الأحد، 27 ديسمبر 2020

الوصيّة

 تأليف : امل شانوحة

الثريّ البخيل


في مأتم الثريّ العجوز جاك ، لاحظ الحضور إرتياح ابنائه الأربعة بوفاته المُبكّر ، واستعجالهم لإنهاء العزاء لسماع الوصيّة ..


وبعد ذهاب المعزّيين من القصر ، إنتظر الأبناء حضور المحامي ..

وكان الأخ الأكبر جيم متحمّساً لمعرفة نصيبه من الميراث .. بعكس أخيه جون الذي عاتبهم على إستعجالهم بإنهاء العزاء .. اما الأخت الصغرى ديانا ، فبكت بصمت لاشتياقها لوالدها .. 

بعكس اختها الكبرى جاكلين التي ما تزال تشعر بالضغينة تجاه ابيها ، لهذا إغتاظت من حزن اخويها الصغيرين ، وحاولت تذكيرهما بطفولتهم السيئة:

- على ماذا تبكيان ؟ أنسيتما بخل ولؤم والدنا ؟ هو لم يعطينا المصروف الا بعد إنجاز مهامٍ صعبة في المنزل ! ولم يعترف بالأعياد كي لا يحضر لنا الهدايا .. الا تذكران كيف كنّا نخجل امام زملاء الجامعة ونحن نستقلّ سيارات الأجرة ، بعد رفضه شراء السيارات لنا ؟ ألم نتجنب الذهاب لحفلات العائلات الثريّة لأننا لا نملك ملابس جديدة ؟  


الأخ الصغير جون : يكفي انه علّمنا بأفضل المدارس والجامعات 

الأخ الأكبر جيم بسخرية : ألم يرسلك اللئيم الى مدرسةٍ داخلية عسكرية بدل مدرسة الباليه التي كنت تتوق لدخولها ؟ 

جون : رجاءً اخي ، لا تشتم والدي ..

وأكملت جاكلين كلامها مع اختها الصغرى : وانتِ !! الم يلقّبك دائماً بالطماطم الفاسدة ؟ 


فسكتت ديانا بامتعاض ، لتُكمل جاكلين :

- حتى انه لم يوافق على اشتراكك بمسابقات الجمال ، رغم انك الأجمل بين أقرانك ! وأصرّ على عملك كسكرتيرة في شركته كي لا تفزعي الآخرين بنبرة صوتك الحادّة ، كما قال لك دائماً ..

جيم مؤيداً : أختي معها حق !! هو لم يدعمنا مطلقاً .. ولولا وساطة العم آدم ، لما توظفت في شركةٍ محترمة

جاكلين : ولا تنسى إن والدي أبعدك عن جسيكا  

فتنهّد جيم بحزن : أحببتها بجنون ، وكنّا على وشك الزواج .. لكن بعد حديثه المطوّل معها في مكتبه ، فسخت خطوبتنا ! ولم يرضى ابي إخباري السبب !!... من حسن حظي انني التقيت بعد سنتين ب(روز) ، ووافقت على الزواج بي براتبي البسيط 

جاكلين بعصبية : لهذا لا ارى داعياً لتأخير ، ولنُسرع بتوزيع الميراث 


جيم : انا قلق أن يكون والدي نفّذ تهديده ببيع قصره ، والتبرّع بثمنه للجمعيات الخيريّة 

جاكلين : على الأقل انا وانت لدينا شققنا المستأجرة ، لكن أخوينا الصغار الى اين يذهبون !

الأخ الصغير جون : لا تقلقا بشأني

ديانا : وانا سأتصل بالعم آدم لحلّ المشكلة

جاكلين : العم آدم ليس مسؤولاً عنا ، يكفي الطلبات التي أتعبناه بها طوال حياتنا 

جيم : لا ادري كيف صاحب والدي رغم طباعهما المختلفة ! ..أتدرون ان العم آدم هو من دفع تكاليف دوراتي التعليمية ؟

جاكلين : ولا تنسى الألعاب التي أحضرها لنا في مناسباتنا العائلية  

جون : هل اتصلتم به لتخبروه عن وفاة والدنا ؟

ديانا : خطّه مشغول دائماً .. لذا أرسلت له رسالة خطية ، ولا ادري ان كان هنا ام مسافراً للخارج


بهذه اللحظات .. رنّ جرس القصر ، وأدخلت الخادمة رجلاً عجوزاً الى الصالة .. وما أن رأوه الشباب الأربعة ، حتى تجمّعوا حوله للسلاّم عليه  

ديانا بسعادة : الحمد الله على سلامتك عم آدم ، متى عدّت من السفر؟

آدم بنبرةٍ معاتبة : لم اسافر الفترة الماضية ، بل لازمت والدكم في المشفى اثناء انشغالكم بأعمالكم  

جون : لم نكن نعلم ! اهلاً وسهلاً بك

جاكلين : إجلس معنا لسماع الوصيّة 

جيم : نحن في انتظار المحامي


فأخرج آدم اوراقاً من حقيبته ، ووضعها امامهم وهو يقول :

- انا محامي والدكم

الجميع بدهشة : ماذا ! ابي لم يخبرنا بذلك

آدم : بالحقيقة هناك امور كثيرة لا تعلموها عن والدكم الحنون

جاكلين باستنكار : الحنون ! انت تقول ذلك ؟

آدم : نعم ، واريدكم ان تسمعوا وصيّته التي صوّرتها لكم


وأوصل جوّاله بالتلفاز الضخم : لسماع الفيديو المصوّر لوالدهم في المستشفى ، قبل يومين من وفاته ..


وكان الإخوة الصغار يشاهدان والدهما والدموع في عينيهما ، بينما الأخّين الكبيرين يشاهدانه بامتعاض

حيث قال الأب بالفيديو بصوتٍ متعب ، والمصل معلّقاً في ذراعه :

((اهلاً أبنائي الأربعة .. أعلم انكم متحمّسون لسماع وصيتي .. بالحقيقة لم أكذب عليكم حين أخبرتكم أن قصري سيُباع فور وفاتي ، وسيوزّع ثمنه على الجمعيات الخيريّة.....))


فصرخ الأخ الكبير غاضباً :

- الم أقل لكم ان والدنا سيحرمنا من كل شيء !!

جاكلين بغيظ : الا يكفي قساوته وبخله في طفولتنا ؟!

المحامي : رجاء إهدءا ، ودعوني أكمل الفيديو 

فجلسا غاضبين لسماع بقية الوصية ، وتابع الوالد قائلاً :

((بالحقيقة لستم بحاجة لقصري القديم ، فأنتم تستحقون الأفضل .. لهذا كتبت الفللّ الأربعة المتلاصقة في مجمّعي السكني بأسمائكم بعد إطمئناني عليكم ....)) 


وهنا نظر الأولاد الأربعة لبعضهم بدهشة ! وأكملوا سماع والدهم الذي قال: 

((سأخبركم الحكاية منذ البداية .. انتم تعرفون إنني نشأت في عائلةٍ فقيرة .. وعملت بجهد لسنواتٍ طويلة ، الى ان كوّنت ثروة لا بأس بها .. لكني لاحظت معاناة اصدقائي الأثرياء بتربية ابنائهم المدلّلين الذين أفسدهم المال الزائد ، ولم اردّ حدوث ذلك معكم .. لهذا ربّيتكم على تحمّل المسؤولية منذ الصغر .. وأجبرتكم على العمل الصيفيّ للإعتماد على أنفسكم ، ومعرفة قيمة النقود .. كما تعمّدت تقليل مصروفكم كي لا يستغلّوكم اصدقائكم .. تماماً كما فعلت مع جسيكا ، حين أخبرتها انني سأحرمك يا جيم من الميراث لأنك ولدٌ عاق .. وكما توقعت ، تخلّت عنك .. وقمت بهذه الحيلة كيّ لا ترتبط بزوجةٍ ماديّة .. اما زوجتك الرائعة روز ..فأخبرتني انها لن تتخلّى عنك ، حتى لوّ اضّطرت للعمل لمساندتك .. لهذا باركت زواجكما ، وهي تستحق العيش بالفلّة التي كتبتها بإسمك .. كما اريد إخبارك بأن مدير شركتك الذي وظّفك براتبٍ جيد ، هو صديق طفولتي الذي أطلعك بأنك الفائز على جميع المتقدمين بالوظيفة ، لتعزيز ثقتك بنفسك .. 

اما انت يا جاكلين .. ابنتي المتمرّدة .. أعرف حقدك عليّ لرفضي مساعدتك في متجر العطور ، لكن ما لا تعلمينه إن بضاعتك الأولى هي هدية مني ، وليس من العم آدم ....))


فتساءلت جاكلين بدهشة : أحقاً عمي آدم ؟!

فأومأ المحامي برأسه إيجاباً.. وأكملت سماع والدها الذي قال بابتسامة :

((اساساً جميع هدايا طفولتكم التي أحضرها المحامي آدم ، هي من مالي الخاص.. أخفيت الأمر عنكم ، لأني لم اردّ إعتيادكم على الهدايا الكثيرة .. لهذا طلبت من آدم إعطائكم رقمه الخاص ، لعلمي انكم ستلجأون اليه بعد إحساسكم بكرمه وعطفه ... وبنفس الوقت لن تطلبوا منه سوى الطلبات الملحّة الذي أخبرني بها ، والتي اخترت منها ما يناسبكم ... 

اما ابني العزيز جون .. فأعلم انني ظلمتك حين رفضّت دخولك مدرسة الباليه ، رغم موهبتك الجسدية الرائعة .. فعلت ذلك خوفاً عليك .. فلطالما كنت ولداً مُرهف الحسّ .. وأنت تعرف رأيّ جيداً برقص الرجال ، خاصة ان محبّي تلك الهواية عادة ما يكونوا ذويّ ميولٍ منحرفة .. لهذا أرسلتك للمدرسة الداخلية العسكرية لتزداد صلابة .. وهذا ما حصل بعد تخرّجك برتبة ضابطٍ قوي يُعتمد عليه .. وانت يا عزيزتي الصغيرة ديانا .. أعرف انني ضايقتك كثيراً بلقب (الطماطم الفاسدة) رغم انك أجمل طفلة رأتها عينايّ ....))


فبكت ديانا بقهر ، وهي تُكمل سماع والدها الذي قال :

((أردّت إفقادك ثقتك بجمالك ، خوفاً عليك من المستغلّين القذرين .. فالفتيات الجميلات عادة ما يخطفن ويؤذين من مدّعي الشهرة ومسارح الأزياء ، لهذا اردّت توجيه اهتمامك لشيءٍ آخر غير جمالك .. ولأني خائفٌ عليك من تحرّشات مدراء الشركات الأخرى ، أجبرتك على العمل بشركتي كي تبقي تحت حمايتي .. لكني علمت مؤخراً ان كثرة إنتقادي جعلك ترفضين العديد من العرسان ! لهذا رجاءً ابنتي ، يا جميلتي الصغيرة .. إنسي ما قلته لك ، وتزوجي رجلاً جيداً وانجبي الكثير من الأطفال .. فجمالك الحقيقي هو قلبك الطيب الحنون ، الذي سيجعلك أروع زوجة وأم .. ويوماً ما إحضري عائلتك الى قبري لأتعرّف عليهم .. أوعدني بذلك حبيبتي....))


