تأليف : امل شانوحة
المكالمة المصيريّة
غفت العروس سريعاً تلك الليلة ، بعد امضائها ساعاتٍ طويلة في تنظيف شقتها بعد سفر زوجها في رحلة عملٍ إلى الولايات المتحدة.. والذي لم يكن قلقاً من بقاء زوجته وحدها ، كون شقيقها يسكن في المبنى المقابل لعمارته
اما هي ، فاستلسمت لنومٍ عميق بعد يومٍ مرهق.
^^^
في منتصف الليل ، شعرت بجسدها يهتزّ فوق السرير.. فظنت أن زوجها عاد من سفره ، محاولاً إيقاظها بمزاحه المعتاد..
وفجأة ! ارتفعت صرخات الجيران ، وهم ينزلون الأدراج برعبٍ واضح .. وتزايد اهتزاز الأرض بعنفٍ مخيف .. حينها ادركت أنها تواجه زلزالاً خطيراً !
وقبل مغادرتها السرير ، دوّى صوتٌ مرعب ! قبل انهيار السقف فوقها مع سقوط لوحٍ إسمنتيٍّ ضخم بزاويةٍ مائلة ، مُستقرّاً على بعد نصف مترٍ من جسدها .. بعدما اوقف ظهر سريرها الحديديّ هبوطه المفاجئ نحوها !
وخلال ثوانٍ قليلة ، تحوّلت شقتها إلى ركام.. وانحشرت في مساحةٍ ضيّقةٍ مظلمة ، مع هواءٍ مليء بالغبار يخنق الأنفاس
وأول شيءٍ تذكّرته ، هو جوالها اسفل وسادتها .. والذي اضاء دون اشارة الإنترنت ، بعد تحطّم جهازه مع ما تبقى من مفروشات شقتها
فغيّرت إعدادات الهاتف إلى شبكة الجيل الرابع ، مُنتظرةً لحظاتٍ ثقيلة ..حتى ظهرت الإشارة أخيراً..
فاتصلت بشقيقها الذي تحدث بصوتٍ مرتبك :
- اختي ! هل أنتِ بخير؟!
- نعم ، مازلت حيّة .. وانت ، هل كل شيءٍ على ما يرام ؟
- لا تقلقي عليّ .. فقط حدّدي مكانك
الأخت :
- انا عالقة في سريري .. وهناك لوحٌ اسمنتيّ يبعد قليلاً عن جسدي .. لكن أطرافي بخير والحمد لله .. الا ان المكان ضيّق ، والأكسجين ينفذ من حولي .. رجاءً أخبر رجال الدفاع المدني عن وجودي حيّة تحت الأنقاض
الأخ : إتصلنا بهم قبل قليل ، وأخبرونا ان المنطقة بأكملها منكوبة.. ولا ادري متى يصلون إلى عمارتك.
فحاولت عدم إشعاره بيأسها :
- وماذا عن عمارتك ، اخي ؟
- انهار جزءٌ منها .. لكن جميع السكّان نزلوا للشارع ، تماماً كجيرانك .. ليتك نزلتي معهم
فمازحته بنبرةٍ حزينة :
- انت تعرف ثقل نوم اختك .. (ثم سمع انفاسها الثقيلة ، قبل ان تقول له) ..آسفة اخي ، سأضّطر لإغلاق المكالمة.. عليّ الإتصال بزوجي قبل نفاذ البطاريّة .. الوداع اخي
لتجد هاتفه مغلقاً ، فهو مازال على متن الطائرة في رحلته الطويلة.
فكتبت رسالة وداع بيديها المُرتجفتين ، ودموعها تنهمر فوق الشاشة:
((أحبك... سامحني لتركك مُبكراً.. رجاءً تزوّج من امرأةٍ ثانية ، وانجبا الكثير من الأطفال .. وعشّ سعيداً هانئاً ، يا زوجيّ الحبيب))
بعد بعثها الرسالة ، إنتبهت على شحن جوالها الذي قرب على النفاذ!
فأغلقته .. لاستعمال اضائته لاحقاً ، في حال اقترب رجال الإنقاذ منها
ثم اغمضت عينيها ، وهي تدعو الله ان يمنحها فرصةً أخرى للحياة.
^^^
مرّت الدقائق عليها ، كالأعوام ..
وفجأة ! سمعت صوتاً مألوفاً ، يأتي من خارج غرفتها
- أختي !!! هل تسمعينني؟!
انتفض جسدها ، بعد تأكّدها انه صوت اخيها الوحيد !
حاولت الصراخ ، لكن الغبار خنق حنجرتها.
فأضاءت جوالها الذي لمحه اخوها ، من بين شقوق اللوح الإسمنتي الضخم فوق سريرها !
- وجدتك اختي !! انا قادمٌ لإنقاذك
اخته باستغراب :
- كيف تمكّنت الوصول للطابق الثالث ، وصعدت على ادراج عمارتي المُتهالكة؟!
- انخسف جزءٌ كبير من مبناكِ ، وباتت شقتك قريبة من مستوى الأرض .. فدخلت من شرفة صالتك ، الى ان وصلت لغرفتك ..لا تقلقي ، سأخرجك من هنا حيّة بإذن الله.. فصديقايّ وثلاثة جيران وافقوا على مساعدتي.. ذهبوا لإحضار المطارق من بيوتهم ، وسيعودون بعد قليل لتكسير اللوح الإسمنتي الذي يحاصرك.. كل ما عليكِ فعله : هو الحفاظ على هدوئك ، كيّ لا تستهلكي الأكسجين الموجود حولك.. سنخرجك من العمارة قريباً ، أعدك بذلك !!
فاغروّرقت عيناها بالدموع :
- اخي حبيبي ، رجاءً انتبه على نفسك ! اخاف ان ينهار الجزء المُتبقي من المبنى .. كنّ حذراً !!
- لن اترك اختي الصغيرة تحت الركام .. وسأحاول اخراجك ولوّ كان هذا ، آخر شيءٍ أفعله بحياتي .. آه ! هآقد وصل الجيران .. سنبدأ فوراً بتكسير الجدار .. تحمّلي قليلاً
فشعرت بوجود املٍ بالخروج من هذه الأزمة على خيرٍ وسلامة !
^^^
ساعةٌ كاملة من العمل الشاق ، والغبار المتصاعد ، والعرق الممزوج بالخوف .. أمضاها الرجال الستة ، حتى بدأت الفتحة تتسع شيئاً فشيئاً ..
وواصلوا التكسير ، رغم الأصوات المُقلقة التي صدرت من الأعمدة المُتصدّعة للمبنى المنهار !
وبالنهاية تمكّن الرجال الشجعان من سحبها بحذر من الفتحة التي أحدثوها ، والتي بالكاد تناسب حجمها !
وما إن شعرت بهواء غرفتها ، حتى أخذت شهيقاً عميقاً.
ووصل المسعفون في تلك اللحظة ، وحملوها على النقّالة.. وبحذرٍ أنزلوها من الشرفة نحو سيارة الإسعاف.
بينما بقيّ الرجال الستة خلفها ، يتابعون خروجها بارتياح..
***
في صباح اليوم التالي ، استيقظت بغرفة المشفى .. لتجد زوجها يجلس بجوارها بوجهه الشاحب ، وعينيه المحمّرتين من البكاء.
قبل ان ينحني لاحتضانها ، وهو يحمد الله على سلامتها
فسألته باستغراب :
- كيف عدت؟ ألم تكن في طريقك إلى أميركا؟!
- وصلني خبر الزلزال خلال الرحلة.. فألغيت سفري ، وعدّت فوراً.. ودعوت ربي طوال الطريق ان لا يحرمني منك
- لا تقلق ، انا بخير .. فأخي ورفاقه الخمسة الأبطال ، أنقذوني من تحت الركام.. (ثم تلفّتت حولها).. رجاءً اتصل بأخي ، اريد شكره على انقاذه لي
فأشاح بوجهه ، كي لا ترى دمعته .. فشعرت بانقباض قلبها ! وطلبت منه اخبارها بما حصل ؟
فأجابها بتردّد :
- عندما أخرجوك رجال الإنقاذ من العمارة ، كنتِ فاقدة الوعيّ .. وفور ابتعاد سيارة الإسعاف عن المكان ، إنهار ما تبقى من عمارتنا .. فماتوا جميعاً ، بمن فيهم اخوك
في تلك اللحظة ، شعرت كأن الركام عاد ليطبق فوق صدرها.. وصرخت صرخةً مدويّة ، سمعها كل المتواجدين في المشفى !
وهي تلوم نفسها ، ببكاءٍ مرير :
- كان عليّ الموت وحدي !! بسببي قُتل ستة رجال !! ليت هاتفي تحطّم تحت الركام ! ليتني لم أتصل بأخي ، لكان حيّاً الآن .. اللعنة عليّ !!
ولم يستطع زوجها تهدئتها ، لحين استدعائه الممرّضة التي حقنتها بإبرة المخدّر
فنامت هذه المرة ليس راحةً ، بل هروباً مؤقتاً من حقيقةٍ مُرّة ستطاردها طويلاً !
***
بعد يومين ، غادرت المستشفى.. وأصرّت على تقديم التعازي لأهالي الرجال الخمسة ، في اليوم الأخير لعزائهم
وفور دخولها الصالة .. وقفت زوجة احدهم ، وهي تلومها بصوتٍ عالي :
- لقد خرج رجالنا سُلماء من بيوتنا لإنقاذك ، فعادوا إلينا جثثاً مُمزّقة بالأنقاض ! بسببك ترمّلنا ، وتيتّم اولادنا .. ليتك مُتّ وحدك ، بدل اتصالك اللعين الذي كلّفهم حياتهم !!
فلم تستطع الردّ عليها ، وهي تشعر بوجع قلوب الزوجات المُنكسرة .. فعادت الى شقتها الجديدة ، وهي منهارةٌ تماماً
لتبدأ سلّسلة من الكوابيس التي ايقظتها مرتعبة كل ليلة :
((صوت اخيها يناديها من بعيد .. ومساحةٌ ضيّقة مظلمة ، مُحاصرة داخلها .. وأنفاسها المُختنقة من رائحة الغبار .. وصرخات الناس الخائفة .. وشعورها الدائم باهتزاز المكان من حولها))
***
وبعد عام قضته بتأنيب الضمير ولوم الذات ، أدركت اخيراً بعد جلسات علاجٍ نفسيةٍ مُكثّفة : بأن نجاتها لم تكن جريمة.. وأن شقيقها خاطر بنفسه لمنحها حياةً ، يتوجب عليها عيشها بسعادةٍ ورضاء بالقدر
وهذا ما حصل بعد إنجابها طفلها الأول الذي وافق زوجها على تسميته بإسم اخيها .. ليبقى اسمه حيّاً مع ابنها الذي ستربيه ليكون بطلاً شجاعاً ، كخاله المرحوم!

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق