تأليف : امل شانوحة
مُتْ أيها القاتل
عاد الطبيب الشاب الى قرية والده ، بعد سنوات من بقائه في العاصمة .. حيث امضى ليلة 31 اكتوبر بالعمل على حاسوبه بصالة منزله .. قبل سماعه طرقات على بابه !
وحين فتح .. وجد اولاداً صغار بأزياء الهالوين المخيفة ، وهم يسألونه من خلف اقنعتهم :
- حلوى ام خدعة ؟!!
فابتسم لهم .. ثم حمل السلّة الموجودة على الطاولة ، وملأ سلالهم بالحلويات .. فشكروه ، وابتعدوا عن بيته
فعاد لإكمال عمله ، قبل ان يُفاجأ بارتطام بيضة على نافذته !
ففتح الباب ، ليجد ذات الأولاد يرشقون نوافذ صالته بالبيض .. ولم يتوقفوا الا بعد صراخه عليهم ، غاضباً :
- ايها المشاغبون !! الم اعطكم الحلوى قبل قليل ، لما توسّخون منزلي ؟
ليصرخ كبيرهم :
- مُتّ ايها القاتل !!
وسرعان ما ردّد الأطفال خلفه ، نفس العبارة .. دون فهم الطبيب ما يقصدونه !
وبعد رحيلهم ، عاد الى حاسوبه وهو مشتتّ الذهن :
- لما يقولون لطبيب بأنه قاتل ؟ ..لا افهم شيئاً ! كما انني عُدت هذا الصباح الى قريتي ، فلما هذا الإستقبال المشين ؟! وهل قالوا ذلك بعفويّة ، ام هي وصية أهاليهم ؟!
وحاول تجاهل ما حصل ، بإكمال عمله على الحاسوب .. قبل انطفاء كهرباء منزله!
فأضاء جواله ، لتأكّد من علبة الكهرباء الرئيسية داخل منزله :
- غريب ! كل الفيوزات سليمة.. أيُعقل أن الصغار تجرّؤوا على العبث بالكهرباء من الخارج ؟ لا ، مستحيل ! فالصندوق الحديدي مرتفع ، ولا يطالونه
وخرج لرؤية ما حصل ..
لينصدم ببالغين يلبسون ازياء هالوين ، وهم يحيطون بمنزله :
بعضهم يعبث بصندوق كهربائه .. والبعض الآخر ، يتعّمد خدش طلاء سيارته الجديدة بمفاتيحه الحادة .. بينما تجرّأ شخصٌ مقنّع على إشعال النار بالأعشاب اليابسة لحديقته !
ليسارع الطبيب بفتح صنبور المياه ، وإخماد الحريق بخرطوم الحديقة قبل وصول النيران الى منزله الخشبيّ !
وبعد انهائه المشكلة ، صرخ بوجوههم غاضباً :
- أهكذا تستقبلون ابن الجرّاح الذي داواكم طوال حياته ؟!!
فردّ احد البالغين المُقنّعين :
- هو لم يؤذينا ، كما فعلت انت
الطبيب بارتباك :
- ماذا تقصدون ؟!
فرد احدهم :
- علمنا ما حصل بالماضي .. فوالدك قبل وفاته ، إعترف بكل خطاياكم
الطبيب بقلق : اعترف بماذا ؟!
فردّت امرأة :
- بأنه أجبرك على امتهان الطب مثله ، رغم فشلك في امتحانات الجامعة بالعاصمة... وانه زوّر شهادتك ، لتساعده في عيادتنا ! وأن الأشخاص الخمسة الذين زعم والدك وفاتهم بسبب سوء حالاتهم أو مضاعفات العمليّة ، ماتوا بالحقيقة بسبب أخطائك الشنيعة ، ويديك المرتجفتين داخل غرفة العمليات
ثم اشارت للصغار بزيّ الهالوين :
- هؤلاء اولاد واحفاد قتلاك الخمسة
فارتجف الطبيب الشاب بعد انفضاح سرّه الذي اخفاه طويلاً :
- والدي أجبرني على امتهان وظيفته ، رغم عدم جدارتي في ذلك الحين .. هذا صحيح !! لكن بعد انتقالي للعاصمة ، تدرّبت على يد اطبّاءٍ أكفّاء .. لأصبح حالياً من الدكاترة الجيدين ، دون ان يموت احد من مرضايّ .. أحلف لكم!!
فاعترضت عجوز ، بعد ازاله قناعها للهالوين :
- وماذا تنفعني مهارتك اليوم ، بعد قتلك ابني الوحيد ؟!
ثم اشارت لأحد الصغار :
- انت قتلته ، قبل ان يشهد ولادة ابنه .. إخبرني ما ذنب الصغير بأن يولد يتيماً؟
الطبيب : لم يكن ذنبي ! بل ذنب والدي .. ألا تتذكّرون قساوته وصرامته معي بعد وفاة أمي ، وانا بعمر الثامنة ؟ ام انكم لا تستوعبون حجم الرعب والهلع الذي واجهته داخل غرفة العمليات ، وهو يأمرني بقسوة أن أشقّ أجساد مرضاكم المُخدّرين ؟ .. في ذلك الوقت ، ماذا كان بمقدوري فعله ؟!
فردّت احدى النسوة : كان عليك الإعتراض ، او الهرب من عيادته .. او الشكوى لأحدنا ، عمّا تعانيه معه.. لا ان تجازف بأرواح ابنائنا!!
فطأطأ الطبيب رأسه : انا آسف .. اعتذر منكم جميعاً .. لكن احلف أنني اصبحت طبيباً بارعاً .. اسمحوا لي بتعوضيكم عن اخطائي الماضية
فردّ رجلٌ بعصبية : وهل تظن أموالك ستعوّضنا عمّن فقدانهم ؟ ام تريد ان نسمح لك بعلاجنا بالمجّان ؟ نحن لا نثقّ بك من الأساس !! وأتينا جميعاً الليلة ، لنفهمك بأنك غير مُرحبٌ بك بيننا
امرأة بضيق :
- ارحل فوراً عن قريتنا !! فوجودك بيننا يفتح جراحنا ، ويجدّد أحزاننا على من فقدناهم
الطبيب :
- حسناً ، سأرحل غداً صباحاً
فردّت احدى الأمهات :
- بل الليلة !! نريد الإستيقاظ غداً ، دون رؤيتك بيننا
وبدأ الصغار يردّدون معاً :
- قاتل !! قاتل !! قاتل !!
الطبيب :
- وماذا عن بيت والدي ؟
فردّ أغنى رجل في القرية :
- انا أشتريه بسعر السوق.. أعطني رقم حسابك البنكي في العاصمة ، وسأحوّل لك ثمنه قريباً .. كل ما نطلبه منك ، ان لا تترك أثراً ورائك ..فأنت لم تعد من اهل قريتنا بعد اليوم
فوعدهم الطبيب بالرحيل فوراً .. فتركوه ، وعادوا الى منازلهم .. بينما اكمل ليلته بحزم امتعته ..
^^^
ولم يبزغ الفجر الا وهو يشُقّ طريقه نحو العاصمة بسيارته المُخربشة ، مُحملاً بوزر ذنبٍ لا يُغفر.. بعد عيشه أفظع ليلة هالوين في حياته كلها !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق