تأليف : امل شانوحة
الحقيقة المفقودة
سنواتٌ طويلة أمضاها المؤرّخ العجوز في البحث والتنقيب بين آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق القديمة ، مُتنقلاً بين المكتبات والمتاحف والأرشيفات .. في محاولته لتدوين الحقائق التاريخية التي غيّرت وجه البشريّة
وبعد مراجعته التواريخ والروايات القديمة ، والتدقيق بأسماء الملوك والقادة والمخترعين.. أنهى اخيراً مخطوطته الضخمة ، بكتابة مقدّمتها الإستثنائية:
((بكل فخرٍ وثقة أُقدّم كتابي هذا ، الخالي من الأخطاء والشوائب الموجودة في الكتب الأخرى ، بعد تدقيقي بكل معلومة مذكورة فيه.. لأكون بذلك قدّمت اهم الأحداث التاريخية بأمانة للأجيال القادمة))
ثم وضع المخطوطة بجوار سريره ، بنيّة أخذها صباحاً إلى المطبعة.. وهو يشعر بالراحة بعد انتهاء مهمّته الصعبة التي دامت سنوات طويلة !
^^^
وعندما غفى ، رأى مناماً غريباً !
((كان في ارض معركةٍ قديمة ، تعبق برائحة الدماء والبارود .. بينما الجثث والجنود المصابين بالأسهم وقذائف المنجنيق متناثرين في كل مكان ، بجوار قلعةٍ تاريخية مُهدّمة تتصاعد منها دخان حريقٍ قضى على معظم اجزائها !
وقبل فهمه ما حصل ! رأى من بعيد .. قائد المعركة المهيب يتقدّم نحوه ، وسهم عدوّه مازال مغروزاً في درعه الحديديّ..
ثم ترجّل عن حصانه ، مُقترباً من العجوز الخائف:
- أتدري من أنا؟ .. انا القائد الذي كتب التاريخ عن هزيمته امام أعدائه ! أنظر حولك !! هل يبدو انني خسرت المعركة ، بعد إحراق جنودي لقلعة الأعداء بمن فيها ؟!!
ثم ظهر خلفه عشرات القادة الآخرين : بعضهم يحمل السيوف ، والبعض يرتدي التيجان ، وآخرون يعرجون بآلامٍ مُبرحة من جروحٍ أنهكت أبدانهم
أخبروه جميعاً بأن كتب التاريخ زوّرت الوقائع الحقيقية ! وتمّ ذكرهم كأشخاصٍ ضعفاء ، خسروا اهم المعارك بغبائهم واستهتارهم .. دون توضيح الخيانات والمكائد التي دبّرها الخبثاء خلف الكواليس !
فردّ المؤرّخ بصدمة :
- لكني دقّقت في عشرات المصادر والمراجع المُعتمدة!
فرد احدهم بسخرية :
- من كتب تلك المصادر هو نفسه من زوّر الوقائع ، لإرضاء المنتصرين الذين شوّهوا بطولاتنا ، وأظهرونا كوحوشٍ همجيين !
وفجأة ! اختفى القادة .. ليظهر رجالٌ يحملون ادواتٍ مُغايرة :
احدهم حمل عدسته المُكبّرة ، والآخر حمل مخطّطاته الجلديّة .. والثالث بيده مجهره ، مع معطفٍ تلطّخ بمواد مختبره القديم
قائلاً أحدهم:
- اما نحن !! فقد سرق التاريخ إنجازاتنا العلميّة ، بعد ان نسب الأثرياء وأصحاب السلطة إختراعاتنا اليهم !
وقال الآخر بحزن :
- ضاع شبابنا في المختبرات .. وبعنا ممتلكاتنا ، لشراء أدوات التجارب.. فشلنا مئات المرات ، وسخر الناس منا .. ومات معظمنا فقيراً مُعدماً ، ومنّا من انتحر مقهوراً بعد مسح اسمه من الوجود .. نحن العباقرة الذين لم يُنصفنا التاريخ قط !!
ثم اختفوا ، لتظهر بعض النّسوة من اعمارٍ مختلفة :
- أتدري من نحن ؟
العجوز : لا ، لم ارى صوركن من قبل ! ..من انتن ؟!
فردّت امرأةٌ عجوز : بالتأكيد لن تعرفنا .. فهم لم يكتبوا عنا ، كوننا عار على مجتمعنا ! لأن عقولهم التافهة لم تتقبّل إنجاز النساء لاختراعاتٍ عظيمة ، غيّرت مجرى التاريخ .. فنسبوا عبقريتنا لرجال حاشيتهم!
ثم قالت صبية منهن :
- لم يعترفوا بأن المرأة قادرة على الإبداع وتطوير العلوم والفنون !
بدأ المؤرخ يشعر بالإرتباك :
- لكني لم أكذب في كتابي!
فردّت احداهن عليه :
- انت لم تكذب ، لكنك صدّقت ما كتبوه قديماً ! .. فهل بإمكانك اصلاح الخطأ ، ولو بجملةٍ واحدة تعيد الحق لأصحابه؟
^^^
وهنا استيقظ مرتعباً من منامه ..
وبعد ان هدأت انفاسه المتسارعة .. أمسك قلمه ، وهو يفتح الصفحة الأولى من مخطوطته .. ثم حذف مقدّمته القديمة ، واستبدلها بالتالي :
((ليس كل ما وصلنا من الماضي حقيقياً.. فهناك تاريخٌ حُذف ، وفترات زمنية أُلغيت ، وإنجازات نُسبت لغير أصحابها .. وحقائق شُوّهت ، تحت ضغط السياسة والدين والسلطة.. لكننا كمؤرخين لا نملك سوى توثيق ما وصل إلينا ، مع الإعتراف باحتمال وجود حقائق أُخفيت عمداً .. لكن يبقى الأمل بالله ان يُظهرها بقدرته وعظمته ، ولوّ بعد حين))
وأغلق كتابه وهو يقول :
- لا احد يملك الحق في ادّعاء كتابة الحقيقة كاملةً ، فجزءاً منها دُفن بذاكرة النفوس الخبيثة التي تعمّدت طمسها في غياهب التاريخ !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق