الثلاثاء، 15 سبتمبر 2026

العروس المشؤومة

تأليف : امل شانوحة 

الحب المُقدّر


في مكتب السيد خليل بقصره الريفيّ ..

وضعت الخادمة القهوة امامه ، وهي تسأله : 

- سيدي .. هل يمكنني العمل اليوم بالحديقة بدلاً من زينب ؟

السيد : واين هي ؟ لما لم تأتي للقصر حتى الآن ؟

- اليوم يصادف وفاة خطيبها .. وعادةً تقضي نهارها في المقبرة

السيد باستغراب : هل كانت مخطوبة ؟!

- قبل عامين .. وللأسف توفيّ عريسها بالفرح ، من طلقةٍ طائشة أطلقها أحد المدعوين ابتهاجاً.

- لم اكن اعلم !.. هل كانت تحبه ؟

- كان ابن الجيران ، نشآ معاً منذ الطفولة.. وعقد والديهما خطبتهما منذ صغرهما 

- اذاً كان موتته صدمةً عنيفة لزينب ؟!

- من الجيد انها لم تفقد عقلها .. خصوصاً بعد انتشار اشاعة بقريتنا ، بأنها كانت نذير شؤمٌ عليه .. لهذا لم يتقدّم احد لخطبتها من بعده

السيد بضيق : وما ذنبها ؟! .. فعلاً القرويون يصدّقون أغرب الخرافات ! ..هل ذهبت للمقبرة الجنوبية ؟

- هي المقبرة الوحيدة في قريتنا.. وأظن زينب لوحدها الآن ، فهي ترفض ان يرافقها احد الى هناك.. فهل تسمح بعملي مكانها بالحديقة ؟ فهي وإن عادت باكراً ، ستكون نفسيّتها متعبة

السيد : حسناً ، إذهبي واعتني بالمشتل. 

^^^


وقد آثار كلام الخادمة فضوله ، جعلته يركب سيارته متوجهاً للمقبرة


وعندما دخل .. وجد زينب تسند رأسها باكية على قبر عريسها ، وهي تغني اغنيةً شعبية.. 

فاختبأ خلف الأشجار ، دون أن تشعر بوجوده.


وبعد انهائها الأغنية بصوتها العذب ، أكملت حديثها مع خطيبها المتوفي :

- حبيبي .. أتذكر عندما غنيت هذه الأغنية في صغرنا ، ووعدتني ان تغنيها بفرحنا ؟ .. للأسف ، لم اسمعها منك ثانيةً.. (ثم تنهدت بقهر) .. ليتك تعلم بالمصائب التي تراكمت فوقنا ، طوال السنة التي لم ازرك فيها ؟ .. فقد خسر أبي ثرّوته في البورصة ، ومات مقهوراً.. واضّطررت للعمل عند الرجل الذي اشترى مزرعتنا وبيتنا في المزاد ، بعد انتقالي مع أمي وجدتي وأختي الصغيرة الى ملحق الخدم بحديقة قصرنا ! اما السيد الذي اعمل عنده ، فلا ادري حقاً كيف أصفه ! فهو يحترم عائلتي ، لكنه يتعمّد القسوة عليّ .. كأنه يخشى تتطوّر عواطفه اتجاهي ، بعد معاناته مع طليقته في محاكم المدينة !.. (ثم شهقت ، وهي تضع يدها على فمها).. آه ! آسفة حبيبي ، لم اقصد ما قلته .. اعرف غيرتك الشديدة عليّ


ثم ازالت خاتم خطوبتها التي كانت تضعه في عقدها ، وهي تقول :

- هذه المرة سألبسه باليد اليسار ، لأني اعلن امامك : بقائي عزباء طوال حياتي ، الى ان نجتمع ثانيةً في الآخرة.


ووعدها هذا ، اغاظ خليل الذي لم يتوقع أن تكون مُتمسكة بالماضي إلى هذه الدرجة!


ثم نظرت زينب لساعة جوالها :

- يا الهي ! تأخر الوقت.. عليّ العودة إلى القصر قبل أن يغضب السيد.. فهو منحني فرصة العمل بتنسيق حديقته ، للإستفادة من شهادتي الزراعية..لذا سأودّعك على عجل ، قبل عودتي الى العمل


واثناء قراءتها الفاتحة امام قبره .. سارع خليل بالخروج من المقبرة ، والجلوس بسيارته محاولاً تهدئة نفسه.

^^^


وعندما خرجت من هناك ، شاردة الذهن .. أطلق بوق سيارته .. 

فالتفتت اليه بدهشة :

- سيد خليل ! ماذا تفعل هنا ؟

- كنت ازور قبر صديقٍ لي ، هل لديك مانع ؟

- لم اقصد سيدي

خليل : اذاً اركبي ، فورائك عملٌ كثير بالقصر

^^^


وفي الطريق ، ظلّت زينب صامتة وهي تنظر من النافذة بشرود .. 


وعند توقفه امام إشارة المرور ، لاحظ تحريكها للخاتم بتوتّرٍ وارتباك .. 

فشعر بالإنزعاج لفكرة : أن تظلّ صبية فاتنة ، وفيّة لرجلٍ ميت .. فهو هدر للجمال وسنوات العمر ! 

^^^


وبعد عودتهما للقصر ، سارعت زينب للحديقة للقيام بعملها 


وبعد ساعتين .. دخل خليل الى مشتله ، لرؤية ما انجزته من عمل .. ليسمعها تدنّدن نفس الأغنية التي غنتها بالمقبرة .. 

ثم توقفت عن الغناء ، وهي تُحدّث نفسها بصوتٍ مسموع :

- ارأيت حبيبي كيف اصبح مشتلنا جميلاً ؟ .. طبعاً !! فزوجتك بارعة بالزراعة

فتضايق خليل من كلامها ، قائلاً بنفسه بغيظ :

((مازالت تفكّر بذلك اللعين !)) 


وعند استدارتها ، تفاجأت بخليل خلفها ! وكادت تسقط فوق التربة المُبلّلة..

فأسندها ، بلفّ ذراعه حول خصرها .. لكنها أبعدته عنها بعنف ، معاتبة:

- لا تلمسني رجاءً .. انا امرأة متزوجة

فصرخ بعصبية : توقفي عن هذا الغباء !! خطيبك توفيّ وانتهى امره

- هو ميت بالنسبة لكم... لكنه سيبقى زوجي للأبد !! 

- انت تتوهمين !! فهو لم يصبح يوماً زوجك  

- وما دخلك انت ؟! 

- زينب اهدأي قليلاً ..أنت مازلت شابة ، لما تدفنين نفسك مع رجلٍ ميت؟ 

- لأني وعدّته ان اكون وفيّة له ، لآخر عمري ..

خليل بعصبية : وانا لن اسمح لك بذلك !!


وحاول نزع الخاتم من اصبعها بالقوة .. ليُفاجأ بصفعتها القوية :

- من انت لتزيل خاتم زواجي ؟!! ان كنت ستذلّني بالعمل لديك ، فأنا استقيل !!

خليل : لا يمكنك الإستقالة ، فأهلك بحاجة لراتبك

- سأعمل بمزرعةٍ اخرى !!

وخلعت مئزر العمل ، وخرجت من المشتل غاضبة ..


خليل بدهشة : المجنونة ! .. اساساً لما اهتم بخادمتي العنيدة ؟!

***


في اليوم التالي ، واثناء شربه القهوة في مكتبه .. لمح من نافذته ، زينب وهي تركب سيارة اجرة متوقفة خارج بوابة قصره !

فلم يجد نفسه الا وهو يلاحقها بسيارته ، الى ان نزلت في ارضٍ زراعيةٍ أخرى .. 


ثم راقبها من بعيد وهي تتفق مع صاحب المزرعة على العمل لديه ! 

فعاد غاضباً الى قصره ، بعد تأكّده من استقالتها

***


وعندما حلّ العصر .. انتابه القلق الشديد ، جعلته يقود للمزرعة المجاورة 


وهناك رأى زينب تشرح للمالك طريقة زراعة المحاصيل ، حسب معرفتها الزراعية ..

لكنه شعر بالرجل يقترب منها أكثر مما ينبغي.

