الخميس، 30 أبريل 2026

حب لا يتكرر

تأليف : امل شانوحة 

النسخة الوحيدة


كان رجلٌ عقلاني إلى حدّ القسوة .. لكنه بالحقيقة ضحيّة عائلةٍ مثاليّة من الخارج ، وعواطف شحيحة من الداخل 

فرغم ان والديه لم يتشاجرا يوماً ، الا انهما لم يتحابا ايضاً ! 


فهو عندما شعر بالقهر أول مرة ، اخبره والده بحزم :

- الرجال لا تبكي 

فابتلع دموعه !


وعندما انكسر قلبه من علاقةٍ بريئة في مراهقته ، إكتفت امه بالقول :

- البحر مليءٌ بالأسماك .. ستجد غيرها !


فكبر وهو يراقب المشاعر من بعيد .. يفهمها جيداً ، دون الإحساس بها !

***


ببلوغه سن الشباب .. اصبح ماهراً بالتلاعب بالفتيات ، واصطياد قلوبهن بالإنترنت .. يُغريهن بجماله ووسامته .. ويُغرقهن باهتمامه ومديحه الجذّاب 

وفور تعلّقهن به ، يتركهن ببرودٍ دون تقديم مبرّراتٍ لانفصاله المفاجئ .. فرؤيتهن يترجّين عودته ، يُعد انتصاراً بالنسبة له 


واستمرّ بلعبته المفضلة في وقت فراغه.. الى ان التقى بفتاةٍ تبدو ساذجة ، لعدم خبرتها بالرجال .. فهي مؤدبة ومنعزلة عن العالم 

((تبدو فريسةً سهلة))

هذا ما قاله في نفسه ، قبل مطاردتها باهتمامه الزائد .. الى ان جعلها تتعلّق به ، كما فعل بالأخريات 


ومع الوقت ، استشعر شيئاً مختلفاً يصعب تفسيره ! فنقاء قلبها وصدقها وعاطفتها الجيّاشة ، اربكت حساباته العقليّة.. فهي احبته بصدقٍ دون حذرٍ او تكلّف.. 

لهذا استعجل الرحيل ، لكن هذه المرة لم يشعر بالإنتصار!

^^^


ولكيّ ينكر تأثيرها عليه ، وسّع دائرة معارفه.. ليلاحظ أن شيئاً مازال مفقوداً ! فهو يبحث عنها في علاقاته الأخرى : طريقة كلامها ، خفّة دمها الطفوليّة ، وبراءتها الغير مصطنعة ! 

ورغم كثرة الجميلات حوله ، الا ان الفراغ بداخله يكبر كل يوم ! كأن العالم لا يملك نسخةً ثانيةً عنها 

***


وبمرور السنوات ، زاد شعوره بالملّل .. ولم تعد النساء يُثرن اهتمامه .. 

انعزل عن العالم .. لكن تأنيب الضمير لم يرحمه .. ففي كل مساء ، يسترجع عقله حواراته مع الفتاة البريئة ، كأنها محاكماتٍ لا تنتهي !

***


بالنهاية انهارت مقاومته بعد توجهه لخيمة بصّارة امام الشاطئ ، للسؤال عن حبيبته .. وهذا بحدّ ذاته هزيمةً له ، فهو لم يصدّق يوماً بالروحانيّات !


داخل الخيمة ، وخلال خلطها اوراق التاروت .. سألته باهتمام :

- هل ستصدّق كل ما اقوله لك ؟

فأراها صورة حبيبته على جواله :

- اخبريني كل شيءٍ عنها .. هل وجدت غيري بسنوات انفصالي عنها ؟


فرفعت البصّارة صورة شاب من اوراق التاروت ، وهي تومئ برأسها ايجاباً : 

- نعم !! وجدت فارس احلامها

فطأطأ رأسه ألماً :

- وهل يعاملها جيداً ؟

- كجوهرةٍ نادرة ، لا معركة يتوجب الإنتصار عليها


فأخذ نفساً ثقيلاً ، قبل ان يسألها :

- الا تتذكّرنني مطلقاً ؟

البصّارة : بلى .. كأسوء تجربة في حياتها

فمسح دمعته على عجل :

- لقد اذيت قلبها ، اليس كذلك ؟

فرفعت ورقة مرسوماً فيها ، قلبٌ مطعون بثلاثة سيوف :

- كسرتها من الداخل .. وأفقدتها الثقة بالحب ، بعد تدمير شعورها بالأمان

فقال بصوتٍ منخفض :

- لم اعرف كيف اتعامل مع حبها الصادق !

البصّارة : ذنبك كبير ..

مقاطعاً بعصبية : بل ذنب اهلي !! لم يربوني على الحب يوماً .. لهذا لم استوعب أنها الفتاة التي دعيت ربي طوال حياتي للقائها !.. (ثم تنهّد بضيق) .. الا توجد طريقة لاسترجاعها ؟

فرفعت كرتاً آخر فيه ، صورة عروس :

- للأسف لا.. فهي تستعدّ لزفافها القريب


فسكت مطوّلاً ، قبل ان يسألها بحزن :

- هل سأجد حباً آخر في حياتي ؟

فخلطت الأوراق جيداً ، قبل ان تقع احداها على طاولتها : 

- ستقابل نساءً كثيرات ، دون ايجاد شبيهتها.. فالنسخ الأصلية ، نادرة في حياتنا .. ولم يبقى امامك سوى التعايش مع النسخ المُكرّرة 


فخرج من خيمتها وهو يشعر بثقلٍ في قلبه .. وتوقف عند الشاطئ ، صارخاً بكل ما أوتيّ من ندم .. صرخةً ابتلعتها الأمواج ، ولم تصل لحبيبته أبدا !


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حب لا يتكرر

تأليف : امل شانوحة  النسخة الوحيدة كان رجلٌ عقلاني إلى حدّ القسوة .. لكنه بالحقيقة ضحيّة عائلةٍ مثاليّة من الخارج ، وعواطف شحيحة من الداخل  ...