الخميس، 24 مارس 2022

فريق إيلينا

كتابة : امل شانوحة 

 

الموهوبون الصغار


في حيٍّ شعبيّ في إيطاليا ..عاشت إيلينا الستينيّة وحدها في منزلٍ أرضيّ قريب من ملعب كرة القدم التابع لإحدى الأنديّة الرياضيّة ، التي عملت فيه ببيع الشطائر والمشروبات الباردة والحلوى لفِرق الأولاد المُشاركين بالنادي..

***


ذات صباح ، سمعت شجاراً بين ثمانية اولاد وحارس الملعب الذي رفض إدخالهم النادي ..

فلاعب أحدهم الكرة امامه ، وهو يقول :

- أنظر كيف أتحكّم بالكرة !! انا وأصدقائي لاعبين محترفين ، وعليك إدخالنا لنُري المدرّب براعتنا

فردّ الموظّف بنبرة تهديدٍ واستحقار : انتم فقراء ، ولا تملكون ثمن الإشتراك بالنادي ..لذا ابتعدوا من هنا ، قبل استخدامي العصا !!

فقال أحدهم بيأس : صدّقنا يا رجل .. يوماً ما سنصبح أفضل لاعبي إيطاليا ، فقط أعطنا فرصة واحدة لكيّ..

فقطع كلامه بهجومه عليهم بالعصا ، ليسارعوا بالهرب ! 


فلحقتهم العجوز دون أن يروها ، لتسمع كبيرهم يقول بحزن : 

- يبدو علينا نسيان حلمنا يا اصدقاء 

فردّ صاحبه بعصبية : هل جننت ؟!! أملنا الوحيد في الحياة هو الإحتراف والنجوميّة 

- وكيف سنفعل ذلك ، ونحن لا نملك ثمن كرة جديدة ؟! اساساً اين سنتدرّب بعد طُردنا من شارع المحلاّت التجارية ، لخوفهم على واجهاتهم الزجاجيّة .. كما طُردنا من الحيّ الهادىء ، لأننا نوقظ المرضى والأطفال .. حتى الشارع العام ، وضعوا الحواجز لمشروع النفق السريع .. لا أحد سيقدّر موهبتنا لأننا فقراء ، علينا تقبّل ذلك  


فنادتهم إيلينا وهي تجرّ عربتها بتعب :

- يا اولاد !! إقتربوا مني

- ليس معنا المال لشراء الحلوى يا خالة

إيلينا : اريد إخباركم شيئاً مهماً 


وحين اقتربوا ، قالت لهم :

- سأدعكم تتدرّبون في حديقة منزلي الأرضيّ

الأولاد بدهشة : أحقاً !

إيلينا : صحيح ليس كبيراً لكنه بعيد عن بقيّة المنازل ، بذلك لن تزعجوا الجيران .. (ثم نظرت لكرتهم) .. ذكّروني أن أشتري لكم كرةً جديدة 

- ولما تساعدينا يا خالة ؟!

إيلينا : لأني أعيش وحدي منذ سنواتٍ طويلة ، وسيكون جميلاً سماع أولادٍ يلعبون في حديقة منزلي .. والآن ساعدوني بجرّ العربة ، لأني منذ الغد سأكون مدرّبة فريقكم


الأولاد بدهشة : أتريدين تكوين فريق ؟!

إيلينا : نعم بشرط !! كلما أدخلتم هدفاً ، عليكم الهتاف : ((لافيكيا سنيورا)) أيّ السيدة العجوز 

فردّوا بابتسامة : كما تشائين يا خالة

إيلينا بحزم : لا تظنوا انني سأتساهل معكم لأني كبيرة في السن ، فأنا افهم جيداً بكرة القدم ..فوالدي كان مدرّباً محترفاً للشباب .. كما راقبت لسنواتٍ عديدة تدريبات الفرق بالملعب الكبير .. لهذا سأدرّبكم بقسّوة !! ومن يتقاعس منكم ، يُحرم من طعامي اللذيذ بالإضافة للحلوى المجانيّة

فضحكوا بسعادة ..


فأكملت قائلة : وحين تتقنون جميع التدريبات ، وتصبحون بارعين بتسجيل الأهداف ، حينها أسجّلكم بالنادي الرياضيّ

- لكنهم يحتاجون مالاً كثيراً !

إيلينا : أتركوا الموضوع لي .. وهآ نحن وصلنا المنزل !! اريدكم ان تساعدوني بإزالة بعض الأغراض من الحديقة ، لتوسيع ملعبكم  

***


أمضى الأولاد الثمانية ساعتين في تنظيف حوش منزلها ..

وحين دخلت العجوز الى بيتها ، تهامس الأولاد فيما بينهم :

- أظنها تتلاعب بنا ، لتنظيف حديقتها بالمجّان ! 

فخرجت وهي تقول معاتبة :

- سمعتك يا ولد !!

وكانت تلبس زيّ رياضي قديم ، وهي تضع الصافرة في عنقها ..

فأضحكهم مظهرها .. فقالت مبتسمة :

- أتسخرون مني ؟

- من اين أتيت بهذه الملابس القديمة ؟


إيلينا : كانت لأبي المرحوم الذي حلم دائماً بإنجاب صبيّ وتدريبه ليصل لبطولة العالم .. لكنه لم ينجب غيري ، لهذا اريد تحقيق حلمه .. والآن دعونا نرسم حدود الملعب 

- أهذا طبشور ؟!

إيلينا : بالطبع لن أفسد حديقتي بالدهان .. هيا ابدأوا برسم حدود المرميين  


وبعد إنهائهم من رسم حدود الملعب .. سألها احدهم : 

- متى تبدأ المباراة الأولى ؟

إيلينا : غداً ، اليوم تعبتم بما فيه الكفاية .. وأريدكم الحضور باكراً للقيام اولاً بتمارين الإحماء .. أمّا الآن ، فسندخل المنزل لتناول المعكرونة.. هيا بنا !!


وقد أسعدهم مذاق طعامها اللذيذ ، فمعظمهم من عائلاتٍ فقيرة بالكاد تجد قوت يومها ! 


وبعد الطعام ، أعطتهم الحلوى .. ليعودوا سعداء الى بيوتهم  

***


في الصباح الباكر .. إستقبلتهم بفطورٍ صحيّ ، قبل بدء التمرينات (التي شاهدتها اثناء بيعها في مدرّجات الملعب على مدى سنوات)

ولم تتساهل معهم ! بل راقبتهم بدقّة وهي تحمل صافرتها ..وتأمرهم بتكرار التمرين ، لحين إتقانه تماماً .. 

فقال أحدهم بإرهاق :

- رجاءً خالة إيلينا ، تعبتُ كثيراً

إيلينا بحزم : أتريد الإنضمام للنادي ام لا ؟

- بلى 


إيلينا : اذاً عليك إنهاء تمارين الضغط 50 مرة ، كما يفعل اللاعبون الصغار المحترفون .. هيا إكمل العشرة المتبقية دون تذمّر .. ومن بعدها تركضون جميعاً حول منزلي 40 مرة 

- 40 مرة ! هذا كثير يا خالة 

إيلينا : مدرّب فريق الأولاد يأمرهم بالدوران حول الملعب 20 مرة ، ومنزلي أصغر بكثير من الملعب .. ولا استطيع التساهل معكم اكثر من ذلك 

- ومتى تبدأ المبارة ؟

إيلينا : بعد إنهاء تمارين الإحماء ، كيّ لا تصابوا بشدٍ عضليّ

***


بعد مرور ساعة من التمرينات المرهقة ، أخذت تراقبهم من داخل مطبخها بعد إطلاقها الصافرة لبدء المباراة (عقب تقسيمهم لفريقين) وهي تحمل ساعة التوقيت 


وفي المباراة ، طبّق الأولاد ما اتفقوا عليه سابقاً .. فكل هدفٍ يدخلونه (من كلا الفريقين) عليهم التوقف امام نافذة مطبخها ..ورفع ايديهم نحوها ، وهم يهتفون بصوتٍ عالي : 

- ((لافيكيا سنيورا)) !!

فترفع يدها معهم ، وهي فخورة ببراعتهم في تسديد الكرات !  

لتنتهي المبارة الأولى بالتعادل هدفين لكلٍ منهما ..

***


ومضت الأيام .. والأولاد الثمانية يحضرون في موعدهم الصباحي لبدء تمارين الإحماء التي لم تعدّ تتعبهم ، بل تُحمّسهم لبدء المباراة الوديّة بينهم ، والتي تغيّرت نتيجتها مع كل مباراة .. 

كما اعتادوا بنهاية اليوم على تناول الغداء معها ، والحصول على الحلوى المجانيّة قبل عودتهم بيوتهم

***


وفي أحد الأيام .. لم يأتي احدهم ، وأكملوا اللعب دونه ! 

وبعد رحيلهم ، رأته إيلينا يجلس خلف منزلها حزيناً .. فسألته عن غيابه؟ 

فردّ بقهر : منعتني أمي من زيارتك

إيلينا باستغراب : لماذا ؟!

- لأني أتعبها بغسل ملابسي الرياضيّة كل يوم ، كما أكلّفها ثمن مسحوق الغسيل وصابونة الإستحمام 

إيلينا بحزم : أراك غداً في ملعبي ، مفهوم !! 

- الم تسمعينني يا خالة ؟ نحن فقراء جداً  

إيلينا : غداً بعد ذهاب اصحابك ، تستحمّ عندي .. وانا أغسل ملابسك ..فقط إحضر غياراً معك كل يوم 

- لا اريد إتعابك !


إيلينا : اذاً لا تخذلني ، فأنت ورفاقك وعدّتموني بالوصول لبطولة العالم 

فقال بارتياح : بأمرك سيدتي ، سأحضر غداً على الموعد

فابتسمت بفخر : أحسنت يا بطل !! إيّاك التخلّي عن حلمك ، مهما ضغطت عليك ظروف الحياة 

***


واستمرّت التدريبات كل صباح ، مع إلتزام إيلينا بعملها كمدرّبة مُحترفة ! 


وفي ذلك العصر ..إجتمعت الأمهات في بيتها ، مطالبات بإزالة فكرة كرة القدم من رؤوس أبنائهن ..

إيلينا باستنكار : ولما أفعل ذلك ؟!

- لأنهم لن يحترفوا كما يحلمون ، فنحن فقراء معدمين

إيلينا : معظم مشاهير الكرة نشأوا في بيئةٍ فقيرة ، وكذلك اثرياء العالم 

- اولئك محظوظين

إيلينا : بل اجتهدوا لتحقيق حلمهم ، وأبنائكن يملكون المهارة الكافية لدخول دوري المحترفين

فقالت أم بنبرة إستحقار : وما ادراك انت بهذه الأمور ؟


فردّت إيلينا بحزم : إن بقيت تحبطين ابنك ، فلن يكترث لك حين يصبح مليونيراً .. (ثم قالت للأمهات) .. الأفضل أن تدعمنّ اولادكن بدل إحباط حلمهم الوحيد بفوز إيطاليا ببطولة العالم 

فسألتها أم : أتظنين بإمكانهم الوصول لدوري فرق الصغار ؟

إيلينا : صدّقوني سيصبحون من مشاهير الكرة ، فقط توقفن عن نقدهم وثقوا بهم قليلاً !! 

فخرجنّ من بيتها وهن مختلفات الرأيّ بين إبقاء إبنائهنّ معها ام لا! 

***


بعد سبعة شهور من التدريبات المتواصلة ، فاجأتهم إيلينا بإحضارها ملابس موحّدة للاعبيها الثمانية ، مطبوعاً على قمصانهم : ((فريق إيلينا)) 

فقفزوا فرحين لأنها المرة الأولى التي يحصلون فيها على زيِّ رياضيّ جديد ، مع أحذية مريحة .. فقالت لهم :

- إلبسوها فوراً !! لأننا ذاهبون الى النادي الرياضيّ ، بعد دفعي إشتراككم السنويّ


فسألها احدهم بدهشة : ومن اين حصلت على المال ؟!

إيلينا : بعت ذهب أمي

- هو ذكرى قيّمة لك ، فلما بعته ؟! 

إيلينا : ليس لديّ أغلى منكم .. فالربّ لم يرزقني الأولاد ، لكنه رزقني بثماني احفادٍ محترفين

فحضنوها بامتنان ..

إيلينا : لا وقت لدينا للعواطف .. هيا إسرعوا بتجهيز أنفسكم ، فالمدرّب يريد إختباركم قبل تسجيلكم بفريقه .. وإيّاكم أن تخذلوني!!

- لن نفعل !!

***


توجّهوا جميعاً للنادي الوحيد بالمنطقة ، وهم يلبسون زيّهم الأزرق الموحّد.. ليقفوا مندهشين من ضخامة الملعب الذي يرونه لأول مرة من الداخل ، بعد موافقة الحارس على إدخالهم 


لتبدأ على الفور الإمتحانات الدقيقة من المدرّب للاّعبين الجدّد ، حسب تسديهم للكرة والتمرير ، وكذلك حراسة المرمى


وبعد ساعتين .. أخبر المدرّب إيلينا عن موافقته لضمّ إثنين منهم لفريقه ، لتنتفضّ بعصبية : 

- بل ستضمّهم جميعاً لفريقك !! 

المدرّب : لا استطيع ! فقدراتهم متفاوتة 

إيلينا : أنا أعرف قدراتهم جيداً ، ولن أسمح بتفريقهم عن بعضهم  

فهمس الأولاد لها : لا بأس يا خالة أن يختار بعضاً منّا ، فهذا قراره 

إيلينا بحزم : إمّا أن تحترفوا جميعاً او لا !! .. (ثم قالت للمدرّب) .. اريدهم أن يكونوا لاعبين اساسيين بفريقك ، وليس لاعبي إحتياط 


فقال المدرّب : هذا سيكلّفك مبلغاً إضافيّاً 

إيلينا : سأدفعه مقابل لعبهم جميعاً في مباراتك القادمة

المدرّب : المباراة القادمة حازمة ، فمن يفوز يتأهّل للعب بدوري الصغار 

إيلينا بثقة : سينجحون لا تقلق ، فأحفادي لن يخذلوني ابداً

المدرّب : يالك من سيدة عنيدة ! حسناً إحضري المبلغ قبل نهاية الإسبوع ، وإلاّ سأختار اثنين فقط 

***


بعد خروجهم من النادي ، سألوها بقلق :

- اين ستحضرين المبلغ الكبير ؟!

إيلينا : سأسافر غداً لقريتي لبيع ارض والدي 

- رجاءً لا تبيعي املاكك لأجلنا ! 

إيلينا : سأبيع كل شيء في سبيل تحقيقكم حلمي بالفوز بكأس العالم ، كما وعدتموني.. ما بكم تنظرون لبعضكم هكذا ! ألن تنفّذوا اتفاقنا؟ 

- بل سنصل للعالميّة ، لكن الأمر يحتاج لسنوات .. فأصغرنا بالعاشرة وكبيرنا في 13 من عمره ! 

إيلينا : وانا لست عجوزاً لهذه الدرجة ، سأظلّ حيّة لحين ظهوري في الصحف الدوليّة وانا أحمل كأس العالم 

فقالوا بابتسامة : نعدك أن نحقّق حلمك يا خالة إيلينا 

وحضنوها وهم يبكون إمتناناً لإيمانها الكبير بموهبتهم !

***


وبالفعل تمكّنت إيلينا من تسجيلهم معاً ضمن الفريق ، للعب ببطولة اليافعين .. حيث تمرّنوا مع مدرّبهم الجديد ، بالإضافة لتمرّيناتهم مع إيلينا في حوش منزلها في عطلة الإسبوع .. 

***


لم تفوّت إيلينا مباراة واحدة اثناء صعودهم بدوري الصغار ، كما لم ينسى الثمانية الهتاف لها مع كل هدفٍ يسددّونه :

((لافيكيا سنيورا)) !!

وبدورها ترفع يدها لتحييهم من المدرّجات ، وهي فخورة بهم 

***


وكما توقعت إيلينا ، حصلوا على كأس بطولة اليافعين بكل سهولة .. وبعد تصوّرهم معها وهي تحمل الكأس ، أخذوا يودّعونها بحزن 

فسألتهم : أتظنون بهذا الكأس الصغير نفّذتم وعدكم لي ؟

- نحن ربحنا الدوري !

إيلينا : كنت اتفقت معكم منذ البداية على بطولة العالم

- لكننا سنفترق في عدة فرقٍ إيطاليّة ، ونحتاج عشر سنوات لنصل لبطولة الشباب !


إيلينا : لا تهمّني السنوات ، طالما بالنهاية ستجتمعون ضمن الفريق الوطني المُشارك ببطولة العالم .. (ثم حضنتهم) .. نصيحتي لكم : إيّاكم والغرور ، ولا تسمحوا للشهرة والمال أن تفرّقكم عن بعضكم 

- نعدك بذلك ، بشرط اهتمامك بصحتك

إيلينا : لا تقلقوا ، لن اموت قبل تحقيق حلم والدي

***


ومرّت السنوات .. برع كل واحداً منهم في فريقه ، والذين اعتادوا على الهتاف بإسمها كلما أدخلوا هدفاً .. ليصبح هتاف ((لافيكيا سنيورا)) حديث الصحافة والجمهور !!


إلى أن تأهّلوا جميعاً لبطولة العالم ، بعد اختيارهم ضمن الفريق الوطني بسبب براعتهم في فرقهم المتعددة .. ماعدا شاب منهم ، لم يتم اختياره بعد إنخفاض مستواه إِثر إصابةٍ تعرّض لها سابقاً

وحين زارها الشباب السبعة لإخبارها بسفرهم القريب للخارج ، طلبت منهم الإتصال بصديقهم الثامن للقدوم الى منزلها ..


فوصل بعد ساعة .. ودخل بيتها عارجاً ، فصرخت في وجهه :

- إمشي جيداً يا ولد !!

- عُطبت ركبتي يا خالة 

إيلينا (السبعينية) : انت تمثّل ذلك ، لأنك خائف من اللعب في الخارج

- لست بقوّة رفاقي لأصل للعالميّة

فصفعته بقوة ، وسط دهشة زملائه ! 

إيلينا بغضب : جميعكم مدينون لي !! ولن أسمح لأيٍّ منكم بالتخاذل عن وعده لي .. جميعكم ستلعبون معاً ، لترفعوا إسم إيطاليا عالياً .. 

- لكن يا خالة ، المدرّب لم يختارني 

ايلينا : اذاً على رفاقك إجباره بذلك 

الجميع : وكيف ! 

إيلينا : هدّدوه بالإنسحاب من الفريق إن لم يضمّ صديقكم معكم 

- وماذا عن إصابتي ؟ 


إيلينا : لطالما كنت بارعاً بالحراسة ، فكنّ مسؤولاً عن صدّ كرات الفرق الأخرى .. (ثم نزلت دمعتها) .. رجاءً لا تخذلوا جدّتكم إيلينا ، فقد لا تسنح لي فرصة أخرى لتحقيق حلم حياتي  

- سنحاول يا خالة ، ولا تنسي مشاهدة مبارياتنا بالتلفاز

إيلينا : التلفاز ! بل سأراقبكم من المدرّجات ، فقد بعت ما تبقى من املاكي للسفر معكم ، بشرط أن لا تنسوا مع كل هدف .. 

فأكملوا قائلين : نهتف لك !! 

إيلينا بابتسامة : نعم ، اريد العالم أن يعرف من هي إيلينا العجوز 

فحضنوها بسعادة

***


وبالفعل انضمّ صديقهم الثامن ، بكونه حارس إحتياط .. والذي شارك اخيراً رفاقه بعد وصولهم للدور الربع النهائي ، بعد إصابة حارسهم الأساسي .. ليُفاجئ الجمهور ومدرّبه ببراعته بصدّ الأهداف !


وبسبب هتافهم لإيلينا (التي شاركت فريقها فرحتهم من المدرّجات) أجرت الصحافة حواراً معها ، أخبرتهم فيه : عن ثقتها بمهارة صغارها الثمانية ، وبدورهم عبّروا عن إمتناتهم لدعمها المتواصل لهم ... 

***


في المباراة النهائية ، أخفت إيلينا مرضها عن فريقها .. وجلست في مكانها المعتاد فوق مقاعد المدرّب .. وهذه المرة لبست الزيّ الرياضي القديم لوالدها ، بعد أن قاربت على تحقيق حلمه..

 

ووصلت المباراة الى ركلات الترجيح .. وبقيّ هدفٌ واحد : إن أدخلها الفريق المنافس ، خسرت إيطاليا البطولة .. وإن صدّها حارسهم ، ربحوا الكأس ..

فنادت إيلينا حارسها بعلوّ صوتها !! فتوقفت المباراة ، لحين ذهابه لمكانها القريب من الملعب .. لتهمس في اذنه :

- سيضع الكرة على اليسار ، فهو عسراويّ

- هل انت متأكدة يا خالة ؟!  

إيلينا معاتبة : أتشكّ بكلامي يا ولد !

- حسنأ سأتوجّه يساراً .. فإن خسرنا ، لا تلومينني 

إيلينا بثقة : لن نخسر .. فحلمي وحلم ابي ، أصبح بين يديك يا بطل!! 


وبالفعل توجّهت الكرة بقوّة لليسار ، ليصدّها الحارس ببراعة ! 

لتعلن صافرة الحكم فوز إيطاليا ببطولة العالم ، لتتفاجأ إيلينا وفريقها بهتاف الجمهور بصوتٍ واحد :  

- ((لافيكيا سنيورا)) !!! 

بعد أن حقّقت العجوز حلم الشعب بأكمله !

***


بعد تتويجهم بالميدليّات الذهبيّة ، تصوّرت إيلينا مع فريقها التي عادت معه بالطائرة الخاصة الى إيطاليا .. لتُحمل على أكتاف المشجّعين بسبب دعمها لمواهب اللاعبين الثمانية منذ صغرهم .. 

***


بعد إنتهاء الإحتفالات .. ذهب الشباب الثمانية معها الى المقبرة فور عودتهم من العاصمة .. وأعطوها الكأس ، لتضعه فوق قبر والدها .. ووقفوا خلفها ، ليسمعوها تقول له : 

((ابي .. سمعتك يوماً تقول لأمي إنها خذلتك بإنجابها لي ، بدلاً من صبيّ يحقّق حلمك بالحصول على كأس العالم ..فهل انت راضي عني الآن ؟))

***


ثم توجّهوا معها الى بيتها الصغير .. لتجد اهالي الشباب الثمانية وأهالي حيّها الشعبيّ ، قد زيّنوا بيتها ورتّبوه خلال غيابها ! كشكرٍ على دعمها لأطفالهم الموهوبين ..

 

لتعيش إيلينا شهراً كاملاً من الإحتفالات المتتالية ، قبل أن تسوء حالتها الصحيّة ، وتُنقل للمستشفى !

فزارها الشباب الثمانية (الذين أصبحوا من مشاهير الكرة العالميّة)..

فسألتهم وهي تضع قناع الأكسجين :

- سمعت إن كل واحداً منكم حصل على عقد احتراف في الخارج

- هذا صحيح يا خالة ، وكلّه بفضلك


إيلينا : اذاً انتهى عملي معكم .. وآخر طلبٍ لي : أن تحوّلوا بيتي الصغير لملعب تدريب لأولاد الفقراء ، بشرط أن تدعموهم ماديّاً ومعنويّاً كما فعلت معكم 

- هذا ما كنّا نخفيه عنك .. فقد خطّطنا لفتح نادي لدعم المواهب الصغيرة بالمناطق الفقيرة 

إيلينا بفخر : لقد أحسنت تربيتكم بالفعل ، ويمكنني مقابلة روح والدي وانا مُعتزّه بإنجازي معكم .. تذكّروني دائماً يا أحفاديّ الأعزّاء 

وكانت هذه آخر كلماتها ، قبل مفارقتها الحياة !