ودون ان تنتبه ، أمسكها من الخلف..

فقاومته زينب بعنف ، وهو يحاول جذبها اليه 


فنزل خليل من سيارته مسرعاً .. وانهال على الرجل بلكمةٍ قوية ، أسقطته أرضا..وهو يصرخ مهدّداً :

- ان لمستها ثانيةً ، سأقتلك.. أفهمت !!

الرجل خائفاً : آسف سيد خليل ، لم اعرف انها تهمّك 

فرفع خليل يد زينب المرتبعة :

- هي زوجتي !! الا ترى الخاتم ؟!! 

فحدّقت زينب فيه بدهشة ! 

الرجل بخوف (فهو يعرف خليل القادم من المدينة ، وقوته بالسوق): 

- سامحني رجاءً ، لن اقترب منها مجدداً .. احلف لك 


فسحب خليل ذراع زينب الخائفة إلى سيارته

***


وفي الطريق ، سألها غاضباً : 

- ألم تجدي مكاناً آخر للعمل غير تلك المزرعة ؟

زينب : هو الوحيد الذي وافق على توظيفي ، بعد قراءة ايميلي  

خليل : طبعاً سيوافق بعد رؤيته لصورتك الجميلة بالملف 


وكانت المرة الأولى التي يمتدح فيها شكلها ! رغم انه عاملها بجفاء طوال الست شهور من شرائه املاك والدها بالمزاد العلني 


خليل : لن اسمح بعملك عند احدٍ غيري .. مفهوم !!

فسكتت زينب قليلاً .. قبل ان تسأله :

- اخبرته بأنني زوجتك ! لما فعلت ذلك ؟!

فردّ بعصبية : لأنك مصرّة على وضع خاتمك السخيف بيدك اليسار .. هيا أعيديه الى عقدك ، او ارميه بعيداً !!

زينب : هذا الخاتم يخصّني وحدي .. لا افهم سبب غضبك منه لهذه الدرجة!


فالتزم الصمت وهو يكاد ينفجر من الغيرة.. بينما تجاهلت زينب انفاسه الغاضبة وهي تنظر للحقول بصمت اثناء عودتهما للقصر

***


في الأيام التالية ، تعمّدت زينب الإبتعاد عن خليل .. 

فإذا طلب منها القهوة ، أرسلتها مع إحدى الخادمات.

وإذا دخلت إلى مكتبه ، بقيت رسمية معه.

وإذا تحدّث معها ، أجابته باختصار.


شيئاً فشيئاً بدأ خليل يفتقد جدالها وعنادها معه ، ووجودها قربه 

***


وذات يوم ، دخلت الخادمة الى مكتبه وهي تسأله : 

- هل طردّت زينب من العمل ؟ 

خليل باستغراب : لا ! لما تسألين ؟

- رأيتها تصعد الى علّية القصر(التي مازال فيها اغراض تخصّ زينب وعائلتها) باكية ، ومعها كيسٌ اسود وقارورة ماء ! ناديتها ، فلم تجبني .. بدت كئيبة للغاية !

^^^


مما اقلق خليل الذي سارع الى هناك .. لينصدم برؤية زينب بفستان عرسها (الذي احتفظت به منذ يوم الحادثة ، مع تغيّر لون بقع الدم مع الزمن) 

كانت تجلس على الأرض غائبةً عن الوعيّ ، وبجانبها ادويةً فارغة (تخصّ جدتها) ونصف قارورة ماء.. 

وورقة مكتوباً عليها : 

((سامحوني... لم أعد أحتمل الحياة دون حبيبي.. فقرّرت الذهاب اليه))


فعرف ببلعها الأدوية ، انتحاراً ! 

وحملها إلى سيارته ..وانطلق بها إلى المستشفى بأقصى سرعة.

***


وبعد ساعة .. خرجت الطبيبة وهي تخبره بأنهم انقذوها بآخر لحظة ، بعد غسل معدتها


وعندما دخل غرفتها.. جلس بجانب سريرها وهو يدعو لها بالشفاء العاجل 


لكن ما ان استيقظت ، وعرفت بنجاتها .. حتى صرخت عليه معاتبة:

- لما أنقذتني من الموت ؟!! كنت على وشك اللقاء بحبيبي.. 

خليل مقاطعاً بعصبية : اللعنة عليه !! اساساً انتحارك سيرميك في جهنم ، لا الجنة ..ايتها المتهورة العنيدة !!

زينب باكية : سيغفر الله لي ولوّ بعد حين ، فهو يعلم بانفطار قلبي بعد موت حبيبي الذي لا استطيع ..


وقبل ان تكمل كلامها ، تفاجأت بخليل يحضنها باكياً : 

- توقفي يا زينب !! انا اموت كل يوم ، غيرةً وشوقاً عليك .. ولن اسمح بهدر حياتك على شخصٍ ميت 

ثم أمسك وجهها بيديه :

- انت لي يا زينب !! انت لي وحدي

زينب بصدمة : لم اكن اعرف انك تحبني !

- أحببتك منذ اليوم الأول الذي رأيتك فيه بالمزاد.. لكني قاومت شعوري طوال الشهور الماضية ، خوفاً من الفشل ثانيةً بعد طلاقي المرير..

وإذّ بزينب تقول بحزم : 

- إذاً إثبت حبك الآن !! .. أحضر المأذون إلى هنا ، وإلاّ أحلف انني سأعيد محاولة انتحاري بأقرب فرصة !

^^^


وبالفعل أحضر خليل الشيخ والشاهديّن للمشفى ، لكتب كتابهما.. 

ومن بعدها ، اتصل بالعائلتين لإخبارهما بالزواج .. 

فكانت صدمة للجميع ! لأن أهله يعلمون خوفه من الزواج ثانيةً .. وعائلة زينب تعرف تعلّقها الشديد بخطيبها الراحل ! 

***


بعد انتهاء شهر العسل .. التقت زينب بالطبيبة وخادمة القصر في المطعم ، لشكرهما على وقوفهما معها ..

فصديقتها الطبيبة (من ايام الجامعة) تكفّلت بإخباره عن عملية غسل المعدة الوهمية 


اما الخادمة : فهي من أرسلت خليل للمقبرة ، باتفاقٍ مع زينب التي بدأت حوارها التمثيلي مع عريسها الميت ، فور لمحها لسيارته تتوقف بجانب المقبرة .. لكيّ تشعل نار الغيرة في قلبه.. فكما يقال : ((كل ممنوعٍ مرغوب))


كما تعمّدت العمل عند صاحب المزرعة المعروف بعشقه للنساء الجميلات ، لجعله ينوي الزواج من جديد 

^^^


لكن السرّان اللذان لا يعرفهما احد : 

اولاً : بأن والدها أجبرها على قبول خطبة ابن الجيران في صغرها ، رغم عدم انجذابها له مطلقاً 

وثانياً : هو اتفاقها مع عريسها (قبل وفاته) على انهاء زواجهما سريعاً ، بعد اكتشافها خيانته قبل يومين من العرس ! 

ومع ذلك اكملا الإحتفال ، كيّ لا يصدما اهاليهما .. بشرط عدم لمسها ، وتطليقها بعد شهرٍ واحد .. لكن الطلقة الطائشة انهت حياته ، قبل ان يعرف احد كرهها لعريسها الخائن !

لهذا لم تبكي فقداً لحبيبها ، بل لخسارة فرصتها ببناء حياةٍ جديدة بعد الفضيحة الإجتماعية (كونها نذير شؤم على العرسان) !


فقامت بالتخطيط مع صديقتيها للإيقاع بالسيد الوسيم القادم من المدينة ، الذي لن يهتم بخرافات القروين وشكوكهم الظالمة !

***


وبعد سنوات .. اصبح خليل زوجاً رائعاً ، وأباً حنوناً لولدين .. دون علمه بأن قصة عشقه ، كانت خطّة ذكيّة نفّذتها زينب قرب قبر رجلٍ خائن لم تحبه قطّ.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

العروس المشؤومة

تأليف : امل شانوحة  الحب المُقدّر في مكتب السيد خليل بقصره الريفيّ .. وضعت الخادمة القهوة امامه ، وهي تسأله :  - سيدي .. هل يمكنني العمل ا...