الثلاثاء، 28 أبريل 2026

الغرفة التاسعة

تأليف : امل شانوحة 

العقل المُستعار


رغم انه طبيبٌ مُستجدّ ، الا ان ثقته فاقت زملائه بعد اختراعه المميّز الذي جعله يعقد جلسة علاجٍ جماعيّ لثمانية مرضى من الحالات المُستعصية 


وابتدأ حديثه بغرورٍ وغطرسة : 

- لن احاول اقناعكم بالشفاء ، كعلاج زملائي التقليديّ .. بل سأقتلع علّتكم من جذورها ، وفي وقتٍ قياسيّ 


ثم اقنعهم بارتداء خوذاتٍ إلكترونية ، مُتصلة بخوذته.. مع اسلاكٍ تمتدّ بينها ، كأنها جهازٌ عصبيّ مُوحّد !

*** 



وبدأت تجربته مع المريض الأول الذي اكتشف طبيبه بأن عقله أشبه بغرفةٍ مُتآكلة الجدران ، مع هواءٍ ثقيل يصعب تنفسه.. بالإضافة لظلالٍ غامضة تحوم حوله .. وهو يستمع لهمّهماتها وهمساتها وهي تشير نحوه ، كأنها تتحدّث بالسوء عنه !


وأجواء الغرفة المُستفزّة ، جعلت الطبيب يشعر بأوهامٍ لا وجود لها ! لدرجة منعته من التمييز بين الواقع والخيال.. كما شعر بانقباض قلبه من مراقبة الظلال لكل حركاته ! 


فحاول تجاهلها .. بحثاً عن مذكّرات المريض التي وجد صفحاتها مُهترئة ، مكتوباً فيها :

((لما لا يدعونني وشأني ؟!))

فقال الطبيب : انه مريض الفصام ، كما توقعت


ثم توجه ناحية نافذة الغرفة ، وفتحها على مصراعيها .. 

ليدخل النور لأول مرة منذ سنوات ، جعلت الظلال تتلاشى كالغبار ! ماعدا الظلّ الأخير الذي اقتحم جسده ، واستقرّ فيه !


ورغم الصدمة ! الا انه تجاهل الأمر .. مُنتقلاً لغرفة المريض الثاني

***


والتي وجدها نظيفة ومثالية اكثر من اللزوم .. ومع ذلك شعر برغبةٍ مُلحّة لإعادة ترتيبها ! 


الا انه سيطر على حماسه ، للبحث عن مذكّرات المريض الذي كتب فيها :

((ان لم ارتبها مراراً ، فشيءٌ سيء سيحدث لي))

فقال الطبيب مبتسماً :

- طالما يعاني من الوسّواس القهري ، سأتعمّد استفزاز عقليّته المريضة


وبدأ ببعثرة الكتب فوق السرير الذي جعّد بطانيّته ، ساكباً الماء فوق السجّاد 

وما ان فعل ذلك ، حتى اهتزّت الجدران كأنها زلزال .. قبل ان يهدأ كل شيء !


ورغم انتصاره على وسّوسة المريض .. الا انه خرج من الغرفة وهو ينفض الغبار عن روبه الأبيض مراراً وتكراراً .. وهي حركة لم يفعلها من قبل ! 

***


وعندما دخل لعقليّة المريض المصاب بالتوتّر المرضي .. وجد غرفته اشبه بمكتبٍ للأبحاث الجنائية .. فورق الملاحظات والتحذيرات والرسوم التوضيحيّة تملأ جدرانه الأربعة ، كأنه يتوقع حصول خطر او كارثة بشكلٍ دائم ! 


وهنا شعر الطبيب بإحساس المريض بعد تسارع قلبه ، وزيادة تعرّقه .. مع رجفة اطرافه ، من فرط القلق الغير مبرّر ! 

فقال بشفقة :

- كيف يمكن لإنسان ان يعمل او ينام بهذا الجوّ المشحون ؟! 


وفجأة ! ارتفع رنين ساعة الحائط التي زوّدت توتّر الطبيب .. ودون تفكير منه ، رمى حذائه عليها .. مُبعثراً اجزائها المُحطّمة وسط الغرفة !  


وبعدها عثر على دفتر المريض المليء بشكوكه التي تبدأ دائماً بعبارة : 

((ماذا لو حصلت مصيبة ؟.. ماذا لو كارثة وقعت قريباً ؟.. ماذا لو متّ قبل اواني .. انا خائفٌ جداً))


وهذا التوتّر المتصاعد ، أجبر الطبيب على إزالة وتمزيق جميع الملاحظات عن جدران الغرفة التي عادت طبيعية من جديد .. 


ومع ذلك خرج من الغرفة ، وهو يتساءل :

- ماذا لوّ كانت شكوك المريض صحيحة ، بشأن كارثةٍ ستحصل قريباً؟ 


ثم قاطع نفسه ، بضيق :

- مالذي اقوله ؟! لأذهب وأُشغل نفسي بالغرفة التالية ، قبل ان يتملّكني وساوس مرضه

***


في الغرفة الرابعة ، وجد عباراتٍ متناقضة مكتوبة على جدرانها ! 

((أحبهم.. أكرههم جميعاً .. كنّ اجتماعياً .. إنزوي عن العالم .. ))


وهذا التناقض ، أثّر على نفسيّة الطبيب الذي شعر برغبة الإقتراب… ثم الإبتعاد !

فقال بنفسه بانزعاج :

- يبدو ان مرضه مُعدياً ! سأفتح دفتره اللعين ، لفهم علّته :

((ارغب بالثبات وتحديد قراري .. لكني لا استطيع !))


فقال الطبيب بشفقة : المريض يعاني من تقلباتٍ حادة في المزاج والعلاقات.. وربما خوفه الشديد من الهجر ، جعل لديه اندفاعية في السلوك.. لهذا كتب عبارات الإنتحار على جدرانه ! .. ولولا اختراعي المميز ، لاحتاج سنواتٍ طويلة من العلاج .. لكني سأحل مشكلته بدقائق معدودة 

ثم بدأ بمسح العبارات المتناقضة عن الجدران .. 


وبعد انتهائه ، وجد عبارة مكتوبة حديثاً :

((هل انا مريض ام دكتور ؟!))

وكانت بخط يد الطبيب ، مما ارعبه لعدم تذكّر كتابتها !

وبدل مسحها ، سارع الخروج من الغرفة الغريبة  

***


اما الغرفة الخامسة : فامتلأت بشاشات الحواسيب وكاميرات المراقبة في كل ركنٍ وزاوية ، أشعرت الطبيب بانفضاح افكاره واحاسيسه ! 


وهذا ما اكّدته مذكّرات المريض :

((الجميع يراقبني .. احتاج بعض الخصوصية .. لما لا يفهمون ذلك؟!)) 


الطبيب : هو يعتقد ان الجميع يريد ايذائه .. لا ادري ما حصل له ، جعله يفقد الثقة بالآخرين .. ولست بحاجة لمعرفة ماضيه ، يكفي ترتيب غرفته .. او بالأصح : ترميم عقله المُضّطرب   


وبدأ بإطفاء الحواسيب ، وكسر جميع عدسات الكاميرات .. 

ومع ذلك استمرّ شعوره بأنه تحت المراقبة ، اثناء خروجه من الغرفة !

***


الغرفة السادسة ، كان فيها فوضى مسلّية نوعاً ما .. فهي مليئة بالألوان المبهجة والكتب المصوّرة والألعاب .. كل شيءٍ فيها جذّاب ويثير الإنتباه اليه !


جعلت الطبيب في حيرةٍ مُربكة بعد تضييع وقته بتصفّح الكتب النادرة ، والتسلّي بالألعاب الذكيّة ، ومشاهدة الصور المتنوعة هناك .. قبل انتباهه لما يحصل له ، خصوصاً بعد قراءة مذكّرات المريض:

((لا اعرف من اين ابدأ ، فكل شيءٍ يثير اهتمامي))


الطبيب : لا غرابة ان المريض لديه قلّة انتباه وتشتّت مع فرط نشاطٍ واندفاع ، أدّت لصعوبة في إكمال مهامه أو تنظيم وقته ، وكل ذلك أثّر سلباً على دراسته وعمله وعلاقاته الإجتماعية .. اذاً ليس امامي سوى تنظيم غرفته بدقة وحذر


ثم جمع الكتب والألعاب الغير مهمين في صناديق ، اخفاهم داخل الخزانة .. ولم يترك له سوى الكتب والأبحاث الدراسية  

الطبيب : قريباً ستتحسّن نفسيّته ، بعد ادراك اولويّاته في الحياة .. والآن لأنتقل الى الغرفة التالية


ورغم فرض الطبيب نظاماً قاسياً في الغرفة ، الا ان عقله ظلّ مُشتّتاً بين فكرةٍ وأخرى .. جعلته يُسارع الخروج من الغرفة

***


الغرفة السابعة : كان نصفها مضاءً ، ونصفها ظلام ..

وما ان يقف الطبيب بالجهة النيّرة ، حتى يشعر بطاقة ونشاطٍ هائل .. لكن فور انتقاله للجهة الأخرى ، يجد صعوبة بالتحرّك او التقاط انفاسه ، كأنه انطفأ فجأة ! 


وما كتبه المريض بمذكّراته ، يُطابق الشعور الذي أحسّه الطبيب ..

فقد ذكر بإحدى اوراقه : مدى سعادته ، وقدرته على تغيير العالم .. بينما في صفحاتٍ اخرى : يتمنى الموت ، لأن لا شيء يستحق العيش لأجله !


الطبيب : ثنائي القطب ، ياله من مرضٍ مزعج .. ولولا اختراعي ، لعاش طوال حياته على ادوية مُثبّتات المزاج .. لكني سأحلّ مشكلته في الحال 


واستبدل الإنارة المُعطّلة بمصباحٍ يضيء الغرفة بأكملها ، التي رتّب الجزء الفوضوي منها ، لجعلها غرفة منظمة وموحّدة 

ومع ذلك خرج منها وهو يشعر بانقسامٍ في داخله !

***


الغرفة الثامنة : كانت مُطلية باللون الرمادي ، مع هواءٍ كاتمٍ للأنفاس .. حيث شعر الطبيب بأن كل حركة فيها ، بلا معنى او هدف !

فتنهّد الطبيب بضيق : انه مرض العصر .. الإكتئاب 


وهذا ما اكّدته مذكّرات المريض :

((لا اشعر بشيء .. حتى اوجاعي لا تؤلمني !))


الطبيب بتعب : عليّ انهاء مهمتي سريعاً ، فغرفته تُشعرني بحزنٍ مباغت .. مع فقدان اهتمامي بمرضايّ ، واحساسي بالذنب وانعدام القيمة ! لا غرابة ان عقدته النفسيّة أثّرت على جوّدة حياته


ثم سارع بفتح النافذة التي اضاءت الغرفة ، الا ان ضوء الشمس لم يصله .. بل ازداد وجهه شحوباً ، كأن الفراغ ابتلع كيانه.. حتى رغبته بإنهاء تجربته العلاجية ، اختفت فجأة !

ومع ذلك جاهد نفسه بخطواتٍ ثقيلة للخروج من الغرفة التي لم تسحب طاقته فحسب ، بل تلاشت فيها غطرسته بالكامل ! 

*** 


في الخارج ، لم يجد قاعة العلاج الجماعي .. بل ممرّات وسلالم بلا نهاية! 

فحاول تذكّر طريقة انهاء تجربته ، لكن افكاره تلاشت بالظلام ! 

وبدأ شيئاً فشيئاً يشعر بالضياع والتشتّت .. سرعان ما تحوّل لخوف ، بعد ملاحقته من قبل الظلال المُتكلّمة وكاميرات المراقبة التي ظلّ يهرب منها ، الى ان خارت قواه .. ويسقط في ممرٍّ طويل دون حراك ، بعد تبلّد تفكيره !

***


بهذه الأثناء .. هلّل المرضى الثمانية فرحاً بعد ازالة خوذاتهم ، وهم يشعرون باستقرار عقولهم ، عقب صمت الأصوات المزعجة واختفاء رعشاتهم وشكوكهم .. كأنهم عادوا اصحّاءً من جديد ! 


وصرخاتهم السعيدة ، جذبت مدير المشفى النفسي الذي دخل قاعتهم: 

فتجمّعوا حوله وهم يخبرونه بحماس عن نجاح الطبيب الجديد في علاجهم ، وعن رغبتهم بالعودة لحياتهم السابقة ! 


وحينما اراد تهنئة الطبيب المُستجدّ .. وجده جالساً على كرسيه ، بعينين مفتوحتين دون حياة !  

ولم يتمكّن من تحريكه ، رغم ازالة الخوذة عن رأسه ! 

^^^


مما اجبر المدير على لبس الخوذة الثانية ، لاقتحام عقل الطبيب ومعرفة مشكلته :

ليجد نفسه في غرفة تحمل الرقم تسعة :

عبارة عن غرفةٍ بيضاء ، فارغة من الأثاث .. حيث يجلس الطبيب في وسطها دون حراكٍ او تفكيرٍ او شعور .. كأن روحه توزّعت بين الغرف الثمانية !


كما لم يجد المدير مذكّرات الطبيب في ارجاء الغرفة ، التي يُفترض انه دوّن عليها افكاره وهمومه !

ومع ذلك حاول تحريك اطرافه بكل الطرق ، دون فائدة .. بعد انعدام استجابته لجميع المؤثرات الخارجية ! 

^^^


وهنا ازال المدير الخوذة عن رأسه ، وهو يشعر بالشفقة على الطبيب الشاب .. فسأله مساعده :

-  مالذي اصابه ؟

المدير بحزن : تعرّض لأصعب الأمراض النفسية .. كتاتونيا 

المساعد بقلق : أتقصد انه تحوّل لجمادٍ دون روح ؟!

المدير : يبدو ان علاجه للكثير من الأمراض النفسية بجلسةٍ واحدة ، أضرّ بسلامة عقله .. البطل !! فدا بنفسه لعلاج مرضاه 

^^^


ثم امر بوضع الخوذات الإلكترونية في المستودع .. لا ، لأن التجربة فشلت .. بل لأنها نجحت اكثر من اللزوم .. 

اما الطبيب الشاب : فأمر بنقله الى غرفةٍ انفرادية ، لأنه لم يعد له وجود بالحياة .. بعد أن صار عقله مُستعاراً ، يعيش به الآخرون حياتهم الجديدة !


هناك تعليق واحد:

الغرفة التاسعة

تأليف : امل شانوحة  العقل المُستعار رغم انه طبيبٌ مُستجدّ ، الا ان ثقته فاقت زملائه بعد اختراعه المميّز الذي جعله يعقد جلسة علاجٍ جماعيّ لثم...