*** 


وفي عام 1897 .. تمّ إنشاء نادي يوفنتوس (جوفنتوس) الإيطاليّ بدعم مادي من المشاهير الثمانية .. بشعار السيدة العجوز ، تكريماً لروح الجدّة إيلينا ! 


هناك 10 تعليقات:

  1. ملاحظة :
    1- القصة مستوحاة من أحداثٍ حقيقية .. فالجدة إيلينا سمحت ل13 ولداً أن يلعب في حوش منزلها .. ليصبح 8 منهم محترفين في فريق جوفنتوس الإيطالي ، بشعار السيدة العجوز .. حيث اعتادوا على الهتاف مع كل هدف :((لافيكيا سنيورا)) إمتناناً لها .. لكني أضفت بعض السيناريو ، لتتخيّلوها كفيلمٍ سينمائيّ

    2- بهذه القصة أكون وصلت للمنشور رقم (500) فإن حذفنا منها (38) بين مقال وفيديو .. تكون هذه القصة رقم (462).. وبهذه القصة أتوقف عن الكتابة لمساعدة امي بتحضيرات رمضان .. اراكم بعد العيد ان شاء الله .. وكل عام وانتم بخير

    ردحذف
  2. لافيكيا سنيورا .........
    قصه حلوه تجدد داخلنا الامل ..وعدم التخاذل عن تحقيق احلامنا ....

    لافيكيا سنيورا ..

    رماضان مبارك علينا وعليك وعلا الامة الاسلاميه ...


    لافيكيا سنيورا...

    لازلت اتذكر العام الماضي حينما اخبرتينا انك ستتوقفين الكتابه خلال الشهر الكريم ......نعم لازلت اتذكر وكأنه بالامس ..مررت سنه كأنها شهر ...لا اعرف لماذا اصبحت الايام تمر دون ان اشعر ...هل لان روتيني متشابه ولاشي جديد في حياتي من انجازات وغيره بسبب الاوضاع والازمات التي تمر بها بلادي ام ماذا ....اممممم اسأل الله ان يفرجها علينا جميعا ...

    وكل عام وانتي بالف خير ....

    ردحذف
    الردود
    1. سعيدة انها اعجبتك ، وان شاء الله يفرجها ربي على سائر بلاد المسلمين بفضل الشهر الكريم ..وكل عام وانت بخير

      حذف
  3. قصة جميلة جدا و جات في وقتها تهبل تهبل 😍
    يعطيك الف صحة ❤️ حبيبتي امل ❤️❤️
    مع انو شهر كثير جدا بدون قصصك صدقا 😓 لكن اتمنى لكي كل التوفيق و رمضان كريم ينعاد بالصحة و السلامة عليكي و على عائلتك 💖

    ردحذف
    الردود
    1. الله يسلمك .. اوقات رمضان تختلف عن الأيام العادية ، وتكثر فيها الواجبات المنزلية ، لهذا صعب عليّ الكتابة برمضان ، وأفضّل الإهتمام بالأمور الدينية .. اراكم ان شاء الله بعد العيد .. كل عام وانتم بخير

      حذف
  4. بارك الله فيك وفي محتواك

    ردحذف
  5. لو علمت انني ساشتاق لقصصك لهاته الدرجة لكنت حضرت كل الأصناف من الطعام و شحنتها من المغرب لكي لا نحرم من اناملك ، 🥲

    ردحذف
    الردود
    1. صدقني لا استريح سوى ساعة في المساء قبل انقطاع الكهرباء ، وباقي الوقت في المطبخ .. المهم ان يمضي الشهر على خير .. اتمنى ان اجد افكاراً جديدة بعد العيد .. وشكراً لتعليقك الجميل ، كل عام وانت بخير

      حذف
  6. و انت بالف خير عزيزتي أعانك الله و حفظ عائلتك الكريمة، في انتظار جديدك تحياتي للغالية سلمى

    ردحذف

صديقي الشاحب

تأليف : امل شانوحة    براءة الطفولة وقف حزيناً بعد فشله لمس الكرة الموجودة في غرفة الطفل آدم .. وأخذ يتأمّل منظر الألعاب المُنعكسة في المرآة...