تأليف : امل شانوحة
المحامي الظالم
جلس بجانب سرير ابنه المراهق وهو منهار بالبكاء ، مُتذكّراً سنوات إعتنائه به لوحده منذ وفاة زوجته.. وهاهو في المشفى مصاباً بغيبوبة ، إثر تعرّضه لحادثٍ مروريّ..
وهنا دخل شرطيٌ الغرفة ، وهو يهمس :
- لوّ سمحت ، نريد اكمال التحقيقات
فخرج الأب وهو يمسح دموعه :
- اخبرتكم انه كان بنزهةٍ كشفيّة مع مدرسته ، لهذا وجدتم سيارته مُحطّمة خارج الغابة
الشرطي : مديره نفى وجود تلك الرحلة ضمن أنشطتهم المدرسيّة .. كما راجعنا الكاميرا الخارجية للمدرسة التي أظهرت خروج ابنك باكراً مع زميلٍ له يُدعى نديم ، الذي مازال مفقوداً حتى الآن.. وطالما جوال ابنك تحطّم بالحادث ، نريد الحصول على حاسوبه ، لربما نعثر على الطالب المفقود
^^^
وبالفعل سلّمهم حاسوب ابنه الذي لم يجدوا فيه سوى ابحاثه الدراسيّة.. لكن الوالد اخفى على الشرطة بأنه حاسوبٌ جديد ، اشتراه له قبل شهر
ولذلك عاد الى المنزل ، للبحث عن حاسوب ابنه القديم الذي وجده في الخزانة.. وحين فتح احدى ملفاته : اكتشف عشرات الصفحات المنسوخة عن اخبار جرائم قتلٍ ارتكبها مراهقون .. مع مقاطع فيديوهات تعذيبية .. ومواقع دموية من الدارك ويب.. مع طلب شراءٍ قديم ، لسكاكين صيد وأدوات تقطيع وأصفاد معدنية !
فجلس الأب مذهولاً من تصرّفات ابنه الذي يكاد لا يعرفه !
مما اجبره على البحث بأدراجه ، ليجد مذكّراته الشخصية الذي تحدّث فيها : عن معاناته لشهورٍ طويلة من تنمّر زميله نديم (الطالب المفقود الذي شوهد معه بالسيارة صبيحة الحادثة) والأسوء ذكره لجملةٍ مرعبة :
((أتمنى أن يختفي نديم من حياتي للأبد))
^^^
في البداية لم يصدّق الأب تورّط ابنه بسلوكٍ إجراميّ .. لكن بعد ان اخبره المحقّق عن عثورهم لدماءٍ بشريّة بالغابة ، وسكين عليها بصمات ابنه .. وانه سيتم التحقيق معه كمشتبهٍ فيه ، فور استيقاظه من الغيبوبة !
حينها انهار الأب ، وهو يتساءل برعب : إن كان ابنه استدرج نديم لرحلة الغابة ، ثم قتله ودفنه هناك قبل تعرّضه للحادث ؟
وتخيّل الأب سخرية زملائه بالسلك القضائيّ ، والمجرمين الذين زجّ بهم في السجن سابقاً .. فهو محامي اشتهر طوال عشرين عاماً ، بدفاعه عن الفقراء والمظلومين.. محارباً أصحاب النفوذ بشجاعةٍ وبراعةٍ ، ارعبت خصومه .. ومطارداً الثغرات القانونية لإنقاذ الأبرياء ، مهما كلّف الأمر .. لكن كل انجازاته المهنية السابقة ستُلغى قريباً ، وتُستبدل بلقب : والد القاتل!
^^^
لهذا عاد الى المستشفى وهو يشعر بالخذلان من ابنه ، الذي وقف بجانب سريره وهو يحدّثه بقهر:
- سامحني بنيّ .. لكن استيقاظك ، سيدمّر مسيرتي المهنية
ثم ازال قياس نبضات القلب عن اصبع ابنه ، ووضعه بإصبعه (كيّ لا ينطلق جرس الإنذار) ثم حمل الوسادة التي ضغط بها بقوة على وجه ابنه ، وهو يكتم دموعه ..الى ان تأكّد من موته !
ثم اعاد الجهاز الى اصبع الجثة.. ليسارع الطبيب بدخول الغرفة ، لإنعاش المراهق دون جدوى !
***
بعد انتهاء الدفن ، وخروج المعزّون من المقبرة.. وخلال وقوف الأب صامتاً امام قبر ابنه ، وصله اتصال على جواله من شخصٍ يافعٍ يقول :
- هل تعلم انك قتلت الشخص الخطأ ؟ فإبنك كان ضحيّة المتنمّر نديم الذي أجبره على قيادة سيارته نحو الغابة ، تحت تهديد السلاح الذي اشتراه من دارك ويب.. فذلك الحاسوب في غرفة ابنك ، الذي راقبناك من خلال كاميرته : هو ملكٌ لنديم الذي أجبره على شرائه رغم قدمه ، مقابل أخذ مصروفه اليوميّ .. فنديم ينتمي لمجموعةٍ إجراميةٍ سرّية من المراهقين.. وفي ذلك النهار ، خرجت الأمور عن السيطرة .. فدافع ابنك عن نفسه ، بطعن نديم بالسكين الذي تمكّن من سحبه من يد نديم الذي رغب بتجربة اسلحة التعذيب على جسده .. ثم هرب بشجاعة من الغابة .. فلحقناه بسياراتنا ، خوفاً من ان يفضحنا.. الى ان فقد السيطرة على سيارته التي اصطدمت بالشجرة.. فعدنا لدفن قائدنا نديم بوسط الغابة ، ثم هربنا قبل وصول الإسعاف للمكان .. (ثم تنهدّ المراهق) .. وقد وكّلني زملائي بمراقبة المستشفى لأيام ، الى ان وجدتك تخرج متماسكاً من غرفة ابنك بعد وفاته ! فرشوّت عاملاً هناك ، للسماح لي برؤية تسجيل الكاميرا .. وصُدمت بجريمتك ! أتدري لماذا ؟ لأن إبنك البطل ، نجا من افراد عصابتنا.. ومن مكر نديم ..ومن موته بالحادث.. لكنه لم ينجو من والده الأنانيّ الذي فضّل سمعة عمله على منح ابنه محاكمةً عادلة ! أتمنى لك حياةً طويلة مع تأنيب الضمير الذي سينهش قلبك ليل نهار
ثم أنهى المكالمة .. تاركاً الأب يستذكر فوزه بجميع القضايا الإنسانية ، ماعدا قضية ابنه البريء ..
فانهار فوق تربة قبر ابنه الرطبة ، وصرخات ندمه تُمزّق صمت المقبرة !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق