تأليف : امل شانوحة
الهدية الأخيرة
في منتصف الشهر .. جلس الوالدان في الصالة ، وهما يتناقشان مصاريف المنزل
قائلةً الأم بقلق:
- مازالنا في نصف الشهر ، ولم يتبقى شيء من معاشك ! كيف سندفع المصروف اليومي لمدرسة الأولاد ؟
تنهّد الأب بضيق :
- إصلاح السيارة صرف معظم راتبي .. أفكّر بالإستدانة من زميلي حتى نهاية الشهر
وقبل إكمال حديثه ، دخل ابنهما الأكبر وهو يحمل كيساً من رقائق البطاطس ..
قائلاً بحماس:
- أمي !! وجدت داخل الكيس ، مغلّفاً أسود .. وحسب الإعلان ، فهو يعني جائزةً مالية.
ابتسمت الأم :
- اذاً افتحه ، ربما ربحت عشرة ريالات.
الإبن :
- الجوائز تتراوح بين 10و 50و 100ريال .. أما الجائزة الكبرى : فهي 500 ريال.. هيا افتحيه !! فيدايّ متسختان من الشيبسي.
وما ان فتحت الأم المغلّف ، حتى اتسعت عيناها بدهشة !
وهي تبتسم بحماس :
- هذه 500 ريال!
فتنفّس زوجها الصعداء :
- الحمد لله... جاء الفرج.
ليسارع ابنهما بالقول :
- لحظة !! اشتريت كيساً آخر من المدرسة.. سأحضره حالاً ، لربما ربحنا جائزةً أخرى
الأب ضاحكاً :
- لا تكن طمّاعاً يا بنيّ ، يكفينا ما رزقنا الله.
لكن الصبي عاد بعد دقائق ، وهو يحمل مغلّفاً أسوداً آخر.
فتحته الأم ، لتنصدم بربحهم للجائزة الكبرى من جديد !
فقال الولد مبتسماً :
- هيا ، ماذا تنتظران ؟ إذهبا إلى السوبرماركت قبل إغلاقها .. فالثلاّجة فارغة منذ أيام ، وأنا سأبقى مع إخوايّ حتى تعودا
تردّد الوالدان قليلاً ، قبل ذهابها لشراء كل ما يلزم المنزل حتى نهاية الشهر.
***
بعد ايام .. عاد الإبن من المدرسة ، وهو يحمل حلوى تكفيه هو وأخويّه
فسأله والده باستغراب :
- أعطيتك ريالاً واحداً مع الشطيرة.. فمن أين اشتريت كل هذه الحلوى؟!
الصبي بابتسامة :
- يوجد في مدرستي انشطةٌ متعددة ، وقد اخترت العمل في المقصف.. فخيّروني بين مكافأةٍ مالية في نهاية الشهر ، أو أخذ بعض الحلوى يومياً.. فاخترت الحلوى لأشاركها مع إخوايّ ، وبذلك أوفّر عليك جزءاً من مصروف المنزل
ومنذ ذلك اليوم.. صار إخويّه ينتظران عودته من المدرسة كل ظهيرة ، ليفاجئهما بأنواعٍ جديدة من الحلوى اللذيذة
***
ولم تتوقف مفاجآته عند هذا الحد :
فقد فاز لاحقاً في مسابقةٍ علميّة ، أربحته لعبة تركيبٍ كبيرة (ليغو) شاركها مع إخويه
وبعد شهر.. فاز ببطولة الشطرنج بين المدارس ، جعلته يكسب صندوقاً مليئاً بالدفاتر والأقلام .. مما اسعد والده الذي عانى ذلك الشهر من ضائقةٍ مالية ، منعته من شراء مستلزمات اولاده المدرسية.
وبعد فترة ، سمع والديه يتحدثان عن حاجتهم إلى ملابس جديدة ..
فعاد في اليوم التالي بقسيمة شراء من متجرٍ معروف بمنطقتهم ، بعد فوزه بمسابقةٍ رياضية.
***
ومع مرور الأشهر .. اعتاد اهله على فوزه في مسابقات الصحف وبرامج التلفاز ، وسحوبات المشروبات الغازية .. وحتى العروض التجارية التي ترافق المنتجات الجديدة !
وبذلك كسبوا غسالةً جديدة ، ودرّاجة لأخيه الصغير .. مع مبالغ مالية ، ومجموعة من الأجهزة المنزلية... حتى لقبته عائلته : بالولد المحظوظ !
