الأربعاء، 16 ديسمبر 2020

جريمة يوم الإثنين

الفكرة : مستوحاة من مقالة (Ayman Alasd)
كتابة : امل شانوحة

بريندا سبنسر


في سجن ولاية كاليفورنيا ، وفي شهر ابريل 2020 .. وضعت طبّاخة السجن في صينية (بريندا سبنسر) قطعة كيك صغيرة ، وهي تقول :

- كل عام وانت بخير 

بريندا بابتسامة : آه ! نسيت انه عيد ميلادي ال 58 .. شكراً لك


ثم جلست لتناول طعامها بجانب السجينات اللآتي تراقبنها بغيظ لحصولها وحدها على التحليّة .. فأسرعت بالقول :

- انه عيد ميلادي

فقالت إحداهنّ بغيرة : أصبحتِ صديقة الطبّاخة ! 

بريندا : سجُنت بعمر 16 .. ولي 42 سنة هنا ، وهي أطول مدة بين السجناء ، وطبيعي ان يعرفني الجميع .. 


في هذه اللحظات .. إقتربت من طاولتهنّ سجينة عجوز (من البشرة الداكنة) وهي تحمل صينيتها وتقول :

- وانا قضيت 50 سنة في هذا السجن الكئيب ، يعني الأقدم بينكنّ 

بريندا : آسفة ! لم أقصد مضايقتك يا زعيمتنا جاكلين 


وبعد جلوسها قربها ، وانشغال السجينات بتناول طعامهنّ ..همست في أذن بريندا : 

- إن أعطيتني نصف كعكتك ، إخبرك بسرٍّ مهم

فقسمت بريندا كعكتها ، لتقوم جاكلين بالتهام حصّتها بنهمّ .. 

وسألتها بريندا بصوتٍ منخفض :

- ماهو السرّ ؟

جاكلين : إنهي طعامك ، وقابليني امام زنزانتك

- ألن تنزلي للساحة ؟

- ليس اليوم 

*** 


وبالوقت الذي تجمّعت فيه السجينات في ساحة السجن بعد فترة الغداء ، صعدت بريندا الى عنبر السجون الخالي من الحارسات المنشغلات بتناول غدائهنّ او مراقبة الساحة ..

بريندا : هآ انا قدمت ، ماذا تريدين إخباري ؟

جاكلين : اريد أن أريك شيئاً 


وأخرجت سلكاً حديدياً صغيراً من شعرها الكثيف وهي تقول :

- أخفيته في شعري ايام شبابي ، قبل قبض الشرطة عليّ متلبّسة بسرقة القصر .. وبسبب تقزّز الحارسة العنصرية مني ، لم تفتّشني جيداً  

- وما فائدته ؟! 

جاكلين : كنت استخدمه في فتح الخزائن الحديدية لمصلحة عصابتي التي تخلّت عني وتركتني أواجه التهم وحدي ، لأحصل على حكم المؤبد رغم انني لم اقتل احداً ! حيث نجح الأثرياء الذين سرقتهم بالضغط على القضاء والتأثير على الحكم النهائيّ 

بريندا باهتمام : وهل مازلتي تجيدين استخدامه ؟ 

- أحكمي بنفسك .. 


وأدخلت جاكلين طرف السلك المدبّب في قفل الزنزانة .. وبعد تحريكه بطريقةٍ معينة ، إستطاعت فتح الباب بسهولة 

بريندا بحماس : رجاءً علّميني الطريقة !!  

- ليس الآن ، في المساء بعد نوم الجميع

- لكننا في زنزانتين منفصلتين !

- رفيقة سجني تسرّحت يوم امس ، وسيحضرون بعد قليل سجينتين جديدتين .. وبما ان رفيقتك بالسجن ماتت بأزمةٍ قلبية قبل اسبوع .. فسيضمّونا سوياً ، لأننا أقدم السجناء ولا نشكّل تهديداً لهم 


بريندا بسعادة : ممتاز !! سنهرب الليلة معاً  

- فقط انت .. فليس لديّ مكان أذهب اليه بعد موت عائلتي ، ولا اريد أن أصبح مشرّدة في الشوارع .. إعتبري تعليمك طريقة الهروب هديةً مني في عيد ميلادك 

بريندا بتردّد : لا ادري ان كنت سأجرأ على ذلك ، فلديّ جلسة إستماع في العام القادم .. وأخاف إن أمسكوني ان يزيدوا عقوبتي 

- الم يرفضوا إطلاق سراحك ثلاث مرات من قبل ؟ 

- لكن.. 

جاكلين مقاطعة : إسمعيني جيداً يا بريندا .. هم لن يطلقوا سراحك ابداً لأنهم يعدّونك مجنونة خطيرة ، لإصابة الفصّ الصدغي لديك .. لذا لا تفوتي الفرصة مثلي ، مازال بإمكانك الهرب .. فكّري بالأمر .. الآن سأعود للساحة لتنشّق الهواء

وتركتها وهي تفكّر بالأمر

***


في المساء ، تمّ جمعهما في نفس الزنزانة .. 

وخلال الليالي التالية .. درّبتها على فتح القفل بالسلك ، الى أن أتقنت بريندا الطريقة بعد اسابيع ..


وفي تلك الأمسية الباردة .. قالت لها جاكلين بصوتٍ منخفض : 

- بقيّ ساعتين على منتصف الليل ، وإطفاء انوار الزنزانات .. حينها تعتمدين على نور العنبر لفتح القفل ، فقد أصبحت ماهرة مثلي

بريندا بارتباكٍ وقلق : لا ادري ان كنت سأفعلها اليوم !

- الليلة هي فرصتك الأخيرة ، فغداً يقطعون الأعشاب البرّية التي نمت على الجدار الخارجيّ ، التي ستستخدمينها للتسلّق والهرب من هنا .. كما اننا في ليلة الأثنين 


فتنهّدت بريندا بضيق : آه ! كم اكره هذا اليوم 

- أتدرين ! لم أسألك بعد لما اخترت يوم الإثنين بالذات لارتكاب جرمك بقتل المعلمة وحارس المدرسة وإصابة 8 اطفال في عام 1979 ؟

بريندا بنبرةٍ حزينة : لأن في هذا اليوم تدمّرت حياتي بعد انفصال والديّ .. وفي يوم الإثنين ايضاً إنتقلت للعيش مع ابي السكّير .. كما ان رفاقي بالمدرسة إعتادوا التكلّم عن نزهاتهم ايام الآحاد ، الذي أقضيه بالسهر بسبب الموسيقى العالية والضحكات المستفزّة لصديقات والدي اللآتي يحضرهنّ من الملهى يوم عطلته .. لهذا غفوت دائماً صباح الإثنين في المدرسة وحصلت على عقوبات الحجزّ .. عدا عن سخرية اصدقائي وقسوة المعلمين الذين لم يُتعبوا أنفسهم بسؤالي عن سبب إرهاقي المستمرّ!


جاكلين : سببٌ مقنع لكره يوم الأثنين ! لكنك الليلة ستحولينه الى يومٍ سعيد بهروبك من هنا 

بريندا بقلق : أخاف ان يقتلني الحرس

جاكلين : إحتمالٌ وارد

- ماذا تقصدين ؟!

- الم تتساءلي عن تشابه مصيرك بمصير الشاب المضّطرب الذي قتل 5 تلاميذ من مدرسة كليفلاند الإبتدائية وجرح العشرات ؟

جاكلين باستغراب : نفس المدرسة ؟!

- ونفس السلاح 

- لم افهم !

جاكلين : قام شرطي فاسد ببيع سلاح والدك في السوق السوداء ، واشتراه الشاب الذي قام بالجريمة ذاتها 

- يالها من صدفةٍ غريبة !


جاكلين : لا أظنها صدفة .. فكّري بالأمر .. الم تخبريني سابقاً عن الأصوات التي سمعتها في رأسك ايام مراهقتك ، التي حثّتك على ارتكاب الجريمة ؟ 

بريندا بخوف : أتقصدين ان السلاح ملبوس بالجن والعفاريت ؟! 

- والدك الوحيد الذي يستطيع الإجابة ، حين يُعلمك عن المكان الذي اشترى منه السلاح الرخيص كهدية عيد ميلادك 

- والدي توفّى قبل سنوات !

جاكلين : لا يهم ، فالشرطة صادرت السلاح بعد قتلها الشاب الذي تسبّبتِ انتِ وهو في إغلاق المدرسة نهائياً .. (ثم صافحتها قائلةً) على كلٍ سأودّعك الآن ، لأني سأنام قبل هروبك من الزنزانة .. فأنا لا اريد مشاكل مع إدارة السجن .. 


بريندا بقلق : على الأقل ساعديني بفتح قفل الزنزانة !

جاكلين بحزم : عليك الإعتماد على نفسك ، فسيعترض طريقك ابواباً عديدة مُقفلة ، يجب فتحها جميعاً قبل وصولك للساحة .. بالتوفيق لك ، وتصبحين على خير

 

وفي الوقت الذي علا فيه شخير جاكلين العجوز .. كانت بريندا في انتظار لحظة اطفاء الأنوار لبدء مجازفتها الخطيرة ، وهي غارقة بذكريات الماضي : حيث تذكّرت يوم إلقاء القبض عليها في الصيف ما قبل الجريمة ، بسبب إطلاقها النار على الطيور .. كما رفض والدها علاجها النفسيّ ، الذي عاتبها لاحقاً بأنه أهداها البندقية لتطلق منها رصاصة واحدة فقط ! كأنه أراد إفهامها بأن تنتحر لتريحه من همّها ، والتي تعاكس احلامها بأن تُحدث ضجّة إعلامية حول شخصيتها الفريدة !  


وبينما هي غارقة بذكرياتها الكئيبة ، عاد اليها الصوت الذي سمعته ايام مراهقتها ! وهي لرجلٍ مجهول يهمس في أذنها :

((بريندا !! إجعلي الصحافة تتكلّم عنك مجدداً))

بريندا بضيق : لا ! ليس ثانية 


وانضمّت اليه أصواتاً أخرى : كصوت والديها وهما يتشاجران قبل طلاقهما ، والضحكات الماجنة لفتيات الليل اللآتي سهرنّ في منزل ابيها ليلة الأثنين ، وانتقادات معلمّيها لكسلها ونومها المتكرّر في الفصل ، وسخرية زميلاتها .. وصرخات التلاميذ الفزعة اثناء اطلاقها النار عليهم .. كل هذه الأصوات تزاحمت في ذهنها دفعةً واحدة ! 


بريندا بحزن : يا الهي ! كيف نسيت إخبار الحرس بنفاذ دوائي ، فالهلاوس تهاجمني من جديد ، وعقلي يكاد ينفجر !!


وهنا اطفأت انوار الزنزانات..

بريندا : اذاً الآن الساعة 12 ، يعني أصبحنا في ليلة الإثنين

فعادت لتسمع صوت الرجل يقول في ذهنها :

((الإثنين يا بريندا ..اليوم الذي تكرهينه جداً))

- أصمت ايها اللعين !!!

((إستخدمي السلك للهروب من الجحيم ، والحصول على حرّيتك))


وانتظرت بريندا نزول الحارسات الى القسم الإداريّ في الطابق السفليّ للإستراحة ، بعد أنتهاء عملهنّ .. اما الحارستان المسائيتان فانشغلتا بجوالاتهما ، وهما تقفان بعيداً عن زنزانة بريندا التي تحاول للمرة الثالثة فتح القفل (كما علّمتها جاكلين الغارقة في النوم) .. الى أن نجحت أخيراً في فتح الزنزانة .. 


فخرجت بهدوء باتجاه الأدراج التي نزلت عليها حافية القدمين كيّ لا تصدر صوتاً .. ووصلت الى الساحة ، بعد فتحها ثلاثة ابوابٍ أخرى .. وهناك سمعت الصوت الرجوليّ في ذهنها وهو يصرخ بحماس :

((اركضي يا بريندا باتجاه الجدار الخارجيّ .. هيا بسرعة !!!)) 


لكنها تردّدت بعد رؤية الأسلاك الشائكة فوق حائط السجن ..الا ان الصوت طمّأنها :

((لا تخافي ، فدهون بطنك ستحميك من الإصابةٍ خطيرة .. هيا تسلّقي الجدار ، ماذا تنتظرين ؟!))


فحاولت التسلّق ، مُتمسكةً بالأعشاب البريّة النامية على الجدار بسبب الرطوبة .. قبل سماعها صرخة حارس منارة السجن : 

- سجينة تحاول الهرب ، إمسكوها !!


وعلى الفور !! إنطلقت صافرات الإنذار مُتزامنة مع صرخات الحرس الراكضين باتجاهها ، في الوقت الذي كانت تحاول فيه القفز فوق الأسلاك الحادّة التي أصابت يديها وبطنها بجروحٍ عميقة 

بهذه اللحظات ، سمعت صوت والدها يصرخ في ذهنها غاضباً : 

((إنتحري يا غبية !!))


قبل شعورها بحرق الرصاصة تخترق جمسها والتي أسقطتها بقوة على ظهرها ، مُتسببةً بتشوّش رؤيتها بعد تجمّع الحرس حولها !


وسمعت الحارسة تطلب إحضار طبيبة السجن لإسعافها ، قبل صراخها على زميلاتها : 

- إصمتوا جميعاً !! بريندا تقول شيئاً .. (واقتربت منها) ..هيا بريندا انا أسمعك ، ماذا تريدين قوله ؟ 

فقالت بريندا متلعثمة ، والدماء تخرج من فمها : 

- أكره ... يوم .. الإثنين 

ثم لفظت أنفاسها الأخيرة ! 

*****


ملاحظة :

طلب مني الأستاذ (Ayman Alasd) تحويل مقاله (الفتاة التي تكره يوم الإثنين) المنشور في موقع كابوس الى قصة .. أتمنى ان تعجبه وتعجبكم 

رابط المقال : 

https://www.kabbos.com/index.php?darck=9786


هناك 6 تعليقات:

  1. شكرا جزيلا لك لن تصدقي مدة سعادتي الحمد لله على كل خيره وفقكي الله يا كنزا الابداع

    ردحذف
    الردود
    1. سعيدة انها اعجبتك ، تحياتي لك

      حذف
    2. قصتك جميله اخ ايمن مبدع فيها والاستاذه امل حولتها لفيلم ومعها اسم جاكلين الاسم المفضل لها
      نتظر جدديكما

      حذف
  2. روعة روعة روعة حقيقة انتي رائعة ياكنز الابداع وفقك الله

    ردحذف

قناع السفّاح

  تأليف : امل شانوحة اللعنة المستمرّة بعد موت والد جاك ، أخبره المحامي بملكيّة ابيه لكوخٍ صغير في الجبل.. وبعد حصوله على العنوان .. صعد جاك ...