تأليف : امل شانوحة
لعنة التمرّد
في منطقةٍ قبليّةٍ مُتشدّدة ، أُعلن عن مبنى حكوميّ لحماية النساء المُعنّفات ، بعد ازدياد حالات الإنتحار بين الفتيات الهاربات من العنف العائلي والزواج القسّري.. بينما أَطلق عليه سكّان القرى المُحيطة اسم :
((مبنى المُتمرّدات))
كان المبنى مُحاطاً بسورٍ إسمنتيٍّ شاهق ، وأسلاكٍ شائكة .. مع كاميرات مراقبة ، وحارسٌ عجوز عند بوّابته الحديديّة ..
وفي الداخل .. فُرضت قوانين صارمة ، منها : سحب جوالات النزيلات ، لمنع تحديد مواقعهن (حسب أوامر الإدارة النسائيّة)
أما تواصل الفتيات مع الخارج : فيتم بإذنٍ رسميّ من الموظفات الحكوميات اللواتي يتواجدن في مكاتبهن : منذ الصباح حتى آخر العصر ، داخل قبوّ المبنى المؤلف من عشرة طوابق..
بينما يُصبح المبنى مساءً ، هادئاً بشكلٍ غير مريح كأنه مهجور !
***
وفي هذه الليلة .. جلست ريم فوق سريرها الضيّق ، في شقتها المُنفردة : عبارةً عن غرفة نومٍ وحمامٍ واحد (كبقيّة شقق المبنى) ..
ولشدة مللها دون جوال ، اتصلت بالهاتف الأرضي على إحدى النزيلات اللواتي تعرّفت عليهن في ساحة الإستراحة صباحاً..
- مرحباً اميرة .. هل كنت نائمة ؟
- لا ابداً .. هل اعجبتك شقتك الجديدة ؟
ريم بامتعاض : أتسمّين هذه شقة ؟! هي اقرب الى زنزانةٍ مُعقمة وموحشة.
اميرة : يبقى العيش هنا ، افضل من تواجدنا مع اشخاصٍ يحاولون تحطيمنا
فتنهّدت ريم بضيق :
- معك حق .. فقد حاول اخي إجباري على الزواج من ابن عمّي الذي يكبرني بعشرين عاماً ، لولا هروبي قبل ساعة من زفافي.
اميرة بحزن : اما انا .. فهربت من والدي الذي ضغط عليّ لترك دراستي ، كيّ أتفرّغ لخدمة عروسه الجديدة !
وسكتا قليلاً ، قبل ان تقول ريم بضيق :
- على فكرة ، انا جائعة
اميرة : ألم تأكلي جيداً بوقت العشاء ؟
- ظننت بوجود مطبخٍ وثلاّجة في غرفنا !
- لا ، الأكل هنا بأوقاتٍ محدّدة في قاعة الطعام
ريم : كنت مُلتزمة بعشاءٍ خفيف منذ بداية العام ، تطبيقاً لحميّتي الغذائية
- هنا ستنحفين بشكلٍ طبيعي ، بعد حرماننا من المصروف الذي كنا نشتري به الوجبات الخفيفة (سناك)
- يا الهي ! كنا بسجنٍ عائليّ ، وأصبحنا بسجنٍ حكوميّ .. والآن لا يمكننا العودة لأهلنا وأقاربنا ، بعد ان صرنا منبوذات من قبيلتنا
اميرة : هذا ان لم يحلّلوا دمنا ، فقط لمطالبتنا بحقوقنا الإنسانية !
وهنا اخترق خطهما ، صوتٌ رجوليّ يقول :
- انتما اخترتما طريق اللّا عودة
فشهقت ريم بارتباك :
- من المتكلّم ؟!
فأجاب الرجل بهدوء :
- شخصٌ يعرف المبنى أكثر منكما.
ريم بعصبية : ومن سمح لك بالتنصّت على مكالمتنا ؟! سأبلّغ حالاً..
فقاطعتها اميرة ، لمعاتبة الرجل التي ظنّت انها عرفته :
- عم احمد !! سأخبر الإدارة بشأنك ، لفصلك من عملك
الرجل : وهل يبدو صوتي مرهقاً ، كحارسكم العجوز ؟
اميرة : لا يوجد رجلٌ غيره في مبنانا ! فالحكومة لم تسمح بتعيين الموظفين الرجال ، لحمايتنا وسلامتنا
الرجل بلؤم : ولما تعتقدان انكما آمنتان هنا ؟
فارتجفت ريم :
- اميرة !! سأغلق المكالمة ، للإتصال بالإدارة فوراً !!
الرجل : انت نزيلةٌ جديدة هنا ، لذا دعيني أشرح لك نظام المكان .. (ثم سكت قليلاً) ..عمل الموظفات الإداريّات ينتهي مع غروب الشمس .. اما حارسكم العجوز ، فهو غارقُ بالنوم بهذه الساعة المتأخرة .. وحسب ما أراه الآن عبر شاشات كاميرات المراقبة : فإن جميع النزيلات نائمات ، ما عداكما.. لهذا أشارككما الحديث الآن
ريم بصدمة : هل شققنا مزوّدة بكاميرات المراقبة ؟!
الرجل : الحمامات ، لا .. يعني مازلتن تحتفظن ببعض الخصوصيّة .. وعلى فكرة ، اللون الأشقر لا يناسب بشرتك الحنطية يا ريم ..هل صبغوه لكِ قسراً قبل عرسكِ الذي هربتِ منه ؟
فاتسعت عينا ريم بذعر : لأنها مُحجبة ، والإداريّات لم ترين شعرها بعد !
بينما اكمل الرجل كلامه مع اميرة :
- ماذا عنك ، يا قصيرة ؟
اميرة بعصبية :
- لست قصيرة!!
الرجل : يبدو لي من الكاميرا ، ان طولك لا يتجاوز المتر والنصف ايتها القزمة
ريم بحزم :
- ماذا تريد منا؟!!
الرجل بلؤم : أنا من سكّان المنطقة القبليّة.. يعني من البدو الذين يرفضون تمرّد نسائنا ، وتجاوزهن للعرف والتقاليد.
اميرة بعصبية : ايّ تمرّد !! نحن نطالب بأقل حقوقنا : نريد شهادةً علميّة ، وزوجٌ نختاره بأنفسنا .. هل هذا كثير ؟!!
الرجل : يبدو انك شاهدتي الكثير من المسلّسلات التركية والأجنبية .. فنحن من نحدّد الصهر الذي سينتسب الى عائلتنا وقبيلتنا ، وليس انتن !! ولأنكما مُسترجلتان أكثر من اللازم ، وتطالبان بالحرّية.. قدمتُ اليوم لأعيد تربيتكما من جديد.
ريم بخوف : ولما نحن بالذات ؟!
الرجل : كما اخبرتك سابقاً ، الباقيات نائمات ..لكن سيأتي دورهن لاحقاً .. دعونا الآن نُكمل لعبة التخمينات : ترى من اكون ؟ وهل انتمي لعائلاتكما ؟ وما المسافة التي تبعدني عنكما ؟
^^^
في القبو : كان جهاز تسجيل المكالمات يعمل آلياً في المكاتب الخالية من الموظفات.. حيث بدى صوت الرجل واضحاً .. دون تمكّن نظام السنترال من تحديد مصدر المكالمة ، أو الغرفة التي يتصل منها (من داخل المبنى)!
^^^
في هذه الأثناء .. حاولت ريم الإجابة على اسئلة الرجل الغامض :
- هل أرسلك أخي او ابن عمي ؟
الرجل : لا اظن العريس راغباً بالإرتباط بك ، بعد فضيحة هروبك
اميرة بخوف :
- هل ارسلك والدي ؟
الرجل : حسب كلامك ، فهو مشغول بعروسه الجديدة .. أعطياني احتمالات اخرى
فساد الصمت مجدداً ، قبل ان يقول لهما :
- أتدريان ؟ .. لا أريد اضاعة وقتي في التخمين.. لذا اختصرت المسافة ، ووقفتُ خارج غرفتكما.. ويمكنكما التأكّد بأنفسكما
فتسارعت أنفاس الفتاتين..
