الجمعة، 26 يونيو 2026

التلفاز الملون

تأليف : امل شانوحة 

العالم الرمادي


كان مخترعاً الكترونياً بارعاً ، لديه هوس السفر عبر الزمن.. ولكيّ لا يسخر منه زملائه ، أخفى اختراعه داخل قبو منزله


وفي صباحٍ باكر .. تجرّأ اخيراً على ضغط زرّ ماكينته التي جعلتها تدور بسرعة ، قبل ظهوره المفاجئ بإحدى شوارع لندن القديمة ! حيث دلّت اشكال المارّة على عودته لزمن الأربعينات : بسياراتهم الكلاسيكية ، وقبعات الرجال العالية ، وفساتين النساء المُحتشمة الذين التفتوا جميعاً اليه بدهشة ، كأنهم اكتشفوا عدم انتمائه لعصرهم! 


بينما كان هو اكثرهم استغراباً ، لأن ذلك الزمان تواجد بالفعل دون الوان ! حيث ظهرت المحلاّت التجارية والبشر بدرجاتٍ متفاوتة بين الأبيض والرمادي والأسود.. حتى الدماء التي خرجت من ركبة الصبي الذي تعثّر امامه ، سالت باللون الأسود الداكن! 


وحين التفت نحو انعكاسه على زجاج احد المتاجر : شاهد مظهره باللون الطبيعيّ وملابسه العصرية ! حينما سمع عجوزاً تقول للآخرين :

- عيناه مخيفتان ! هل هو بشري ، ام ملاك نزل من السماء ؟!


فاستوعب المخترع : بأن الفيديوهات القديمة المصوّرة عن هذا العصر ، لم تكن بسبب كاميرات الأبيض والأسود.. بل هم فعلاً عاشوا زمنهم بهاذيّن اللونين فحسب!


وعندما حاول شرح الألوان لهم ، لم يفهموا ما يعنيه .. حتى صغارهم لم يستطيعوا تخيّل عالمه المثاليّ الملوّن !

فظن أنهم فقدوا القدرة على تمييز الطيف اللونيّ عبر العصور..


حينها خطرت في باله فكرةً جنونية : 

((ماذا لوّ استطاع صنع جهاز يعيد تنشيط الجزء المسؤول عن رؤية الألوان داخل ادمغتهم ؟))

***


وفي الأيام التالية .. انشغل في منزله المستأجر ، لصنع اول تلفاز ملوّن يبثّ موجات لتفعيل ميزة الألوان في عقولهم 


وبالفعل تجمّعت الناس حول اختراعه الجديد ، وهم منصدمون من رؤية صورٍ ملوّنة : للسماء والمنتجات الزراعية والفساتين التي عرضها على شاشته ، مع كتابة اسماء الألوان اسفل منها على الشاشة.. والتي شاهدها الكبار والصغار وهم منذهلون من جمالها ، كأنهم اكتشفوا عالماً آخراً مخفياً عن حياتهم الكئيبة !


وكلما تعرّفوا على لونٍ جديد ، تلوّن عالمهم بذلك اللون.. وما ان انتهى الفيديو المصوّر المعروض على تلفازه الحديث ، حتى صُبغ عالمهم بجميع درجات الألوان التي شاهدوها لأول مرة في حياتهم !

***


وفي الأسابيع التالية ، عومل المخترع كبطلٍ شعبيّ.. وباتت حياته رائعة ، الى ان نبّهه احدهم : بأن الشرطة تلاحقه ، بعد مطالبة جميع المناطق المجاورة لنسخة عن تلفازه الملوّن الذي جعلهم اكثر انطلاقاً وحرّية ، بعيداً عن القيود الصارمة لحكومتهم التي أمرت بالقبض على المخترع المشاغب الذي غيّر مفاهيم الفن لدى الرسّامين والكُتّاب ، وصولاً للمناهج الدراسيّة.. حتى معدلات الإكتئاب والإنتحار انخفضت بشكلٍ غريب ، كأن البشرية في ذلك الزمن عاشت نصف حياةٍ فقط.


فلم يكن امام المخترع الا التهرّب من السجن ، عن طريق استخدام ماكينته المخبأة  التي اعادته لعالمه من جديد 

***


وفور وصوله للزمن الحاضر .. اكتشف المخترع ان احداث التاريخ تغيّرت تماماً : بعد رفض المواطنون الإنضمام للجيش ، للمشاركة بالحرب العالمية الثانية ! مُنقذين بعنادهم ملايين البشر من الموت الحتمي .. 


وكل هذا حصل بعد تحسّن نفسيّاتهم ، عقب انتشار التلفاز الملوّن الذي سبق عصر ظهوره الحقيقي بأعوام ، بعد سفر المخترع عبر الزمن .. وتمكنه من تجميل عالمهم بألوانٍ متوهّجةٍ لا نهائية ! 


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

التلفاز الملون

تأليف : امل شانوحة  العالم الرمادي كان مخترعاً الكترونياً بارعاً ، لديه هوس السفر عبر الزمن.. ولكيّ لا يسخر منه زملائه ، أخفى اختراعه داخل ق...