تأليف : امل شانوحة
الإبادة البشرية
في مكانٍ بعيد عن البشر ، عُقد اجتماع بين ثلاثة ملوك في قاعةٍ صغيرة تحت الأرض.
الأول : ملكة البعوض بجسدها الرشيق وجناحيها الشفافتيّن ، وعلى رأسها تاجٌ باللون الأحمر القاني
وعلى يسارها ، ملك الجراد.. بتاجه المصنوع من سنابل القمح اليابسة
أما الثالث : فملك الفئران.. بجسده الضخم الذي يُغطيه معطفاً من الفروّ المخمليّ .. وتاجه عبارة عن خاتمًٍ ماسيّ ، سرقه احد جنوده من ممتلكات أنسيّة بأحد البيوت
وابتدأ الفأر الإجتماع :
- شكراً لقدومكما الى قصري اسفل الغابة .. فنحن أعظم ثلاثة ملوك عرفهم البشر
البعوضة : بالتأكيد سنقبل دعوتك انا وزميلي الجراد .. فنحن جميعاً نعتبر من اسوء الحشرات في العالم
ملك الفئران معترضاً :
- انتبهي على كلامك ، فأنا لست حشرة.
فردّ الجراد:
- لكنك حليفنا في الموت.
ابتسم الفأر :
ـ وهذا يكفيني.. (ثم اشار لملكة البعوض) .. يمكنكِ طرح اسئلتك علينا
البعوضة بغرور :
- برأيكما من تسبّب في موت اكبر عددٍ من البشر ، من بيننا ؟
الجراد بفخر :
- باعتقادي نحن !! فجيشي بإمكانه تغطية نور الشمس .. وبقرارٍ واحدٍ مني ، أُبيد ملايين البشر دون ان يواجهونني بحروبهم المعتادة
الفأر باهتمام :
- وكيف ذلك؟
الجراد : بإمكان أسراب جيشي التهام محاصيلهم في ساعاتٍ قليلة .. وعندما تختفي السنابل ، تبدأ المجاعة.. مُجبراً البشر على اكل ما لا يؤكلونه بالعادة .. الى ان يموت معظمهم جوعاً
البعوضة ساخرة :
- لكنك عديم الفائدة بالأماكن التي ليس فيها حقول .. بينما نسلي يكفيه وجود انسانٌ واحد ، لتبدأ الكارثة .. فجيشي أصغر من جيشكما ، ومع ذلك يشهد التاريخ بأنني كنت أعظم خطرٍ قاتل على البشرية
ثم اخرجت من حقيبتها ، صوراً لضحايا ماتوا من أثر الحمّى
وهي تقول بفخر :
- هل سمعتما بالملاريا ؟ .. مع انه بالحقيقة ، لسنا من نصنع الطفيلي القاتل .. لكنه يستخدم أجسادنا ، كوسيلة للوصول إلى البشر.
فسألها الجراد باهتمام :
- وكم قتلت الملاريا حتى اليوم ؟
فابتسمت بمكر :
- انت تعرفني جيداً .. لا أحب الأرقام الصغيرة.
الفأر بابتسامة :
- يالك من مغرورة
فأكملت كلامها :
- حسب تقديرات البشر .. الملاريا قتلت عبر التاريخ أعداداً هائلة ، قد تصل لمئات الملايين.. وفي العصر الحديث ، ارتبط جيشي بنحو نصف مليون وفاة كل عام ، خصوصاً في البلدان النامية ! أما أنتما ، فتحتاجان إلى حقولٍ ومدن.. بينما جيشي يكتفي بلسعةٍ واحدة ، لجعلهم يحتضرون ببطءٍ موجع
ملك الجراد:
- بصراحة لا يمكننا انكار عظمتك ، خصوصاً بعد انجازك العظيم بوباء الإنفلونزا الإسبانية
البعوضة :
ـ البشر يخطئون احياناً بتحليلاتهم .. فالإنفلونزا الإسبانية كانت وباءً فيروسياً ، ولا دخل لجيشي فيه
ابتسم ملك الفئران :
ـ جيد أنك اعترفت بالحقيقة
البعوضة :
- انجازاتي الأخرى تكفيني .. ماذا عنك ؟
فأخرج الفأر من خزانته .. مجموعة من الصور القديمة ، لجثثٍ منتشرة بمدنٍ اوروبية في العصر الماضي..
الفأر :
- بالحقيقة هذه صور مرسومة باليد .. سرقها مساعدي من المتحف ، والتي توضّح انجازات اجدادي .. أتدريان ما اسم الوباء ؟
فساد الصمت القاعة ، قبل ان يجيب الفأر بفخر :
- الطاعون الأسود.
قال الجراد:
- هذا وحده يكفي لتفوز علينا
الفأر : ربما .. لكن دعوني أكون دقيقاً بالتحليل .. فالبشر بذلك الزمان وضعوا اللوم على الفئران .. لكن الناقل المباشر للبكتيريا ، كان غالباً البراغيث التي تعيش على القوارض المصابة.
فقالت ملكة البعوض بدهشة :
- إذاً أنت مجرد...
الفأر مقاطعاً :
- وسيط .. او يمكنكما اعتباري ، حليفٌ استراتيجيّ .. المهم ان جيشي أفنى عشرات الملايين بالموت الأسود في القرن الرابع عشر.. فماذا تستطيعان فعله امام انجاز القوارض العظيم هذا ؟
فردّ الجراد:
- أستطيع تجويع أمّةً بأكملها
وقالت البعوضة:
- وأنا أستطيع إمراضها
فردّ الفأر بغرور :
- وأنا أستطيع تحويل مدنهم إلى مقابر جماعية
ثم طلب الملكان من الفأر استعارة جواله (المسروق من احد البيوت)
وبدأ كل واحدٍ بعرض جيشه من فيديوهاتٍ نشرها البشر على الإنترنت ..مستعرضاً كل ملك قوته على صاحبيه ..
حيث رأيا اسراب البعوض التي اجتاحت المدن ..
بينما اسراب الجراد تقضي على الحقول بساعاتٍ قليلة
بينما تجمّدا وهما يريان القوارض وهي تخرج من كل زاوية ، حتى غطّت الشوارع والبيوت !
فنظروا إلى بعضهم ، قبل ان يقول الجراد :
- الآن فهمت لما يخافنا البشر.
الفأر: بل يكرهوننا.
البعوضة :
- ولهذا يحاربوننا على الدوام ..
ثم ضغطت بخرطومها على حروف الجوال ، ليظهر امامهم فيديو لمختبراتٍ بشرية لتصنيع المبيدات الحشرية ومصائد فئران ، وشبكاتٍ كهربائية مضادة للبعوض ، ومبيدات المحاصيل لمكافحة الجراد..
بينما علماءٌ آخرين يدرسون الطفيليات والبكتيريا والفيروسات.
فنظر الملوك الثلاثة إلى المشهد بدهشةٍ وقلق !
قائلاً ملك الجراد:
- إنهم ينفقون الملايين لمحاربتنا؟!
فضحكت البعوضة :
- هذا طبيعي ، فهم يعرفون قوتنا .. والتاريخ يشهد على جرائمنا ضدهم
الفأر :
- معك حق .. فهم يخشون دماء البعوض المسمومة .. وقدرة جيوش الجراد على تدمير آلاف المحاصيل الزراعية .. ودور القوارض والبراغيث في نشر الطاعون ، اعظم بلاءٍ بالتاريخ
الجراد : ما يفاجئني ابادة البشر لبعضهم بالحروب ، ومع ذلك يخافوننا رغم صغر حجمنا !
فردّت الملكة:
ـ لأنهم لا يروننا كجنود العدو ، بل موتٌ يحيط بهم دون سابق انذار.. ولهذا يستمرّون في محاربتنا ، وإبادة نسلنا بكل الطرق الممكنة !
^^^
وانتهى الإجتماع .. ليذهب كل ملكٍ الى جيشه الخفيّ ، وهم يعلمون بأن العلماء والمسؤولين سيتابعون الحرب معهم للنهاية .. لإداركهم بأن بعض المخلوقات مهما بدت صغيرة ، تستطيع تدمير الحضارة البشريّة في أيامٍ معدودة !

قمت بإعادة كتابة فكرة الإبادة البشرية ، وهذه المرة ليس بسبب الحكّام السفّاحين كقصتي السابقة (عرش الجماجم) بل بسبب الحشرات القاتلة
ردحذفاتمنى ان تعجبكم