الاثنين، 14 مارس 2022

جريمةٌ مَنسيّة !

تأليف : امل شانوحة 

 

المكيدة المُدبّرة


إستيقظ جاك (العشرينيّ) في غابةٍ مظلمة وهو يشعر بألمٍ في رأسه ، كأنه تلقّى ضربةً قاسية أفقدته الوعيّ !

وحين نهض ، رأى نور كشّافين خلف الأشجار التي تبعد امتاراً عنه

فتوجّه نحوها ، ليجد شابين في مثل عمره يردمان حفرة بالتراب وهما يحملان الرّفش والمعول.. واللّذان تجمّدا في مكانهما بعد رؤيته ، والدهشة واضحة على وجوههما !


فسألهما جاك :

- اين انا ؟ ومالذي حصل ؟! هل أتيت معكما لهذه المنطقة المنعزلة ؟ هل أعرفكما ؟ رجاءً أجيباني !!

فنظرا لبعضهما بذهول ! ليقول احدهما بصوتٍ منخفض :

- انه لا يتذكّرنا !

فهمس الآخر بإذن صاحبه :

- دعني أتولّى الحديث ، وإيّاك مقاطعتي

ثم قال لجاك :

- انا إريك ، وهذا جيم .. الا تتذكّر إتصالك بنا ؟!


جاك : وهل انتما صديقايّ ؟!

إريك : بالطبع اصدقائك ، وإلاّ لما تورّطنا لإخراجك من مصيبتك

جاك باستغراب : أيّةِ مصيبة ؟!

إريك : تعال وانظر بنفسك ، فنحن لم ندفنها بعد

جاك بقلق : تدفنون من ؟!


واقترب من الحفرة (بعد تسليط الشابين كشّافاتهما للأسفل) ليُصعق جاك بوجود جثة فتاةٍ مقتولة !

فصرخ بفزع : لما قتلتماها ؟!!


وحاول الهرب .. إلا انهما اسرعا بالقفز عليه ، وتثبيته على الأرض.. ليهمس إريك في اذنه :

- جاك يا مجنون !! انت قتلتها ، وطلبت مساعدتنا لإخفاء جريمتك

فصُعق جاك بما سمعه !

- انتما تكذبان !! انا لا اعرفها 


إريك : أعدّ النظر اليها ..انها حبيبتك التي خانتك مع استاذنا الجامعيّ .. لهذا عزمتها للتخييم معك طوال ايام العطلة .. وحين واجهتها بالخيانة ، حاولت الإنكار .. فصفعتها بقسّوة .. لتفاجُئك بضرب رأسك بقوّة بالمقلاة ، قبل هربها من الخيمة .. لكنك تمكّنت الّلحاق بها ، وطعنها بالسكين .. هذا ما أخبرتني به ، حين اتصلت بي ! وطلبت مني إحضار جيم الى هنا ، بعد شعورك بالدوّار من رأسك المُصاب..

فأكمل جيم قائلاً : 

- وحين قدمنا ، وجدناك مغميّاً عليك بجانب الجثة ! فأردنا دفنها اولاً قبل حملك للسيارة


إريك : أمعقول انك لا تذكُر شيئاً مما حصل ! دعني أفحص رأسك .. آه انت تنزف ! مستحيل أن تكون ضربة المقلاة أفقدتك الذاكرة ، وأحدثت هذا الجرح الكبير

جاك بقلق : ماذا تقصد ؟!

إريك : أعتقد إن حبيبتك لم تمتّ على الفور .. واستغلّت إنشغالك بالإتصال بي ، لرميها حجرةً كبيرة على رأسك على سبيل المثال .. لهذا جثتها تبعد امتاراً عنك بعد محاولتها الهرب مجدّداً ، قبل مفارقتها الحياة !


((فحاول جاك العودة بذاكرته لبداية المساء .. ليتذكّر صديقته ديانا التي قبلت دعوته للمبيت في الغابة ، والإستمتاع بالجوّ الربيعي اللطيف .. وبعد نصّبه الخيمة ، تناولا العشاء معاً .. لكنه تذكّر انه كان سعيداً بتلك اللحظات ، وليس غاضباً كما أخبره صاحبيه !)) 


وحين أطلعهما بذكرياته عن ليلته الرومنسيّة ، قال إريك : 

- جيد !! طالما تذكّرت وجود ديانا معك في الغابة ، فهذا يؤكّد ما قلناه لك

جيم : جاك ..لا تضغط على نفسك بتذكّر الحادثة ، دعنا نُنهي دفنها اولاً ..ثم نأخدك للطوارئ لتقطيب جرحك

إريك معترضاً : 

- لا !! لن نأخذه للمستشفى بهذه الساعة المتأخرة ، خوفاً أن ينكشف أمر الجثة لاحقاً .. ويقوم المحقّق بربط جرحه بالحادثة ، فنحن نعيش بمنطقةٍ صغيرة

جيم : اذاً سآخذه عند عمي .. صحيح هو دكتور بيطري ، لكنه بارع بتقطيب الجروح .. هيا إريك !! دعنا ندفن الخائنة ، قبل بزوغ الفجر


ووقف جاك متجمّداً وهو يراقب دفنهما القتيلة .. قبل ركوبه سيارة إريك (مع جيم) للإبتعاد عن مسرح الجريمة

***


ومرّت الأيام ، وعاد جاك الى جامعته .. ليلاحظ هو وبقيّة الطلاّب حيرة وقلق الأستاذ من غياب ديانا المتواصل ! حتى انه طلب من جاك الحضور لمكتبه ، للسؤال عنها..

جاك وهو يكتم غيظه : ولما تسأل عن صديقتي ؟!

الأستاذ بارتباك : لأنه اقترب موعد الإمتحانات النهائيّة .. وهي طالبة مجتهدة ، وليس من عادتها التغيّب ! فهل تعرف شيئاً عنها ؟

جاك : لا افترقنا قبل العطلة ، دون أن تخبرني السبب

- أحقاً !

- اذا كان يهمّك امرها ، فاتصل بأهلها


الأستاذ : انت تعلم إن اهلها يعيشون في المنطقة المجاورة ..وأخاف إخبارهم باختفائها ، فتحدث بلبلة في الجامعة 

- اوافقك الرأيّ ، لا يجب ان يعلم اهلها انها انتقلت الى العاصمة

الأستاذ بدهشة : العاصمة !

- نعم ، لطالما أخبرتني برغبتها التسوّق في العاصمة

- قبل اسبوع من الإمتحانات النهائية ، هذا مُحال !

جاك وهو يتنهّد بضيق : صدّقني لا اعرف شيئاً عنها ، فأنا لا أفكّر بالفتيات اللآتي تهجرنني .. سلام دكتور


وخرج من مكتبه وهو قلقاً أن يعرف بشأن جريمته الغامضة .. لكنه يدرك ايضاً إن استاذه لن يورّط نفسه بالإبلاغ عنها ، كيّ لا يطرد من الجامعة بسبب علاقته مع طالبة ، فهذا يخالف قوانين عمله.. كما انه رجلٌ متزوج ، وقد يخسر نصف ماله إن علمت زوجته بخيانته

***


وبمرور الأيام ، إنتهت الإمتحانات .. وقدمت عائلة ديانا لحفلة التخرّج ، ليتفاجأوا باختفاء ابنتهم ! فسألوا جاك عنها ، لعلمهم بصداقتهما ..

الأم بقلق : نحن لم نتصل بها الفترة الماضية حتى لا نشغلها عن الدراسة ، لكننا صُدمنا بغيابها عن الجامعة لشهرٍ كامل !


فلم يكن امام جاك إلا تشويه سمعة ابنتهم ، لإبعاد الشكوك عن نفسه .. فأخبرهم انها تركت الدراسة لامتهان الدعارة ، طمعاً في المال

فصفعته امها بغضب :

- كاذب !! ابنتي ليست من هذا النوع ..فهي تعشق العلم ، ويهمّها مستقبلها

جاك : مالا تعرفونه عنها .. انها تعرّضت للإعتداء قبل سنة ، اثناء عودتها الى سكن الطلاّب

الأب بدهشة : لم تخبرنا بذلك !


جاك : لم تخبر احداً غيري ، فهي خافت من تنمّر الطلاّب عليها .. وللأسف تغيّرت طباعها كثيراً بعد حادثة ، وقبلت نصيحة فتاةٍ فاسدة للإنتقام من الرجال بأسلوب العنف المُستخدم بإحدى البارات : كالصفع والكرباج..

الأب مقاطعاً باشمئزاز : اسكت !!

جاك : انا ايضاً انصدمت حين رأيتها هناك ، لذلك قطعت علاقتي بها

الأخت باكية : أمازالت ديانا تعمل في البار ؟!

جاك : لا ادري ..اسألوا عنها هناك ، مع انها غيّرت اسمها وشكلها تماماً .. وربما انتقلت لكازينو العاصمة ، كما أخبرتني بآخر لقاءٍ بيننا


فركبت امها واختها السيارة وهما تبكيان ، بعد أن امرهم الوالد بالعودة الى  منطقتهم ، وعدم السؤال مجدّداً عن ابنته الفاسقة التي اعتبرها ميتة بالنسبة له !


ليعود جاك الى منزله وهو يشعر بتأنيب الضمير بعد تشويهه سمعة حبيبته السابقة .. وللتكفير عن ذنبه : أخذ يضغط على نفسه لتذكّر ما حصل في الغابة ، وهل فعلاً قتلها بسبب خيانتها ام لا ؟!

***


بعد شهور من جلد نفسه ، قرّر جاك الذهاب للعاصمة بعد قراءته إعلاناً عن طبيبٍ نفسيّ بإمكانه إكتشاف ماضي المريض من خلال تنويمه المغناطيسيّ

***


وفي الموعد المحدّد .. إستلقلى جاك على الكنبة امام الطبيب الذي حاول تهدئة توتره ، بإخباره إنه سيحفظ سرّه كما فعل مع جميع المرضى الذين ارتكبوا أفظع الذنوب .. وأخبره انه سيُسجّل اقواله على جوّاله ، ثم يسمعه إيّاها قبل حذفها ..


جاك بقلق : لا دكتور ، لا اريد المجازفة .. هل لديك مسجّلاً قديماً ؟

الطبيب : أتريد تسجيل صوتك على شريط ؟

- نعم ، شريط خاص بي

- أظن لديّ واحد قديم في درجي ، سأضعه امامك اثناء تنويمك المغناطيسيّ

***


بعد ساعة من علاج التنويم .. إستيقظ جاك لسماع اعترافه ..والذي ما أن سمعه ، حتى تغيّرت معالم وجهه الذي احمرّ من شدة الغضب 

فسأله الطبيب : ماذا تنوي فعله ؟

جاك وهو يكتم غيظه : سأعاقب الجناة

- الأفضل أن تتصل بالشرطة

- ليس معي دليل

فأعطاه الطبيب شريط التسجيل وهو يقول :

- هذا دليلٌ كافي


فقام جاك بكسر الشريط ، وهو يقول بنبرة تهديد :

- لا تخبر احداً بسرّي ، مفهوم !!

فارتعب الطبيب العجوز من نظرات جاك الغاضبة والمخيفة :

- حسناً ، هذا قرارك

وخرج جاك من عيادته وهو يخطّط للإنتقام

***


بعد ايام .. تلقّى إريك وجيم دعوة من جاك للمبيت في الغابة ، بجانب مسرح الجريمة ! فحاولا الرفض .. لكنه أصرّ على قدومهما بعد إحضاره اغلى اللحوم والشراب والمخدرات للإحتفال معهما قبل سفره للعاصمة بعد إيجاده عملاً هناك

***


والتقى الشباب الثلاثة داخل خيمةٍ كبيرة مُخصّصة للكشّافة ، لتناول المشاوي والمشروبات ..


وبعد نصف ساعة .. شعر الشابان بألمٍ حادّ في معدتهما ! وأخذا يتقيئان ما أكلاه .. بينما جاك يراقبهما بهدوء ، اثناء تدخين سيجارته .. قبل أن يقول لهما :   

- لا تخافا .. هذا أثر السمّ يسري في دمكما ، وستموتان خلال دقائق

إريك بألم : لما تريد قتلنا ؟!


جاك بعصبية : لأنكما عيشتماني بتأنيب الضمير لشهورٍ عديدة ، حتى أوشكت على الإنتحار !! لكني أخيراً عرفت ما حصل ليلتها .. ديانا لم تخنّي مطلقاً !! صحيح إن الأستاذ حاول التقرّب منها ، لكنها رفضته لإخلاصها لي.. فطلبت منها تجنّبه لحين تخرّجنا .. وقدمنا للغابة للإحتفال بخطوبتنا السرّية .. وألبستها الخاتم ، وانا أعدها بالزواج بعد تخرّجنا مباشرةً .. اما انتما !! فأرسلكما الأستاذ لقتلي ، بعد شعوره بالإحراج لرفض ديانا له.. وبعد هجومكما عليّ ، دافعت عني ديانا بكل قوتها .. فانغرزت سكينتك يا إريك بالخطأ في قلبها .. بينما أسرع جيم لضربي بالعصا على رأسي .. ثم حاولتما إخفاء الادلّة ، برميّ اغراضي والخيمة في النهر ، لظنّكما بأنني ميتٌ ايضاً .. فبدأتما اولاً بدفن ديانا .. لكني استيقظت ، لتكتشفا فقداني الذاكرة .. حينها غيّرتما الخطة ، وحاولتما إقناعي بأني قاتلها .. وبسببكما شوّهت سمعتها امام اهلها ، لكني سأصلح هذا الخطأ لاحقاً .. اما الآن !! فسأشرب الشايّ بهدوء ، لحين خروج روحما ..وبعد دفنكما ، أخططّ للإنتقام من استاذنا الملعون !!

***


بعد موتهما ، دفنهما بجانب قبر ديانا القريب من الشجرة .. وبعد وضعه الخيمة واغراضه في السيارة .. أعاد اولاً سيارة إريك (الذي أخذ جيم معه) قرب منزله القريب من الغابة .. ثم عاد لقيادة سيارته ، بعد إخفائه معالم الجريمة

***


لم تمضي ايام .. حتى فتح الأستاذ عينيه في ذاك المساء البارد ، ليجد نفسه داخل حفرةٍ عميقة في الغابة ! وهو مُقيّد اليدين والقدمين ، ومكممّ الفم .. ليزداد فزعه بعد رؤيته جاك يقف (فوقه) بجانب الحفرة ، ومعه الكشّاف والرفش وهو يقول :

- غرورك الكبير تسبّب بمقتل صبيّة وشابين ، لهذا قرّرت دفنك حيّاً


فحاول الأستاذ النهوض ، إلاّ أن الحفرة زلقة ورطبة بسبب امطار الصباح

جاك : اظنك تريد معرفة ما حصل .. لديّ صديقة تتقن تقليد الأصوات ، فأسمعتها صوت ديانا بإحدى رسائلها الصوتيّة القديمة ..وطلبت منها تسجيل رسالة لك..


((وقصد جاك بكلامه : انه ارسل صوت ديانا المُقلّد ، وهي تبكي برعبٍ واضح : 

- استاذي !! مازلت حيّة .. وإريك وجيم يؤذونني كل يوم ، في كوخ الصيادين المهجور في الغابة .. تعال وانقذني ، وأعدك ان لا ارفضك ثانيةً))


ثم اكمل جاك كلامه مع استاذه الخائف :

- حينها وقعت بالفخّ بعد دخولك الكوخ الذي اختبأت فيه ، لأقوم بضربك بالرفش على رأسك .. ثم سحبتك للحفرة التي حفرتها بعمق منذ الصباح .. وكل هذا بسبب غبائك ، فلوّ إن ديانا مقيّدة بالسلاسل بالكوخ كما أخبرتك ، فمن اين حصلت على الجوّال ؟ ..رغم انني لا انكر دهائك بسؤالي عنها ، كيّ تتأكّد انني مازلت فاقداً الذاكرة ، بعد أن أوهمني صبيانك بأنّي قاتلها .. على كلٍ !! انت الآن مدفون بجانب قبر طالبيك المخلصين الّلذين وعدتهما بالنجاح في حال قتلاني ، وايضاً بجانب قبر المسكينة ديانا ..وحين تجتمع ارواحكما في السماء ، ستنقم منك بنفسها .. الوداع يا استاذيّ الفاضل


وأخذ يردم التراب فوقه .. والأستاذ يطلق صرخاتٍ مكتومة ، إختفت تماماً  بعد دفنه حيّاً !

***


في اليوم التالي .. بعث جاك رسالةً ورقيّة الى عائلة ديانا (مُحاولاً تقليد خطّ حبيبته) يخبرهم فيها : بنيّتها الإنتحار بعد حادثة الإعتداء التي حصلت لها .. وإن ما سمعوه عن عملها بالبار ، كان كذبة إختلقتها للإنفصال عن جاك.. وطلبت منهم عدم البحث عن جثتها ، وأن يدعوا لها بالمغفرة 


فجاك لم يستطع اخبار عائلتها بمكان قبرها ، كيّ لا ينكشف ما فعله بزميليه وأستاذه .. فكل ما اراده : هو إعادة السمعة الطيبة لإبنتهم ديانا..  


ومن بعدها هاجر للخارج ، بعد دفن ماضيه في تلك الغابة الموحشة التي ستحفظ سرّه الدامي للأبد !


هناك تعليقان (2):

  1. كم اشتقت لمغامراتك ي جاااااك....لاتطيل غيابك

    ردحذف
  2. قصصكِ جميلة وأنا من متابعيها بصمت
    ( كان من الممكن خطف الأستاذ بكتم أنفاسه بمادة منومة مثلا/ تقليد الأصوات لم أحب الفكرة لأنها ليست مقنعة/ تحياتي لكِ🌷

    ردحذف

صديقي الشاحب

تأليف : امل شانوحة    براءة الطفولة وقف حزيناً بعد فشله لمس الكرة الموجودة في غرفة الطفل آدم .. وأخذ يتأمّل منظر الألعاب المُنعكسة في المرآة...