجته واولاده الشباب الثلاثة بنفس المسدس الذهبي!
والى اليوم مازال يُسمع بكاء طفلٍ في قبو القصر المهجور الذي أصبح مزاراً لمحبي الأشباح والظواهر الخفيّة !  
***
وبرأيّ : المنغوليون هم البشر الوحيدين الذين لا يملكون حقداً وشرّاً في قلوبهم , وكأنهم ملائكة في مهمةٍ إلالهية خفيّة ! 

الخميس، 6 فبراير 2020

الصندوق العشوائي

تأليف : امل شانوحة
وشكر خاص لإبن اختي (محمد ابو الفضل) لتزويدي ببعض افكار القصة


الإنترنت المظلم

بعد شهر على وفاة امهما , إقترح جاك على اخيه جون زيارة والدهما الشرطي .. لكنه رفض ذلك بعصبية :
- ولماذا نزوره وهو لم يأتي الى جنازة امنا ؟!!
جاك : ربما ما زال غاضباً لحصولها على حضانتنا بعد تطليقه بالمحكمة 
جون بغضب : هذا لا يبرّر تخلّيه عنا لعشر سنوات !! 
- انا رغبتُ في محادثته لشعوري بالملل اثناء انشغالك في العمل 
- اذاً أدرس !! فقد قارب موعد امتحانات الجامعة
جاك بضيق : راجعت المنهج اكثر من مرة , ماذا تريدني ان افعل؟ 

فاقترح عليه فتح قناة يوتيوب للإستفادة منها مادياً كما فعل هو , بشرط ان يختار موضوعاً مختلفاً عنه 
جاك : أساساً لا احب الأماكن المهجورة , خوفاً من الجن والعفاريت
جون ضاحكاً : هذه خرافة , فأنا لم أصبّ بشيء في السنتين الماضيتين رغم تجولي بأكثر الأماكن المسكونة رعباً في بلدتنا .. المهم , ماهو موضوع قناتك ؟
جاك : لا ادري , سأفكّر بشيءٍ يهمّ المراهقين أمثالي
***

بعد اسبوع .. إشترى جاك بكل مصروفه صندوقاً عشوائيّاً من الإنترنت المظلم .. وصوّر نفسه اثناء فحصه الأغراض التي آثارت إشمئزازه وقلقه .. حيث وجد فيه :

سكينٌ ملطّخ بصبغةٍ حمراء تشبه الدماء , واظافر بشريّة , وخصلة شعرٍ سوداء , وملابس نسائية مُستخدمة , ودمية سحرية مغروسة بالدبابيس .. و(USB) وضعه في حاسوبه لرؤية محتواه 
وكان فيه :((فيديو مصوّر لغرفةٍ إضاءتها خافتة , بداخلها فتاة مضّطربة تتلّفت حولها بخوفٍ واضح , وهي منهارة بالبكاء .. 
بعد خمس دقائق .. تصرخ بفزعٍ شديد فور رؤيتها لرجلٍ مقنّع يدخل غرفتها .. وانتهى الشريط !))
جاك بارتباك : هل هذه تمثيلية ؟ ام هي فتاة مختطفة بالفعل ؟!

وقد ضايقه الأمر لدرجة انه ألغى قناته الحديثة , ورمى اغراض الصندوق في الزبالة .. 
ومع ذلك لم يستطع النوم طوال الليل , بعد ان أشغلت الفتاة المسكينة تفكيره  
***

في صباح اليوم التالي .. تفاجأ بملف مشروعه الجامعي بجميع نسخه محذوفة من كمبيوتره ! مما ضايقه كثيراً لأن عليه تسليمه خلال اسبوعين 
ليس هذا فحسب , بل صوره الشخصية وصور امه المتوفاة حُذفت ايضاً من الحاسوب ..
وظلّ يبحث عنهم , الى ان وصلته رسالة غامضة على ايميله :
((كان بحثك مملٌ للغاية , فقمنا بحذفه))

فعلم جاك ان هكر لعين من الإنترنت المظلم إخترق حاسوبه ..
ولم يكن لديه وقت للردّ عليه , لتأخره عن المحاضرة
***

حين وصل الى الجامعة , تفاجأ بنسخٍ من محادثاته الرومنسية مع حبيبته جسيكا مُلصقة على خزانات الطلبة ! .. وصُعق اكثر حين رأى صورتهما الخاصة على باب الحمام 
وتوجهت انظار الطلبة اليه اثناء تمزيقه الصورة بعصبية , وهم يكتمون ضحكاتهم الساخرة .. بينما نظرت الفتيات اليه باشمئزاز لفضحه حبيبته

وأسرع باحثاً عن جسيكا في جميع القاعات , الى ان أخبرته صديقتها بأنها غادرت الجامعة وهي منهارة تماماً ..
فحاول الإتصال بها , لكن جوالها مقفل ..

فذهب الى غرفتها في سكن الطلاب .. 
وقبل تبريره ما حصل , صفعته بقوة مُعلنةً فسخ العلاقة به ..وأغلقت الباب في وجهه , دون السماح له بالتفوه بكلمةٍ واحدة ..
فعاد الى منزله منكسراً وحزيناً !
***

في غرفته .. وفور فتحه الحاسوب , وجد رسالة جديدة على ايميله:
((هل أعجبت الطلاّب صورتكما الخاصة , وكلامك الرومنسي ؟))
فأرسل ردّاً غاضباً على نفس الإيميل :
((من انت ايها اللعين ؟!! ولما تفضح خصوصياتي ؟))
فجاءه الردّ سريعاً :
((هذا رابط صفحتي على الفيسبوك , تواصل معي)) 
لكنه لم يردّ الحديث معه , وأقفل كمبيوتره وهو يشعر بغضبٍ شديد
***

بحلول العصر.. إيقظه أخوه الأكبر :
- أحضرت البيتزا التي تحبها , تعال نأكلها سوياً
جاك بيأس : لا رغبة لي في الطعام , أتمنى الموت فقط 
- ماذا حصل لك ؟!
- جسيكا تركتني 
- لماذا ؟

وبترددٍ شديد أخبره بكل ما حصل .. واراه محتوى (USB) بعد إخراجه من سلّة النفايات
جون بقلق : هل هي فتاة مختطفة بالفعل ؟!
جاك : لا ادري , أفكّر بإرسال المقطع الى والدي ليتأكّد من الأمر 

وهنا قام جون بتقريب الصورة على الشعار المرسوم اعلى باب غرفة الفتاة , قائلاً :
- لا داعي لذلك .. أنظر الى الشعار
- مابه ؟!
جون : انه شعار ناديٍ رياضيّ مهجور
جاك : كيف عرفت ؟!

فأخرج جون جواله .. وفتح فيديو قديم على قناته باليوتيوب ..
- انظر هنا .. انا وصديقي جيمي صوّرنا الغرفة ذاتها قبل عام .. وهو مكانٌ مهجور يمكن لأيّ احدٍ دخوله .. ولا اظن عصابات الإنترنت المظلم سيختارون مكاناً سهلاً كهذا .. واعتقد انها تمثيلية سخيفة استخدموها لإلهائك قليلاً , الى ان يتمكّن الهكر من إختراق حاسوبك .. وأقترح ان تستبدله بحاسوبٍ جديد .. أعرف محل كمبيوتر في آخر الشارع يقبل ان ..

جاك مقاطعاً : أفكّر بسؤال ابي عن الموضوع , فالشرطة أدرى بعمليات الخطف 
جون بعصبية : لما انت متعلقاً به , رغم تخلّيه عنا ونحن صغار؟!! 
- آسف أخي , لم أقصد مضايقتك
- إنسى موضوع ابي والهكر .. وحاول غداً الإعتذار من جسيكا بعد إفهامها المشكلة .. والآن قمّ لنأكل قبل ان تبرد البيتزا 
***

في المساء .. ذهب جون مع صديقه جيمي الى النادي المهجور (دون اخبار جاك) .. بنيّة تصوير الغرفة , وهو على يقين بأنها خالية من آثار الفتاة المخطوفة , لكيّ يُطمّئن اخاه ..
لكنه تفاجأ بوجود اسلاكٍ شائكة امام بوّابة النادي !

جيمي : لا اذكر انه كان مغلقاً السنة الفائتة ! أتعتقد ان العصابة استخدمته وكراً لها ؟ 
جون : لا ادري .. لنتجاوز الأسلاك ونذهب مباشرةً الى الغرفة .. وإن وجدناها مقفلة من الخارج , نبلّغ الشرطة في الحال .. هيا بنا
***

حين وصلا الغرفة .. وجداها مفتوحة , ولا أحد بالداخل ..
جون : ارأيت !! كنت متأكداً إنها تمثيلية 
جيمي : ما هذه الرائحة العفنة ؟ يبدو وكأن أحدهم قضى حاجته مراراً في الغرفة.. (ثم صرخ فزعاً بعد ان داس على شيءٍ رخو)

فوجّه جون إضاءة جواله على المكان الذي أشار اليه صديقه , ليجدا أصبعاً بشريّاً متعفّناً !
جيمي : يا الهي ! هل قطعوا أصبعها ؟!
جون بخوف : دعنا نخرج من هنا فوراً 

لكن قبيل خروجهما من الغرفة ..أُلقيت شبكة صيد فوق رأسيهما , ليعلقا اسفلها !
***

في صباح اليوم التالي .. بحث جاك عن اخيه في ارجاء المنزل  
- غريب ! ليس من عادته الإستيقاظ باكراً 

ثم عاد الى غرفته لترتيب حقيبته الدراسية , وإذّ برسالةٍ جديدة تصل إيميله , بعنوان : 
((رسالة من جون))  

ففتحها وهو يظن أن اخاه ارسلها , ليتفاجأ بفيديو قصير لجون وصديقه محتجزين بذات الغرفة القذرة ! وهما مثبّتان بالجدار بالسلاسل , ومكمّما الفم .. 
وبعد دقيقتين .. إقترب منهما رجلٌ مقنع يحمل منشاراً كهربائي , قام بقطع رجل جيمي (صديق اخيه) الذي صرخ بهستيريا من شدة الألم .. وانتهى المقطع ! 

فسقط جاك عن كرسيه , وهو يرتجف بخوفٍ شديد ..
وإذّ برسالةٍ اخرى تُرسل اليه : 
((ان كنت تريد انقاذ اخيك , فعليك تنفيذ امرنا))
فكتب جاك بيدين مرتجفتين : 
- كم تريدون ؟
- لا نريد فدية .. نريدك ان تصبح مثلنا 
جاك : لم افهم !
- نريدك ان تخطف فتاة مجهولة , وتصوّر نفسك وانت تعتدي عليها .. وبعد إرسالك الفيديو , نُطلق سراح اخيك .. اما صديقه ..  فمازال ينزف الى الآن , ولا اظنه سيعيش طويلاً 

فكتب جاك , بعد مسحه دموعه : 
- رجاءً اطلبوا شيئاً آخر 
- إن لم تنفذ طلبنا , سنرسل لك اول اصابع جون
جاك : لا انتظر !! سأفعل ما امرتني به , لكني احتاج الى بعض الوقت
- نريد الفيديو هذا المساء , مفهوم !!
وانتهت المحادثة ..

فانهار جاك باكياً وهو يلعن نفسه لدخوله عالم الإنترنت المظلم , لكن ليس لديه وقتاً للندم ..
وأسرع الى السوبرماركت لشراء قناعٍ شتويّ (لإخفاء معالم وجهه) , وشريطاً لاصقاً وحبلاً سميكاً ..

فمازحته محاسبة السوبرماركت قائلة :
- هل ستخطف احدهم ؟
فأجابها دون النظر اليها , كيّ لا ترى عينيه الخائفتين :
- لا , سنستخدمهم بمسرحيةٍ جامعية ..

وخرج من هناك وهو يفكّر بطريقة لتنفيذ أوامر العصابة دون الوقوع بمشاكل قانونية 
*** 

وقاد سيارة والدته القديمة دون وجهةٍ محدّدة , ليتوقف مع غروب الشمس امام بارٍ في أطراف مدينته .. 
فلبس قناعه في السيارة , وهو يراقب الفتيات السكارى الخارجة من البار 

بهذه اللحظات.. إتصلت صديقته جسيكا قائلةً :
- مع انني مازلت غاضبة لفضحك اسرارنا , لكني قلقت عليك لتغيبك عن الجامعة 

وهنا خطرت في باله فكرة , فأسرع قائلاً : 
- جسيكا , اريدك بخدمةٍ انسانية عاجلة 
- ماذا هناك ؟!
جاك : اريد ان اراك حالاً , فحياة اخي في خطر
- ماذا به ؟
- انا قادم الى سكن الطلاّب , إنتظريني
***

وعادا معاً الى منزله , وهناك اخبرها بكل شيء..
جسيكا بخوف : يا الهي ! لما دخلت عالمهم القذر يا جاك ؟
- ارجوك جسيكا لا وقت الآن للعتاب , عليّ ارسال الفيديو هذا المساء
- أتريدني ان أمثّل دور الضحيّة ؟! 
جاك : يبقى أفضل من اعتدائي على فتاةٍ بريئة , وبقائي في السجن مدة طويلة كافية لتدمير مستقبلي .. ارجوك ساعديني 
***

بعد ساعة .. ارسل لهم الفيديو المصوّر للإعتداء المُفبرك : حيث ظهر فيه بقناعٍ يغطي وجهه .. وهو يُخفي وجه صديقته تحت الوسادة , التي أتقنت دور الضحيّة وهي تصرخ بكل قوتها محاولةً الإفلات من بين يديه 

بعد خمس دقائق , وصله الردّ :
- أتستغبينا يا جاك ؟!! انها صديقتك جسيكا
جاك بدهشة : لا ! ليست هي
- لقد سمعنا خطتكما منذ البداية 
جاك وهو يتلفّت حوله بخوف : أوضعتم كاميرات في بيتي ؟!
- ربما , وربما لا .. لنعد الآن الى حديثنا .. بما انك لم تنفذ طلبنا , فسنبدأ بتعذيب اخيك 

فكتب جاك بخوف : لا , أتوسّل اليك !! .. أعدك بإرسال الفيديو غداً ..سأصوّر عملية الخطف كاملةً .. ارجوك أعطني فرصة ثانية 
- حسناً .. معك الى مساء الغد , والا سيلقى اخوك مصير الفتاة المختطفة وصديقه جيمي الذي مات قبل قليل .. أفهمت ؟!!
وانتهت المحادثة ..
*** 

فأعاد جسيكا الى سكن الطلّاب والتي وعدته بكتمان الموضوع , كما طلب منها .. 
ثم أخذ حاسوبه , وأسرع الى منزل والده الذي يعيش بضواحي مدينته ..
***

في هذه الأثناء .. كان والده على وشك الخروج من المنزل (ببذلة الشرطة) لعمله المسائي , حين تفاجأ بإبنه متوجهاً نحوه !
- جاك ! أخيراً زرت والدك 
فارتمى في حضنه باكياً وهو يقول : 
- ابي ارجوك , أنقذ جون من الموت
الوالد بقلق : ماذا حصل له ؟!
- عليّ اولاً ان اريك ما بداخل حاسوبي

فأدخله المنزل ليريه فيديو الفتاة المخطوفة , وفيديو تعذيب صديق اخيه
الأب فزعاً : يا الهي ! مالذي جعلك تدخل الى الإنترنت المظلم ؟!
- انا نادمٌ جداً .. (وتنهد بضيق) .. علينا إيجاد جون بأسرع وقتٍ ممكن
- الم تخبرني انه صوّر المكان المهجور في قناته ؟
جاك : آه صحيح ! كيف لم أفكّر بالأمر

وبحثا في قناة جون , الى ان عرفا عنوان النادي المهجور الذي ذكره في اول الفيديو ..
الوالد بحزم : جاك !! إبقى هنا ريثما اعود , وإيّاك ان تفتح حاسوبك ..
- حاضر ابي 

ثم أسرع الأب الى مركز الشرطة لطلب الدعم , لاقتحام وكر المجرمين 
***

واثناء وجود جاك في منزل والده , رنّ جواله ! 
وحين فتحه , سمع صوتاً مشوّشاً يقول له :
- الم ننبهك بعدم الإتصال بالشرطة ؟ .. بتصرّفك الغبي قضيت على حياة أخيك 
- لا ارجوك .. دعنا نتفاهم  
وانتهت المكالمة..

فحاول جاك الإتصال بوالده , لكن جواله انطفأ فجأة ! فعلم بأن الهكر عطّله عن بعد !
فرفع هاتف المنزل ليجده معطلاً ايضاً !

بهذه اللحظات .. أُضيء حاسوبه لوحده ! لتظهر عليه مجموعة من الصور آثارت الرعب في قلبه .. ولم تكن صور تعذيب اخيه , بل صوره وهو صغير : حين خطفه رجلٌ مجهول اثناء ذهابه الى المدرسة , واعتدى عليه في قبوٍ مظلم , قبل ان يعيده ظهراً الى منزل والدته .. 
وأخفى جاك الأمر عن الجميع الى هذا اليوم !

بعد دقائق .. وصلته رسالة على ايميله : 
((الرجل الذي أذاك وانت صغير هو أحد زبائننا المهمّين , الذي تذكّرك البارحة بعد رؤيته لوحمة وجهك المميزة .. 
وغداً سننشر صورك الفاضحة في جامعتك (كما فعلنا سابقاً) ليعرف الجميع إنك شاذّ , خصوصاً جسيكا))

فاسند جاك ظهره على الكنبة , بأنفاسٍ ثقيلة وقلب مفعمٌ بالهموم .. فتلك الصور أعادت ذكريات طفولته السيئة التي حاول طوال حياته نسيانها 
***
في هذه الاثناء .. بحث والده بهستيريا في ارجاء النادي المهجور , بعد عثور الشرطة على جثة جيمي الذي تصفّى دمه من قدمه المبتورة , وإيجادهم لأصبع الفتاة المختطفة المتحلّل .. لكن لا أثر لجون ! 

فسبقهم الوالد المذعور الى قبو النادي , ليتفاجأ بعبارةٍ مكتوبة على الجدار بالدماء : 
((المراهق جاك لعب مع الأشخاص الخطأ , وسينال عقابه قريباً))

فأسرع الأب نحو سيارته , وهو يقول لزملائه :
- جاك في خطر !! سأعود فوراً الى بيتي  
***

وفور دخوله المنزل , بحث عنه في جميع الغرف .. الى ان انتبه على صور اعتداء ابنه على الحاسوب 
- يا الهي ! ماذا فعل بك هذا الحقير ؟

وهنا سمع شيئاً يقع في القبو ..
فأخرج مسدسه ونزل بحذر الى هناك , ليتفاجأ بإبنه مشنوقاً !
- جاك !! ماذا فعلت ؟!!!
وأسرع بقطع الحبل والقيام بالتنفس الإصطناعي , لكنه فارق الحياة 

بعد دقائق من البكاء المرير .. حاول تمالك نفسه ليتمكّن من حمل جثة ابنه الى فوق , فإذّ بورقة تسقط من جيبه .. كان فيها : 
 ((آسف ابي , لم استطع نسيان ما حصل في طفولتي .. لذا قرّرت إنهاء حياتي .. لكن ارجوك أنقذ جون , لا تجعله يموت بذنبي))

وهنا رنّ جوال الأب , ليردّ وهو مازال يشهق بالبكاء .. 
فسمع صوتاً مشوّشاً يقول :
- أتريد شراء صندوقاً عشوائياً من الإنترنت المظلم ؟

فصرخ الأب غاضباً :
- يا ملاعين !! ماذا فعلتم بولدايّ ؟!! 
- عليك اولاً شراء الصندوق بألف دولار , وستجد فيه ما يرشدك الى مكان جون .. سنرسل جميع المعلومات على جوالك .. وننصحك بعدم التأخر بالدفع , فبيع اعضاء جون بالسوق السوداء يُكسبنا اضعاف ما ستدفعه لنا .. وأنبهك منذ الآن بالحفاظ على السرّية التامة , والا ستخسر كلا ولديك
وانتهت المكالمة ..

فأسرع الأب بإرسال الف دولار من بطاقته الإئتمانية الى إيملهنّ الخاص الذي ارسلوه على جواله  .. 
وبعد إتمام العملية , وصلته رسالة أخرى :
((سيصلك صندوقنا المميز في القريب العاجل))

بهذ اللحظات .. نزل رفيقيه الشرطيين الى قبو , ليتفاجآ بجثة جاك بين احضان والده
- ماذا حصل له ؟! من قتله ؟!
الأب وهو يمسح دموعه : إنتحر شعوراً بالذنب لتوريط جون مع العصابة .. رجاءً ساعداني بحمله الى فوق
***

بهذا الوقت , وفي مكانٍ بعيدٍ مظلم .. كان رجلٌ مقنّع يراقب الوالد من خلال الحاسوب , اثناء إخراجهم جثة جاك من المنزل.. 
ثم التفت الرجل المجهول خلفه , ليتكلّم مع جون المحتجزّ في صندوقٍ حديديّ : 
- ممتاز !! والدك لم يخبر صديقيه عن اتصالنا , يبدو انه تعلّم الدرس من اخيك الغبي

جون : كيف استطعتم وضع الكاميرات في منزلنا , ومنزل والدي؟!
- جاك كان مستهدفاً منذ الصغر , لوسامته التي أعجبت احد عملائنا الأثرياء ..لهذا ساعدناه بعملية الخطف والإعتداء .. ولسوء حظ اخيك , اعاده القدر الينا حين راسلنا بشأن الصندوق .. لكننا بصراحة لم نتوقع انتحاره ! .. لهذا ليس امامنا سوى خداع والدك لدفع المزيد من المال في سبيل إنقاذك .. وفي حال تصرّف بغباء , نتخلّص منه .. ومن بعدها نقنع عميلنا باستغلالك بدلاً عن جاك , لأنك وسيمٌ مثله 

وأطلق ضحكةً مجلّجلة مُستفزّة .. بينما كان جون يبكي بصمت داخل  زنزانته الضيقة حزناً على انتحار اخيه , وخوفاً على مصيره هو ووالده بعد تورّطهما في عالم الشياطين البشريّة المخيف !

السبت، 1 فبراير 2020

الجندي البدين

تأليف : امل شانوحة
رسوم متحركة .. الجزء الثاني من الطباخ الصغير
رابط الجزء الأول :
https://www.lonlywriter.com/2018/11/blog-post_24.html

بطولة طبّاخ الجيش 

مع استمرار الحرب العالمية الثالثة للسنة الرابعة على التوالي , وموت ملايين البشر حول العالم , إضّطرت الحكومات لتجنيد إجباري للمراهقين , حتى لوّ كان الولد الوحيد لوالديه !

وكان بوب في عامه 15 حين أُخذ جبراً من بيته , دون اكتراث الحرّاس لتوسّلات وبكاء امه الأرملة .. 

ثم اقتيد للإنضمام مع رفاقه في جيشٍ ضمّ جنوداً من صغار السن .. وكان واضحاً منذ البداية إنه غير مناسب للتجنيد بسبب وزنه الزائد .. لكن النقيب أمِل بأن التدريبات القاسية لثلاثة شهور كفيلة بتنحيفه , قبل إرساله مع دفعته الى جبهة الحرب

وكان الأمر شاقاً على بوب منذ ليلته الأولى في المهجع حيث نام باكياً شوقاً لأمه , ولشدة جوعه لأن العشاء لم يكن سوى عصيدة سيئة الطعم .. وبصعوبة استطاع النوم مع تباشير الصباح .. ليتفاجأ بالنقيب يصرخ في وجه بعد ساعاتٍ قليلة للنهوض والقيام بالتدريبات العسكرية الصباحية !
***

بعد ساعات من التمارين المتواصلة , تنحى بوب جانباً محاولاً التقاط انفاسه , وهو يشعر بنبضات قلبه تمزّق صدره من شدة الإرهاق والتعب .. لتنهال عليه انتقادات النقيب القاسية التي جعلته يتابع التدريبات الشاقة لساعةٍ أخرى , قبل سقوطه مغمياً عليه !

واستيقظ لاحقاً في غرفة التمريض على صوت الطبيب يُخبر النقيب بضعف قلبه بسبب الكوليسترول الزائد في دمه .. وكان هذا سبباً لحصوله على إذنٍ رسمي بتقليل تمارينه البدنية  

بعدها بأيام , فشل بتمارين الرماية ! لتأتي نتيجة الفحص الطبي وتثبت ضعف نظره ايضاً .. 

ورغم عيوبه الجسدية الا ان الإدراة العسكرية رفضت تسريحه , خوفاً من تشجيع غيره على التهرّب من واجبهم الوطني !
***

بعد اسبوعين من تجنيده .. أصبح بوب اسوء مجنّد في المعسكر بعد فشله بجميع التدريبات العسكرية .. 

وكان أكثر ما أغضب النقيب منه : هو تقيؤه للطعام وسط القاعة (لسوء طعمه) .. فعاقبه بالوقوف طوال الليل في الساحة تحت المطر , ليُصاب لاحقاً بنزلة بردٍ شديدة ! 

ولسوء لياقته الصحية فقد تعود الطبيب العسكري على رؤيته من وقتٍ لآخر في المستشفى الميداني , والذي نصحه باستمرار بإنقاص وزنه لسلامة قلبه الضعيف 
***

مع نهاية الشهر الأول في المعسكر التدريبي .. لم يستطع بوب تحمّل المزيد , فحاول الهرب مساءً من الثكنة .. الا ان ثقل وزنه منعه من القفز فوق الأسلاك الشائكة , ليتم إسعافه لاحقاً في غرفة التمريض بعد التواء قدمه إثر سقوطه من فوق السور ! 

واثناء وجوده هناك , قال له الطبيب معاتباً :
- كفّ عن البكاء يا بوب , فالرجال لا تبكي
بوب بحزن : انا لست رجلاً , مازلت مراهقاً صغيراً
- وكذلك جميع افراد دفعتك
- وما ذنبنا ان نُقتل في حربٍ إفتعلها الساسّة الكبار ؟ الا يكفي موت ابي في بداية الحرب , وبقاء امي وحدها دون معيل ؟
الطبيب : وهل كنت تساعدها ؟
- نعم , كنت اطبخ معها في مطعمنا الشعبي
- هل انت طباخ ؟!
بوب : أكيد !! وبارعٌ جداً في عملي 
- اذاً اخيراً وجدنا شيئاً يبقيك معنا في الجيش
- لكني لا اريد البقاء هنا !!
- لحظة , سأعود بعد قليل

وذهب الطبيب الى النقيب ليخبره بما قاله بوب .. 
النقيب : أتقترح نقله الى مطبخنا ؟!
الطبيب : نعم .. طالما انه فشل بجميع الإختبارات , فليس امامنا الا الإستفادة من مهارته في الطبخ ..
النقيب بعصبية : حسناً.. فور تشافي قدمه , أرسله لمساعدة طباخنا العجوز .. لكني أحلف ان كان طبخه سيئاً , سأفرّغ مسدسي في كرشه الكبير !! فقد أتعبني قلّة همّته وبكائه كالأطفال
الطبيب : لتكن هذه فرصته الأخيرة
***

بعد اسبوع .. نُقل بوب الى مطبخ الجيش ..
وهناك قال له الطباخ العجوز : 
- عليك ان تفهم منذ الآن انك مساعدي فقط .. ولن اسمح لك بالتدخّل في قائمة الطعام او المقادير.. هل فهمت ؟!!
بوب : حاضر شيف , فالعمل هنا أهون من التمارين القاسية
- لا تفرح كثيراً .. أرايت الصندوق الكبير الذي هناك ؟
- نعم
الطباخ : انه مليء بالبصل .. خذّ السكين وابدأ العمل فوراً

وكان فيه ما يقارب 10 كيلو بصل .. 
فشرع بوب في العمل , وهو يقول في نفسه :
((يبقى البصل أفضل من إصابتي برصاصةٍ طائشة اثناء التمارين , وبحجّتها أبكي شوقاً لأمي دون ان يلومني احد))
***

بعد انتهاء الغداء ..واثناء إزالة بوب للصحون من قاعة طعام , إقترب منه النقيب غاضباً :
- الشوربة لم تكن جيدة يا بوب !!
بوب : أعلم ذلك .. فملحها كثير وبهاراتها قليلة , والصلصة لم تُسبّك جيداً
- اذاً لما لم تصلحها ؟!
- الطبّاخ لم يسمح لي بلمس الطعام , وقمت فقط بتقطيع الخضار
النقيب : أحقاً ! سأذهب للتحدّث معه  

وفي المطبخ .. طلب النقيب من الطباخ السماح لبوب بإعداد طبق الغد , لتقييم موهبته في الطبخ .. 
وبعد مناقشةٍ طويلة , وافق الطباخ العنيد على ذلك !
***

في ظهر اليوم التالي .. ساد الهدوء ارجاء قاعة الطعام , بعد تلذّذ الجميع بمذاق اللازانيا التي فاقت توقعاتهم ..وكان النقيب اكثرهم إعجاباً بالطبق الذي شابه طبخ والدته المتوفاة , والذي جعله يُصفّق لبوب فور دخوله القاعة , قائلاً بصوتٍ عالي :
- أُعلنك منذ اليوم , رئيس مطبخنا الجديد !!

وضجّت القاعة بالتصفيق والصفير .. وأدمعت عينا بوب فرحاً بوظيفته الجديدة التي أغضبت الطباخ القديم بعد إعلان تنحيته عن وظيفته , قائلاً في نفسه بقهر : 
((أفنيت عمري بالطبخ لهم دون تقديرٍ منهم , بينما حصل الصغير الأرعن على وظيفتي من طبقٍ واحد .. غداً , سأجعلهم يندمون جميعاً !!))
***

في غداء اليوم التالي .. شكر الجميع بوب للمرة ثانية على طبق الأرز بالدجاج الفاخر .. 

لكن بعد ساعة على انتهاء الغداء , أُصيب الكثيرون منهم بالإسهال والتقيؤ .. وتأهّب الأطباء العسكرين لمعالجتهم , بعد إعلان حالة تسمّم للدفعة بكاملها !

ولاحقاً أجرى النقيب تحقيقاً مع الطباخ العجوز الذي أخلى مسؤوليته بعد استلام بوب لمهمة إعداد الطعام .. وبدوره أكّد للضابط مراعاته لقوانين النظافة , واستخدامه مكونات غير منتهية الصلاحية !

الا ان كلاهما لم يعلما بوجود كاميرا خفية في سقف المطبخ , التي فضحت الطباخ العجوز وهو يضع بهاراً اخضراً في قدر الدجاج قبل تقديمه ..

وبعد البحث في اغراضهما , وُجد المرطبان الصغير في خزانة العجوز ..لتأتي نتيجة المختبر العسكري وتؤكّد بأنه دواء مسحوق للإسهال .. فتمّ طرد العجوز من الخدمة .. بينما ازدادت شعبية بوب بين افراد دفعته بسبب اطباقه الفاخرة التي أبهرهم بها كل يوم 
***

مع مرور الأيام .. أصبح الجميع يتوقون لفترة الغداء لتجربة اطباق بوب المميزة , حيث كانوا يطرقون بالشوك والملاعق على الطاولات لاستعجاله في تقديمها .. كما ألفوا له مقاطعاً غنائية , أدخلت السرور الى قلبه
***

بعد انتهاء الشهور الثلاثة للتدريبات العسكرية , حان وقت إرسال الدفعة الى وجهة الحرب .. ونُقل بوب معهم كطباخ الكتيبة الذي حرص على أخذ كل ما يلزم مطبخه الميداني , وهو مطمئن على حياته بعد ان وعده النقيب بأن مهمته تقتصر على إطعام الجنود دون الإنخراط بالمعارك 
***

لكنه احتار هناك كيف ينوّع طبخاته من مكوناتٍ محدودة من الخضار التي لا تفسد سريعاً : كالبطاطا والبصل والكرنب والجزر , محاولاً ما في وسعه إسعاد اصدقائه العائدين من المعارك الدامية .. رغم تعبه النفسيّ  كلما أُصيب أحدهم او قُتل في ساحة الحرب 
***

في ليلةٍ مظلمة , أسر رفاقه ملازماً من الفرقة المعادية .. وكان على بوب إطعامه لحين مبادلته مع اسرى فرقته ..
ومما سهّل عمله هو إتقان الملازم العدو للغة بوب , والذي شكره كثيراً على طعامه اللذيذ الذي أسعده داخل سجنه الكئيب
***

بعد شهر , عُقدت إتفاقية مبادلة .. وتمّ إعادة الملازم الأسير , مقابل عودة خمسة من الجنود التابعين لفرقة بوب

وبعد عودة الأسير الى سرّيته , بدأ يتملّل من طعامهم السيء ومقارنته بطعام بوب اللذيذ الذي قال عنه : 
- لدى كتيبة العدو طباخاً مراهقاً اسمه بوب .. هو بدين ومنظره مضحك , لكن طعامه من الجنة رغم استخدامه مكوّناتٍ بسيطة 
جندي باستغراب : وهل يطعمون أسراهم من طعامهم الخاص ؟! 
الملازم : ليس هذا فحسب , بل أضاف الى وجبتي الرئيسية : كعكٌ بالزنجبيل , او كيكة البرتقال والبودينغ ..

الجندي الآخر بدهشة : أأعطاك حلويات ايضاً ؟!
- نعم , وهي جيدة الصنع .. ولن تصدّقوا براعته في الطبخ
- انت محظوظ سيدي , فطباخنا سيءٌ للغاية ولا يحضّر لنا سوى الفاصوليا اليابسة 
الملازم : اذاً ما رأيكم ان نقوم بهجمةٍ مفاجئة لخطف طباخهم البدين ؟
- أتتكلم بجدّية , سيدي ؟!
الملازم بحماس : نعم !! لوّ ذقتم طعامه الفاخر , لفكّرتم بالأمر ذاته
- حسناً , لما لا .. 
***

وبالفعل تفاجأت ثكنة بوب بهجومٍ مباغت بالقنابل الصوتية (لأن سرّية العدو لم ترد إصابة بوب بالخطأ)
واثناء انشغال الجنود بالإشتباكات معهم , تسللّ الملازم (الأسير السابق) الى مطبخ الثكنة لخطف بوب المُختبئ اسفل الطاولة , بعد ان هدّده بالسلاح

وبعد وضعه في الشاحنة , إنسحب جنود العدو من المكان دون حدوث اصابات او قتلى من الجهتين !
***

بعد ساعة .. لاحظ الرفاق إختفاء بوب بعد بحثهم عنه في كل مكان , فأصيب الجميع باليأس والحزن على اسر العدو لطباخهم البارع 

في هذه الأثناء , داخل شاحنة العدو.. سأل بوب الأسير السابق بقهر :
- أهذا جزائي لأني اهتممت بطعامك ؟!
النقيب : ولأجل هذا أردّت ضمّك الى مطبخنا المجهّز بكل شيء , فنحن لدينا الكثير من الإمكانيات عكس دولتكم الفقيرة
بوب : أتقصد ان لديكم لحوم ودجاج ؟!
- نعم كل ما يلزمك لإعداد اطباقك الشهيّة 
بوب بحماس : ممتاز !! فلي شهرين لم اطبخ سوى الخضروات , وانا بارعٌ اكثر باللحوم 

النقيب : جيد .. لكننا سنضع مراقباً عليك , خوفاً من ان تضع السمّ في طعامنا
- انا لا تهمّني نتائج حربكم السخيفة , كل ما يهمّني هو اعجاب الناس بطبخي مهما كانت جنسيتهم
النقيب : أحسنت !! وعلى فكرة , جميع الجنود متشوقين لتناول طعامك بعد ان أخبرتهم ببراعتك في الطبخ .. لكن لا أحد منهم يتقن لغتك .. فإن اردّت شيئاً , أطلبه مني وانا أترجمه لهم 
فأومأ بوب برأسه إيجاباً ..
***

ومنذ طبخته الأولى حصل على إعجاب الجميع , لكنه شعر بخيانة بلده لخدمته العدو , لكنه مُجبر على تنفيذ الأوامر

بعد شهرين ..إعتاد جنود العدو على طعام بوب , ووثقوا به لدرجة انهم لم يعودوا يراقبونه في المطبخ واعطوه كامل الحرية 
***

في أحد الأيام .. أدخل بوب الطعام الى قائدهم في غرفة الإرسال , ليجده يستحم في الحمام الخارجي .. 

وقبل خروجه , سمع رسالةً صوتية من جندي المراقبة : 
- هل يسمعني احد ؟!!
(وكان بوب قد حفظ بعض الكلمات الأجنبية خلال الشهرين التي قضاها في معسكرهم) .. فأجابه بتردّد : 
- نعم , انا القائد .. ماذا هناك ؟
فأخبره بأن جنود العدو (ايّ كتيبة بوب) يقتربون منهم , وهناك احتمال لهجومٍ مباغت هذا المساء..
بوب وهو يكتم فرحه : حسناً عُلم .. ولا ترسل رسائل اخرى الينا , كيّ لا تلقتطها أجهزتهم اللّاسلكية
- حاضر سيدي

وخرج بوب سريعاً من خيمة القائد بعد تركه الطعام على طاولته .. وذهب الى المطبخ وهو يفكّر بطريقة لمساعدة اصدقائه في هجمتهم القادمة.. فتسلّل الى غرفة التمريض , وسرق منها ادوية المنوّم .. وعاد الى المطبخ لطحنها جيداً
*** 

في المساء .. وضع بوب مسحوق المنوّم في حساء العشاء الذي قدّمه لجنود العدو .. 
وما ان انهوا طعامهم حتى أحسّوا بالكسل والنعاس , فعادوا الى ثكنتهم ليناموا على الفور 

كما توقف الحارسان عن المراقبة في أعلى البرج بعد شعورهما بالإرهاق الشديد , وغفيا على كرسيهما !

وبعد ان ساد الهدوء المعسكر , أسرع بوب الى خيمة القائد الذي وجده نائماً في سريره , حيث دلّ شخيره العالي على نومه العميق 

فتوجه الى جهاز المعلومات التلغرافية , ليرسل بشفرة مورس رسالة قصيرة :
((انا الطباخ بوب .. وضعت منوّماً في طعامهم .. إسرعوا باقتحام المعسكر , فالمنوّم سيدوم ساعتين فقط)) 

وفور قراءة نقيبه الرسالة , أمر جنوده بالهجوم على معسكر العدو الذين استيقظوا مرتعبين بعد إقتحامهم الثكنة ! 

وكانت هجمةً سريعة وناجحة , إنتهت بنقل جنود العدو الى معسكرات الأسر , دون سقوط جرحى او موتى بالطرفين !  

وفي تلك الليلة .. كُرّم بوب بميدالية الجشاعة ضمن احتفالٍ كبير مع رفاق دفعته الذين سعدوا بعودته سالماً اليهم .. 

وكان عمله البطولي سبباً في فقد العدو سيطرته على تلك المنطقة , مما شجّع جيش المراهقين للمُضيّ قدماً مُحققين انتصارات متتالية , أدّت لتقهقر العدو الى الخلف 
***

وكمكافأة لبوب , تمّ إعادته الى بلدته التي استقبلته بحفلٍ شعبي ضخم .. 
وحضنته امه بفخر لعودته اليها بطلاً ورشيقاً وبشخصية أكثر قوةً وصلابة 
ولاحقاً وضع بوب نيشانه في صندوقٍ زجاجي فوق قبر والده 
***

وقبل احتفالات رأس السنة الجديدة , أعلن انتهاء الحرب العالمية الثالثة بعد سحب الدول الكبرى جنودها من المناطق المتعاركة .. وعُقدت اتفاقيات السلام بين الحكومات والأحزاب المتحاربة.. 

وبهذه المناسبة .. أقام بوب حفلاً ضخماً إحتفالاً بعودة اصدقائه سالمين الى بلدتهم , وقدّم لهم أطباقاً مجانية .. كما أسعده قبول النقيب دعوته والذي عبّر عن فخره بشهرة المطعم في ارجاء البلاد , ليصبح لاحقاً من زبائنه الدائمين !  

الأحد، 26 يناير 2020

جيل المستقبل

تأليف : امل شانوحة

المختارون 

في ذلك الصباح , تأخر جون عن المحاضرة .. واثناء دخوله مُسرعاً الى الجامعة , إصطدم بطالبٍ متفوق مما أوقع بطاقته الجامعية التي كان يُريها لحارس البوّابة 
فانتبه جون بأن بطاقة الطالب ذهبيّة , بعكس بطاقته الزرقاء ! رغم انهما يدرسان معاً في السنة الأخيرة لهندسة الكمبيوتر..

كما لاحظ إرتباك الطالب الذي أسرع بإخفاء بطاقته ! ..فلحقه جون ليسأله:
- عفواً , هل غيروا بطاقتنا الجامعية ؟
الطالب بتلعثم : لا ابداً , كانت تلك بطاقة النادي الرياضي 
جون : لكن عليها شعار الجامعة !
- دعنا نستعجل قبل بدء المحاضرة 
وأسرعا الى القاعة , دون ان يجيبه على سؤاله !
***

في ليلة رأس السنة .. ارتفعت أصوات الأغاني في السكن الطلّابي , إحتفالاً بنهاية العام .. مما ضايق جون ورفاقه الذين ارادوا الدراسة لامتحانٍ مهم بعد العطلة الرسمية .. 
ولأن جون لم يستطع التركيز مع هذه الضجّة , خرج من المهجع باتجاه الجامعة , ليتفاجأ بأنها مفتوحة ! 
فاتصل على اصدقائه الثلاثة , مُقترحاً عليهم الدراسة في إحدى قاعاتها 
***

بعد تجمّعهم هناك , قام جون بإلهاء الحارس بعمل اصواتٍ في موقف السيارات , جعلته يبتعد عن البوّابة .. مما مكّنهم من التسللّ الى الحرم الجامعي .. ثم الصعود للطابق الأخير , حيث وجدوا إحدى غرفها مفتوحة .. فأقفلوا الباب عليهم من الداخل , وبدأوا الدراسة بهدوء  
***

بعد مرور الوقت .. نظرت جاكلين الى ساعتها :
- درسنا لساعتين متواصلتين , الا تريدون العودة للمهجع ؟
صديقتها : معها حق , فنهاية العام بعد ساعة .. دعونا نحتفل مع اصدقائنا
جون : عودوا ان اردتم , فأنا اريد إنهاء الفصل الأخير من الكتاب
صديقه وهو يمسك جواله : اللعنة !!
جون : مابك ؟
الصديق : اريد تصوير صفحة من الكتاب , لكن كاميرتي لا تعمل 
جون : أعطني جوالك .. سأصلحه هذه الليلة , فأنا خبير بهذه الأمور
صديقه : تفضّل !! .. (ثم قال للفتاتين) .. سأحاول إنهاء المسألة الرياضية سريعاً , لأعود معكما  
ففتحت جاكلين باب الغرفة وهي تقول : 
- سأذهب للحمام اولاً , لا تذهبوا من دوني 
صديقتها : وجدته مغلقاً قبل قليل , إبحثي في الطوابق السفلية  
***

بعد خروج جاكلين من حمام الطابق الثالث , ضغطت على زرّ المصعد للعودة الى اصدقائها في الطابق الرابع والأخير .. الا ان المصعد نزل مباشرةً الى الطابق السفليّ للجامعة !
وحين خرجت من المصعد , رأت ضوءاً قادماً من مسرح الجامعة  
فاقتربت من بوّابته العملاقة , لتسمع محاضرة في الداخل !

فاسترقت النظر من شقّ الباب المفتوح , لترى مدير الجامعة يُلقي كلمة على عددٍ من الطلاّب , برفقة استاذين .. جميعهم لبسوا أقنعة بلاستيكية تُخفي وجوههم ! ورغم ذلك تمكّنت جاكلين من تميز صوت المدير الجهوريّ ..

وقبل عودتها الى فوق لإخبار اصدقائها عن المحاضرة السرّية , إستوقفتها كلمات المدير وهو يقول لهم :
- انتم طلاّبنا المميزون الذي إخترناهم بعنايةٍ فائقة : فمنكم المبدعين وأوائل الدفعات , وابناء الذوات والأغنياء , وأبرع شبابنا الرياضيين .. كما اخترت بنفسي المشاغبين الطمّاعين الذين لا يمانعوا في بيع مبادئهم الأخلاقية لأجل مركزٍ مرموق او مال .. ولهذا ميّزناكم بالبطاقات الذهبية .. فأنتم جيل مستقبلنا الواعد !! 
وصفقوا جميعاً ..

فقالت جاكلين في نفسها : ((آه ! البطاقة الذهبية التي أخبرني عنها جون .. اذاً أعطوها للطلاّب المميزين .. لكن لما مدح الطلاّب السيئين الذين تخلّوا عن مبادئهم ؟! فالأمر يُخالف تعاليم الجامعة ! .. ولما يخفون وجوههم بهذه الأقنعة المرعبة ؟! ..عليّ تنبيه اصدقائي للخروج من هنا فوراً , فحدسي يشعرني بمصيبةٍ قادمة))

لكن عادت واستوقفتها كلمات المدير وهو يقول لهم : 
- جميعكم ستتوظفون بأرقى الوظائف الحكومية فور تخرّجكم من هنا .. اما بقية الطلاّب , فعليهم تدبير امورهم بوظائف روتينية لا تأثّر على قرارات الدولة .. ولكيّ تضمنوا مراكزكم المستقبلية , عليكم تنفيذ اوامر جمعيتنا بالحرف الواحد دون مناقشة او اعتراض .. فبتضامننا معاً نبني مجتمعاً يخدم مصالح جمعيتنا السرّية !!
فصرخ جميع الطلاب المقنّعون بصوتٍ واحد : 
- تحيا جمعية المتنورين !! 

فقالت جاكلين في نفسها برعب : ((يا الهي ! الماسون يجنّدون الطلاّب منذ الآن , لهذا اختار المدير الطمّاعين الفاسدين .. اذاً لا قيمة لشهاداتنا المزوّرة , فالنتائج حُسمت سابقاً !.. اولاً لأخرج اصدقائي من هنا , من بعدها أقنعهم بتغير جامعتنا المُسيّسة))

وهنا رأت الأستاذ يقترب من المدير ليعطيه الجوال وهو يقول :
- سيدي , الحارس يريد إخبارك بأمرٍ مهم

فأسرعت جاكلين نحو المصعد .. ورغم انها ضغطت الزرّ عدة مرات , الا انه تأخّر كثيراً في النزول ! 
وقبل صعودها الأدراج , وصل اليها .. فدخلته وضغطت على زرّ الطابق الأخير .. 
لكن قبل تحرّكه بلحظات , أوقفه طالبٌ بيده .. والذي وقف بجانبها وهو ينظر اليها بنظراتٍ حادّة ! 

وقبل صعود المصعد , عاد وأوقفه طالبٌ أخر .. وهكذا الى ان أصبح عددهم اربعة شباب (من ذويّ العضلات المفتولة) أحاطوا بجاكلين في الوسط , وهي ترتجف من نظراتهم الغاضبة اتجاهها! 

فقالت في نفسها  :((هل ازالوا اقنعتهم للحاق بي , بعد ان أخبرهم الحارس بتسلّلنا للجامعة ؟! .. وهل سيسمحون بخروجنا من هنا سالمين ؟)) 

وهنا اسرعت بالضغط على الزرّ الأرضيّ .. فسألها الشاب :
- الم تكوني صاعدة الى فوق ؟
جاكلين بتلعثم : اريد الخروج من الجامعة 
الشاب الآخر : ولما اتيت الى هنا بهذا الوقت المتأخر ؟
جاكلين : ظننت ان صديقي هنا , لكن يبدو انه عاد الى السكن الجامعي
(قالت ذلك لإعطاء الوقت لأصدقائها للهرب من الجامعة)
***

فور خروجها من المصعد , تفاجأت بجميع الطلاّب مجتمعين في ساحة الجامعة (بعد خروجهم من المسرح) .. وقد استشعرت غضبهم خلف أقنعتهم المرعبة !
وهنا سمعت الشاب (الذي كان معها بالمصعد) يقول لهم :
- أمسكوا الدخيلة !!

وما ان قال ذلك , حتى ركضت جاكلين بأسرع ما يمكنها باتجاه بوّابة الجامعة .. لكنها شعرت بشيءٍ بارد يمرّر على خلفيّة رأسها .. وبعدها أحسّت بشيءٍ دافيء يسيل بين خصلات شعرها , مع شعورها بالألم .. فعلمت إن الشاب جرحها بشيءٍ حادّ .. وقبل ان تستوعب ما حصل ! رأت المدير يأمرهم من بعيد :
- لا تجعلوها تخرج من هنا حيّة !! أقضوا عليها وعلى اصدقائها الثلاثة 
فأخرج كل طالبٍ سكينة من جيبه , وبدأوا بملاحقتها ..

فأسرعت جاكلين بتسلّق شجرة ضخمة في وسط الجامعة ..
ومن فوق : شاهدت اصدقائها وهم يحاولون مقاومة المقنّعين بكل قوتهم وهم يصرخون بألم (بعد ان أطلعهم الحارس عن مكانهم في الطابق الأخير من خلال كاميرات المراقبة) ليقوم الجميع بضربهم بالعصيّ والسكاكين بوحشية في ساحة الجامعة !
الى ان قضوا على صديقيها .. اما جون , فقد شاهدت الحارس يرميه في صندوق السيارة .. وكان هذا آخر ما شاهدته جاكلين , قبل تمكّن طالبٌ ضخم من إنزالها من الشجرة بالقوة , وضربها حتى الموت !
***

في صندوق السيارة .. سمع جون (الذي كان يحتضر من جروحه الخطيرة) صوت المدير وهو يسأل الحارس :
- هل تأكّدت من موته , قبل دفنه مع اصدقائه بالغابة ؟
صوت الحارس : نعم سيدي , لكن ماذا سنخبر الأهالي عن اختفائهم المفاجىء ؟ 
فسكت المدير قليلاً , قبل ان يقول : 
- أتدري .. الأفضل ان تترك مهمة الدفن لطلّابنا الرياضيين .. وانت إسرع بحذف ما سجّلته كاميرات المراقبة لهذه الليلة .. وان سألتك الشرطة لاحقاً عما حصل , تُخبرهم بأن الجامعة كانت مغلقة ليلة رأس السنة .. كما اريدك ان تتصل بخادمينا المخلصين لمسح الدماء من الساحة , واخبرهم انني سأضاعف مكافأتهم لعملهم في يوم عطلتهم .. 

صوت الحارس : وماذا نفعل ان وجدت الشرطة جثثهم في الغابة؟ 
صوت المدير : الى ان يجدوهم , يكونوا تحلّلوا بالكامل واختفت معهم آثار الجريمة .... ولا اريد تذكيرك بضرورة تحطيم جوالاتهم التي أخذناها منهم.. 

وهنا سمع جون صوت استاذه الجامعي يقترب من المدير ويقول :
- لا داعي لكل هذا القلق .. فرئيس الشرطة من طلاّبك القدامى , ولن يفضح سرّية جمعيتنا
صوت المدير : آه صحيح , نسيت امره .. اذاً اتصل فيه واخبره عن المتسلّلين الأربعة , ليساعدنا بإخفاء الجريمة
صوت الأستاذ : كما تشاء سيدي

وهنا تذكّر جون بأن جوال صديقه مازال معه (بعد ان سرقوا جواله) ... فأخرجه من بنطاله , اثناء سير السيارة نحو الغابة لدفنه .. لكنه لم يتصل بالشرطة (بعد علمه بتورّط رئيسهم مع الجمعية السرّية) .. بل ارسل ملخّصاً عمّا حصل له ولأصدقائه الى ايميل أهم صحيفة بالبلد , وأطلعهم فيها على إسم المدير والأستاذين المتورّطين بالأمر .. 
بعدها لفظ جون انفاسه الأخيرة لفقده الكثير من دمائه !
***

بعد ساعة .. إتصل رئيس الصحيفة بمدير الجامعة ليخبره عن رسالة جون , وهو يقول :
- جيد انني مرّرت بمكتبي قبل ذهابي لحفلة رأس السنة , والاّ لكان الإيميل أحدث ضجّةً عارمة لوّ قرأه أحد الموظفين بعد انتهاء العطلة 
مدير الجامعة : أشكرك لأنك حذفته
- بالطبع سأفعل !! فأنا من تلاميذك الأوفياء , ولولا جمعيتك السرّية لما حصلت على هذه الوظيفة الراقية .. لكن أتمنى ان لا تنسى مكافأتي 
- مكافأتك محفوظة ايها الطمّاع
- شكراً سيدي ..

وبعد إغلاقه الهاتف , قال له سكرتيره (المنتسب ايضاً للجمعية) : 
- لما استعجلت بحذف رسالة الضحية ؟ كنت استغلّيتها للحصول على المزيد من المال , فرؤساء الجمعية من اثرياء البلد
رئيس الصحيفة : يا غبي !! هؤلاء لا يمكن التلاعب معهم .. فإما ان تنفّذ اوامرهم بكل تفانيٍ واخلاص , او يرسلوك الى جهنم بأسوء طرق التعذيب الشيطانية .. فهم المتحكّمون بالحكومات والدول ..ونحن لسنا سوى أحجار شطرنج ! 

الاثنين، 20 يناير 2020

القرية المهجورة

تأليف : امل شانوحة


فيلمٌ سينمائي بلا نهاية !

في عصر ذلك اليوم .. وصل الشباب الستة الى القرية المهجورة , بناءً على اقتراح المخرج لتصوير نهاية فيلمٍ حربي لمشروعهم التخرّجي في المعهد السينمائيّ

وحين وصلوا الى هناك , تفاجأوا بأعداد المنازل المغطاة بالأعشاب البرّية على طول الجبل التي زادها كآبة ورعباً  

ثم تفرّقوا الى ثلاث مجموعات للبحث عن المنزل المثالي لتصوير مشهدهم الأخير .. 
لكن رائحة العفن المزعجة منعتهم من التجوّل في المنازل التي كانت فارغة من الداخل , فيما عدا بعض البيوت التي احتوت على مفروشاتٍ قديمة صدئة  

ومع ذلك أملوا في إيجاد منزلٍ صالح للمبيت فيه هذا المساء , لبدء التصوير مع فجر يوم التالي ..

وبعد ان أوشكت الشمس على المغيب , قال جيم لصديقه المخرج :
- الأفضل يا مايكل ان ننام في السيارة , بدل ان نُصاب بمرضٍ جلدي او نوبات ربو بسبب الرطوبة العفنة
اريك : وانا اوافقه الرأي 
وهنا سمعوا صوت صديقتهم تناديهم من بعيد :
- أخيراً وجدناه !!
فانطلقوا باتجاهها ..

وكان منزلاً في وسط القرية , لكن لم يُصبه العفن والرطوبة وكأنه بُنيّ حديثاً !..والأغرب انهم وجدوا في غرفته الوحيدة : ستة سرائر (كل سريرين فوق بعض)  ..فقاموا بمسح الغبار عنهم , واستلقى كل واحدٍ منهم في سريره .. 

فقال آدم ممازحاً وبصوتٍ عالي : 
- شكراً ايتها الجن لترتيبكم مكان نومنا !!
جسيكا معاتبة : لا تمزح بهذه الأمور
آدم : ستة سرائر على حسب عددنا , الا تجدين الأمر مريباً ؟
جسيكا : ربما عاش هنا في الماضي ستة اشخاص 
آدم : دون مطبخٍ او حمام ! 

جاك : لقد قمت ببحثٍ شامل عن هذه القرية قبل قدومنا .. واكتشفت انها منازل لعمّال المنجم الموجود في أعلى الجبل .. لكن بعد قرار الحكومة بإغلاقه , هاجر سكّانها الى القرى المجاورة .. لهذا اعتقد إنهم استخدموها للنوم فقط 
آدم : لا أتخيل نفسي اعيش هنا , واضّطر للخروج كل مرة في الجوّ البارد لقضاء حاجتي !
المخرج : الفقر يُرغم الإنسان على فعل المستحيل .. والآن حاولوا ان تناموا , لأن غداً لدينا عملٌ كثير

جيم : لكني جائع
اريك : وانا ايضاً
جسيكا : وانا اريد دخول الحمام
آدم : كنت لمحت نهراً قريباً من هنا .. إن اردّت اذهب معك , وآخذ المصباح معي .. ولا تقلقي , سأبتعد عنك الى ان تناديني للعودة سوياً الى هنا
فتنهدت جسيكا بضيق : مضّطرة لقبول عرضك .. هيا بنا 

وبعد خروجهما من المنزل .. سأل جيم اصدقائه :
- من معه حقيبة الطعام ؟
فأخذوا يبحثون في حقائبهم , ليتفاجأوا بأنهم نسوها في السيارة المتوقفة اسفل الجبل..
جيم بضيق : اللعنة !! السيارة بعيدة جداً عن هنا 
جاك بقلق : والمشي بين الأعشاب الضارة خطيرٌ ايضاً , لأنها رطبة في المساء وتسبّب الإنزلاق , ولا مستشفيات قريبة من هنا .. من الأفضل الإنتظار حتى الصباح

جيم : لكني أتضوّر جوعاً
اريك : اذاً سأرافقك الى هناك , هيا بنا 
جاك : إنتبها جيداً , وكونا حريصين من الدببة والثعابين
جيم معاتباً : جاك ! الا يكفي اننا نمشي بين المنازل المهجورة في المساء , أتريد ان تخيفنا ايضاً من الحيوانات المفترسة !!
المخرج : دعكما منه .. إذهبا ولا تتأخرا كثيراً .. رافقتكما السلامة
*** 

وبعد ذهابهما , سأل جاك المخرج :
- مايكل .. الم يكن أفضل لوّ اقترضنا المال لبناء بيتٍ خشبي صغير , نفجّره بآخر المشهد وينتهى الأمر ؟
المخرج : ألأجل مشهدٍ لا يتعدى الخمس دقائق تريدني ان استلف مالاً مع فوائد من البنوك ؟
- ليتك سألتني سابقاً , لأني اعرف شخصاً يبنى نماذجاً لبيوت صغيرة تظهر بالكاميرا وكأنها بيوتاً حقيقية
- لا وقت الآن لإقتراحاتٍ جديدة .. وطالما أتينا الى هنا , سنصوّر المشهد الختامي غداً ونعود فوراً الى بيوتنا 
جاك : ذكّرني به مجدداً ؟

المخرج : تودع جسيكا زوجها آدم لذهابه الى الحرب العالمية .. وحين يلتفت خلفه , يتفاجأ بصاروخ يسقط على كوخه ويفجّره تماماً ..ثم نصوّره وهو يبكي قرب الحطام , حزناً على زوجته ..وبهذا ينتهي فيلمنا القصير
- ومن اين سنحضر الصاروخ ؟
- نقتطعه من أيّ فيلمٍ وثائقي .. ثم نفجّر المنزل بالديناميت التي أحضرناها معنا .. والآن حاول ان تنام 
جاك : لا سأنتظر الطعام

وفجأة ! سمعا صرخة جسيكا من الخارج .. 
المخرج بقلق : ماذا حصل لها ؟!
جاك : هل يُعقل ان آدم حاول التحرّش ..
المخرج مقاطعاً : لا طبعاً !! فهو مغرمٌ بها ولن يؤذيها .. أخاف ان يكون هاجمهما حيواناً برّيّاً
جاك بقلق : اذاً دعنا نساعدهما , سأحضر مصباحي

وقبل خروجهما من المنزل .. عاد آدم برفقة جسيكا بوجهها الشاحب وثيابها المبللّة , وهي ترتجف من البرد والخوف ..
المخرج بفزع : ماذا حصل لك ؟! 
جسيكا بتلعثمٍ وخوف : هناك شيء حاول إغراقي في النهر ! 
جاك : ربما كان تمساحٌ صغير او راكون او ..
آدم : لا , لم اجد أيّ حيوان قربها ! 
جسيكا بعصبية : لم يكن حيواناً !! فقد شعرت بأصابعه تشدّني بقوة من قميصي .. وأحلف ان اظافره غُرزت في ظهري ..حتى انظروا !!
ورفعت قميصها , ليظهر خدوش اظافر على طول ظهرها !

جاك : هذا مخيف ! أمعقول ان دباً كان يسبح في النهر لحظة ..
آدم مقاطعاً : المصباح كان معي .. وبحثت حولنا جيداً , ولم ارى شيئاً  
المخرج : المهم , الحمد لله على سلامتك .. الأفضل ان تطهّري جروحك  
جسيكا : هل الحقيبة الطبيبة معك ؟
جاك : نعم معي 
آدم ساخراً : أأحضرت الإسعافات الأولية ونسيت حقيبة الطعام في السيارة؟

جاك بعصبية : ليس لأنني شخصٌ رياضيّ عليّ حمل جميع الحقائب , فمعدّات التصوير ثقيلة ايضاً 
المخرج : لا داعي للشجار , فجيم واريك سيحضران الطعام بعد قليل 
آدم بقلق : أخاف ان يعودا الى المدينة ويتركونا , فهما عارضا الرحلة منذ البداية !
المخرج : لا لن يخدعونا , اهدأوا قليلاً
***

مرّت ساعة أخرى , دون أثرٍ لجيم واريك ! 
في هذه الأثناء .. كانت جسيكا تأنّ بألم اثناء نومها ! 
المخرج : ما بها ؟!
فلمس آدم جبينها : يا الهي ! حرارتها مرتفعة  
جاك بقلق : ربما تجرثم جرحها  
فرفع آدم قميصها , ليرى بأن خدوشها إزدادت تورّماً ! 

آدم : أظنها بحاجة الى دواءٍ ما .. سآخذها فوراً الى المستشفى
جاك بعصبية : وهل ستذهب بسيارتنا الوحيدة وتتركنا جميعاً هنا ؟
آدم : لا تقلق , سأعود فجراً لآخذكم الى ..
المخرج مقاطعاً : لا !! نحن لن نستطيع تصوير المشهد الأخير دونكما , فأنتما البطلين .. 
جاك : كلامه صحيح .. فذهابكما قبل المشهد الختامي سيضيّع مجهودنا في المشاهد العشرين التي صوّرناها بالمدينة , ولن نتمكّن من تسليم مشروعنا في الوقت المناسب 

آدم : في جميع الأحوال لن تستطيع جسيكا التمثيل وهي مريضة هكذا
المخرج : ربما تخفّ حرارتها في الصباح 
جاك : اساساً من الصعب عليك حملها اثناء نزولك من الجبل في الظلام
المخرج : الأفضل الإنتظار الى الغد يا آدم , وبعدها نخرج جميعنا من هذا الجحيم .. الآن ضعّ الكمّادات الباردة على جبينها , لربما تتحسّن صحتها 
***

بعد قليل.. سمعوا طرقاً قوياً على الباب , وجيم يصرخ من الخارج:
- إفتحوا بسرعة !!
وحين فتحوا له , وجدوه ينزف من جسده ووجهه !
المخرج بفزع : ماذا حصل لك ؟! واين اريك ؟
جيم بفزع وهو يبكي : بسرعة !! انهم يلدغوه بوحشيّة 
جاك : من تقصد ؟!

جيم وهو يحاول التقاط انفاسه : 
- اثناء نزولنا الجبل , هجمت علينا الخفافيش من كل مكان ! فأسرعنا باتجاه السيارة .. وما ان دخلناها , حتى اختفت جميع الوطاويط اللعينة !!  
المخرج : ثم ماذا ؟!
جيم : جلست في المقاعد الخلفية للبحث عن حقيبة الطعام , لكني تفاجأت بإريك يضع حزام الأمان ويدير محرّك السيارة 
آدم : هل قادها نحو المدينة ؟ 

جيم : لا ..فمجرّد تشغيله لتدفئة السيارة , تسلّلت نحلتين من فتحات المكيف .. فأصبت بالهلع , وفتحت الباب عائداً الى هنا .. وظننت اريك خلفي ! لكني سمعت صراخه من داخل السيارة بعد هجوم سرب نحلٍ عليه , دخل من الباب الذي تركته مفتوحاً ..ارجوكم ساعدوه !!
المخرج : لا يمكننا فعل شيء , فالنحل باستطاعته خنقك بعد تجمّعه داخل حنجرتك .. وليس معنا مبيدات لرشّها ومحاربتها ! 

جيم غاضباً : وهل سنتركه يموت ؟!!
المخرج : تذكّر جيداً يا جيم !! .. حينما خرجت من السيارة , هل كان معك مصباح ؟ 
جيم : لا طبعاً 
المخرج : وهل كانت السيارة مضاءة من الداخل ؟
جيم : لا ايضاً 
المخرج : اذاً يبدو ان عقلك أوهمك بأنه مازال في السيارة .. لكني أرجّح انه تمكّن من الهرب , وربما يركض الآن باتجاه المدينة
جيم : أتمنى ذلك ! 

آدم : ماهذه الليلة المخيفة ؟! حيوانٌ مجهول يهجم على جسيكا محاولاً إغراقها , ثم خفافيش ونحلٌ عدواني .. ماذا بقيّ ايضاً ؟
جاك : ان نموت جوعاً 
المخرج : لن نموت ان نمنا ليلتنا دون طعام .. والآن لنُطفئ مصابيحنا , فغداً يومٌ طويل
جيم بدهشة : أمازلت مصمّماً على تصوير الفيلم بعد الذي جرى ؟!
المخرج بغضب : وهل تريد ان يذهب تعبنا سدى ؟ سنُنهي فيلمنا اللعين الذي بسببه سنتخرّج من المعهد بشهادة تفوّق .. والآن كلاً الى سريره , هذا أمر !! 

فنظر جيم من النافذة باتجاه الوادي المظلم , وهو يتمّتم بقلق : 
- أتمنى ان تكون بخير يا اريك 
*** 

في الصباح .. تنّهدوا جميعاً بارتياح فور رؤيتهم لجسيكا تمشّط شعرها بنشاط , بعد زوال حرارتها.. 

ثم خرجوا , ليجدوا المخرج يلغّم المنزل بالديناميت !
جسيكا معاتبة : أكنت تلغّمه ونحن نيام بالداخل ؟!
المخرج : أكيد لن أفجّره قبل استيقاظكم , لكني اريد انهاء المهمة بأسرع وقتٍ ممكن .. فأنا لم أنم جيداً البارحة بسبب الكوابيس المزعجة 
جيم بحزن : وانا رأيت اريك في الحلم يلومني لعدم مساعدتي له ! 
جاك : وانا أصبت بجاثومٍ لعين

آدم : اما انا ..فشاهدت فتاةً جميلة تلبس فستاناً اسود , وهي تطالبني بالرحيل عن قريتهم التي أرتني إيّاها قديماً وهي تضجّ بالعمّال النشيطين , قبل اغلاق المنجم  
المخرج : لا وقت الآن للمنامات .. دعونا ننهي تصوير المشهد سريعاً 
جاك : ولما تفجّر البيت الوحيد القابل للسكن بين كل المنازل الرطبة ؟ 
المخرج : وهل ستعيش البطلة في بيتٍ عفن يا ذكي ؟ .. نريد ان يكون فيلمنا القصير واقعياً بالنسبة للمشاهد .. والآن لنبدأ التصوير , جهزوا الكاميرات .. 

ثم اقترب من جسيكا ليسألها :
- هل صحتك بخير لتمثيل المشهد ؟
جسيكا : مازال ظهري يؤلمني قليلاً , لكن حرارتي انخفضت .. فهيا دعنا ننهي التصوير , للعودة الى بيوتنا بخيرٍ وسلامة 
المخرج : اذاً اريدك ان تُظهري مشاعر الحزن العميق , اثناء توديعك لزوجك الذاهب الى الحرب .. ولنحاول تصويرها بلقطةٍ واحدة
جسيكا : سأحاول .. 

المخرج : جيد .. والآن ادخلي الى المنزل للبس فستانك الطويل .. وانت يا آدم !! إسرع بلبس ثياب الجندي .. هل احضرت البندقية القديمة معك ؟
آدم : نعم , لا تقلق

وبعد تحضير عدّة التصوير .. بدأ آدم وجسيكا بتمثيل مشهد الفراق المؤثّر  
***

بعد انتهاء المشهد .. طلب المخرج من الجميع الإبتعاد عن البيت لتفجيره بعد الرقم ثلاثة .. 
وبدأ يعدّها ببطء وهو يمسك جهاز التحكّم , قائلاً للجميع :
- سنبدأ التفجير .. 3 – 2 ..
وهنا صرخ آدم : توقف !!

ففزع الجميع ! بينما اسرع آدم الى داخل البيت , ليخرج بعد قليل حاملاً هريرة سوداء صغيرة ..قائلاً لهم :
- لمحتها فجأة تمشي داخل المنزل 
المخرج غاضباً : اللعنة عليك يا آدم !! كاد قلبي يتوقف من الخوف .. ظننت اننا نسينا شيئاً مهماً في البيت 
آدم : آسف ان أفزعتكم , لكني خفت عليها  

جسيكا وهي تربت على الهريرة : انها صغيرة جداً , اين امها يا ترى ؟
آدم : آه صحيح , لابد انها بالداخل ايضاً .. سأبحث عنها
لكن المخرج أوقفه قائلاً : لن انتظر اكثر .. ابتعدوا جميعاً
آدم : لحظة ارجوك !
وأكمل المخرج قائلاً :
- سأبدأ التفجير .. 3 – 2 – 1

وفجّر المنزل الذي تطاير ركامه في كل مكان .. ثم أسرع بسؤال جاك :
- هل صوّرت الحدث ؟
- نعم نعم , لا تقلق 
المخرج : ممتاز , لنعدّ الآن الى السيارة .. ولا تنسوا المعدّات التي سنعيدها الى مستودع المعهد فور عودتنا
*** 

وقبل نزولهم لأسفل الجبل .. طلب جيم منهم الإنتظار , لحين قضاء حاجته في الغابة .. 

بعد قليل .. سمعوا صراخه من بعيد .. 
فأسرعوا نحوه , الا انهم تجمّدوا في اماكنهم حين شاهدوا دباً كبيراً يمزّق جسده ! 
فكانت ردّة فعلهم : ان رموا جميع حقائبهم على الأرض , وركضوا بأسرع ما يمكنهم باتجاه السيارة .. 

حين وصلوا اليها .. تفاجأوا بجثة اريك متورّمة ومنتفخة في المقعد الأمامي , بعد ان علق حزامه الأمان ! 
لكن لم يكن هناك وقتاً للحزن , خوفاً من هجوم دببة اخرى عليهم ..
فطلب المخرج من جاك إخراج جثة اريك من السيارة .. لكنه رفض تركه هناك , وأسرع بوضعه في صندوق السيارة .. 

بهذه الأثناء .. حاول المخرج ادارة المحرّك , لكن وجده معطّلاً .. فتطوّع جاك لإصلاحه.. 
وكان سبب عطله : هو وجود نحلٌ ميت محشوراً بين اسلاك المحرّك .. فنظّفه جاك على عجل , وهو يتلفّت حوله بقلق .. 
وما ان سمعوا صوت المحرّك يدور من جديد , حتى تنفّس الجميع الصعداء 

لكن قبل صعود جاك الى السيارة , تفاجأوا بسقوط شجرةٍ طويلة فوق رأسه هشّمته تماماً ! 
فصُعق الجميع بموت صديقٍ آخر من المجموعة !

فقالت جسيكا باكية : ارجوك يا مايكل أخرجنا من هذه القرية المسكونة , قبل ان نموت جميعاً !! 
بهذه اللحظات .. فقد المخرج اعصابه بسبب مواء الهريرة الحادّ المتتابع , فصرخ في وجه آدم :
- إرمي القطة خارج السيارة حالاً !!
آدم : لا تفرغ غضبك على القطة الصغيرة , فبسببك أتينا الى هذا المكان المرعب
جسيكا : هذا صحيح !! وهآقد مات اصحابنا دون فائدة , بعد ان تركنا معدّات التصوير فوق الجبل

المخرج : لا لم يذهب تعبنا سدى , فشريط المشهد النهائي في جيبي .. اما المعدّات , فسندفع لأحد القروين لإحضار حقائبنا بعد خروجنا من هنا .. والآن إرمي القطة اللعينة من سيارتي , قبل ان أخنقها بيديّ هاتين !!  

وإذّ بالقطة تقفز من يديّ آدم , لتهجم على وجه المخرج محاولةً فقأ عينيه بأظافرها !
فخرج من السيارة فزعاً , وهو يحاول بصعوبة إزالة القطة عن وجهه .. وأسرعت جسيكا باتجاه المخرج لمساعدته .. بينما تجمّد آدم داخل السيارة بعد ان أفزعه قوة الهريرة الغير طبيعيّ !

وفجأة ! هجمت الغربان على جسيكا والمخرج اللذان حاولا الرجوع الى السيارة .. لكن آدم لم يستطع فتح أيٍّ من الأبواب الأربعة لهما , كأنها أُقفلت بإحكام من الخارج ! ليشاهد صديقه وحبيبته يقتلان امام عينيه , بعد ان نقرت الغربان رؤسهما وفقئت عيناهما وقلعت لسانهما , ليقعا على الأرض جثتين هامدتين , قرب جثة جاك المُنسحقة اسفل الشجرة !
ثم عمّ الصمت المرعب ارجاء الغابة المرعبة..

فحاول آدم بجسده المرتجف الجلوس في المقعد الأمامي لقيادة السيارة , لكنه تفاجىء بتحوّل الغربان والخفافيش والنحل والدب , وحتى الشجرة الطويلة (التي استقامت ثانية) الى اشباه بشر بقرونٍ وارجل حيوانات .. فعلم آدم إنه محاطٌ بقبيلة من الجن !

وهنا قفزت الهريرة السوداء على مقدمة السيارة , لتتحوّل بدورها الى فتاةٍ جميلة بفستانها الأسود ..
فقال آدم وهو يشير اليها برعب (من داخل السيارة) : 
- لقد رأيتك بمنام الأمس !
الصبية : نعم وطلبت منك الخروج انت واصدقائك من قريتي , لكنك لم تنصحهم ب..
آدم مقاطعاً بعصبية : وكنّا على وشك الرحيل , فلما قتلتم اصدقائي؟!!

الصبية : نحن في البداية خطّطنا لتحطيم معدّاتكم التصويرية , خوفاً من ان يجلب فيلمكم المزيد من السوّاح والمتطفلين ومحبّي المغامرات الغريبة الى قريتنا .. لكن والدي قرّر قتل جميع الشهود 

وهنا قال الأب (الذي كان سابقاً على هيئة دبّ) : 
- وانا مازلت مصّراً على رأيّ , لهذا ستموت انت ايضاً
الصبية : ابي رجاءً , هو أنقذ حياتي .. ولولاه لكان المخرج الغبي فجّرني داخل منزلي 
امها (التي كانت سابقاً على هيئة شجرة) : ابنتي , نحن تعبنا كثيراً حتى استطعنا السيطرة على عقل رئيس البلدية لإغلاق المنجم وطرد العمّال من هنا .. وهذا الشاب سيفسد كل شيء ان تركناه حياً  

الصبية : الا يكفي ان نكسّر كاميراتهم التي تركوها بأعلى الجبل , ونحطّم الشريط الذي بحوذة المخرج .. حينها لن يصّدق أحد قصته الخيالية
اخوها (الذي كان سابقاً وطواط) : ان خرج من هنا حياً , ستستجوبه الشرطة لاكتشاف مصير أصدقائه , تحت ضغط الأهالي لمعرفة الحقيقة .. وحينها تضجّ قريتنا بالمحققين وافراد عائلاتهم 
الصبية : انا أفهم المشكلة جيداً , لكن الا يوجد حلٌ آخر ؟

وهنا قالت اختها الصغيرة (التي كانت سابقاً ملكة النحل) :  
- لا احد يُصدّق كلام المجانين
الصبية بارتياح : أحسنت اختي !!
آدم بقلق : ماذا قصدت ؟!
الصبية : امامك خيارين يا آدم : اما ان تموت كأصدقائك , او تفقد عقلك
آدم مرتجفاً : اريد فقط العودة لحياتي الطبيعية
الأب الجني : لا احد يعود لحياته السابقة بعد مقابلتنا .. ايها الطبيب !! ازلّ عقله فوراً
فصرخ آدم بخوف : لا !! لا تدخلوا السيارة

لكن طيف طبيب الجن (الذي كان سابقاً غراب) إقتحم السيارة , ومعه ادواته الجراحية..
بهذا الوقت قالت له الصبية (الجالسة على مقدمة السيارة) : 
- لا تخف يا آدم , ستكون عملية بسيطة

وما ان وضع الطبيب يده الشفّافة على رأس آدم , حتى أغمي عليه .. ليستيقظ مساءً وهو مستلقي على المقاعد الخلفية للسيارة , وبجانبه اجزاء من دماغه ! 

وحين رفع جسمه بصعوبة لاستراق النظر من واجهة السيارة , رأى قبيلة الجن وهي ترقص حول النار بحفلة شواء لجثث اصدقائه ! 

فاستغلّ انشغالهم , ليتسلّل من السيارة ..
ثم هام على وجهه دون ان يدرك وجهته , حيث كان نظره وتفكيره مشوشين للغاية !
***

بعد سنوات , في مستشفى المجانين..
أخبر الجرّاح تلاميذه (الأطباء المتخرّجين حديثاً) عن قصة آدم المحتجزّ لديهم بقسم المرضى الميؤوس منهم .. قائلاً لهم :  
- وهذه حكاية أغرب مجنون لدينا , الذي الى اليوم مازال يصرّ على قصة قرية الجن , دون تذكّره لأيّ شيءٍ آخر !

أحد التلاميذ : وكيف وصل الى هنا ؟
- وجدوه الناس يهلّوس في الشارع , وهو ينزف من رأسه .. وحين قامت مستشفى الطوارئ بعمل اشعة لرأسه : وجدوا بأنه أُزيل معظم دماغه , ما عدا جزءاً بسيطاً من ذاكرته .. لهذا نسيّ اسمه واسماء اصدقائه المزعومين , وعنوان منزله .. فأحضروه الى هنا 

ثم أسرع الطلّاب للنظر من نافذة المريض آدم , بعد سماعهم لمواء صادراً من الداخل .. فوجدوه يُكلّم نفسه وكأنه قطة !

فقال لهم الطبيب :
- آه نسيت ان اخبركم .. هو يدّعي ان القطة السوداء التي أنقذها من التفجير تزوره يومياً للإطمئنان عليه , وهي علّمته لغة القطط
- أتقصد الصبية الجنية ؟.. هل هي معه الآن ؟
الطبيب : وهل صدّقتم قصته الخيالية ؟ .. (ثم نظر الى ساعته) .. لقد انتهت حصة الدراسة , إذهبوا الى بيوتكم 
***

بعد خروج الطلّاب من مستشفى المجانين , قال أحدهم لأصدقائه :
- من يريد الذهاب معي الى القرية المهجورة بالعطلة الأسبوعية لاكتشاف الحقيقة ؟
طالب آخر منبهاً : أتريد ان تصبح مجنوناً مثل ذاك الشاب المسكين؟
- اساساً انا لم أصدّق تلك الخرافات .. ولكيّ أثبت ذلك , سآخذ معي طائرة (درون) لتصوير القرية من الأعلى .. وفي حال وجدنا منزلاً مُفجّراً كما ادعى المريض , سنبيت ليلتنا هناك لتصوير قبيلة الجن في المساء .. فمن لديه الجرأة للذهاب معي ؟!!
- انا احب مغامرات الجن والأشباح
- وانا ايضاً 

فعاد ونبهم ذات الطالب : لا تذهبوا , ستؤذون انفسكم
- إذاً إبقي انت مع عائلتك ايها الجبان , ونحن الثلاثة سنصعد الى فوق بعد يومين .. 
الطالبين الآخرين بحماس : إتفقنا !! 
***

داخل غرفة آدم (في مستشفى المجانين) كانت القطة السوداء (التي لا يراها احداً سواه) تنظر من نافذته للشارع بقلق :
آدم : الى ماذا تنظرين ؟
القطة بغضب : هناك ثلاثة تلاميذ اغبياء يخطّطون لاستكشاف قريتي , وكلّه بسبب لسانك الطويل !!
آدم بعصبية : الا يكفي انكم إقتطعتم معظم اجزاء عقلي ؟!! 
- صحيح .. كان خطأ طبيبنا الغبي الذي ازال كل شيء , ماعدا ذكرى الحادثة التي طلبنا منه حذفها من دماغك .. لهذا طرده ابي من عمله .. المهم الآن !! عليّ الإسراع الى اهلي لوضع خطة للقضاء عليهم
آدم بخوف : لا ! لا تقتلوهم ايضاً
القطة : آسفة يا آدم , لكن ولائي لبنيّ جنسي اولاً .. ولا تحاول تنبيه الممرضات والأطباء , فلا أحد سيصدّقك .. اراك لاحقاً

ثم اختفت من غرفته .. ليُسرع آدم نحو الباب المقفل ويطرقه بكلتا يديه , صارخاً بفزعٍ شديد :
- إفتحوا الباب !! عليّ التكلّم مع الطبيب حالاً !! .. دكتور !! أنقذ طلاّبك من الموت !!.. هل يسمعني أحد ؟!! الشباب في خطر!!
***

في غرفة الإدراة , سأل الجرّاح سكرتيرته : 
- ماهذا الصراخ ؟!
السكرتيرة : انه المريض الذي لا مخّ له , يبدو انه يهلوس من جديد 
الطبيب : إذهبي واعطيه ابرة مهدئ  
*** 

وما ان فتحت الممرّضة الباب , حتى امسك آدم بيدها وهو يترجّاها:
- القطة السوداء ذهبت قبل قليل للتخطيط مع قومها الجن لقتل الطلاّب الأبرياء .. أنقذيهم بسرعة !!
فتنهّدت الممرّضة بضيق : أوف ! القطة السوداء من جديد

وقبل ان يُكمل كلامه .. غرزت بذراعه إبرة المنوّم , ليسقط على الأرض مغشياً عليه بلا حولٍ ولا قوة ! 

إعلان

قمت الآن بإرسال قصة الى الأستاذ اياد العطار .. وفي حال أعجبته , تُنشر في كابوس .. وفي انتظار ردّه , سأحاول كتابة قصة ثانية خلال الأسب...