ريم : كلامك مستحيل ! فأنا بالطابق العاشر والأخير .. اما اميرة بالطابق الثاني .. فكيف تتواجد بنفس الوقت ..
الرجل مقاطعاً بحزم :
- لست كاذباً !! وسأقرع جرسكما بعد ثلاث ثواني : 1..2..3 !!
وفي نفس الثانية.. سمعت كلا الفتاتيّن (عبر سمّّاعة الهاتف) رنين جرس بابهما !
فتوجّهتا نحو البابيّن مُرتجفيّن ، ونظرتا عبر العين السحرية..
ليريا رجلاً طويلاً يلبس ثوباً غامقاً ، مُخفياً وجهه بغترته .. ولديه عينٌ بيضاء !
فعادتا إلى الهاتف بأنفاسٍ مُتقطّعة ، وهما تصفان مظهر الرجل المرعب ذاته !
ريم بارتباك : هل لديك اخٌ توأم ؟
الرجل ساخراً : وهل سيكون أعوراً مثلي ؟! .. ارى من الأفضل إقتحام شقتكما ، للتعرّف عليكما شخصيّاً ..
ريم مقاطعة بخوف : لحظة !! عرفت حلّ اللغز
الرجل باهتمام : ماهو ؟
ريم : انتِ إحدى الإداريّات التي تراقبنا من خلال كاميرات الشقق ، لكنها تستخدم جهازاً الكترونيّ لتحويل صوتها الى رجل..
الصوت مُستنكراً : الم تريني بهيئة رجل من خلال العين السحريّة ؟ .. وإن أصرّيتِ بأني انثى ، لإخفاء وجهي بغترتي .. فسأفتح بابك اولاً ، لإثبات رجوليّتي بطريقتي الخاصة
فسارعت الفتاة الأخرى (اميرة) بالقول :
- لحظة !! انا عرفت الحلّ
الرجل : يُعجبني انكما تحاولان جهدكما ، لمنعي دخول غرفتكما.. على كلٍ ، هات ما عندك
اميرة : قديماً سمعت الموظفة تقول بأن المبنى كان مهجوراً لسنوات ، قبل ان تشتريه الحكومة من مالكه القديم الذي كان أعوراً ..
فانفجر الرجل ضاحكاً:
- هل تظنينني شبحاً ، او قرين المالك القديم ؟! لديكِ بالفعل مُخيّلة خصبة ، أيتها القزمة ! الأفضل استغلالها في تأليف القصص المخيفة ، بدلاً من تمرّدك السخيف
ثم سكت قليلاً ، قبل ان يقول :
- يبدو ان افكاركما نفذت اخيراً .. اذاً دعوني اخبركما بأن الأشباح لا تملك مفاتيح الشقق ، كما سأفعل الآن !!
وهنا سمعتا مفتاحاً يدور داخل قفل بابهما ، في كلا الطابقيّن !
فصرختا بعلوّ صوتهما ، طلباً للنجدة !!!
^^^
قبل انقطاع التسجيل الذي وجدته الموظفة باليوم التالي بعد اكتشاف شقتا ريم واميرة فارغتان بأبوابهما المفتوحة ، دون آثار دماء او مقاومة او نوافذ مكسورة !
مجرّد سّماعتا هاتفيّن أرضيين ، يتدليّان من طرف السريريّن ! متزامناً مع تعطّل كاميرا الممرّات الخارجيّة لمعرفة الفاعل !
أما تسجيل المكالمة الأخيرة : فاحتوى على أصواتٍ مشوّشة ، وصراخٍ مُتقطّع .. ثم جملةً واحدة واضحة ! كأن الرجل تعمّد إيصال رسالته لموظفي العمارة ، وحكومة بلاده :
((مبناكم الحكوميّ ، لن يحمي بناتنا المُتمرّدات.. وسأثبت ذلك ، قريباً جداً!!!))

هذه من القصص الفخورة بها ، اتمنى ان تعجبكم
ردحذف