تاليف : امل شانوحة
عمّال النور
فجأة ! اختفت اصوات الباعة وخطوات المارّة من الشارع .. فنظرت الصبيّة الى حيث ينظرون بذهول .. فرأت حبالاً تنزل من السماء ، تتحرّك ببطء كأنها تبحث عن ارواحٍ مختارة !
بينما سكّان الطوابق العليا يحاولون إمساكها ، دون جدوى
وبغير وعيٍّ منها ، رفعت يدها .. لتسارع إحدى الحبال بالإلتفاف حول معصمها ، قبل سحبها بسرعةٍ مهولة نحو السماء .. وسط ذهول من حولها!
استيقظت الصبية مرتعبة ، وهي تقول :
- لا ! ليس ثانيةً
فهو حلمٌ تكرّر معها اكثر من مرة ، جعلها تبحث بالإنترنت عن معناه .. لتصلها اجابةٌ غامضة من احدى الجمعيات :
((طالما شاهدت حلم الحبال ، فأنت مُكلّفة بمهمّةٍ سامية.. إنضمّي الى جمعيّة عمّال النور ، لاكتشاف واجبك النبيل))
^^^
ولأن عنوان الجمعية في منطقتها ، توجهت اليهم .. لتعطيها رئيسة الجمعية ورقةً مطبوعة ، وهي تقول :
- صحيح اننا نعاني من البشر المُتشيّطنين ، لكن هناك ايضاً ملائكة بشريين يسمّون بعمّال النور .. وهم لا يعيشون حياةً روتينية كبقيّة البشر ، بل لديهم مهمّة رئيسية في الحياة ، قد تكون احدى المهام 12
فقرأت الصبية المهام على عجل ، والتي تتضمّن : ((محاربة الجهل ، الشفاء الجسدي ، الدعم النفسي ، ارشاد ونصح الآخرين ، المساعدات المالية ، وقف النزاعات ، تعليم طرق تطوير الذات ، استخدام الفنون والكتابة لإلهام الناس ، التنظيف الطاقي ، تطهير الروح من الطاقات السلبية ، مقاومة الظلم بطرقٍ سلميّة ، ونشر الحب والرحمة))
فوقفت الصبية وهي تقول :
- لا ! انا فتاةٌ انطوائية ، ولا املك هذه الشروط .. وليس هناك اشرار في عائلتي .. ربما ما شاهدته ، كان اضغاث احلام
وخرجت على عجل ، دون سماع المزيد من اقول رئيسة الجمعية التي أخبرتها سكرتيرتها :
- جميع اعضائنا رفضوا ادوارهم في البداية ، لكن الدنيا علّمتهم : أن الله يختار اقوى جنوده لأصعب المهام.. لا تقلقي ، ستعود الينا لاحقاً
***
في الليلة التالية ، شاهدت المنام ذاته .. لكن هذه المرة ، رأت خالتها فوقها على الحبل وهي تحاول قطعه بالسكين
فصرخت الصبية بفزع :
- لما تحاولين ايقاعي ، يا خالتي ؟!
فردّت بلؤم : لأنك العقبة الوحيدة امام شرّي !!
استيقظت الصبية مُتعرّقة ، وهي تتذكّر مصائب الأقارب من طلاقاتٍ وقطيعة وفشلٍ متكرّر .. فتساءلت بقلق :
- هل يُعقل أن تكون خالتي وراء كل ذلك ؟!
***
فذهبت لمواجهتها ، وإخبارها بمنامها المُتكرّر..
فكانت ردّة فعل خالتها غريبة ! فهي لم تنكر شيئاً ، ولم تعترض على شكوكها فيها ! بل اكتسى وجهها عبوساً مخيفاً ، كأنها تُخطط لشيءٍ ماكر
ونظرتها الغامضة ، أشعرت الفتاة أنها قالت اكثر مما يجب ! فسارعت الخروج من منزلها ، قبل أن تُهان بالطرد المُذلّ
^^^
بعدها اتصلت برئيسة الجمعية لإخبارها بما حصل ، فعاتبتها قائلةً :
- اخطأتي بمواجهتها .. الآن تأكّدت انك من عمّال النور ، وأصبحتي من أولويّاتها !
الصبية بخوف :
- وماذا عليّ فعله ؟
- ايّاكِ نسيان اذكار الصباح والمساء ، والمعوّذات كل يوم .. (ثم تنهّدت بقلق).. كان الله في عونك على مصائبك القادمة .. تحلّي بالصبر ، الى ان ينصرك الله عليها
***
ومنذ تلك اللحظة.. انهارت حياة الصبية خلال الشهور التالية ، من الناحية الصحية والنفسية والدراسية .. مع تكرار رفضها من رؤساء العمل ، دون تبرير ذلك .. وتراجع العرسان عن خطبتها باللحظة الأخيرة .. وانقلاب الأقارب عليها وقطيعتهم لها ، بسبب ترويجها لإشاعاتٍ لم تقلها ! عدا عن الحشرات التي انتشرت في منزلها دون سببٍ واضح .. والكوابيس التي زادت رعباً كل ليلة !
فحاولت إقناع نفسها ، بأنها مجرّد مصادفاتٍ نحسة .. لكن الشكوك في قلبها لم تهدأ يوماً !
والأسوء انه ليس لديها دليلٌ ملموس على امتهان خالتها السحر ، سوى الرؤى الواضحة التي شاهدتها عنها ! مع رفض الأقارب اتهامها بالشرّ ، خصوصاً لظهورها بهيئة المرأة الورعة الصالحة !
لهذا لم يكن امامها سوى متابعة نصيحة جدها (والد خالتها) بقراءة سورة الزلزلة كل ليلة اقل من عشر مرات ، بنيّة التخلّص من شرورها
ومع زيادة المصائب ، لم تتحوّل الصبية إلى بطلةٍ خارقة.. لكنها واجهت قدرها بهدوءٍ وثباتٍ وإيمان ، رافضةً الإنكسار والهزيمة
***
وبالفعل ، استيقظت بأحد الأيام على خبر نقل خالتها الى المستشفى بعد احتراق منزلها !
فسارعت بزيارتها ، لنصحها بالتوبة :
- رجاءً خالتي ، دعينا ننسى كل ما حصل سابقاً .. فأنت تعانين الآن من حروق الدنيا ، فكيف بعذاب الآخرة ؟ توبي الى الله ، قبل فوات الأوان
فأجابت الخالة باعترافٍ صادم:
- كان نورك مزعجاً لي ، منذ صغرك.. لذا أطلقت عليك الإشاعات ، لتقليل قيمتك بين الأقارب .. وحاولت بقدراتي الخارقة إظهارك قبيحة بعيون العرسان ، ونجحت بحرمانك من الزواج والخِلفة .. وسعيت بكل طاقتي لعدم استفادتك من شهادتك بأيّةِ وظيفة ..
الصبية بصدمة : ولما كل هذا الحقد ؟!
- لأن هناك من يكافئني على التخلّص من امثالك.. وكنت على وشك تدميرك، لولا منامك الذي ايقظك على مهمّتك بالتخلّص مني .. وهاهي ادعيتك ، نالت مني .. لكني قريباً سأفوز ب..
وقبل اكمال تهديدها الغاضب ، ارتفع رنين جهازها الذي أعلن اصابتها بسكتةٍ قلبية ، جعلت الأطباء يسارعون لصعقها كهربائياً .. ثم اعلان وفاتها ذلك الصباح
***
ظهراً ، توجهت الصبية مع بقية اقاربها للمقبرة .. ليتفاجأ الجميع بنارٍ تخرج من قبرها فور دفنها !
وكان بإمكان الصبية فضحها ، لكن بعض الذنوب يُفضّل كتمانها
وبعد رحيل الجميع .. جلست الصبية امام قبرها ، تقول :
- سامحتك يا خالتي ، ليس لأنني ملاك .. بل كرهاً من اجتماعي معك في الآخرة ، يوم يلتقي الخصوم .. بالنهاية ربنا عادل ، وهو سيتكفّل بعقابك
ثم نظرت للسماء وهي تتساءل ان كانت سترى منام الحبل مجدداً .. فبعض المعارك تنتهي ، لكن أثرها يدوم طويلاً !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق