تأليف : امل شانوحة
الحفيد الأول
في منزلٍ ريفيٍّ تركي .. جمع مراد والداه وإخوانه المراهقين الثلاثة ، واخته الوحيدة وزوجته لإخبارهم بموضوعٍ مهم .. قائلاً وهو منهار بالدموع :
- هناك سرّ عليّ البوح به ، قبل ان تصيبني جلطة او انتحر
والده باهتمام : ماذا هناك ، بنيّ ؟
امه بقلق : إخبرنا مراد ، فحالتك سيئة منذ ايام !
فأخذ نفساً طويلاً ، قبل ان يقول :
- لديّ طفل
وجاء الخبر صادماً للجميع ، خصوصاً زوجته زينب التي لم تستطيع الإنجاب منذ زواجهما قبل خمس سنوات !
ثم شرح لهم : انه بعد وفاة اخيه الصغير عقب دهسه بسيارةٍ مسرعة ، أفرط بشرب الكحول.. وقبل وصوله مُترنّحاً الى منزل والديه (الذي يعيش فيه مع زوجته وإخوانه) اوقفته (بيرين) جارته الأرملة ، وأدخلته بيتها..
وفي الصباح ، تفاجأ بنومه في سريرها ! وحصل شجارٌ بينهما ، بعد استغلالها سكره.. لكنها اخبرته بعشقها له منذ الطفولة.. وانها تزوجت عجوزاً ، عقب زواجه بزينب ، عقاباً لنفسها على حبها المستحيل .. وبعد وفاة زوجها ، استمرّت بالتقرّب منه بعد تأخّر زينب عن الإنجاب .. وحين لمحته سكراناً ، ارادت استغلال الفرصة .. لكنه أكّد كرهه لها منذ صغرهما .. وهدّد بأذيتها ان أخبرت زينب بخيانته لها ، فهو يعشقها بجنون.. وبعد ذلك الشجار ، سافرت بيرين لمدينةٍ اخرى ، وارتاح من شرّها لعدة شهور.. الا انها قبل ايام ، عادت مع طفلٍ تدعي انه ابنه ! فأصرّ على اجراء فحص الأبوّة ، ليثبت التقرير نسبه له..
ثم نظر مراد الى وجه والديه المصدومين من خيانته :
- ابي.. امي.. الصغير يشبه اخي المرحوم ، كأنه هو.. وهي تمنعني رؤيته قبل زواجي بها.. (والقانون التركي يمنع الزواج بأكثر من امرأة) .. فماذا عليّ فعله ؟!
وهنا فاجأت زينب الجميع بوقوفها وهي تزيل خاتم زواجها ، وتضعه على الطاولة امام مراد .. قائلةً بكسرة كبرياء:
- سأنتظرك انا ووالدي غداً صباحاً في المحكمة.. واحضر السافلة معك.. لكيّ تطلّقني ، وتتزوجها بالحال.. فأنا فشلت بمنحك طفلاً طوال السنوات الماضية ، ومن حقك ان تصبح اباً
فسارع مراد باحتضانها وهو منهار بالبكاء :
- احلف أنني لم احب أحداً سواك ، ولم أخنك بأرادتي.. رجاءً لا تتركيني ، دعينا نفكّر بحلٍ سوياً
لكنها ابعدته عنها ، وهي تقول بحزم :
- اراك غداً بالمحكمة
ثم نظرت لأخته الصغرى هازال (12 عام) :
- رجاءً ، رتّبي اغراضي بحقيبةٍ كبيرة .. وسأرسل غداً أخي لأخذها
ثم خرجت من منزل العائلة ، متوجهة الى بيت اهلها وهي منهارة بالبكاء
لتبدأ عائلة مراد بلومه على غلطته الفادحة ، حتى إن كانت غير مقصودة.. قبل ان توقف الأم عتابهم ، بسؤالها المفاجئ :
- هل حقاً ابنك ، يشبه المرحوم اخوك ؟
مراد : نعم امي ، كأنه هو
الأم : اريد رؤيته
وهنا وقف الأب ، وهو يقول بحزم :
- سترينه غداً بعد عودتنا من المحكمة.. وانت يا مراد ، أحضر عشيقتك معك.. فبعد توديعنا اليوم ابنتنا الغالية ، نستقبل غداً المرأة التي هدمت بيتك.
وذهب كل واحدٍ الى غرفته للنوم ، وهم متضايقين مما حصل ..
بينما قامت هازال (الأخت الصغرى) بدخول غرفة مراد ، لحزم امتعة زينب ..وهي تراقب دموعه ، وهو يبكي بقهر فوق وسادة زوجته !
***
في الصباح ، اجتمعت العائلتان في المحكمة.. وحين سأل القاضي مراد :
- هل توافق على تطليق زوجتك زينب ؟
بالكاد خرجت الكلمات من فمه ، وهو يبكي بمرارةٍ شديدة :
- للأسف ، مجبور على ذلك .. (ثم بلع ريقه بصعوبة) .. زينب .. انت طالق
وما ان قالها .. حتى خرجت زينب مع والدها ، دون الإلتفات نحوه
بينما سارعت العشيقة (بيرين) بالجلوس مكانها ، وهي تقول للقاضي بحماس :
- جاء دوري !! إكتب كتابنا بالحال
بينما والد مراد ينظر اليها باحتقار ، لجرأتها وعدم شعورها بذنب هدمها لزواجٍ سعيد !
***
وبالفعل قدمت بيرين مع مراد ووالده الى منزل العائلة ، وهي تجرّ حقيبتها الكبيرة التي رفض اخوانه مساعدتها فيها
وبعد قليل .. وضعت الأم وابنتها هازال طعام الغداء على الطاولة ..
فسارعت بيرين بالجلوس اولاً ، قبل الوالدين .. وهي تشرب الشوربة على عجل ، وتقول :
- منذ الصباح لم اتناول شيئاً
وجلست تأكل بشهيّة .. والجميع ينظر اليها باشمئزاز ، فلا احد مُتقبّل رحيل زينب (الكنّة الرائعة) واستبدالها بهذه الرخيصة !
وعلى طاولة الطعام ، سألتها حماتها :
- لما لم تحضري طفلك معك ؟
- هو مع قريبتي ، ستحضره بعد قليل
^^^
وبعد الغداء ، وصل الصغير ( بعمر 3 اشهر) فسارعت بيرين بوضعه في حضن حماتها .. والتي ما ان رأته ، حتى انهمرت دموعها :
- يا الهي ! انه فعلاً يشبه المرحوم ابني.. كم تمنيّت لوّ ان زينب أنجبته
فردّت بيرين بعصبية : حماتي !! كنّتك السابقة عقيمة.. وانا من ولدّته ، لا تنسي ذلك ابداً
لكن الحماة تجاهلت كلامها ، ونادت الأعمام لرؤية المولود ..
فاقتربوا من الصغير على مضضّ .. لكن ما ان رأوه ، حتى علت الإبتسامة على وجوههم .. فهو نسخة طبق الأصل عن اخيهم المتوفي قبل عام !
وسرعان ما تناقلوا الطفل بينهم بمحبة ، رغم كرههم لأمه
***
ومرّت الأيام ، حاولت فيها بيرين جاهدة الإندماج بينهم .. بمساعدتها حماتها في المطبخ .. وتدليل حماها الذي تجاهلها مع ابنائه.. وملاعبة الأخت الصغرى التي رفضت الكلام معها.. فالطفل هو السبب الوحيد لتحمّل وجودها الثقيل بينهم !
***
مرّت الشهور على مراد ، وهو يعيش جسداً بلا روح !
وفي إحدى الليالي.. سمعت هازال بكاء اخيها الأكبر !
فتنصّتت على باب غرفته .. لتسمع عتاب زوجته :
- أمازلت تبكي عليها حتى الآن ؟!
مراد بقهر : لا اريد لزينب ان تتزوج ذلك الرجل ، فهو معروف بقسوته وسوء طباعه ..وهي ناعمة كالورود
بيرين بلؤم : لا احد يتزوّج مطلّقة وعقيمة
مراد بعصبية : كفّي عن قول عقيمة !! فالفحوصات أكّدت انها طبيعية .. كل ما هنالك ، ان الله لم يقدّر لها ان تنجب ابني
- اذاً لا تحرمها الأمومة مع رجلٍ آخر
- ليس من ذلك البغيض الذي سيؤذيها حتماً
وعادت الأخت الى غرفتها وهي حزينة على ما حلّ بمنزلهم الذي كان دافئاً وسعيداً قبل قدوم بيرين التي دمّرت حياة اخيها ، وأبعدته عن حبيبته زينب التي ستؤذي نفسها بزواجها من رجلٍ سيء !
وأمضت ليلتها وهي تدعو الله ان تُحل الأمور قريباً
***
بعد ايام.. سمع الجميع صرخة بيرين التي خرجت باكية من غرفتها ، وهي تحمل رضيعها :
- انه لا يتنفس .. ساعدوني !!
وهجم الإخوة نحوها ، وكل واحدٍ يحاول إنعاش الصغير بوجهه المزّرق .. قبل ان يسارع مراد بنقله للمشفى .. ليعلن الطبيب وفاته (مُرجّحاً الموت المفاجئ الشائع لدى الرضّع (SIDS
***
وفي اليوم التالي .. اجتمعت العائلة الحزينة في المقبرة مع بقية المُعزّيين ، لدفن الصغير..
وما ان ردموا التراب فوقه ، حتى التفت مراد نحو زوجته المنهارة بالبكاء (ليس فقط لموت طفلها ، بل لعلمها بانقطاع صلة الوصل بينها وبين حبيبها)
قائلاً مراد بصوتٍ مسموع :
- لقد مات من كان يربطني بك .. انت طالق يا بيرين !!
وقبل ان يحاول والده وإخوته إقصائه عن قراره ، سارع بركوب سيارته ..تاركاً طليقته منهارة تماماً ، بعد خسارة زوجها وطفلها بالوقت ذاتها ..
^^^
بينما انطلق مراد كالمجنون نحو المحكمة ..
واقتحم القاعة ، قبل ثواني من اجابة زينب (زوجته الأولى) لسؤال قاضي :
- هل توافقين على الزواج ..
فيصرخ مراد :
- اعترض !!
والتفت الحضور لطليقها الأول ، الذي اقترب منها باكياً :
- زينب !! دفنت ابني قبل قليل.. وطلّقت بيرين في المقبرة .. قسماً بالله أنني لم ألمسها طيلة شهور زواجنا الشكليّ ، ويمكنكِ سؤال إخوتي الذين شهدوا نومي على كنبة الصالة طوال تلك الفترة .. فأنا لم أحب أحداً غيركِ.. رجاءً عودي إليّ!!
فسارع عريسها بلكمه بقوة :
- ايها السافل !! أتخطب عروستي امامي ؟!
وعندما حاول ضربه مجدداً ، اوقفته زينب بإجابتها على سؤال مراد:
- سيدي القاضي !! رجاءً أعدني الى حبيبي وزوجي السابق مراد
فسارع مراد باحتضانها ، رغم نزيف وجهه من اللكمة القوية
بينما خرج العريس متضايقاً مع اهله ، بعد تبادلهم الشتائم مع مراد وزينب اللذين جلسا بجانب القاضي المذهول مما حصل !
مراد بسعادة : رجاءً سيدي .. إكتب كتابنا من جديد
***
وفي تلك الليلة ، ورغم حزنهم على فقدان حفيدهم الأول .. الا ان العائلة اجتمعت مع زينب (كنتهم الأولى) وهم يتناولون العشاء بارتياح ، بعد تخلّصهم من كابوس بيرين التي سافرت لقرية أهلها بعد حزم امتعتها
***
ولم يمرّ عام حتى حدثت المعجزة الطبّية ، وأنجبت زينب مولودها الأول !
***
وفي احدى الليالي ، بينما الجميع يلاعبون الحفيد بسعادة
دخلت هازال (الأخت) الى غرفتها .. وأخرجت وسادة صغيرة من درجها ، عليها قطرات دمٍ من انف ابن مراد الأول ، بعد إطباقها الوسادة على وجهه حتى الموت
وهي تدعي بخوف :
((يارب سامحني ..كان عليّ قتل ابن الوضيعة ، لأعيد زينب الى مراد قبل زواجها من رجلٍ آخر .. وهاهم عائلتي سعداء بالحفيد الجديد .. فهل ستسامحني ربي على جريمتي التي ارتكبتها بحسن نيّة؟))
ثم اخفت الوسادة بدرجها ، وهي تقول بحزم :
- هذا السرّ سيُدفن معي للأبد !!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق