الجمعة، 12 يونيو 2026

مبنى المعنفات

تأليف : امل شانوحة 

لعنة التمرّد


في منطقةٍ قبليّةٍ مُتشدّدة ، أُعلن عن مبنى حكوميّ لحماية النساء المُعنّفات ، بعد ازدياد حالات الإنتحار بين الفتيات الهاربات من العنف العائلي والزواج القسّري.. بينما أَطلق عليه سكّان القرى المُحيطة اسم : 

((مبنى المُتمرّدات)) 


كان المبنى مُحاطاً بسورٍ إسمنتيٍّ شاهق ، وأسلاكٍ شائكة .. مع كاميرات مراقبة ، وحارسٌ عجوز عند بوّابته الحديديّة .. 


وفي الداخل .. فُرضت قوانين صارمة ، منها : سحب جوالات النزيلات ، لمنع تحديد مواقعهن (حسب أوامر الإدارة النسائيّة) 

أما تواصل الفتيات مع الخارج : فيتم بإذنٍ رسميّ من الموظفات الحكوميات اللواتي يتواجدن في مكاتبهن : منذ الصباح حتى آخر العصر ، داخل قبوّ المبنى المؤلف من عشرة طوابق..

بينما يُصبح المبنى مساءً ، هادئاً بشكلٍ غير مريح كأنه مهجور !

***


وفي هذه الليلة .. جلست ريم فوق سريرها الضيّق ، في شقتها المُنفردة : عبارةً عن غرفة نومٍ وحمامٍ واحد (كبقيّة شقق المبنى) .. 


ولشدة مللها دون جوال ، اتصلت بالهاتف الأرضي على إحدى النزيلات اللواتي تعرّفت عليهن في ساحة الإستراحة صباحاً..

- مرحباً اميرة .. هل كنت نائمة ؟

- لا ابداً .. هل اعجبتك شقتك الجديدة ؟

ريم بامتعاض : أتسمّين هذه شقة ؟! هي اقرب الى زنزانةٍ مُعقمة وموحشة.

اميرة : يبقى العيش هنا ، افضل من تواجدنا مع اشخاصٍ يحاولون تحطيمنا

فتنهّدت ريم بضيق :

- معك حق .. فقد حاول اخي إجباري على الزواج من ابن عمّي الذي يكبرني بعشرين عاماً ، لولا هروبي قبل ساعة من زفافي.

اميرة بحزن : اما انا .. فهربت من والدي الذي ضغط عليّ لترك دراستي ، كيّ أتفرّغ لخدمة عروسه الجديدة !


وسكتا قليلاً ، قبل ان تقول ريم بضيق : 

- على فكرة ، انا جائعة

اميرة : ألم تأكلي جيداً بوقت العشاء ؟

- ظننت بوجود مطبخٍ وثلاّجة في غرفنا !

- لا ، الأكل هنا بأوقاتٍ محدّدة في قاعة الطعام

ريم : كنت مُلتزمة بعشاءٍ خفيف منذ بداية العام ، تطبيقاً لحميّتي الغذائية

- هنا ستنحفين بشكلٍ طبيعي ، بعد حرماننا من المصروف الذي كنا نشتري به الوجبات الخفيفة (سناك)

- يا الهي ! كنا بسجنٍ عائليّ ، وأصبحنا بسجنٍ حكوميّ .. والآن لا يمكننا العودة لأهلنا وأقاربنا ، بعد ان صرنا منبوذات من قبيلتنا

اميرة : هذا ان لم يحلّلوا دمنا ، فقط لمطالبتنا بحقوقنا الإنسانية !


وهنا اخترق خطهما ، صوتٌ رجوليّ يقول : 

- انتما اخترتما طريق اللّا عودة

فشهقت ريم بارتباك : 

- من المتكلّم ؟!

فأجاب الرجل بهدوء :

- شخصٌ يعرف المبنى أكثر منكما.

ريم بعصبية : ومن سمح لك بالتنصّت على مكالمتنا ؟! سأبلّغ حالاً..

فقاطعتها اميرة ، لمعاتبة الرجل التي ظنّت انها عرفته : 

- عم احمد !! سأخبر الإدارة بشأنك ، لفصلك من عملك 

الرجل : وهل يبدو صوتي مرهقاً ، كحارسكم العجوز ؟

اميرة : لا يوجد رجلٌ غيره في مبنانا ! فالحكومة لم تسمح بتعيين الموظفين الرجال ، لحمايتنا وسلامتنا 

الرجل بلؤم : ولما تعتقدان انكما آمنتان هنا ؟

فارتجفت ريم :

- اميرة !! سأغلق المكالمة ، للإتصال بالإدارة فوراً !! 


الرجل : انت نزيلةٌ جديدة هنا ، لذا دعيني أشرح لك نظام المكان .. (ثم سكت قليلاً) ..عمل الموظفات الإداريّات ينتهي مع غروب الشمس .. اما حارسكم العجوز ، فهو غارقُ بالنوم بهذه الساعة المتأخرة .. وحسب ما أراه الآن عبر شاشات كاميرات المراقبة : فإن جميع النزيلات نائمات ، ما عداكما.. لهذا أشارككما الحديث الآن 

ريم بصدمة : هل شققنا مزوّدة بكاميرات المراقبة ؟!

الرجل : الحمامات ، لا .. يعني مازلتن تحتفظن ببعض الخصوصيّة .. وعلى فكرة ، اللون الأشقر لا يناسب بشرتك الحنطية يا ريم ..هل صبغوه لكِ قسراً قبل عرسكِ الذي هربتِ منه ؟

فاتسعت عينا ريم بذعر : لأنها مُحجبة ، والإداريّات لم ترين شعرها بعد !


بينما اكمل الرجل كلامه مع اميرة :

- ماذا عنك ، يا قصيرة ؟

اميرة بعصبية : 

- لست قصيرة!!

الرجل : يبدو لي من الكاميرا ، ان طولك لا يتجاوز المتر والنصف ايتها القزمة 

ريم بحزم : 

- ماذا تريد منا؟!!

الرجل بلؤم :  أنا من سكّان المنطقة القبليّة.. يعني من البدو الذين يرفضون تمرّد نسائنا ، وتجاوزهن للعرف والتقاليد.

اميرة بعصبية : ايّ تمرّد !! نحن نطالب بأقل حقوقنا : نريد شهادةً علميّة ، وزوجٌ نختاره بأنفسنا .. هل هذا كثير ؟!!


الرجل : يبدو انك شاهدتي الكثير من المسلّسلات التركية والأجنبية .. فنحن من نحدّد الصهر الذي سينتسب الى عائلتنا وقبيلتنا ، وليس انتن !! ولأنكما مُسترجلتان أكثر من اللازم ، وتطالبان بالحرّية.. قدمتُ اليوم لأعيد تربيتكما من جديد.

ريم بخوف : ولما نحن بالذات ؟!

الرجل : كما اخبرتك سابقاً ، الباقيات نائمات ..لكن سيأتي دورهن لاحقاً .. دعونا الآن نُكمل لعبة التخمينات : ترى من اكون ؟ وهل انتمي لعائلاتكما ؟ وما المسافة التي تبعدني عنكما ؟

^^^


في القبو : كان جهاز تسجيل المكالمات يعمل آلياً في المكاتب الخالية من الموظفات.. حيث بدى صوت الرجل واضحاً .. دون تمكّن نظام السنترال من تحديد مصدر المكالمة ، أو الغرفة التي يتصل منها (من داخل المبنى)!

^^^


في هذه الأثناء .. حاولت ريم الإجابة على اسئلة الرجل الغامض : 

- هل أرسلك أخي او ابن عمي ؟

الرجل : لا اظن العريس راغباً بالإرتباط بك ، بعد فضيحة هروبك

اميرة بخوف :

- هل ارسلك والدي ؟

الرجل : حسب كلامك ، فهو مشغول بعروسه الجديدة .. أعطياني احتمالات اخرى


فساد الصمت مجدداً ، قبل ان يقول لهما :

- أتدريان ؟ .. لا أريد اضاعة وقتي في التخمين.. لذا اختصرت المسافة ، ووقفتُ خارج غرفتكما.. ويمكنكما التأكّد بأنفسكما 

فتسارعت أنفاس الفتاتين..

ريم : كلامك مستحيل ! فأنا بالطابق العاشر والأخير .. اما اميرة بالطابق الثاني .. فكيف تتواجد بنفس الوقت ..

الرجل مقاطعاً بحزم :

- لست كاذباً !! وسأقرع جرسكما بعد ثلاث ثواني : 1..2..3 !!


وفي نفس الثانية.. سمعت كلا الفتاتيّن (عبر سمّّاعة الهاتف) رنين جرس بابهما ! 

فتوجّهتا نحو البابيّن مُرتجفيّن ، ونظرتا عبر العين السحرية..

ليريا رجلاً طويلاً يلبس ثوباً غامقاً ، مُخفياً وجهه بغترته .. ولديه عينٌ بيضاء !


فعادتا إلى الهاتف بأنفاسٍ مُتقطّعة ، وهما تصفان مظهر الرجل المرعب ذاته !


ريم بارتباك : هل لديك اخٌ توأم ؟

الرجل ساخراً : وهل سيكون أعوراً مثلي ؟! .. ارى من الأفضل إقتحام شقتكما ، للتعرّف عليكما شخصيّاً .. 

ريم مقاطعة بخوف : لحظة !! عرفت حلّ اللغز 

الرجل باهتمام : ماهو ؟

ريم : انتِ إحدى الإداريّات التي تراقبنا من خلال كاميرات الشقق ، لكنها تستخدم جهازاً الكترونيّ لتحويل صوتها الى رجل.. 

الصوت مُستنكراً : الم تريني بهيئة رجل من خلال العين السحريّة ؟ .. وإن أصرّيتِ بأني انثى ، لإخفاء وجهي بغترتي .. فسأفتح بابك اولاً ، لإثبات رجوليّتي بطريقتي الخاصة 


فسارعت الفتاة الأخرى (اميرة) بالقول :

- لحظة !! انا عرفت الحلّ

الرجل : يُعجبني انكما تحاولان جهدكما ، لمنعي دخول غرفتكما.. على كلٍ ، هات ما عندك 

اميرة : قديماً سمعت الموظفة تقول بأن المبنى كان مهجوراً لسنوات ، قبل ان تشتريه الحكومة من مالكه القديم الذي كان أعوراً .. 

فانفجر الرجل ضاحكاً:

- هل تظنينني شبحاً ، او قرين المالك القديم ؟! لديكِ بالفعل مُخيّلة خصبة ، أيتها القزمة ! الأفضل استغلالها في تأليف القصص المخيفة ، بدلاً من تمرّدك السخيف 


ثم سكت قليلاً ، قبل ان يقول :

- يبدو ان افكاركما نفذت اخيراً .. اذاً دعوني اخبركما بأن الأشباح لا تملك مفاتيح الشقق ، كما سأفعل الآن !!


وهنا سمعتا مفتاحاً يدور داخل قفل بابهما ، في كلا الطابقيّن ! 

فصرختا بعلوّ صوتهما ، طلباً للنجدة !!! 

^^^


قبل انقطاع التسجيل الذي وجدته الموظفة باليوم التالي بعد اكتشاف شقتا ريم واميرة فارغتان بأبوابهما المفتوحة ، دون آثار دماء او مقاومة او نوافذ مكسورة !

مجرّد سّماعتا هاتفيّن أرضيين ، يتدليّان من طرف السريريّن ! متزامناً مع تعطّل كاميرا الممرّات الخارجيّة لمعرفة الفاعل !


أما تسجيل المكالمة الأخيرة : فاحتوى على أصواتٍ مشوّشة ، وصراخٍ مُتقطّع .. ثم جملةً واحدة واضحة ! كأن الرجل تعمّد إيصال رسالته لموظفي العمارة ، وحكومة بلاده : 

((مبناكم الحكوميّ ، لن يحمي بناتنا المُتمرّدات.. وسأثبت ذلك ، قريباً جداً!!!))


هناك تعليق واحد:

مبنى المعنفات

تأليف : امل شانوحة  لعنة التمرّد في منطقةٍ قبليّةٍ مُتشدّدة ، أُعلن عن مبنى حكوميّ لحماية النساء المُعنّفات ، بعد ازدياد حالات الإنتحار بين ...