***
لكن كل شيء تغيّر بعد مدح امه لحظه العجيب وسلّسلة انتصاراته ، امام قريبتها الحقودة التي لم تفزّ يوماً بالمسابقات التي اشتركت فيها لسنواتٍ طويلة !
ليصاب الصبيّ بحمى شديدة ، نُقل (بعد عجزّ والديه عن إخفاض حرارته) الى الطوارئ
^^^
وفي غرفة المشفى .. إجتمع والداه وإخويّه حول سريره ، وهم يدعون له بالشفاء وعيونهم تفيض من الدمع ..
فقال الصبي بصوتٍ مرهق :
- الآن يمكنني كشف السرّ الذي أخفيته عنكم طوال السنة الفائتة
فاستمعوا له باهتمام ..
- انا لست ولداً صغيراً كما تظنون ، بل رجلاً كهلاً عائداً من المستقبل
فظن والداه ان الحمّى أفقدته صوابه ! لكنه اكمل قائلاً :
- بالحقيقة ، جميعكم عشتم حياةً فقيرة .. مات والدايّ اولاً ، ثم اخوايّ بحادثين متفرّقين ، دون أن تذوقوا طعم الراحة أو نِعم الحياة... وبقيت وحدي بعمر الأربعين قبل ان تشتري الحكومة منزلنا القديم ، لإقامة مشروع سكّة حديد.. فاستثمرت التعويض في البورصة.. واشتريت بالربح مطعماً صغيراً .. وبعد سنوات صار له فروع كثيرة ، جعلني من أثرياء البلد .. لكني عشت وحيداً من دونكم ، كما أشغلني العمل عن الزواج والإنجاب .. وعندما كنت احتضرّ في قصري بعمر السبعين ، إتصلت بالمحامي لتوزيع ثرّوتي على الجمعيّات الخيريّة ، لعدم وجود وريثٍ لي.. وبانتظار قدومه مع الأوراق الرسمية ، ظهر لي ملاك وهو يسألني عن أمنيتي الأخيرة ؟! فطلبت منه أن يعيدني طفلاً بزمن الماضي ، لأمنحكم الحياة التي حُرمتم منها ، ولأعوّضكم عن سنوات الشقاء.. وكل تلك الجوائز التي ظننتموها حظاً وافراً ، لم تكن سوى جزءاً من ثرّوتي ، جلبتها معي لرسم البسمة على وجوهكم.
ثم نظر الى الشاشة التي تقيس نبضاته المنخفضة :
- يبدو أن طاقتي نفدت ! وسأعود الآن إلى عمري الحقيقي.
وأغمض عينيه .. ليرتفع رنين جهاز القلب ، مُعلناً وفاته !
وفجأة ! كبرت ملامحه بسرعة...وشاب شعره...وامتلأ وجهه بالتجاعيد..لتبدو هيئته ككهلٍ كبير ، ممدّداً على السرير الطبّي ..
وقبل ان يستوعب اهله هول الصدمة ، أو يدركوا حقيقة ما جرى ! بدأت أجسامهم تتلاشى في الهواء ، الى ان اختفوا جميعاً من الغرفة .. فهم رحلوا قبل موته بسنوات!
ليدخل الطبيب على صوت الجهاز ، ويجد العجوز ميتاً وعلى وجه ابتسامة الرضا .. فهو رغم عدم تغيّره القدر ، الا انه نجح بمنح عائلته حياةً أسعد مما عاشوه في واقعهم المرير !

اذكر مرة في الأول ثانوي بزمن التسعينات في السعودية ، ربحت جائزة 5 ريال بشيبسي البطل (على ما اعتقد هذا اسم الشيبسي )..
ردحذفوشعرت بسعادة لا توصف ، وكأني ربحت كنزاً ! اشتريت من المقصف شيبسي آخر وشوكولاتتين بالفسحة .. وتركت ريالين للصرفة ، اشتريت فيهما الحلوى وماء باردة ..
كانت جوائز الشيبسي بالعادة العاب صغيرة .. لكن توجد ايضاً ثلاثة نقود : اما ريال واحد ، او 5 ريال .. والجائزة الكبرى هي 10 ريال..
البارحة تذكرت هذه الحادثة ، وخطرت ببالي هذه القصة .. اتمنى ان تعجبكم