تأليف : امل شانوحة
الحصّالة النقدية
- أكُل يومٍ شوربة عدس ، يا أبي ؟ ..لقد كرهت طعمها ! أصدقائي يأكلون اللحوم والحلويات ، فمتى سيأتي دوري لأتذوّقها ؟!
فنظر إليه والده بعينيه المُتعبتين :
- قدرُك أن تكون إبن حمّال ، يا بنيّ .. بالكاد تكفي أجرتي لتسديد مصاريف المنزل.. ألا يكفي أنني ربيتك وحدي بعد وفاة أمك ؟ هذا بدل أن تنزل للسوق لمساعدتي .. فأنت بلغت العاشرة ، وبإمكانك العمل في إحدى المحال التجارية
الصبي بضيق :
- ربما سأفعل يا أبي .. فقط لأملك المال ، لشراء طعامٍ غير شوربة العدس المقرفة.
***
وفي يوم عمله الأول كأجير في نقل الأغراض بمتجر الحيّ ، أعطاه والده حصّالة حديدية .. ونصحه بادّخار أجرته ، للإنتفاع بها مستقبلاً
فوافق الصبيّ على اقتراحه .. وأجّل حلمه بتذوّق الحلويات ، لحين امتلاء حصّالته الصغيرة بالمال.
***
إلاً ان القدر كان له رأيٌّ آخر .. فقد توفيّ والده بعد سقوط صندوقٍ ثقيل فوق رأسه ، أثناء تفريغه البضائع من الشاحنة..
ولعجز الصغير عن دفع إيجار بيته ، تمّ نقله الى دار الأيتام.
***
بعد بلوغه سن 18 .. تسرّح اخيراً من الدار ، ليكافح بالعمل في ثلاثة وظائف معاً ..مع وضع أجورها في حصّالةٍ ، تُشبه هدية والده الراحل ..
فقد اصبح مهووساً بفكرة : أن يصبح غنياً قبل بلوغه سن الخمسين .. وحينها سيشتري كل ما حُرم منه في طفولته وشبابه..
ومن أجل تحقيق هدفه ، عاد بإرادته إلى شوربة العدس الرخيصة ، لتوفير ماله .. فهي أشهى من العصيدة المقرفة التي كبر عليها في الميتم !
***
في سن الشباب .. حاول أصدقاؤه مراراً دعوته الى المطاعم .. لكنه رفض ، خوفاً من تعوّده على المذاق اللذيذ .. فيخسر بذلك مدّخراته التي جمعها ، لأجل ثرائه المستقبليّ .. حتى حينما يعزمونه على حسابهم ، يعتذر للسبب ذاته ..
ولهذا ايضاً رفض فكرة الزواج ، مُبرّراً للآخرين :
- لست بخيلاً كأبي ، لكن لديّ طموح بالثراء قبل أن أصبح عجوزاً
***
وبالفعل ، أثمر ذكاؤه التجاري وساعات عمله الطويلة الى تحويله من أجيرٍ صغير إلى صاحب متجرٍ اتسع مع الأيام ، ليصبح أكبر سوبرماركت في المنطقة
***
وبعيد ميلاده الخمسين .. وقف مزّهواً بنفسه امام اصحابه الذين دعاهم الى قصره (الذي اشتراه حديثاً) بجانب مائدةٍ طويلة مليئة بأفخر أصناف اللحوم والأطباق التي حلم بتذوّقها طوال حياته..
وألقى بغرور خطاباً عن عصاميته ، وبنائه ثرّوته بعد سنواتٍ من الصبر والشقاء .. ليكون الوحيد بين أقرانه الذي صنع مملكته بنفسه.
وبعد تلقيه التهاني من اصحابه .. وضع أول لقمة لحمٍ فاخر في فمه..
وماهي إلا لحظات ، حتى شعر بآلامٍ حادة ومفاجئة .. جعلته يسقط أرضاً ، وسط ذهول الحاضرين ! وينقلوه فوراً إلى المستشفى طوارئ.
^^^
وهناك ، صدمه الطبيب بعد ظهور نتائج الفحوصات :
بأن معدته التي اعتادت لعقودٍ طويلة على التقشّف القاسي وتناول صنفٍ واحد ، فقدت قدرتها على إفراز الإنزيمات اللازمة لهضم أيّ طعامٍ آخر ! ولهذا تستوجب حالته الصحية ، تناول الشوربات لبقيّة حياته
فعاد الرجل إلى قصره مكسور الخاطر ، وهو يشعر بقهرٍ كبير
***
وفي ليلة رأس السنة .. وقف أمام نافذته الزجاجية ، وهو يراقب خدمه يتناولون أشهى المأكولات في حديقة قصره.. بينما يمسك بطبقٍ ساخن من شوربة العدس ، وهو يتمّتم بندمٍ وحسرة :
((كنت أكرَهُ أبي ، لإجباري على تناول الشوربة طوال طفولتي.. ثم تناولتها في شبابي باختيارٍ مني.. والآن أصبحت وجبتي الإجبارية لما تبقى من حياتي ! ليتني عشت كل يومٍ بيومه .. فما حاجتي لثروةٍ لا يمكنني يوماً الإستمتاع بها))
ثم اخذ رشفة من شوربته .. وهذه المرة لم يشعر بطعمها ، بل كانت أشبه بسكين غرزت في روحه الحزينة !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق