الخميس، 15 أكتوبر 2026

ما وراء التاريخ

تأليف : امل شانوحة 

الحقيقة المفقودة


سنواتٌ طويلة أمضاها المؤرّخ العجوز في البحث والتنقيب بين آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق القديمة ، مُتنقلاً بين المكتبات والمتاحف والأرشيفات .. في محاولته لتدوين الحقائق التاريخية التي غيّرت وجه البشريّة 


وبعد مراجعته التواريخ والروايات القديمة ، والتدقيق بأسماء الملوك والقادة والمخترعين.. أنهى اخيراً مخطوطته الضخمة ، بكتابة مقدّمتها الإستثنائية:

((بكل فخرٍ وثقة أُقدّم كتابي هذا ، الخالي من الأخطاء والشوائب الموجودة في الكتب الأخرى ، بعد تدقيقي بكل معلومة مذكورة فيه.. لأكون بذلك قدّمت اهم الأحداث التاريخية بأمانة للأجيال القادمة))


ثم وضع المخطوطة بجوار سريره ، بنيّة أخذها صباحاً إلى المطبعة.. وهو يشعر بالراحة بعد انتهاء مهمّته الصعبة التي دامت سنوات طويلة !

^^^


وعندما غفى ، رأى مناماً غريباً !

((كان في ارض معركةٍ قديمة ، تعبق برائحة الدماء والبارود .. بينما الجثث والجنود المصابين بالأسهم وقذائف المنجنيق متناثرين في كل مكان ، بجوار قلعةٍ تاريخية مُهدّمة تتصاعد منها دخان حريقٍ قضى على معظم اجزائها ! 


وقبل فهمه ما حصل ! رأى من بعيد .. قائد المعركة المهيب يتقدّم نحوه ، وسهم عدوّه مازال مغروزاً في درعه الحديديّ.. 

ثم ترجّل عن حصانه ، مُقترباً من العجوز الخائف:

- أتدري من أنا؟ .. انا القائد الذي كتب التاريخ عن هزيمته امام أعدائه ! أنظر حولك !! هل يبدو انني خسرت المعركة ، بعد إحراق جنودي لقلعة الأعداء بمن فيها ؟!!


ثم ظهر خلفه عشرات القادة الآخرين : بعضهم يحمل السيوف ، والبعض يرتدي التيجان ، وآخرون يعرجون بآلامٍ مُبرحة من جروحٍ أنهكت أبدانهم 


أخبروه جميعاً بأن كتب التاريخ زوّرت الوقائع الحقيقية ! وتمّ ذكرهم كأشخاصٍ ضعفاء ، خسروا اهم المعارك بغبائهم واستهتارهم .. دون توضيح الخيانات والمكائد التي دبّرها الخبثاء خلف الكواليس !


فردّ المؤرّخ بصدمة :

- لكني دقّقت في عشرات المصادر والمراجع المُعتمدة!

فرد احدهم بسخرية :

- من كتب تلك المصادر هو نفسه من زوّر الوقائع ، لإرضاء المنتصرين الذين شوّهوا بطولاتنا ، وأظهرونا كوحوشٍ همجيين ! 


وفجأة ! اختفى القادة .. ليظهر رجالٌ يحملون ادواتٍ مُغايرة  :

احدهم حمل عدسته المُكبّرة ، والآخر حمل مخطّطاته الجلديّة .. والثالث بيده مجهره ، مع معطفٍ تلطّخ بمواد مختبره القديم 

قائلاً أحدهم:

- اما نحن !! فقد سرق التاريخ إنجازاتنا العلميّة ، بعد ان نسب الأثرياء وأصحاب السلطة إختراعاتنا اليهم !

وقال الآخر بحزن :

- ضاع شبابنا في المختبرات .. وبعنا ممتلكاتنا ، لشراء أدوات التجارب.. فشلنا مئات المرات ، وسخر الناس منا .. ومات معظمنا فقيراً مُعدماً ، ومنّا من انتحر مقهوراً بعد مسح اسمه من الوجود .. نحن العباقرة الذين لم يُنصفنا التاريخ قط !! 


ثم اختفوا ، لتظهر بعض النّسوة من اعمارٍ مختلفة : 

- أتدري من نحن ؟

العجوز : لا ، لم ارى صوركن من قبل ! ..من انتن ؟!

فردّت امرأةٌ عجوز : بالتأكيد لن تعرفنا .. فهم لم يكتبوا عنا ، كوننا عار على مجتمعنا ! لأن عقولهم التافهة لم تتقبّل إنجاز النساء لاختراعاتٍ عظيمة ، غيّرت مجرى التاريخ .. فنسبوا عبقريتنا لرجال حاشيتهم!


ثم قالت صبية منهن : 

- لم يعترفوا بأن المرأة قادرة على الإبداع وتطوير العلوم والفنون !


بدأ المؤرخ يشعر بالإرتباك : 

- لكني لم أكذب في كتابي!

فردّت احداهن عليه :

- انت لم تكذب ، لكنك صدّقت ما كتبوه قديماً ! .. فهل بإمكانك اصلاح الخطأ ، ولو بجملةٍ واحدة تعيد الحق لأصحابه؟

^^^


وهنا استيقظ مرتعباً من منامه .. 


وبعد ان هدأت انفاسه المتسارعة .. أمسك قلمه ، وهو يفتح الصفحة الأولى من مخطوطته .. ثم حذف مقدّمته القديمة ، واستبدلها بالتالي :

((ليس كل ما وصلنا من الماضي حقيقياً.. فهناك تاريخٌ حُذف ، وفترات زمنية أُلغيت ، وإنجازات نُسبت لغير أصحابها .. وحقائق شُوّهت ، تحت ضغط السياسة والدين والسلطة.. لكننا كمؤرخين لا نملك سوى توثيق ما وصل إلينا ، مع الإعتراف باحتمال وجود حقائق أُخفيت عمداً .. لكن يبقى الأمل بالله ان يُظهرها بقدرته وعظمته ، ولوّ بعد حين))


وأغلق كتابه وهو يقول :

- لا احد يملك الحق في ادّعاء كتابة الحقيقة كاملةً ، فجزءاً منها دُفن بذاكرة النفوس الخبيثة التي تعمّدت طمسها في غياهب التاريخ !


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ما وراء التاريخ

تأليف : امل شانوحة  الحقيقة المفقودة سنواتٌ طويلة أمضاها المؤرّخ العجوز في البحث والتنقيب بين آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق القديمة ، مُتنق...