تأليف : امل شانوحة
النسخة الوحيدة
كان رجلٌ عقلاني إلى حدّ القسوة .. لكنه بالحقيقة ضحيّة عائلةٍ مثاليّة من الخارج ، وعواطف شحيحة من الداخل
فرغم ان والديه لم يتشاجرا يوماً ، الا انهما لم يتحابا ايضاً !
فهو عندما شعر بالقهر أول مرة ، اخبره والده بحزم :
- الرجال لا تبكي
فابتلع دموعه !
وعندما انكسر قلبه من علاقةٍ بريئة في مراهقته ، إكتفت امه بالقول :
- البحر مليءٌ بالأسماك .. ستجد غيرها !
فكبر وهو يراقب المشاعر من بعيد .. يفهمها جيداً ، دون الإحساس بها !
***
ببلوغه سن الشباب .. اصبح ماهراً بالتلاعب بالفتيات ، واصطياد قلوبهن بالإنترنت .. يُغريهن بجماله ووسامته .. ويُغرقهن باهتمامه ومديحه الجذّاب
وفور تعلّقهن به ، يتركهن ببرودٍ دون تقديم مبرّراتٍ لانفصاله المفاجئ .. فرؤيتهن يترجّين عودته ، يُعد انتصاراً بالنسبة له
واستمرّ بلعبته المفضلة في وقت فراغه.. الى ان التقى بفتاةٍ تبدو ساذجة ، لعدم خبرتها بالرجال .. فهي مؤدبة ومنعزلة عن العالم
((تبدو فريسةً سهلة))
هذا ما قاله في نفسه ، قبل مطاردتها باهتمامه الزائد .. الى ان جعلها تتعلّق به ، كما فعل بالأخريات
ومع الوقت ، استشعر شيئاً مختلفاً يصعب تفسيره ! فنقاء قلبها وصدقها وعاطفتها الجيّاشة ، اربكت حساباته العقليّة.. فهي احبته بصدقٍ دون حذرٍ او تكلّف..
لهذا استعجل الرحيل ، لكن هذه المرة لم يشعر بالإنتصار!
^^^
ولكيّ ينكر تأثيرها عليه ، وسّع دائرة معارفه.. ليلاحظ أن شيئاً مازال مفقوداً ! فهو يبحث عنها في علاقاته الأخرى : طريقة كلامها ، خفّة دمها الطفوليّة ، وبراءتها الغير مصطنعة !
ورغم كثرة الجميلات حوله ، الا ان الفراغ بداخله يكبر كل يوم ! كأن العالم لا يملك نسخةً ثانيةً عنها
***
وبمرور السنوات ، زاد شعوره بالملّل .. ولم تعد النساء يُثرن اهتمامه ..
انعزل عن العالم .. لكن تأنيب الضمير لم يرحمه .. ففي كل مساء ، يسترجع عقله حواراته مع الفتاة البريئة ، كأنها محاكماتٍ لا تنتهي !
***
بالنهاية انهارت مقاومته بعد توجهه لخيمة بصّارة امام الشاطئ ، للسؤال عن حبيبته .. وهذا بحدّ ذاته هزيمةً له ، فهو لم يصدّق يوماً بالروحانيّات !
داخل الخيمة ، وخلال خلطها اوراق التاروت .. سألته باهتمام :
- هل ستصدّق كل ما اقوله لك ؟
فأراها صورة حبيبته على جواله :
- اخبريني كل شيءٍ عنها .. هل وجدت غيري بسنوات انفصالي عنها ؟
فرفعت البصّارة صورة شاب من اوراق التاروت ، وهي تومئ برأسها ايجاباً :
- نعم !! وجدت فارس احلامها
فطأطأ رأسه ألماً :
- وهل يعاملها جيداً ؟
- كجوهرةٍ نادرة ، لا معركة يتوجب الإنتصار عليها
فأخذ نفساً ثقيلاً ، قبل ان يسألها :
- الا تتذكّرنني مطلقاً ؟
البصّارة : بلى .. كأسوء تجربة في حياتها
فمسح دمعته على عجل :
- لقد اذيت قلبها ، اليس كذلك ؟
فرفعت ورقة مرسوماً فيها ، قلبٌ مطعون بثلاثة سيوف :
- كسرتها من الداخل .. وأفقدتها الثقة بالحب ، بعد تدمير شعورها بالأمان
فقال بصوتٍ منخفض :
- لم اعرف كيف اتعامل مع حبها الصادق !
البصّارة : ذنبك كبير ..
مقاطعاً بعصبية : بل ذنب اهلي !! لم يربوني على الحب يوماً .. لهذا لم استوعب أنها الفتاة التي دعيت ربي طوال حياتي للقائها !.. (ثم تنهّد بضيق) .. الا توجد طريقة لاسترجاعها ؟
فرفعت كرتاً آخر فيه ، صورة عروس :
- للأسف لا.. فهي تستعدّ لزفافها القريب
فسكت مطوّلاً ، قبل ان يسألها بحزن :
- هل سأجد حباً آخر في حياتي ؟
فخلطت الأوراق جيداً ، قبل ان تقع احداها على طاولتها :
- ستقابل نساءً كثيرات ، دون ايجاد شبيهتها.. فالنسخ الأصلية ، نادرة في حياتنا .. ولم يبقى امامك سوى التعايش مع النسخ المُكرّرة
فخرج من خيمتها وهو يشعر بثقلٍ في قلبه .. وتوقف عند الشاطئ ، صارخاً بكل ما أوتيّ من ندم .. صرخةً ابتلعتها الأمواج ، ولم تصل لحبيبته أبدا !

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق