تأليف : امل شانوحة
النصائح الملغومة
خارج غرفة مدير الجامعة ، جلس الحارسان على كرسيّن متجاورين .. فعملهما لم يقتصر على حراسة الباب .. بل يشمل إعداد القهوة ، واستقبال الضيوف .. ونقل القرارات إلى مكاتب الأساتذة .. وتنفيذ كل ما يحتاج إليه المدير.
الحارس الأول : اسمه احمد (بعمر الثلاثين) ، والثاني : فؤاد (بعمر الأربعين).. كلاهما يحملان الشهادة الثانوية فقط ، قبل تعينهما بالجامعة براتبٍ زهيد ..
ولأن أحمد يطمح لتغيير حياته ، فقد قرّر الإستفادة من الخصم المُخصّص للموظفين لمتابعة دراساتهم الجامعية .. وسجّل في كلية الحقوق التي تخرّج منها مدير الجامعة ..مستغلّاً فترات جلوسه الطويلة امام باب المدير ، لتلخيص مواده القانونية ..
بينما الحارس فؤاد ، فقد تعمّد دائماً الإستهزاء من مجهود زميله الطموح :
- انت تضيّع وقتك وصحتك على شهادةٍ لن تنفعك .. فبالنهاية لن تجد وظيفةً لائقة ، وستعود للعمل حارساً هنا ..
احمد : كنت نصحتك ببداية العام أن تسجّل معي ، فنحن نهدر ساعاتٍ طويلة بالجلوس امام باب المدير دون فعل شيء .. فلما لا تستغلّ هذا الوقت ، بشيءٍ يفيدك؟ فالشهادة ستزيد من راتبك .. إستفدّ من الخصم المُخصّص للموظفين
فؤاد : ايّة دراسة يا رجل ، كبرت على هذه الأمور التافهة .. اصلاً لم احصل على شهادتي ، الا بعد اعادة الثانوية العامة للمرة الرابعة .. واريد الإستمتاع بوقت فراغي .. فكلانا من الطبقة الكادحة ، والوظائف بهذا البلد تحتاج الى واسطة قوية .. ولهذا اخبرك دائماً بأنه لا فائدة من طموحك.. وستدرك يوماً صحّة كلامي ، لكن بعد فوات الأوان
فتجاهل احمد نقده الهدّام ، وتابع دراسة مواده القانونية
^^^
فالتجأ فؤاد لحيلةٍ اخرى ، وهي جمع زملائه (من الحرّاس وعمّال النظافة بالجامعة) للإستهزاء من دراسة احمد وهو بعمر الثلاثين ..
فؤاد : انت بمقام والد اولئك الطلاّب الذين سيشغلون معظم المناصب الإدارية فور تخرّجهم ، بينما تصل أنت لسِن التقاعد مبكراً
لكن احمد لم يهتم لضحكاته الساخرة مع بقية العمّال ، وتابع دراسته بجهد
^^^
الى ان وصل احمد لفترة امتحانات السنة الأولى .. فطلب اجازة اسبوعين بلا راتب ، لتفرّغ للمذاكرة .. رغم تحذيرات فؤاد بعدم إهدار مدّخراته.
^^^
وفي يوم النتائج .. نجح احمد بتقدير جيد ، دون حمله مواد للسنة الثانية ..
وبدل ان يُهنّئه فؤاد ، قال ساخراً :
- حسناً يا بطل ، أثبتَّ قدرتك على منافسة الصغار.. فتوقف عن دفع الأقساط ، لأنه بجميع الأحوال لن تواصل الدراسة حتى التخرّج
^^^
وعندما أصرّ احمد على تجاهله ، استعمل فؤاد اسلوباً قذراً : وهو نقده امام مدير الجامعة ، مُتهماً اياه بالإهمال في وظيفته .. وترك معظم العمل على عاتقه ، بحجة انشغاله بالدراسة... واقترح على المدير استبداله بحارسٍ آخر
^^^
لكن المدير كان فخوراً بإكمال احمد دراسته !
لهذا استخدم فؤاد طريقةً اخرى : وهي وضع الملح بقهوة المدير بدل السكر ، ونسب الغلطة لأحمد الذي اخذت الدراسة كل تركيزه !
فألحّ احمد على المدير بمراجعة كاميرا المطبخ ، التي أظهرت فؤاد اثناء وضعه الملح!
فصرخ المدير على فؤاد معاتباً :
- هل تعتقد أن الجامعة مكان لتصفية حساباتك الشخصية ؟! كيف سأثق بك بعد اليوم .. من الأفضل ان تحزم اغراضك وتغادر ..
فسارع احمد بالقول :
- أرجوك سيدي ، لا تفصله.. ربما تصرّف بطيش ، لكنه لن يكرّر ذلك.
فاكتفى المدير بتوجيه إنذار إلى فؤاد ، مُحذّراً من تكرار سلوكه المشين
ليخرج فؤاد من المكتب وهو أكثر حقداً على أحمد ، رغم مساعدته بهذه الورطة !
^^^
وصار يتعمّد طريقةً اخرى : وهي تشغيل الموسيقى بمطبخ الجامعة ، لمنع احمد من الدراسة هناك .. مما اجبره على مراجعة دروسه على الدرج رغم برودته ايام الشتاء ، مع اصوات الطلّاب في الممرّات التي تشتّت تركيزه .. ومع ذلك استمرّ بدراسته بصبرٍ ، وأملٍ بمستقبلٍ افضل
***
وذات يوم ، حاولت طالبة التودّد لأحمد .. لكنه تجاهلها ، مُركّزاً في كتابه..
وبعد ذهابها الى القاعة ، نصحه فؤاد :
- انت اصبحت كبيراً ، وعليك التفكير بالزواج .. وتلك الصبية مناسبة لك ، فهي من عائلةٍ فقيرة مثلك .. برأيّ صاحبها ، افضل من ملاحقتك وهمٍ لن يتحقق .. انظر اليّ !! لديّ ثلاثة اولاد ، وأنت ما زلت تركض وراء شهادةٍ جامعية لن تجدي نفعاً عليك ! صدّقني ، احاول نصحك .. لأنك ان تابعت اهمال عملك ، فسيوظفون غيرك
احمد بامتعاض : أرجوك احتفظ بنصائحك لنفسك.. فأنا أعرف مصلحتي جيداً
فؤاد : يا سلام ! يبدو كبر رأسك بعد نجاحك بالسنة الأولى .. كنت اخبرتك سابقاً أنك لن تجد عملاً ادراياً ، بعمرك هذا .. يا رجل ، حتى ثمن روب التخرّج لا تملكه .. فكّر في والدتك وأدويتها الغالية.. أمك أولى بهذا المال من كتبٍ لن تنفعك!
احمد بعصبية : الن تكفّ عن نصائحك المسمومة !! إهتم بغيري ، وفرّغ طاقتك السلبية عليه
فؤاد : طاقتي السلبية ! هذا كلامٌ كبير .. ابدأت تتفلّسف علينا ، ايها المثقف العجوز .. رحم الله والدك الذي ترجّاني لتوظيفك معي بالجامعة
فلم يردّ أحمد عليه ، بل حمل كتبه نحو درَجه المفضّل.. بينما راقبه فؤاد وهو عاجز عن فهم سرّ ارادته الصلبة !
***
بمرور السنوات ، نجح احمد من مرحلةٍ لأخرى .. مواصلاً العمل والدراسة معاً ، الى ان أنهى دراسته الجامعية بنجاح.
وبيوم التخرّج .. راقب فؤاد بامتعاض زميله احمد وهو يستلم شهادته بروب التخرّج ، بينما امه تصفّق له بفخر بين الأهالي ..
وبعد الحفلة .. حاول فؤاد إحراجه وسط الخرّيجين ، بسؤاله الساخر:
- من أين شحذت بدلتك ؟
ثم مضى ضاحكاً
فقال زميله :
- لا تزعج نفسك يا احمد .. فهو يغلي من الغيرة بعد رؤيتك ناجحاً
احمد : لا بأس ، فسمومه لم تعد تؤثّر عليّ .. وأحمد الله ان والدك القاضي ، وافق على توظيفي عنده بشركة المحاماة
صديقه : طبعاً !! فأنا اخبرته عن ذكائك وتفوّقك الدراسيّ ..
احمد : لا اصدق متى يأتي الغد ، لكيّ استقيل من وظيفتي الحالية
^^^
وبالفعل فرح فؤاد بخبر استقالة احمد ، وهو يخبر بقية زملائه ساخراً:
- يظن الغبي انه سيصبح محامياً مشهوراً ، لمجرّد حصوله على الشهادة الورقية ! سيبحث طويلاً قبل ان يعود الينا مذلولاً ، لإعادته حارساً كما كان
***
بعد شهور .. توظف حارسٌ شاب مكان احمد ، فنصحه فؤاد :
- لا تكن غبياً كالحارس السابق وتضيّع وقتك بالدراسة ، فتهمل عملك وتطرد كما حصل مع احمد
فردّ الحارس الجديد :
- أحمد لم يُطرد ! فقد سمعت أن صاحب شركة المحاماة أرسله بمنحة إلى فرنسا على حسابه ، لإكمال دراساته العليا مع ابنه بعد تفوقه الباهر
فؤاد بصدمة :
- فرنسا ! أيعقل أنه ما زال يطارد وهم النجاح ؟!
***
ومرّت السنوات ، بلغ فيها فؤاد سن الستين .. وفي يومه الأخير قبل التقاعد ، استدعاه مدير الجامعة الجديد الى مكتبه
فذهب متثاقلاً ، وهو يقول بنفسه :
((حتماً سيحيلني على التقاعد))
وعندما دخل ، صُدم بوجود أحمد وهو يلبس طقمه الرسميّ ..
ولم يصدق بوجود اسمه على لوحة المكتب ، تحت عنوان : رئيس الجامعة!
فقال بتلعثم :
- مبروك احمد .. أقصد ، مبروك سيدي المدير! اكيد طلبتني الى مكتبك ، لطردي من عملي بعد كبري بالسن
احمد : بل مدّدتُ خدمتك لسنتين إضافيتين ، حتى تُنهي ترتيبات تقاعدك بهدوء.. وبعد قليل سيصل ضيوفي لتهنئتي ، وأودّ منك أن تعدّ لهم قهوتك اللذيذة .. لكن لا تحسب حسابي ، فأنا لا أشرب القهوة كما تعلم
^^^
فخرج فؤاد من المكتب مقهوراً .. وحين مرّ بجانب الدرج ، تأمّل المكان وهو يتذكّر احمد يراجع دروسه باهتمام ، غير آبه باستهزائه وتحبيطه ! بينما أمضى هو سنواتٍ طويلة يُكرّر الوظيفة ذاتها ، رافضاً استغلال الفرص لتحسين حياته .. ولم يكتفي بذلك ، بل حاول إقناع أحمد بفعل الشيء ذاته !
في تلك اللحظة ، لم يشعر فؤاد بالغيرة او الحقد.. بل الحزن العميق على سنين عمره التي أُهدرها بأمورٍ تافهة !
وهنا ادرك بأن الخسارة الحقيقية ليست في البدء متأخراً.. بل الشعور بالندم لعدم المحاولة ، حتى ينفد كل وقتك بالحياة !

هذه القصة حصلت فعلاً في جامعتي .. وكان الحارس الشاب يمتحن معنا بآخر كل مرحلة دراسية .. وكنا نراه دائماً يدرس على الدرج المواجه لمكتب المدير ، لكي يسمعه في حال ناداه لعملٍ ما .. وبعد عشرين سنة ، سألنا عليه .. فعلمنا ان مدير الجامعة اعطاه منحة اكمال دراسته بفرنسا ، وانه اصبح الآن محامياً بشركةٍ معروفة .. بينما زميله الذي سمعناه احياناً ينتقد دراسته .. فهو قارب على سن الإحالة على المعاش ، ومازال لليوم حارساً عادياً بالجامعة
ردحذففارتأيت كتابة قصة الحارسين ، كقصة تحفيزية على النجاح دون الإهتمام بنقد الحاقدين ..
اتمنى ان تعجبكم