الاثنين، 20 أبريل 2026

البرنامج الإجباري

تأليف : امل شانوحة 

طلّاب العزلة


بعد انتهاء جائحة كورونا ، لم تعد الحياة إلى طبيعتها في السكن الجامعيّ.. فالطلّاب رفضوا الخروج من غرفهم ، او الإلتقاء بأصدقائهم .. فهم لم يعودوا بحاجة لرؤية العالم ، طالما كل شيء يصل اليهم : سواءً الدراسة اون لاين ، او توصيل طلبيّات طعامهم وحلوياتهم (الدليفري) .. وفي حال شعروا بالملّل ، يتابعون العاباً الكترونيّة مع اصدقاءٍ إفتراضيين !

حتى طلّاب الطابق نفسه ، لم يعرفوا بعضهم .. لهذا لم يحزنوا على وفاة احدهم بعد سهره ثلاث ليالٍ متواصلة ، بمشاهدة افلامٍ متتابعة .. إذّ لم يكن بالنسبة لهم سوى اسم مستخدم توقف عن الظهور!   

***


وفي إحدى الليالي .. ظهر إعلانٌ غريب على جميع حواسيب المبنيين التابعين لطلّاب وطالبات نفس الجامعة :

فيه عرض لجدولٍ إلزاميّ ، جاء كالتالي : 

- ممنوع السهر بعد الساعة 8 مساءً 

- الإستيقاظ 7 صباحاً

- وبعدها ستُجبرون على ساعة ، للركض او المشيّ حول حديقة الجامعة

- كما منعنا العاملين في الجامعة على توصيل الطعام الى غرفكم .. وحدّدنا الفطور عند الساعة 9 صباحاً في كافتيريا الجامعة .. مع اغلاق البوّابة الرئيسية ، لعدم شرائكم من المطاعم الخارجيّة 

- لا دراسة اون لاين بعد اليوم .. والمحاضرات فقط ، داخل القاعات

- سنسمح لكل طالب باختيار إحدى النشاطات : سواءً رياضيّة او فكريّة او فنيّة .. وممنوع التغاضي عن هذه النقطة .. حيث ستُحسب علامات الأنشطة ضمن شهادتكم النهائية 

- تحذير : من يستهين بالجدول الإلزاميّ ، سيُعاقب بعنف !! 


الا ان معظم الطلّاب تجاهلوا هذا الإشعار ، متابعين العابهم او محاداثاتهم على الإنترنت طوال الليل

*** 


في اليوم التالي ، إنتشر فيديو بينهم : عن شابٍ يُسحب بعنف الى مسبح الجامعة.. وهو يحاول المقاومة ، والصراخ بعلوّ صوته .. اثناء إغراق رأسه في الماء ، من رجلٍ مُقنّع يهدّده قائلاً : 

- امّا ان تلتزم ببرنامج الجامعة ، او تغرق الآن !!

ولم يخرج الشاب من المسبح ، الا بعد وعده باكياً ! 


ورغم قساوة الفيديو ، لكن بعض الطلّاب رفضوا تصديقه .. واستمرّوا بعنادهم ، حتى صُدموا بانقطاع الإنترنت مساءً .. تبعه انقطاع الكهرباء عند الساعة 8 تماماً !

وبسبب انغلاق ابوابهم آلياً ، لم يكن امامهم سوى الإستسلام للنوم باكراً في غرفهم المظلمة 

*** 


ومع الأيام ، بدأ الجدول يُفرض بالقوة .. خصوصاً بعد تركيب المقنّع المجهول لأجهزة حول المبنيّن السكنيّن ، تمنع وصول ارسال جوالات الطلاّب الى خارج الجامعة ! ليصبحوا داخل معتقلٍ قسريّ ، بعيداً عن اهاليهم .. الى حين قدومهم لحفلة التخرّج 


وبسبب منع ذلك المقنّع وصولهم لطابق الإدارة ، للإعتراض عمّا يحصل معهم .. إلتزموا جبراً بأوامره ، تحت تهديد سلاحه الذين لا يعرفون ان كان حقيقياً ام مزيفا 

***


ومع الوقت .. تحوّل غضبهم لنشاطٍ جسديّ ، بعد ان اوشكت عضلاتهم على الضمور امام شاشاتٍ أضعفت بريق أعينهم ! 

لكن خطواتهم الآن ، باتت تُسمع في حديقة الجامعة .. كما عادت أصواتهم الى القاعات الدراسيّة ، مع ان شرح الأساتذة عُرض على الشاشات العملاقة دون حضورهم !  


بالإضافة لاستعادة الطلّاب حيويّتهم البدنيّة والفكرية بعد التزامهم بالنشاطات الإجبارية ، رغم تدرّبهم بمفردهم تحت مراقبة المقنّع المسلّح من المدرّجات !

***


لكن المقنّع لم يكتفي بكل هذا التطوّر في سلوكهم ، بل ارسل الى حواسيب غرفهم اشعاراً آخر : 

((طلّاب سنة التخرّج ملزمون بحضور لقاء التعارف مع طالبات التخرّج من المبنى الثاني .. سيكون اللقاء في الملعب الداخلي))


بالبداية سخروا من هذا الإعلان ، لتصلهم فيديوهات عقابية لشبابٍ مُعارضين : تفاوتت بين تدريباتٍ رياضيّة شاقة .. وتنظيفهم الأرضيّات.. وترتيبهم المكتبة الضخمة .. وتحضيرهم لطعام الكافتيريا .. كلّه تحت تهديد سلاح المقنّع العنيد ! 

***


وفي اليوم المحدّد ، جلس طلّاب التخرّج سوياً على طاولاتٍ متفرّقة .. كل شاب مُلزم بالتحدّث مع صبيّة لعشر دقائق ، والتي بدأت بنظراتٍ خجولة وكلماتٍ مُتعثرة.. قبل سماعهم صافرة المقنّع التي تجبرهم على تبديل الفتاة.. ومع الوقت تحوّل خجلهم لابتساماتٍ وحواراتٍ جادة !   


وبنهاية اللقاء ، كُتبت أوراقٌ صغيرة باختيارات الشباب والصبايا ، التي انتهت بإعلان الصداقات بينهم 

***


وبنهاية العام الدراسيّ ، تجمّع الأهالي لحضور حفل التخرّج .. والذين تفاجأوا بتغيّر شخصيّات ابنائهم الذين صاروا يتحدثون بطلاقةٍ وسعادة ، دون انشغالهم بجوالاتهم او صمّ آذانهم بسمّاعاتٍ موسيقيةٍ صاخبة ! بل بعضهم عرّف عائلته على صديقته الجديدة التي ينوي خطبتها قريباً !

***


في غرفة الإدارة .. اجتمع الأهالي مع مدير الجامعة ، لشكره على خطته (التي اخبرهم بها مُسبقاً) والتي أعادت الحياة لطلّابه من جديد .. ووعدوه بعدم اخبار ابنائهم ، بأنه المقنّع ذوّ السلاح المزيّف


ثم سألته إحدى الأمهات : عن سبب فعله ذلك ؟

فأجابها المدير بنبرةٍ حزينة :

- انتحر حفيدي الوحيد بعد معاناته من الإكتئاب .. كان يملك كل شيء ، الا صديقٌ حقيقيّ .. للأسف ، لم استطع انقاذه .. لكني نجحت بتوجيه بقية الشباب الى برّ الأمان .. والذين اتمنى اكمال حياتهم بشكلٍ طبيعي ، مع بنائهم لعائلاتٍ مُتفهمّة وسعيدة

احد الأباء : لا اصدّق انك الزمتهم بهذه السهولة ببرنامجك الصارم؟!

المدير : ما كنت لأنجح لولا مساعدة بعض الخرّيجين الذين مثّلوا أدوار المعاقَبين ، خصوصاً من كنت أُغرقه في المسبح .. يعني ، كان تمثيلاً مقصوداً لإنقاذ مستقبل اولادكم  


فصمت الأهالي بين الامتنان ، والإرتباك من خداعه التربويّ !

***


مع بداية السنة الجديدة ، واختيار الطلّاب الجدد لغرفهم السكنية .. ظهر اعلان على حواسيبهم من الرجل المقنّع يقول ، وهو يحمل سلاحه :

- اهلاً بالدفعة الجديدة !! الساعة تجاوزت 8 مساءً ، وحان وقت نومكم 


وفجأة ! أُغلقت ابواب غرفهم آلياً ، مع انقطاع الإنترنت والكهرباء عن السكن الجامعي بالكامل .. إعلاناً ببدء فصلٍ جديد من المسرحية التربويّة الصارمة !


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

البرنامج الإجباري

تأليف : امل شانوحة  طلّاب العزلة بعد انتهاء جائحة كورونا ، لم تعد الحياة إلى طبيعتها في السكن الجامعيّ.. فالطلّاب رفضوا الخروج من غرفهم ، او...