فتمّتمت ديانا وهي تمسح دموعها : أعدك ابي

وأنهى الأب وصيته قائلاً :

((والآن سأترككم مع المحاميّ .. العم آدم .. لتوزيع الميراث عليكم بالتساوي .. ونصيحتي الأخيرة : لا تفسدوا اولادكم بالدلال الزائد .. دعوهم يعرفون قيمة المال ، وبأن السعادة الحقيقية هي بالعطاء ومساعدة الآخرين .. كما يمكنكم ايضاً إخبارهم عن جدهم البخيل ، ليتعلّموا من اخطائي .. بالنهاية أطلب منكم مسامحتي على قساوتي معكم .. فكل ما أردّته هو إعتمادكم على انفسكم ، وأن لا يلتفّ حولكم الفاسدين والطامعين ، كيّ لا تصابوا بخيبات أملٍ كما حصل معي .. أحبكم يا اولادي الأعزّاء ، وافتخر بكم جميعاً .. تذكّروني بالخير.. الوداع))


وفور انتهاء الفيديو ، إنهار الجميع بالبكاء .. وشعر الأخّوان الكبار بالخزيّ لكرههما له طوال حياتهما ..


وبنهاية الإجتماع .. إتفق الأبناء على إقامة تأبينٍ فاخر لوالدهم في اليوم التالي .. والذي حضره ذات الأشخاص الذين تفاجؤوا بالخطب المؤثرة للشباب الأربعة وحزنهم الواضح على وجوههم ، بعكس اليوم الأول لوفاة والدهم ! 

الوحيد الذي فهم مشاعرهم هو المحامي آدم الذي ابتسم برضا ، قائلاً في نفسه :

((أحسنت التربية يا صديقي جاك))


هناك 8 تعليقات:

  1. أدخل تعليقك...احسنتي اختي امل ...
    ث

    ردحذف
  2. يااااه يالها من قصة مؤثره
    روووووعه
    احياناً نكره اشخاص ونظن بهم انهم قساة وفي النهايه يتضح العكس.تماماً مثل هذه القصه.
    عندي سؤال لك
    هل شاركتي بقصص لك في مسابقات ادبيه
    او حتى في امازون

    ردحذف
    الردود
    1. شاركت بمسابقة اماراتية وقطرية وسودانية ، وارسلت ايضاً للأمازون قصة مترجمة .. لكن لم يحالفني الحظ .. فالناجحون بالمسابقات دائماً من الكتّاب المشهورين بالبلاغة الأدبية المحترفة التي من الصعب على الكتّاب المبتدئين (أمثالي) الفوز عليهم !

      حذف
    2. استمري إخت امل بمشاركاتك بالمسابقات وانشاء الله سيحالفك الحظ .....لاتيأسي....انشاء الله سوف يسطع نجمك.......اسأل الله ان يوفقنا جميعا

      حذف
    3. آمين يارب .. أنهيت قبل قليل مسودة قصتي المخيفة التالية ، سأحاول نشرها قبل نهاية العام .. وأتمنى ان تعجبكم

      حذف
  3. ايضا
    أرى بأن كل قصصك وكأنها أجنبية
    الأسماء والبلدان
    لماذا

    ردحذف
    الردود
    1. انا اختار اسماء اجنبية في القصص التي أراها تحدث عادة في البلاد الأجنبية .. واختار الأبطال عربية ان كانت القصة تحدث أكثر في بلادنا العربية .. يعني على حسب أحداث القصة

      حذف
  4. احسنت ياكنز الابداع ووفقك الله . اه اه كم اتمنى أربي اولادي تربية قرانية والاخلاق المحمدية والفضائل العلوية.....

    ردحذف

عقوبةٌ تعسُّفيّة

 تأليف : امل شانوحة   السجين والفأر في غرفة التحقيق ، إنتفض المتهم آدم (الخمسينيّ) غاضباً : - انا مهندسٌ كهربائيّ محترم ، لا يحقّ لكم القب...