السبت، 12 ديسمبر 2020

اسير الجزيرة المهجورة

 *تأليف : امل شانوحة*

مدينة هاشيما اليابانية


في عام 1974 .. وفي جزيرة هاشيما اليابانية المُلقبة بـ(جزيرة السفينة الحربية) المشهورة بمبانيها الخرسانية، تمّ تهجير جميع سكّانها البالغ عددهم (5259) بعد إغلاق المناجم .. فيما عدا العجوز (تاكاشي) الذي رفض ركوب السفينة، رغم محاولة جيرانه وحفيده الصغير إقناعه بالذهاب معهم، رغبةً منه بالبقاء بجانب قبر زوجته وابنه الوحيد .. وبعد يأسهم منه، وعده قريبه بالاهتمام بحفيده الذي ظلّ يبكي أثناء ابتعاد السفينة عن جزيرة هاشيما ..


ولأن الضابط (المُكلّف بإخلاء السكّان) لم يردّ أن تُحاسبه إدارته على تركه العجوز، كتب في تقريره: بأن الجزيرة أُخليت بالكامل !

وبذلك لم تعرف الصحافة والناس أمر تاكاشي المُحتجزّ في الجزيرة المهجورة، والذي لم يكن خائفاً على مصيره، لامتلاكه قطعة أرضٍ زراعية وأدوات صيد السمك .. بالإضافة لخزّان المدينة الكبير المليء بالمياه العذبة التي تكفيه لسنواتٍ عدّة .. لهذا لم يكن قلقاً بشأن الطعام والشراب ..

***


مع غروب الشمس .. شعر لأول مرة بوحدةٍ شديدة، بعد حلول الظلام الدامس فوق الأحياء والمنازل ! فيما عدا منزله الصغير المُضاء بالقناديل، بعد أن أطفأ المسؤول الأمني (للطاقة الكهربائية) أنوار الجزيرة بالكامل !

كما شعر ببرودة الجوّ التي زادت بعد تسرّب الهواء من الأبواب ونوافذ الشقق المفتوحة .. ولأنه لا يؤمن بقصص الجن والأشباح، غفى سريعاً (كعادته) فور استلقائه على السرير..

***


في الصباح الباكر .. ذهب إلى مزرعته لقطف المحاصيل وإعداد الفطور الذي تناوله قرب البحر وهو شارد بذكريات الماضي .. حيث تذكّر صديقه (آيتارو) الذي شاركه هوايته بصيد السمك، والذي كان من أوائل مغادريّ الجزيرة !


بعد ساعة، قرّر القيام بجولةٍ حول الجزيرة .. فذهب أولاً إلى حديقة ألعاب الأطفال، وركب الأرجوحة وبعض الألعاب المتواجدة هناك، وهو يتخيّل نفسه يلعب مع حفيده الصغير !


ثم دخل العمارة الأولى .. وصعد طوابقها الأربعة، لاستكشاف شققها الثمانية الفارغة التي لم يعثر فيها سوى بعض الكتب السياسية والتاريخية والملابس البالية


وقبل عودته إلى منزله، توجّه إلى محطة الكهرباء .. وبعد محاولاتٍ عدة، استطاع إضاءة الشوارع التي خفّفت وحشة الجزيرة مساءً ..

ونام تلك الليلة، بعد إنهائه فصلاً من كتابٍ تاريخيّ (أخذه من شقة جاره)

***


وفي اليوم التالي، قرّر النزول للمنجم المُهمل رغم خطورة الأمر ..

ونزل بعد إنارة قبّعة عامِلٍ وجدها هناك ..

وجلس قرب المكان الذي دُفن فيه ابنه حيّاً، بعد ارتداد جزءٍ من جدار المنجم عليه وعلى اثنين من رفاقه .. وأخذ يدعو لهم بالرحمة ..

ثم عاد بصعوبة إلى فوق، وهو يسحب حبال المصعد اليدويّ بيديه المُتعبتين


وفور وصوله إلى السطح، شعر بوخزٍ مؤلم في قلبه ..

فمشى بإرهاقٍ شديد نحو مشفى الجزيرة .. وبحث مطوّلاً في غرفه الفارغة، إلى أن وجد الصيدلية التي ما زالت تحوي بعض الأدوية ..

وتناول دواءً لضغط الدم وهو لا يعرف إن كان منتهي الصلاحية أم لا، فهو لم يحضر معه نظّارة القراءة

ونام على السرير الطبّي الوحيد المتروك هناك، في محاولة لضبط نبضات قلبه المتسارعة ..

***


استيقظ تاكاشي في منتصف الليل وسط الظلام الحالك، فهو لم يُحضر قنديله .. وأخذ يتلمّس طريق الخروج بصعوبة، وهو يشعر بروحٍ مشاكسة تلاحقه وتغلق الأبواب خلفه بقوة .. ولأول مرة في حياته، أحسّ بخوفٍ شديد !

وتنفّس الصعداء فور خروجه من المشفى المسكون نحو الشارع المضاء بأنوارٍ خافتة، بعد نسيانه إراحة المولّد الكهربائي في الصباح 


ومشى بتعب حتى وصل إلى بيته .. تناول طعاماً خفيفاً وعاد للنوم .. فهو لا يحب السهر في الجزيرة التي تزداد رعباً في المساء

***


وهكذا مرّت الأيام ببطءٍ شديد على العجوز الذي اعتاد صيد السمك والاهتمام بمزروعاته، وزيارة الشقق الفارغة كنوع من التسلية .. إلى أن مرّ أصعب يومٍ عليه .. بعد اهتزاز الجزيرة بعنف، إثر هزّةٍ أرضية مفاجئة!

فهرب من بيته، خوفاً من انهيار سقفه القديم .. ووقف في الشارع في انتظار انتهاء الهزّة التي دامت دقيقتين، أحسّهما دهراً !


بعد هدوء الوضع .. أخذ ينظر للخراب الذي أحدثه الزلزال الذي يبدو أنه فاق 5 درجات، والذي أدّى لانهيار بعض المنازل المتهالكة ..والأسوأ أن مزرعته تضرّرت كثيراً .. كما غرق مكانه المفضّل قرب البحر، بعد موجةٍ عنيفة ضربت المكان .. حينها فقط تمنى لوّ أنه رحل مع بقية سكّان الجزيرة، بدل عناده بالبقاء وحده في مكانٍ كئيبٍ ومهجور ..

***


وفي أحد الأيام .. وأثناء صيده السمك بشرودٍ تام، تفاجأ بصوتٍ يناديه:

- تاكاشي !! شدّ السنّارة قبل إفلات السمكة

فنظر خلفه، ليرى صديقه القديم يتجه نحوه ! فناداه بدهشة:

- آيتارو ! متى عدّت؟ وكيف؟

- استأجرت قارباً أوصلني من الجهة الأخرى للجزيرة، وتوقعت وجودك هنا ..

تاكاشي والدموع في عينيه: اشتقت إليك يا صديقي


واحتضنه بشوقٍ كبير .. ثم جلسا قرب البحر وهما يتذكّران الماضي، ويتحدثان بأمورٍ كثيرة ..

ولاحقاً قاما بشواء السمكة وهما يغنيان أغاني وطنية بحماسٍ وسعادة

***


في المساء .. أصرّ تاكاشي على مبيت صديقه في منزله، وألا يفارقه أبداً .. ومدّ له فراشاً بطرف الغرفة، نام عليه آيتارو على الفور

ورغم شخيره العالي، إلاّ أن تاكاشي كان سعيداً بعودته وبقائه معه في الجزيرة

***


ومرّت الأيام .. تساعد فيها الصديقان في كافة أمور الحياة: من توفير الطعام والاهتمام بالمنزل المشترك بينهما ..


إلى أن أتى يوم، تفاجآ فيه بعودة جارتهم العجوز ..

تاكاشي بدهشة: إيتو !

السيدة: قرّرت العودة إلى هنا، قبل أن ترميني زوجة ابني في دار المسنين

آيتارو: هل سفينتك أوصلتك أيضاً من الجهة الأخرى للجزيرة، كما حصل معي ؟

السيدة: نعم .. وأنا سعيدة برؤيتكما هنا، فقد خفت أن تكون الجزيرة مهجورة بالكامل .. ولولا إجبار الحكومة بإخلاء منازلنا، لما تركت المكان أبداً !!

تاكاشي: أهلاً بعودتك سيدة إيتو .. تفضلي، شاركينا الطعام

السيدة: ألم تكتفيا من أكل السمك المشوي ؟ تعالا وساعداني بحمل الصناديق إلى بيتي، وسأطبخ لكما أكلةً شهيّة


وبالفعل تناولوا العشاء معاً في منزل تاكاشي الذي أصرّ على بقاءها معهما .. فاختارت إحدى غرفه للمبيت فيها

وبعد أن أصبح هناك شخصان في منزله، لم يعد يشعر بوحشة المكان

***


قضى الثلاثة معاً أشهراً سعيدة بين الضحك والعمل، قبل عودة بضعة عجائز من السكّان القدامى إلى الجزيرة الواحد تلوّ الآخر .. حتى سكنت عمارته من جديد، بأكثر من عشرين جاراً ..

***


وفي أحد الأيام .. تطوّع تاكاشي لإصلاح عطلٍ طارئ في المحطّة الكهربائية .. وأثناء انشغاله بالعمل، تفاجأ بصوتٍ أنثويّ مألوف يناديه بقلق:

- إنتبه أن لا تُصاب بصعقةٍ كهربائية !!


وكاد يسقط من فوق! لولا إسراع السيدة بإمساك السلّم الذي نزل منه وهو يرتجف، بعد رؤية زوجته المتوفاة الذي سألها بخوف:

- كيف هذا ؟! جثمانك مدفونٌ بأرضي

فأجابته بابتسامةٍ حنونة: طبيعي أن تلتقي الأرواح فيما بينها

- لم أفهم !


وهنا تجمّع سكّان الجزيرة حولهما (20 شخصاً) بوجوههم الشاحبة !

تاكاشي بقلق: ماذا حصل لكم ؟ تبدون كالأموات !

آيتارو: هذا لأننا جميعاً ميتون، يا صديقي ...(بتردّد) .. وأنت أيضاً

تاكاشي بعصبية: هل جننت ؟!! أنا لم أصبّ يوماً بمرضٍ خطير

زوجته: هل نسيت الأزمة القلبية التي تعرّضت لها في المشفى ؟

تاكاشي: كان مجرّد وخزٍ في قلبي، واستيقظت في منتصف الليل ..

فأكمل صديقه بحزن: لتنتحر

فصرخ تاكاشي: مستحيل أن أفكّر بالإنتحار !!

زوجته وهي تمسك يده بحنان: إذاً تعال معنا

***


وأخذوه إلى المشفى المهجور .. ليشاهد جثته المُتحلّلة، مشنوقة وسط الغرفة ! وعبارةٌ مكتوبة على الجدار المتهدّم، بخطّ يده المميز:

((سامحني يا حفيدي العزيز آكيرا، لم أعد أحتمل العيش وحيداً في هذه الجزيرة الموحشة)) 


وهنا عادت إليه ذاكرته: وتذكّر ليلتها أنه كان مازال يلبس قبعة عامل المنجم، الذي أضاء مصباحها لكتابة جملته الأخيرة بقلمه .. من بعدها ربط الملاءة في حلقة السقف، بعد وقوفه على السرير الذي قفز منه منتحراً !

تاكاشي مصدوماً: يا إلهي ! ماذا فعلت ؟

زوجته: ليتك ذهبت مع حفيدنا، بدل نهايتك المأساوية

فسكت قليلاً، قبل أن يقول:

- لحظة ! طالما أنني روحٌ الآن، فيمكنني الذهاب إليه .. أليس كذلك؟

فأجابه صديقه بحزن: نحن بإمكانها الذهاب أينما شئنا، لأننا متنا بشكلٍ طبيعي .. لكنك انتحرت، لهذا روحك ستبقى عالقة في الجزيرة .. ولحزننا على مصيرك، قرّرنا زيارتك .. لكنه حان الوقت لعودتنا إلى السماء

تاكاشي باكياً: لا أرجوكم !! لا تتركوني وحدي في هذا المكان الكئيب


إلاّ أن الأرواح ودّعته سريعاً، قبل انطلاقها الواحد تلوّ الآخر إلى السماء !

وقبل ذهاب زوجته، أمسك بيدها بقوة وهو يترجّاها بالبقاء معه .. فأشارت إلى البحر وهي تقول:

- لديك زائرٌ قادمٌ إليك ..


فنظر تاكاشي من نافذة المشفى المكسور نحو البحر، ليشاهد مجموعة من الشباب ورجلٍ ينزلون من القارب الذي ربطوه بالجزيرة المهجورة ..

فسأل زوجته باهتمام:

- من هؤلاء ؟!

فأجابته: مغامرون شباب، قدموا لاستكشاف الجزيرة .. أما الرجل فهو حفيدنا

- هل تمزحين ؟ آكيرا عمره سبع سنوات

- أصبح الآن 42 سنة

تاكاشي بصدمة: مرّت 35 سنة ! مستحيل !! أنا لم أتمّ سنتي الأولى لوحدي هنا

- الموتى لا يشعرون بالوقت .. فنحن الآن في عام 2009، وهو العام الذي سمحت فيه الدولة للسّياح بزيارة الجزيرة التي أُغلقت لثلاثة عقود .. وقد حاول آكيرا في مراهقته إبلاغ الصحافة عنك، لكن لم يصدقه أحد .. لهذا حجز في أول رحلة للجزيرة، وهو الآن في طريقه إلى هنا .. سأتركك مع حفيدك، إلى اللقاء يا عزيزي

تاكاشي صارخاً: أرجوك لا تذهبي !!!!

إلاّ أن روحها خرجت من النافذة باتجاه السماء !


ورغم حزنه على خسارة أصدقائه، لكنه متحمّس لرؤية حفيده الذي دخل وحده لاستكشاف المشفى المهجور، وهو يصوّر غرفها الخالية بكاميرته الصغيرة .. إلى أن توقف مذهولاً قرب الهيكل العظمي المشنوق !

ثم انهار باكياً، فور قراءة اسمه على الجدار .. فهو يعلم أن جده هو آخر شخصٍ سكن الجزيرة


ونادى المغامرين الذين صوّروه، وهو يُنزل جثة جده الذي حمله للخارج .. ليقوم بدفنه قرب قبر جدته في الأرض الزراعية التي أصبحت بورا ..

وجلس يدعو لهما بالرحمة، بينما تابع الشباب استكشاف الجزيرة ..


أما آكيرا فاكتفى بزيارة منزل جده القديم .. وقام بأخذ نظّارته وبعض أغراضه الشخصية ودفتر مذكّراته كتذكارٍ منه، قبل عودته إلى السفينة مع بقية المغامرين للرحيل من الجزيرة قبل غروب الشمس 


بينما ظلّ تاكاشي يراقب حفيده، لحين اختفاء السفينة خلف أمواج البحر .. وهو يشعر بالندم والحزن، بعد أن علقت روحه في الجزيرة المهجورة للأبد!


هناك تعليقان (2):

  1. جميلة جدآ جدآ يا(كنز الابداع )واتمنا لك التوفيق والنجاح الدائم

    ردحذف
    الردود
    1. ماشاءالله عليها مبدعه بجد
      انشاءالله تحقق كل اهدافها واحلامها في الكتابة الأدبية

      حذف

جنة أنتاركتيكا

تأليف : امل شانوحة  لغز الحدود الجليديّة التقطت كاميرات المراقبة (الموجودة على حدود القطب الجنوبي) قارباً صغيراً يقترب من جبالها الجليديّة ا...